النص المفهرس

صفحات 501-520

٥٠١
النوع الثاني والعشرون : المقلوب
[ش]
لاندفع كثير من علل الحديث.
قال: ويمكن أن يسمَّى ذلك بالمعكوس، فيفرَدَ بنوع، ولم أَرَ من تعرَّض
لذلك. انتھی.
وقد مثّل شيخ الإسلام في ((شرح النخبة))(١) القلبَ في الإسناد بنحو: كعب
ابن مرة، ومرة بن كعب، وفي المتن: بحديث مسلم في السبعة الذين يُظلُّهم
الله: ((ورجلٌ تصدّق بصدقةٍ أخفاها حتى لا تَعلم يمينه ما تُنفق شماله)).
قال: فهذا مما انقلب على أحد الرواة، وإنما هو: حتى لا تعلم شماله ما
تنفق يمينه، كما في الصحيحين (٢).
يصححانها، وأضاف الحافظ في كلامه الذي لخصته إلى إمام ثالث معهما هو شيخ
الإسلام أبو بكر أحمد بن إسحاق الصِّبْغي (٢٥٨ - ٣٤٢) رحمه الله، وأوَّلُوا حديث
أنيسة على وجه، وحكى الحافظ وجهاً ثانياً في الجمع، وهكذا تَضِيق وتتسع الأنظار
والفهوم، والإمام البلقيني صاحب هذا الكلام من أجلّ المتأخرين في هذا الباب،
رحم الله الجميع. وانظر المثال التالي.
(١) صفحة ٩٢.
(٢) الحديث رواه البخاري في مواضع أولها (٦٦٠) وهنا أطرافه، ومسلم ٢:
٧١٥ (٩١)، لكن لفظ البخاري على السواء، ولفظ مسلم على الوجه المقلوب،
وليس له ذكر في مسلم إلا هذا الموضع المقلوب، فقول الحافظ في ((شرح النخبة))،
ومتابعة الشارح له هنا - وغيرِه - بأن الوجه الصحيح السليم مرويّ في صحيح مسلم
أيضاً: غير صحيح.
وهذا شاهد آخر ناطق بضرورة مراجعة الأصول.
=

٥٠٢
النوع الثاني والعشرون : المقلوب
[ش]
قلت: ووجدت مثالاً آخر، وهو ما رواه الطبراني من حديث أبي هريرة:
((إذا أمرتكم بشيء فأُتُوه، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ما استطعتم)) (١)، فإن
المعروف ما في الصحيحين: ((ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا
منه ما استطعتم))(٢).
القسم الثاني: أن يُؤخذ إسنادُ متنٍ فُيُجعلَ على متن آخر، وبالعكس، وهذا قد
يُقصد به أيضاً الإغراب، فيكون كالوضع، وقد يُفعل اختباراً لحفظ المحدث، أو
لقبوله التلقين، وقد فعل ذلك شعبة، وحماد بن سلمة، وأهل الحديث(٣).
[ب] -
-
كما أن هذا الحديث مثال آخر على ما ذكرته قبل أسطر، فالحديث مشهور جداً
على أنه مثال على الحديث المنقلب لفظةٌ من متنه، مع أن الحافظ ذكر في ((الفتح)) ٢:
١٤٧ خمسة أقوال في توجيه هذه الرواية، ولا يحكم عليها بالقلب، وذكر قولاً آخر
سادساً في ((النكت على ابن الصلاح)) ٢: ٨٨٣، ولعله أوضحها، فتنظر.
وينبغي للشارح رحمه الله أن يذكر مثالاً رابعاً، هو الحديث الذي ذكره فيما سبق
آخر النوع السادس عشر: معرفة زيادات الثقات، ٣: ٣٣١ وهو حديث عليّ رضي الله
عنه مرفوعاً: ((إن السَّهَ وكاءُ العين))، وخرَّجتُه هناك عن ((مسند)) أحمد ١١١:١، مع
أن: العين هي وكاء السَّه، كما جاء على الصواب في رواية أبي داود (٢٠٥)، وابن
ماجه (٤٧٧).
(١) في ((الأوسط)) (٢٧١٥)، والعادة عند إطلاق العزو إلى الطبراني أن يكون
المراد معجمه الكبير.
(٢) البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم ٢: ٩٧٥ (٤١٢).
(٣) اشتهر فعل شعبة ذلك مع أبان بن أبي عياش، وسيأتي قريباً ص ٥٠٧، وأما
=

٥٠٣
النوع الثاني والعشرون : المقلوب
وقَلَب أهل بغداد على البخاري مئةَ حديثٍ امتحاناً، فرَّدها .
(وقَلَب أهل بغداد(١) على البخاري) لمّا جاءهم (مئةَ حديث امتحاناً، فرَّدها
[ش]
حماد بن سلمة: ففعله مع خاصة شيوخه: ثابت البناني، كما في ((الجرح والتعديل)) ١
(١٨٠٥).
وتلامذة محمد بن عجلان معه، وتلامذة ابن معين معه، وتلامذة العقيلي
صاحب ((الضعفاء)) معه، وابن عبد الهادي مع شيخه المزي، تنظر ((النكت)) لابن
حجر ٢: ٨٧٠، و((فتح المغيث)) ١٣٦:٢ - ١٣٧.
وقد أشار مغلطاي إلى قصة البخاري والعقيلي: ٢٩٤:٢ وقال: ((لم يبلغنا عن
أحدٍ بعدهما فعل مثل فعلهما»، فكأنه لم تبلغه قصة قرينه ابن عبد الهادي مع شيخهما
المزي.
ومن المتأخرين: قال السيد عبد الحيّ الكتاني في ((فهرس الفهارس)) ١ : ٣٧٤ في
ترجمة الشيخ خالد بن حسن النقشبدي المجدِّدي (ت ١٢٤٢ هـ) رحمهما الله: ((ذكر
البرهان فصيحٌ البغدادي في ((المجد التالد)»: أن محدث العراق النور عليّاً السُّويدي
البغدادي، لما دخل المترجَمُ لبغداد اختبره بقَلْبه لثلاثين إسناداً لثلاثين حديثاً من
الكتب الستة، فردَّ المترجم عليه القَلْب، وأملى عليه الأحاديث بأسانيدها الأصلية،
فأذعن المحدث المذكور)).
(١) بغداد: [ذكر ابن الملقن فيها ثنتيْ عشْرة لغة، قال ابن الأنباري - ((الزاهر))
٢ : ٣٨٧ -: بغداد في جميع اللغات تذكَّر وتؤنث، فيقال: هذه بغداد، وهذا بغداد،
وقال الجَواليقي - ((المعرَّب)) ص١٩٦ -: بغداد اسم أعجمي، وقال الجوهري
- ٢ : ٥٦١ -: فارسي معرَّب. انتهى. فهي ممنوعة من الصرف لا محالة، للعلمية
والعجمة.
[وقد روي: أن بَغْ: اسم صنم، و داد: عطية، يعني: عطية الصنم، وربما
=

٥٠٤
النوع الثاني والعشرون : المقلوب
على وجوهها، فأذعنوا بفضله.
[ش]
على وجوهها، فأذعنوا بفضله). وذلك فيما رواه الخطيب(١)، حدثني محمد بن
-
[ت)
قال: عطية الملِك، وقال ابن الأنباري - ((الزاهر)) ٢: ٣٨٥ -: قولهم بغداد: أصل
هذا الاسم للأعاجم، والعرب تختلف في لفظه، إذ لم يكن أصله من كلامها، ولا
اشتقاقُها من لغتها، وبعض الأعاجم يزعم أن تفسيره بالعربية : بستان، فـ: بغ :
بستان، وداد : رجل، وبعضهم يقول: بغ: اسم صنم، كان لبعض الفُرس يعبده، و
داد : رجل، قال ابن السمعاني: هذا غلط، لأن الفُرس ما عَبَدت الأصنام قط، وهم
بدّعون أن لهم إلهاً ونبياً. انتهى.
[ثم رأيت في ((شرح التسهيل)) لناظر الجيش، عن ابن عصفور: أنه يستوي فيه
التذكير والتأنيث : حراء، وقياسه: وبغداد، واستشهد بورود حراء مصروفاً وممنوعاً،
وهو لا يتأتّى في بغداد، لِما علمتَ أن فيها العلمية والعجمة بلا ريب، فتذكيرها لا
يقتضي صرفها، كما نبه على ذلك الدماميني، وإطلاقُهم القول بجواز الأمرين - يعني
الصرف وعدمه ـ في أسماء القبائل والأرضين والكلِم نظراً للمعنى، تذكيراً أو تأنيئاً :
محمولٌ على إذا لم نتحقق مانعاً من الصرف، فإنْ تحققنا: يمنع الصرف بكل حال،
نحو تَغْلِب، وباهلة، وخولان، ونحو ذلك . - ينظر ((همع الهوامع)) ١ : ١١٥ -.
[ثم ذَكَر أن تجويز الأمرين بحسب التأويلين إنما هو موكول إلى استعمال باقي
الألفاظ والكلمات، تقول: كتبت زيداً فأخذته، وكتبت زيداً فأخذتها، وأما ما عدا
ذلك فمنوط باستعمال العرب في ذلك اللفظ الخاص، فما اعتبروه فيه من صرف ومنع
اعتبرناه، وليس لنا أن نخترع ذلك من عند أنفسنا. انتهى.]
(١) في ((تاريخه)) ٢: ٣٤٠ من طريق ابن عدي في أول جزئه «أسماء من روى
عنهم محمد بن إسماعيل البخاري من مشايخه الذين ذكرهم في جامعه الصحيح))
صفحة ٥٢، وعنه أخذَ الخبر کل من ذكره بعده.
=

٥٠۵
النوع الثاني والعشرون : المقلوب
[ش]
أبي الحسن الساحلي، أخبرنا أحمد بن حسن الرازي، سمعت أبا أحمد ابن
عدي يقول: سمعت عدّ مشايخَ يَحكُون:
أن محمد بن إسماعيل البخاري قدم بغداد فسمع به أصحاب الحديث،
فاجتمعوا وعَمَدوا (١) إلى مئة حديث، فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن
هذا الإسناد لإسناد آخر، وإسناد هذا المتن لمتن آخر، ودفعوها إلى عشرة
أنفس: إلى كل رجلٍ عشرة، وأمروهم إذا حضروا المجلس يُلقون ذلك على
البخاري، وأخذوا الموعد للمجلس، فحضر المجلسَ جماعةُ أصحابٍ
الحديث من الغرباء: من أهل خراسان وغيرهم، ومن البغداديين.
فلما اطمأنَّ المجلس بأهله انتَدَب إليه رجل من العشرة، فسأله عن حديث
من تلك الأحاديث، فقال البخاري: لا أعرفه، فسأله عن آخر فقال: لا أعرفه،
فما زال يلقي عليه واحداً بعد واحد حتى فرغ من عَشْرته، والبخاري يقول: لا
أعرفه، فكان الفُهَماءِ(٢) ممن حضر المجلس يلتفتُ بعضُهم إلى بعض ويقولون:
-
(ت)
والمعروف من صنيع ابن عدي في ((الكامل)) أنه يروي عن البخاري بواسطة
واحدة، فشيوخه في هذه الواقعة تلامذة البخاري ممن حضرها، أو سمعها ممن
حضرها، وقد قال السخاوي في ((فتح المغيث)) ٢: ١٣٦ عن جهالة أسمائهم: ((لا
تضر، فإنهم عدد ينجبر به جهالتهم))، وساق الحافظ في ((النكت)) ٢: ٨٦٧ أسانيده
بها إلى الخطيب من عدة طرق.
(١) [عَمَدوا: بفتح الميم، من باب ضرب.].
(٢) في أ، ب، هـ، و، ز، ط: الفقهاء، واللفظتان في نسخ ((تاريخ بغداد)).

٥٠٦
النوع الثاني والعشرون : المقلوب
[ش]
الرجل فَهِمٌ(١)، ومن كان منهم غيرَ ذلك يقضي على البخاري بالعجز والتقصير
وقلة الفهم.
ثم انتدب إليه رجل آخر من العشرة، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث
المقلوبة، فقال البخاري: لا أعرفه، فسأله عن آخر فقال: لا أعرفه، فلم يزل
يلقي إليه واحداً بعد واحد حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول: لا أعرفه، ثم
انتدب إليه الثالث والرابع إلى تمام العشرة، حتى فرغوا كلَّهم من الأحاديث
المقلوبة، والبخاري لا يزيدهم على: لا أعرفه.
فلما علم البخاري أنهم قد فرغوا التفتَ إلى الأول منهم فقال: أما حديثك
الأول فهو كذا، وحديثك الثاني، فهو كذا، والثالث والرابع على الولاء، حتى
أتى على تمام العشرة، فردَّ كل متنٍ إلى إسناده، وكل إسناد إلى متنه، وفعل
بالآخرين مثل ذلك وردّ متون الأحاديثِ كلَّها إلى أسانيدها، وأسانيدَها إلى
متونها، فأقرَّ له الناس بالحفظ وأذعنوا له بالفضل(٢).
(س).
(١) [قوله: فَهِم: يحتمل أن يكون ماضياً، وأن يكون اسم فاعل، أو صفة
مشبهة، أو مصدراً، قال في ((المصباح)) - ف هـ م -: فهمته فهماً من باب تعب،
وتسكين المصدر لغة فاشية، وقيل الساكن اسم المصدر : إذا علمتَه، قال ابن فارس :
هكذا قال أهل اللغة، ويعدّى بالهمزة والتضعيف.].
(٢) قال الحافظ في ((النكت)) ٢: ٨٦٩ تعليقاً على هذه القصة: ((سمعت شيخنا
- الحافظ العراقي - غير مرة يقول: ما العجبُ من معرفة البخاري بالخطأ من الصواب
في الأحاديث، لاتساع معرفته، وإنما يتعجَّب منه في هذا لكونه حفظ موالاة
=

٥٠٧
النوع الثاني والعشرون : المقلوب
[ش]
تنبيهات :
الأول :
قال العراقي(١): في جواز هذا الفعل نظر، إلا أنه (٢) إذا فعله أهل الحديث
لا يستقرّ حديثاً، وقد أنكر حَرَميِّ(٣) على شعبة لمّا قلب أحاديث على أبانَ بن
أبي عياش وقال: يا بئس ما صنع، وهذا يحلّ(٤)؟ !!
الأحاديث على الخطأ من مرة واحدة)».
وما هي بالعجيبة اليتيمة من الإمام البخاري، إمام الدنيا، وجبل الحفظ، بل لها
في سيرته رضي الله عنه أخوات وأخوات، كما أن الإمام البخاري ليس هو الفرد اليتيم
بين علماء السنة النبوية، بل معه عشرات وعشرات، والحمد لله رب العالمين.
وبهؤلاء، ومعهم الأئمة الفقهاء المتفقهون بالسنة: حفظ الله تعالى دينه من المضلِّين
ومن العابثین به.
(١) في ((شرح الألفية)) ص١٣٣، و١: ٢٨٤ من طبعة فاس.
(٢) هكذا في النسخ، و((شرح الألفية))، و((فتح المغيث)) ٢: ١٤٠، وله وجه إذا
قلنا: إنه استثناء واستدراك على كلمة ((جواز))، لكن يبقى (النظر) من غير توجيه له ولا
دليل، واستقامةُ العبارة تكون بـ: (( لأنه إذا .. ))، على أنها تعليل واستدلال لبيان ما هو
النظر.
(٣) هو حَرَميُّ بن عمارة بن أبي حفصةَ العَتكي، من تلامذة شعبة.
(٤) [قوله: يا بئسَ ما صنع: هو على حدّ قوله تعالى: ﴿ألّا يسجدوا لله﴾.
- النمل : ٢٥ -٠].
[قوله: وهذا يَحِلّ: فيه حذف همزة الاستفهام الإنكاري، وهو مسموع.].

٥٠٨
النوع الثاني والعشرون : المقلوب
[ش]
الثاني :
قد يقع القلب غلطاً لا قصداً، كما يقع الوضع كذلك، وقد مثّله ابن
الصلاح(١) بحديثٍ رواه جرير بن حازم، عن ثابت، عن أنس مرفوعاً: ((إذا
أُقيمت الصلاة فلا تقوموا حتی تَرَوْني))، فهذا حدیث انقلب إسناده علی جریر،
وهو مشهور ليحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، عن النبي
صلى الله عليه وسلم، هكذا رواه الأئمة الخمسة(٢)، وهو عند مسلم والنسائي(٣)
من رواية حجاج بن أبي عثمانَ الصوّاف، عن يحيى، وجريرٌ إنما سمعه من
حجاج، فانقلب عليه (٤).
(ت)
-
(١) صفحة ٩٢. والكلام للحافظ العراقي في ((شرح الألفية)) ص١٣٥، والعراقي
أخذه من ((العلل الكبرى)) للترمذي ١: ٢٧٦ (٨٢)، فهو الذي روى هناك هذا الحديث
بإسناده المقلوب، ونَقَل كلام شيخه الإمام البخاري عليه، وكان نَقَله باختصار في
((سننه)) عقب الحديث (٥١٧)، وأشار إليه الترمذي إشارة خفيفة (٥٩٢) وقال عنه:
غير محفوظ، وينظر ((علل الدار قطني)) ١٢ (٢٨٥٣).
(٢) البخاري (٦٣٧، ٦٣٨، ٩٠٩)، ومسلم ١: ٤٢٢ (١٥٦)، وأبو داود
(٥٤٠، ٥٤١)، والترمذي (٥٩٢)، والنسائي ((الكبرى)) (١٦٥١)، و((الصغرى))
(٦٨٧).
(٣) مسلم: الموضع السابق، والنسائي (٨٦٥).
(٤) جرير إنما تحمل الحديث على السواء من حجاج الصواف، فانقلب عليه
إسناده حين الأداء.

٥٠٩
النوع الثاني والعشرون : المقلوب
[ش]
وقد بيّن ذلك حماد بن زيد فيما رواه أبو داود في ((المراسيل)) (١) عن أحمد
ابن صالح، عن يحيى بن حسان، عنه، قال: كنت أنا وجريرٌ عند ثابت، فحدّث
حجاج، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، فظنَّ جریرٌ
أنه إنما حدَّث به ثابت، عن أنس(٢).
[ب] -
-
(١) ((المراسيل)) (٦٤).
(٢) ومثال آخر: [ما رواه البخاري في التوحيد - (٧٤٤٩) -: من حديث أبي
هريرة في تَخاصُم أهل الجنة والنار، ولفظه: ((فأما الجنةُ فإن الله لا يظلم أحداً من
خلقه، وأنه ينشىء للنار من يشاء))، قال جماعة: إنه من المقلوب، وجزم ابن القيم في
((حادي الأرواح)) - ص٣٩٤- بأنه غلط من بعض الرواة، محتجاً بأن الله أخبر بأن جهنم
تمتلىء من إبليس وأتباعه، وكذا أنكرها السراج البلقيني، واحتج بقوله تعالى: ﴿ولا
يظلم ربك أحداً﴾ . - الكهف : ٤٩ -.
[وقال أبو الحسن القابسي: المعروف أن الله ينشىء للجنة خلقاً، قال: ولا أعلم
في شيء من الأحاديث أن الله ينشىء للنار خلقاً إلا هذا. انتهى، وقال البلقيني : حَمْله
على أحجار تُلقى في النار أقربُ من حمله على ذي روح تعذَّب بغير ذنب.
[قال في ((الفتح)) - ١٣ : ٤٣٧ -: وعلى التزام أن يكونوا من ذوي الأرواح، لكن
لا يعذَّبون، كما في الخَزَنة، ويَحتمِل أن يراد بالإنشاء ابتداءً إدخال الكفار النارَ، وعبَّر
عنه بالإنشاء، فهو إنشاء الإدخال لا الإنشاء بمعنى ابتداء الخلق، بدليل قوله :
((فيلقون فيها)) ﴿وتقول هل من مزيد﴾ . - ق: ٣٠، وهذه النقول وغيرها في
((الفتح)) -.
[وقال الكرماني - ٢٥: ١٦٠ -: لا محذور في تعذيب الله لمن لا ذنب له، إذ
القاعدة القائلة بالحسن والقُبح باطلة، فلو عذبه لكان عدلاً، والإنشاء للجنة لا ينافي
=

٥١٠
النوع الثاني والعشرون : المقلوب
[ش]
الثالث :
هذا آخر ما أورده المصنف من أنواع الضعيف(١)، وبقي عليه ((المتروك)).
ذكره شيخ الإسلام في ((النخبة))، وفسَّرَه: بأنْ يَرويَه مَن يُتَّهم بالكذب(٢)،
ولا يعرفَ ذلك الحديث إلا من جهته(٣)، ويكونَ مخالفاً للقواعد المعلومة،
[ب].
الإنشاء للنار. انتهى. لكنه وإن كان له ذلك، لا يقع، فلا ينبغي الحمل عليه.].
(١) [تتمة: وبقي أيضاً من أنواع الضعيف: المطروح، قال الحافظ ابن ناصر
[الدين]: ولم أر أحداً ذكره غير أبي عبد الله الذهبي - في ((الموقظة)) ص٣٤ -، وأظنه
خرّجه من قولهم: فلان مطروح الحديث، وجعله ما نزل عن رتبة الضعيف، وارتفع
عن رتبة الموضوع، قال: ويُروى في الأجزاء كثيراً، وفي بعض المسانيد الطِّوال، بل
وفي ((سنن)) ابن ماجه، و((جامع) الترمذي كعمرو بن شَمِر، عن جابر الجعفي، عن
الحارث، عن علي. وجُويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس. وحفص بن عمر
العدني، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، وأمثاله من أحاديث المترو کین والتلفئ.
[قال: وهذا النوع الذي انفرد بتسميته هو من مراتب الضعيف كما تقدم، وهو
أخبار المتروكين، ودونه آخر المراتب أخبار المتهمين، والله أعلم. انتهى].
هذا من الشرح الكبير لابن ناصر الدين على منظومته ((عقود الدرر))، وبعضه
مذكور في شرحه الصغير المطبوع ص ٢٣٦.
(٢) هذه الجملة في ((شرح النخبة)) ص٨٩، وما بعدها إلى آخره: منه ص ٨٥.
(٣) تقدير الكلام: وبأنْ لا يُعرف ذلك الحديث إلا من جهته، والباء - كما يقول
المعرِبون -: تصويرية، يريد أن يصوِّر لنا: من هو المتهم بالكذب، وجوابه: أن المتهم
بالكذب هو أحد رجلين: أولهما: من تفرد برواية حديث مخالف للقواعد المعلومة
=

٥١١
النوع الثاني والعشرون : المقلوب
[ش]
قال: وكذا مَن عُرف بالكذب في كلامه، وإن لم يظهر منه وقوعه في الحديث،
وهو دون الأول. انتھی.
وتقدمتِ الإشارة إليه عقبَ الشاذّ والمنكر(١).
الرابع :
تقدم(٢) أن شرَّ الضعيف الموضوعُ، وهو أمرٌ متفق عليه، ولم يذكر
المصنفُ ترتیب أنواعه بعد ذلك.
ويليه: المتروك، ثم المنكر، ثم المعلَّل، ثم المُدرج، ثم المقلوب، ثم
من الدين. ثانيهما: من عُرِف بالكذب في كلام الناس، ولم يؤخذ عليه الكذب في
الحديث الشريف، فهو في محل التهمة أن يتجرأ على الكذب على النبي صلى الله
علیه وسلم.
وقد ذكر القاضي عياض رحمه الله في ((إكمال المعلم)) ١: ١٥٣ - ١٥٥ أن
الكاذبينَ على ضربينٍ: كاذبٍ على رسول الله صلى الله وسلم، وهو الوضاع، وهم
أنواع، وكاذبٍ في حديث الناس، وهذا هو المتروك الحديث، فيكون الحافظ قد زاد
صورة هنا على كلام عياض في معرفة الحديث المتروك، هي الأُولى.
قلت: وقد اشتهر أن الحديث الذي يسميه الحافظ - ومن تبعه - متروكاً، هو
الذي يسميه الذهبي في ((الموقظة)) ص٣٤ مطروحاً، فانظره مع التعليق عليه لشيخنا
رحمه الله تعالی.
(١) صفحة ٣٠٦.
(٢) أول نوع الحديث الموضوع صفحة ٤٢٦.

٥١٢
النوع الثاني والعشرون : المقلوب
فرع :
إذا رأيتَ حديثاً بإسناد ضعيف فلك أن تقول: هو ضعيف بهذا ....
[ش]
المضطرب، كذا رتّبه شيخ الإسلام(١).
وقال الخطابي(٢): شرُّها الموضوع، ثم المقلوب، ثم المجهول.
وقال الزركشي في ((مختصره)): ما ضَعْفه لا لعدم اتصاله سبعةُ أصناف،
شرُّها: الموضوع، ثم المدرَج، ثم المقلوب، ثم المنكر، ثم الشاذ، ثم المعلَّل،
ثم المضطرب. انتھی.
قلت: وهذا ترتيب حسن، وينبغي جعلُ المتروك قبل المدرج.
وأن يقال فيما ضعفُه لعدمِ اتصالٍ: شرُّه المعضلُ، ثم المنقطعُ، ثم
المدَّس، ثم المرسَل، وهذا واضح، ثم رأيت شيخنا الإمام الشُّمُنِّي نقل قول
الجَوْرَقاني(٣): المعضلُ أسوأُ حالاً من المنقطع، والمنقطعُ أسوأ حالاً من
المرسَل، وتعقَّبه بأن ذلك إذا كان الانقطاعُ في موضعٍ واحد، وإلا فهو يساوي
المعضل.
(فرع :) فيه مسائل تتعلق بالضعيف.
١ - (إذا رأيت حديثاً بإسناد ضعيف فلك أن تقول: هو ضعيف بهذا
(س) -
(١) سَرَد تقسيماتها - دون ألقابها وعناوينها - في ((شرح النخبة)) ص٨٥، ثم
شرحها بألقابها حتى ص١٠٣.
(٢) في مقدمة ((معالم السنن)) ١: ٦.
(٣) الشمني: في ((العالي الرتبة)) ص١٧٦، والجَوْرقاني: في مقدمة ((الأباطيل))
١ : ١٣.

٥١٣
النوع الثاني والعشرون : المقلوب
الإسناد، ولا تقلْ ضعيف المتن، لمجردٍ ضعفٍ ذلك الإسناد إلا أن يقول
إمام : إنه لم يُرو من وجه صحيح، أو إنه حديث ضعيف: مفسِّراً ضعفَه،
فإنْ أطلق ففيه كلام يأتي قريباً.
[ش]
الإسناد، ولا تقلْ ضعيف المتن) ولا ضعيف، وتُطلِقَ (المجردِ (١) ضعفِ ذلك
الإسناد)، فقد يكون له إسناد آخر صحيح (إلا أن يقول إمام إنه لم يُرو من وجه
صحيح)، أو ليس له إسناد يثبت به، (أو إنه حديث ضعيف: مفسِّراً ضعفَه،
فإنْ أطلق) الضعيف ولم يبين سببه (ففيه كلام يأتي قريباً) في النوع الآتي(٢).
فوائد :
الأولى :
إذا قال الحافظ المطَّلع الناقد في حديث: لا أعرفه، اعتُمِد ذلك في نفيه،
كما ذكر شيخ الإسلام(٣).
(١) ((لمجرد)): من النسخ والمتن، إلا ج، و، ك، ففيها: بمجرد.
(٢) ٤: ٣٣ يريد: اشتراط تفسير الجرح ليُقُبَل، وكذلك بيان سبب ضعف
الحدیث.
(٣) [عبارة ابن عرّاق - ١: ٧ - بعد كلامٍ نقله عن الفخر الرازي - ((المحصول))
٢ : ٤٢٥ -، والعلائي ما نصه: فقد استفدنا من هذا أن الحفاظ الذين ذكرهم - يعني
أحمدَ، وابنَ المديني، وابن معين، والبخاري، وأبا حاتم، وأبا زرعة، ثم النسائي،
ثم الدارقطني -، إذا قال أحدهم: لا أعرفه، أو لا أصل له، كفى ذلك في الحكم
عليه بالوضع، والله أعلم. انتهى، فانظره مع ما سيأتي قريباً عن ابن تيمية.].
=

٥١٤
النوع الثاني والعشرون : المقلوب
[ش]
فإن قيل: يُعارِض هذا ما حُكي عن أبي حازم(١): أنه رَوَى حديثاً بحضرة
الزهري فأنکره وقال: لا أعرف هذا، فقال له: أُحفظتَ حديث رسول الله صلى
الله عليه وسلم كلَّه؟ قال: لا، قال: فنصفَه؟. قال: أرجو، قال: اجعل هذا في
النصف الذي لم تعرفه، هذا وهو الزهري! فما ظنُّك بغيره(٢)؟.
الآتي قريباً ص ٥١٨، ولا علاقة له بالنفي الذي يريده العلائي.
و[في ديباجة ((موضوعات)) ابن عراق - ١: ٧ -: في أمارات الموضوع: ما ذكره
الإمام فخر الدين الرازي - ((المحصول)) ٢: ٤٢٥ -: أن يُروى الخبر في زمن قد
استُقرِئت فيه الأخبار ودوِّنت، فيفتَّش عنه فلا يوجد في صدور الرجال، ولا بطون
الكتب. قال الحافظ العلائي: وهذا إنما يقوم به - أي: بالتفتيش عنه - الحافظ الكبير
الذي قد أحاط حفظه بجميع الحديث أو معظمه، كالإمام أحمد، وابن المديني،
ويحيى بن معين، ومن بعدهم كالبخاري، وأبي حاتم، وأبي زرعة، ومن دونهم
کالنسائي، ثم الدار قطني. انتهى.
[قال - أعني ابن عراق -: فاستفدنا من هذا أن الحفاظ الذين ذكرهم وأضرابَهم
إذا قال أحدهم في حديث: لا أعرفه، أو لا أصل له، كفى ذلك في الحكم عليه
بالوضع. انتهى ملخصاً.
[ومثله في كلام المصنف - ((تحذير الخواص)) ص ٧٢ - في جوابه عما رواه
بعض الوعاظ أن الله خلق قبل جبريل ألوفاً من الملائكة كلهم يسمى جبريل،
فسألهم: من أنا؟ فلم يعرفوا الجواب، فأذابهم، إلى آخره.].
(١) تقدم الخبر والتعليق عليه صفحة ٤٣٨.
(٢) هذا التعليق على الخبر ((هذا وهو الزهري ... )): من كلام القرافي، وحريٌّ أن
=

٥١٥
النوع الثاني والعشرون : المقلوب
[ش]
وقريبٌ منه: ما أسنده ابن النجار في ((تاريخه))(١) عن ابن أبي عائشة قال:
تكلم شابٌّ يوماً عند الشعبي، فقال الشعبي: ما سمعنا بهذا، فقال الشابُّ: كلَّ
العلمِ سمعتَ؟ قال: لا، قال: فشَطَرَه؟ قال: لا(٢)، قال: فاجعل هذا في الشَّطر
الذي لم تسمعه، فأفحمَ الشعبي(٣).
قلنا: أجيبَ عن ذلك: بأنه كان قبل تدوين الأخبار في الكتب، فكان إذْ
ذاك عند بعض الرواة (٤) ما ليس عند الحفاظ، وأما بعد التدوين والرجوع إلى
الكتب المصنفة، فيبعُدُ عدم الاطلاع من الحافظ الجِهْيِذ على ما يورده غيره،
فالظاهر عدمه(٥).
[ب] -
يقال مثله في حق الإمام الشعبي صاحب الخبر التالي.
(١) المراد بتاريخ ابن النجار: تذييله على ((تاريخ بغداد)) للخطيب، وقد طبع منه
قطع يسيرة، ليس فيها هذا الخبر.
(٢) ((لا)): من النسخ إلا هـ ففيها: نعم، وهو الأليق بتمام الخبر، وكذلك جاء
في ((حياة الحيوان)) للدَّمِيري ١٣٠:١ في وسط كلامه على مادة (البغل)، وفي شرح
السخاوي على ((التقريب)) ص ١٦٧ : ((لعلّ))، وهو مناسب أيضاً.
(٣) ومما يلفت النظر: اتفاقُ الشارح والسخاوي - في شرح التقريب أيضاً ص
١٦٦ -، رحمهما الله تعالى على حكاية هذين الخبرين بلفظ واحد، فمصدرهما
واحد، ولكن من هو؟ مع موافقات أخرى بينهما في هذا المبحث.
(٤) من النسخ إلا د، ففيها: بعض الطلبة.
(٥) ويقال على هذا الجواب: هذا يسلّم مع ملاحظتين: الأولى: أن هذا كان أيام
توفر الحفاظ الجهابذة. والثانية: أن تتوالى كلماتهم على النفي، أما من إمام واحد:
=

٥١٦
النوع الثاني والعشرون : المقلوب
[ش]
الثانية :
ألف عمر بن بدر المَوصِلي - وليس من الحفاظ - كتاباً في قولهم ((لم يصح
شيء في هذا الباب))، وعليه في كثير مما ذَكَره انتقاد (١).
فيبقى نفيه في محل التوقف والتريُّث، وينظر لزاماً ما تقدم ص ٤٣٨ آخر التعليق على
قصة أبي حازم وابن شهاب رحمهما الله تعالی.
(١) أما الرجل: فهو أبو حفص عمر بن بدر الموصلي المتوفى سنة ٦٢٢ عن
نيف وستين سنة، وقد حلّه الذهبي في ((العبر) ١٨٨:٣، و((تاريخ الإسلام)) ٧١٨:١٣
بـ ((المحدث))، وقال في ((السير)) ٢٨٧:٢٢: ((الإمام المحدث المفيد))، ونقل القرشي
في ((الجواهر)) ٦٣٩:٢ عن أحد تلامذة ابن بدر وَصْفُه إياه بـ: الحافظ، فَنَفْي الشارح
عنه مرتبة الحفظ في محل النظر، نعم، كلام الحافظ في ((القول المسدَّد)) أولَ دفاعه
عن الحديث الرابع في ذم الاحتكار، أدقُّ وأولى، فإنه قال عن ابن بدر: ((لم يكن من
النقاد)).
وأما الكتاب: فهو صفحات قليلة سماها ((المغني عن الحفظ والكتاب))، جمع
فيها أقوال بعض الأئمة المتقدمین فیھا، مثلاً: باب كذا: لم يصح فيه حديث، أو لم
يثبت فيه شيء، وبلغ عدد أبوابه مئةَ باب وباباً واحداً، أخذها من ((موضوعات)) ابن
الجوزي، و((العلل المتناهية) له.
وله رسائل أخرى في الموضوعات ونحوها، وقد اعتمد على كتابه هذا اعتماداً
كبيراً المجدُ الفيروزآبادي صاحب ((القاموس المحيط))، وذلك في خاتمة كتابه («سِفْر
السعادة)) الذي عمل عليه ابن هِمَّاتٍ الدمشقي كتابه «التنكيت والإفادة في تخريج
أحاديث خاتمة سفر السعادة»، وقد طبع.
ولما طُبع ((المغني)) أخذت الغيرة الإسلامية (الشبابية) أستاذنا الفاضل حسام
=

٥١٧
النوع الثاني والعشرون : المقلوب
[ش]
الثالثة :
قولهم: هذا حديث ليس له أصل، أو: لا أصل له، قال ابن تيمية: معناه
[ب] -
الدين القدسي (١٣٢١ - ١٤٠٠) رحمه الله، فعمل انتقاداً عليه بقدره سماه ((انتقاد
المغني وبيان أنْ لا غناء عن الحفظ والكتاب))، واعتمد كثيراً على ((التنكيت
والإفادة))، وتاريخ طبعه سنة ١٣٤٣، أي: كان عمره سنة طبعه اثنتين وعشرين سنة،
فعمره حين بدء كتابته عشرون سنة! ومع ذلك فإنه كان يحتاط لأمره ودينه، فقد
أخبرني مكاتبة أنه كان يقرأ ما يكتب - إضافة إلى الكوثري - على السيد محمد بن
جعفر الكتاني، والسيد بدر الدين الحسني، رحمهم الله تعالى جميعاً.
والأستاذ القدسي معروف أنه لم يكن عالماً في بلده الأول: دمشق، ولا عالماً
أزهرياً في بلده الثاني: القاهرة، إنما نشأ في بيت علم وصلاح من قِبَل أمه، وكان أبوه
صالحاً محباً للعلماء والصالحين، وحُبِّب إلى هذا الشابّ الاتّجارُ بالكتب مخطوطها
ومطبوعها من أول شبابه، ثم ازداد صلةً بالعلم بصحبته للإمام الكوثري، وللجِلَّة من
علماء الأزهر لمّا انتقل إلى مصر، ثم كان رحمه الله ذاكرةً ناطقة لتاريخٍ خاصةٍ علماء
دمشق والأزهر: من المصريين والطارئين عليه، ولتاريخ الوراقة، وتأهَّل لمشاركة
العلماء في مباحثاتهم، مع تمام الورع والديانة.
ولا ريب أن عملاً علمياً قام به شاب في العشرين من العمر، وليس من طلاب
العلم، ومنذ فترة زمنية طويلة: تزيد على التسعين عاماً، وقد تنقّل طلاب العلم فيها
إلى مرحلة توفّر المطبوعات، ثم مرحلة توفّر الفهارس، ثم مرحلة البرامج الحاسوبية:
لا ريب أن الباحث صار يجد القول ذا سعةٍ ليكتب الكثير، ويطوِّل الكثير، ويَتَشَبَّع
أکثر وأكثر بما لم يُعْط !.

٥١٨
النوع الثاني والعشرون : المقلوب
لیس له إسناد(١).
[ب]
(١) هذا التفسير غير مسلَّم به. وبيانه: جاء في ((مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن
تيمية)) ٣٤٦:١٣ ما نصه: ((إن المنقولات التي يُحتاج إليها في الدين قد نصب الله
الأدلة على بيان ما فيها من صحيح وغيره، ومعلوم أن المنقول في التفسير أكثره
کالمنقول في المغازي والملاحم، ولهذا قال الإمام أحمد: ثلاثة أمور ۔ کذا ۔ ليس لها
إسناد: التفسير والملاحم والمغازي، ويروى: ليس لها أصل، أي إسناد، لأن الغالب
عليها المراسيل))، فكأنه تبادر إلى ذهن الشارح رحمه الله أن هذا تفسير عام من ابن
تیمیة لکلمة ((ليس له أصل)) في كل مقام ومناسبة، وليس كذلك.
وأقدمُ من أسند هذه المقولة إلى أحمد: ابن عدي في ((الكامل)) ١٨٤:١ عن
محمد بن سعيد الحراني، عن الميموني، عن أحمد: ((ثلاثة كتب ليس فيها أصول:
المغازي، والملاحم، والتفسير))، ومن طريقه: الخطيب في ((الجامع)) (١٥٣٦).
وعلی کل: فلا يصح أن ينسب إلى ابن تيمية أن: لا أصل له، بمعنى: لا سند له.
ومن الغريب: أن ابن تيمية استعمل هذه الكلمة في نصّ واحد بمعنيين، فقد قال
في ((اقتضاء الصراط المستقيم)) ٢: ١٣٨: ((أما صوم يوم النصف - من شعبان - مفرداً:
فلا أصل له .. وهو من المواسم المبتَدَعة التي لا أصل لها))، فالأولى بمعنى: لا أصل
له صحيح، إذ قد ورد في صيامه حديث ضعيف، والثانية: بمعنى لا أصل له: لا
صحیح، ولا ضعيف، ولا موضوع !.
أما من حيثُ العمومُ: فكم وكم من حديث قال فيه بعض المتقدمين: لا أصل
له، وله أسانيد كثيرة لا إسناد ولا إسنادان، ومن ذلك: قول أبي حاتم عن حديث
((تَخَيّروا لنُطَفكم)): ليس له أصل، كما حكاه عنه ابنه في ((العلل)) (١٢٠٨)، مع أن ابنه
ذكر له إسناده، وانظر تخريجه فيما علَّقته على ((مصنف)) ابن أبي شيبة (١٧٧٢١)، فإن
له عشرة أسانيد إلى السيدة عائشة رضي الله عنها، سوى الطرق الأخرى إلى غيرها.
=

٥١٩
النوع الثاني والعشرون : المقلوب
وإذا أردتَ رواية الضعيف بغير إسناد فلا تقل : قال رسول الله صلى الله
[ش]
(وإذا أردتَ رواية الضعيف بغير إسناد (١) فلا تقل: قال رسول الله صلى الله
-
[ب] -
ومن الأمثلة المهمة الموضحة لمراد الإمام أحمد في هذه الكلمة: ما نقله ابن
الجوزي عنه في ((الموضوعات)) (١٢٧٩) عن حديث جابر، في الذي اشتكى زوجته
بأنها لا تردُ یدَ لامسٍ، قال أحمد: «لا یثبت عن رسول الله صلی الله عليه وسلم،
ليس له أصل)) أي: ليس له أصل ثابت يُعتمد عليه، لا: ليس له أصل ولا إسناد، وأنها
كلمة معلَّقة لم تُرو بإسناد أبداً.
فالفرق الجُمْلي حينئذٍ بينه وبين الموضوع: أن الموضوع له سند فيه كذاب،
وضاع، أما هذا التعبير ((لا أصل له»: فقد يكون كذلك، وقد یکون لا سند له، وقد
يكون: لا سند ثابت له، والقرينة تحدِّد المراد، والأمثلة كثيرة لكل احتمال من هذه
الاحتمالات الثلاثة.
(١) هذا القيد ((بغير إسناد)) قاله ابن الصلاح، وتابعه من تبعه، جاء منهم بناءً
على ما استقرّ في الأذهان من أن ذكر السند یبرئ الذمة والعهدة إن کان فيه راو وضاع
أو تالف، إذْ كان كشف ذلك ميسوراً لهم، أما في حقّ من بعدهم: فلا، ولن.
وقال الحافظ في آخر ترجمة الإمام الطبراني من ((اللسان)) (٣٥٨٠): ((عاب على
الطبراني إسماعيلُ بن محمد بن الفضل التَّيْمي جمعه الأحاديث الأفراد، مع ما فيها
من النكارة الشديدة والموضوعات، وفي بعضها القدح في كثير من القدماء، من
الصحابة وغيرهم».
وأتبعه الحافظ بقوله: ((هذا أمر لا يختص به الطبراني، فلا معنى لإفراده باللوم،
بل أكثر المحدثين في الأعصار الماضية من سنة مئتين وهلم جراً، إذا ساقوا الحديث
بإسناده اعتقدوا أنهم برئوا من عهدته، والله أعلم)).
وقصدي من هذا النقل تحديد التاريخ بالمئتين، أما عتب إسماعيل التيمي على
الطبراني فله وجاهة، لُبُعْد الفترة الزمنية بينهما: الطبراني (٢٦٠ - ٣٦٠)، والتيمي
=

٥٢٠
النوع الثاني والعشرون : المقلوب
عليه وسلم كذا، وما أشبهه من صِيغ الجزم، بل قل : رُوِي كذا، أو بلغنا
كذا، أو ورد، أو جاء، أو نُقل، وما أشبهه، وكذا ما تشكُّ في صحته.
[ش]
عليه وسلم كذا، وما أشبهه من صيغ الجزم) بأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم
قاله (بل قل: رُوِي) عنه (كذا، أو بلغنا) عنه (كذا، أو ورد) عنه، (أو جاء)
عنه (أو نُقل) عنه، (وما أشبهه) من صِيَغ التمريض كـ: رَوَى بعضهم.
(وكذا) تقول في (ما تشكُّ في صحته) وضعفه(١).
[ب] -
(٤٥٧ - ٥٣٥)، وأما إفراد التيميِّ الطبرانيّ باللوم: فللمناسبة، ذكر أن التيمي كتب
هذا العتب على ظهر المجلد الثاني من ((المعجم الكبير)) للطبراني، وكان المجلد في
المدرسة النورية بدمشق، وانظر آخر ((دراسات الكاشف)» للذهبي ص٣٧٨، ورجّحتُ
هناك أن الكتابة لإسماعيل التيمي، كما سماه الحافظ، لا لوالده محمد كما سُمّي
هناك، رحمهم الله جميعاً.
(١) هاهنا ثلاث ملاحظات: أُولاها: أن المعهود استعمال ((جاء)) فيما هو
صحیحٌ نقله في أيّ علم كان.
ثانيتها: أن استعمال ((رُوي)) فيما هو ضعيف فقط، هو اصطلاح حادث، لا
أعرفه عن أحد قبل رجال القرن السابع: ابن الصلاح (ت٦٤٣)، والمنذري (ت٦٥٦)
في كتابه ((الترغيب والترهيب))، والنووي (ت٦٧٦) رحمهم الله.
أما المتقدمون فلا يُعرف عنهم مثل هذا الاصطلاح، وينظر ((الحديث الضعيف
بين النظرية والتطبيق، والدعوى)).
وهذا الإمام البخاري يصدّر بعض أحاديثه المعلّقة في ((صحيحه)) بـ: رُوي، وهي
صحيحة، وبعده تلميذه الإمام الترمذي، فإنه كثيراً ما یصدّر حکایته لأحاديث الباب
وغيرها بـ: رُوي، وقد يكون الحديث المشار إليه في الصحيحين، وعدد هذه
الأحادیث عنده ليس بالقليل.
=