النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
النوع العشرون : المدرج
الثالث : أن يَسمع حديثاً من جماعة مختلفين في إسناده أو متنه،
فیرویَه عنهم باتفاق.
[ش]
فيه برد شديد، فرأيتُ الناس عليهم جُلُّ الثياب تَحَرَّكُ أيديهم تحت الثياب(١).
فقوله ((ثم جئتهم)) إلى آخره: ليس هو بهذا الإسناد، وإنما أُدرج عليه(٢)،
وهو من رواية عاصم، عن عبد الجبار بن وائل، عن بعض أهله، عن وائل،
وهكذا رواه مبيّناً زهير بن معاوية، وأبو بدرٍ شجاع بن الوليد، فميَّزا قصةَ
تحريكِ الأيدي وفصَلاها من الحديث، وذكرا إسنادها (٣).
قال موسى بن هارون الحمّال: وهما أثبتُ ممن رَوَى رفع الأيدي تحت
الثياب عن عاصم، عن أبيه، عن وائل(٤).
(الثالث: أن يسمع حديثاً من جماعة مختلفين في إسناده أو متنه، فيرويَه
عنهم باتفاق) ولا يبيِّنَ ما اختلف فيه، ولفظةُ (المتن) مزيدةٌ هنا(٥)، كأنه أراد بها
(١) أبو داود (٧٢٧، ٧٢٨)، والنسائي (٧٤٦، ١١٨٦).
وجُلّ الثياب: بضم الجيم وكسرها: الثياب الكثيرة.
(٢) أسهب ببيان الإدراج الخطيب في ((الفصل)) ٤٤٤:١ - ٤٥٧.
(٣) طريق زهير بن معاوية عند أحمد ٣١٨:٤، والطبراني في ((الكبير)) ٢٢
(٨٤)، وهو في ((الفصل)) للخطيب ١: ٤٥٢ من طريق أحمد. أما طريق أبي بدر فلم
أره عند غیر الخطیب ٤٥٢:١ - ٤٥٣.
(٤) ذكرها الخطيب في أواخر كلامه على الحديث ٤٥٣:١.
(٥) قال ابن الصلاح أول نوع المدرج ص ٨٦: ((ومن أمثلته المشهورة))، ثم
=

٤٢٢
النوع العشرون : المدرج
[ش]
ما تقدم: من أن يكون المتن عنده بإسنادٍ إلا طرفاً منه، وقد تقدم مثاله(١).
ومثال اختلاف السند: حديث الترمذي(٢): عن بُنْدار، عن ابن مهدي،
عن سفيان الثوري، عن واصلٍ ومنصورٍ والأعمشِ، عن أبي وائل، عن
عَمرو بن شُرَحبيل، عن عبد الله قال: قلت: يا رسول الله، أيُّ الذنب أعظم؟
الحدیثَ.
قال: ((ومن أقسام المدرج))، وذكر حديث وائل بن حُجْر، ثم قال: ((ومنها)) وذكر
إدراج ((ولا تنافسوا))، ثم قال: ((ومنها: أن يروي الراوي حديثاً عن جماعة بينهم
اختلاف في إسناده)»، هكذا قال ((في إسناده))، فزاد النووي: ((أو متنه)) وإلى هذه
الزيادة أشار الشارح بقوله: لفظة (المتن) مزيدة هنا.
(١) هو إدراج: ((ولا تنافسوا)).
(٢) في تفسير سورة الفرقان (٣١٨٢) ذكره أولاً: سفيان، عن واصل، عن أبي
وائل، عن عمرو بن شُرحبيل، ثم: عن سفيان، عن منصور والأعمش، عن أبي
وائل، عن عمرو أيضاً، وقال عن الأول: حسن غريب، وعن الثاني: حسن صحيح.
ثم رواه (٣١٨٣) من طريق شعبة، عن واصل، عن أبي وائل، لم يذكر عمرو بن
شرحبيل، وقال: حديث سفيان، عن منصور والأعمش أصح من حديث واصل، لأنه
زاد في إسناده رجلاً.
وتابع بنداراً عن ابن مهدي: أحمد في ((مسنده)) ٤٣٤:١.
وتابع ابنَ مهديّ، عن الثوري: محمد بن كثير العبدي، عند الخطيب في
((الفصل)) ٧٦٧:٢، جمع الثلاثة: واصلاً ومنصوراً والأعمش.

٤٢٣
النوع العشرون : المدرج
[ش]
فروايةُ واصل هذه مدرجة على رواية منصور والأعمش، لأن واصلاً لا
يذكر فيه عَمراً، بل يجعلُه عن أبي وائل، عن عبد الله، هكذا رواه شعبة،
ومهدي بن ميمون، ومالك بن مِغْوَل، وسعيد بن مسروق، عن واصل، كما
ذكره الخطيب(١).
وقد بيّن الإسنادين معاً يحيى بن سعيد القطان في روايته عن سفيان،
وفَصَل أحدَهما من الآخر، رواه البخاري في ((صحيحه))(٢) عن عمرو بن علي،
عن يحيى، عن سفيان، عن منصور والأعمش، كلاهما عن أبي وائل، عن
عمرو، عن عبد الله. وعن سفيانَ، عن واصل، عن أبي وائل، عن عبد الله، من
غیر ذکر عمرو.
قال عمرو بن عليّ: فذكرته لعبد الرحمن - وكان حدثنا عن سفيان، عن
الأعمش ومنصور وواصل، عن أبي وائل، عن عمرو - فقال: دَعْه، دَعْه(٣).
[ب] -
(١) في ((الفصل)) ٧٧٠:٢.
(٢) في ((الحدود)) (٦٨١١).
(٣) هذا الكلام جاء عقب الحديث (٦٨١١)، وعمرو بن علي: هو الإمام
الفلّاس، وقول عبد الرحمن له ((دَعْه، دعه)): قال الحافظ في ((الفتح)) ١٢: ١١٥ :
((الضمير: للطريق التي اختُلف فيها، وهي رواية واصل، .. أي: اترك السند الذي
ليس فيه ذكر أبي ميسرة)) وهذه كنية عمرو بن شُرحبيل، وأصرح منه قوله السابق
٤٩٣:٨: ((الصواب: إسقاط أبي ميسرة من رواية واصل)). وانظر لزاماً ((فتح
المغیث)) ٩٥:٢ - ٩٦.

٤٢٤
النوع العشرون : المدرج
وکُّه حرام،
[ش]
قال العراقي(١): لكنْ رواه النسائي(٢) عن بندار، عن ابن مهدي، عن
سفيان، عن واصلٍ وحدَه، عن أبي وائل، عن عمرو، فزاد في السند عمراً من
غير ذكر أحد، وكأن ابن مهدي لما حدث به عن سفيان، عن منصور والأعمش
وواصل، بإسناد واحدٍ، ظنّ الرواةُ عن ابن مهدي اتفاقَ طرقهم، فاقتصر على
أحد شيوخ سفيان(٣).
(وكلُّهُ) أي: الإدراجُ بأقسامه (حرام) بإجماع أهل الحديث والفقه، وعبارة
ابنِ السمعاني وغيرِه(٤): ((مَنْ تعمّد الإدراج فهو ساقط العدالة، وممن يحرِّف
الگلِم عن مواضعه، وهو ملحق بالکذابین)).
وعندي: أن ما أُدرِج لتفسيرِ غريبٍ لا يُمنع، ولذلك فعله الزهريُّ وغير
واحد من الأئمة.
(ت)
(١) في ((شرح الألفية)) ص١١٨.
(٢) (٣٤٧٦).
(٣) لفظ العراقي: فربما اقتصر أحدهم على بعض شيوخ سفيان.
(٤) قول ابن السمعاني في ((القواطع)) ٥٣٧:٢، ومما يحسن بيانه: أن ابن
السمعاني استهل كلامه بقوله: ((وأما من يدلِّس في المتون: فهذا مطَّرح الحديث،
مجروح العدالة، ... ))، وقد مثّل ذلك الزركشي في ((البحر المحيط)) ٣١٠:٤،
وعزا هذا القول إلى الماوردي والرُّوْياني والسمعاني وغيرهم، ثم نقل عن أبي
منصور البغدادي قوله: ((التدليس في المتن هو الذي يسميه أصحاب الحديث
بالمدرج)».

٤٢٥
النوع العشرون : المدرج
وصنّف فيه الخطیبُ كتاباً شفی و کفی.
[ش]
(وصنَّف فيه) أي: نوعِ المدرج (الخطيبُ كتاباً) سماه ((الفَصْل للوصل
المدرج في النقل)) (شفى وكفى) على ما فيه من إعواز، وقد لخَّصه شيخ
الإسلام وزاد عليه قدرَه مرتين أو أكثرَ في كتاب سمّاه ((تقريب المنهج بترتيب
المُدرج))(١).
[ب] -
-
(١) كتاب الخطيب طبع في مجلدين، حققه الدكتور عبد السميع الأنيس، وفيه
مدرجات في المتن، ومدرجات في السند، وكذلك جاء على نَسَقه مختصر ابن
حجر، ولم يطبع بعد، أما مختصر الشارح - واسمه ((المَدْرَج إلى المُدْرِجِ)) - فاقتصر
فيه على مدرجات المتن، فجاء عدد أحاديثه واحداً وأربعين حديثاً، وزاد عليها
الشارح تسعة وعشرين حديثاً، فبلغ الجميع سبعين حديثاً، كلها من مدرجات المتن.
وقد طُبع كتاب الشارح منذ سنين، وأعاد تحقيقه ولدي الدكتور أحمد سعد
الدین عوامة وفقه الله تعالی.
هذا، وعلى حاشية ك: بلغ. وعلى الحاشية الثانية: ((الحمد لله. ثم بلغ كذلك،
کتبه مؤلفه لطف الله به. آمین)».

٤٢٦
النوع الحادي والعشرون : الموضوع
النّوع الحادي والعشرون: الموضوع
وهو : المختلَق المصنوع، وشرّ الضعيف، وتحرُم روايتُه مع العلم به
في أيِّ معنى كان.
[ش]
(النوع الحادي والعشرون : الموضوع)(١)
(وهو) الكذب (المختلَق(٢) المصنوع، و) هو (شرّ الضعيف)(٣) وأقبحُه.
(وتحرُّم روايتُه مع العلم به) أيْ: بوضعه (في أيِّ معنى كان) سواءٌ الأحكامُ
[ب] -
(١) [من وَضَعَ الشيء، أي: حَطَّه، سُمي بذلك لانحطاط رتبته دائماً، بحيث لا
ينجبر أصلاً، وسُمي حديثاً مع أنه ليس بحديث: نظراً إلى زعم واضعه. شامي.].
هو الإمام الصالحي صاحب ((السيرة الشامية))، ولعل كلامه هذا في كتابه ((الفوائد
المجموعة)»؟.
(٢) [المختلَق: بفتح اللام، من الاختلاق، وهو الافتراء.].
(٣) [قوله: وهو شرُّ الضعيف: هذه العبارة سبقه إليها الخطابي - ((معالم السنن))
٦:١ -، وقد استنكرت منه، فإن الموضوع غيرُ حديث قطعاً، وأفعل التفضيل إنما
يضاف لبعضه، وهذا الإشكال يَرِد على إفراد المصنف له بنوع، فإنه إذا لم يكن
حديثاً، فكيف يعدُّ من أنواع الحديث! ويمكن أن يقال: إنهم أرادوا بالحديث القدر
المشترك، وهو ما تُحدِّث به. زركشي - ٣: ٨١٣ (٢١٦) -.
[ثم رأيت العراقي قال في ((شرح ألفيته)) - ص ١٢٠ - في الموضوع: لا يلزم من
وجود كذاب في السند أن يكون الحديث موضوعاً .. إلخ.].
وسيكرِّر النقلَ عن العراقي ص ٤٥٠.

٤٢٧
النوع الحادي والعشرون : الموضوع
إلا مبيّناً. ويُعرف الوضع : بإقرار واضعه،
[ش]
والقَصص والترغيب وغيرُها (إلا مبيّناً) أيْ: مقروناً ببيان وضعه، لحديث
مسلم (١): ((مَنْ حدّث عني بحديثٍ يُّرَى أنه كذبٌ فهو أحد الكاذبينِ)).
(ويُعرف الوضع) للحديث:
١ - (بإقرار واضعه) أنه وضعه، كحديث فضائل القرآن الآتي، اعترف
بوضعه ميسرة(٢).
-
[ب] -
(١) ينبغي تقييده بقوله مثلاً: في مقدمة ((صحيحه))، وهو في ١: ٩ (قبل ١) من
حديث سمرة بن جندب والمغيرة بن شعبة، فرَّقهما. ووصفه مسلم بـ ((الأثر المشهور عن
رسول الله صلی الله علیه وسلم))، وذكر سندیه به بعد سیاق متنه، یشیر - والله أعلم - إلى
ما شرحته عن ابن خزيمة وغيره في مقدمة ((المصنف)) ١: ١٢٢، و((دراسات الكاشف))
ص٢٠٧، وزدته شرحاً وتمثيلاً وألحقته مع ((مجموع رسائل في علم الحديث دراية))،
فكأنه رحمه الله يشير إلى هذا المعنى بقوله: ((الأثر المشهور))، والله أعلم.
ورواه عن سمرة: الطيالسيّ (٩٣٧)، وابن حبان (٢٩).
ورواه عن المغيرة: الترمذي (٢٦٦٢) وقال: حسن صحيح، وأشار إلى رواية
سمرة وقال: کأنه أصح.
ورواه ابن ماجه عنهما وعن عليّ رضي الله عنهم جميعاً (٣٨ - ٤١). وينظر
تخريجه بزيادة في ((مصنف)) ابن أبي شيبة (٢٦١٢٨ - ٢٦١٣٠، ٢٦٧٦٤).
وكتب العلامة ابن العجمي ما نصه: [قال المؤلف في ((الديباج)) - ((شرح مسلم))
١٠٦:١ -: يُرَى: بضم أوله، أشهر من فتحه، وكلاهما بمعنى يُظَن، أو الثاني بمعنى
يعلم، والكاذبينَ: بصيغة الجمع في الأشهر، ورواه أبو نعيم في ((مستخرجه)) -(٢٨،
٦٢) -: من حديث سَمُرة بصيغة التثنية، ثم أخرجه ـ (٢٩، ٦٤) - من حديث المغيرة
بلفظ: ((الكاذبين، أو الكاذبين)): على الشك في التثنية والجمع. انتهى.].
(٢) ذكره ابن حبان في مقدمة ((المجروحين)) ١: ٦٤، والخطيب في ((تاريخ
=

٤٢٨
النوع الحادي والعشرون : الموضوع
[ش]
وقال البخاري في ((التاريخ الأوسط))(١): حدثني يحيى اليَشْكُري، عن عليّ
ابن جرير (٢) قال: سمعت عمر بن صُبْح يقول: أنا وضعتُ خُطبة النبي صلى الله
علیه وسلم.
وقد استَشْكَل ابن دقيق العيد الحكمَ بالوضع بإقرارِ مَنِ ادَّعى وضعه، لأن
فيه عملاً بقوله بعد اعترافه على نفسه بالوضع. قال: وهذا كافٍ في ردّه، لكنْ
ليس بقاطع في كونه موضوعاً، لجواز أن يكذب في هذا الإقرار بعينه (٣).
قيل: وهذا ليس باستشكال منه، إنما هو توضيحٌ وبيان، وهو أن الحكم
بالوضع بالإقرار ليس بأمرٍ قطعي موافق لِمَا في نفس الأمر، لجواز كذبه في
الإقرار، على حدّ ما تقدم أن المراد بالصحيح والضعيف ما هو الظاهر، لا
بغداد)) ٢٩٨:١٥. وانظر ما يأتي ص ٤٦٤، ٤٩١.
(١) ((التاريخ الأوسط)) ٤: ٧١٢ طبعة الرشد، وفيها: ((حدثني اليشكري)) دون
تسميته بـ: يحيى، فترجمه محققه: الوضاح بن عبد الله اليشكري المتوفى سنة خمس
- أو ست - وسبعين ومئة، أي: توفي قبل ولادة البخاري بعشرين سنة !! مع تنبيهه في
التعليق إلى أنه سُمي اليشكري في رواية عبد الله الخفاف ((للتاريخ الأوسط)) عن
البخاري بـ: يحيى اليشكري، فما الحامل له على العدول عما سمّاه الراوي للكتاب
عن مؤلفه، إلى من مات قبل ولادة البخاري بعشرين سنة !!.
(٢) ((جرير)): من و، والمصادر: ((التاريخ الأوسط))، وعنه ابن عدي ٥: ٤٣٤،
و(تهذيب الكمال)) ٢١: ٣٩٨، ولعله المترجم عند ابن أبي حاتم ٦ (٩٧٦)، وابن
حبان ٨: ٤٦٤، وتحرف في النسخ الأخرى إلى: حدير، وضبط في ك بضم الحاء مع
علامة إهمالها بكتابة حاء صغيرة تحتها !.
(٣) المعنى في ((الاقتراح)) ص٢٢٩، والصياغة للعراقي في ((التقييد)) ١: ٥٤٠.

٤٢٩
النوع الحادي والعشرون : الموضوع
أو معنی إقراره،
[ش]
ما في نفس الأمر(١).
ونَحَا الْبُلْقيني في ((محاسن الاصطلاح)) قريباً من ذلك(٢).
٢ - (أو معنى إقراره)، عبارة ابن الصلاح: وما يتنزَّل منزلة إقراره(٣).
قال العراقي(٤): كأنْ يحدِّث بحديثٍ عن شيخ ويُسأل عن مولده فيذكُر
تاريخاً يُعلَم وفاة ذلك الشيخ قبله، ولا يُعرف ذلك الحديث إلا عنده، فهذا لم
[ب] -
(١) تقدم ٢: ١٩٣، وبعض هذا في ((نزهة النظر)) ص٨٦.
(٢) صفحة ٢٨٢ - ٢٨٣، وأصله لمغلطاي في ((إصلاح كتاب ابن الصلاح)) ٢:
٢٨٥ - ٢٨٦، وكتب ابن العجمي هنا:
[فوائد: ذكر الشمس العلقمي في حديث ((انَّخِذوا هذه الحَمَام المقاصيص)) :
الثاني : قاعدتهم: إذا كان في السند كذاب يحكمون على المتن بالوضع، إلا أن
يجيء من طريق أخرى ليس فيها الكذابُ. انتهى. وذكر الشمس الشامي في ((مختصر
الموضوعات)): أن الحفاظ قالوا: كل حديث فيه: من قال كذا، أو فعل كذا حصل
له ثواب نبيّ، أو مَلَك كجبريل وميكائيل، فهو موضوع. انتهى.].
يريد الإمام العلقمي: إن تابع الكذابَ الأولَ كذابٌ آخر، فحينئذ لا يحكمون
عليه بالوضع، وهذه طريقة المنذري، فإنه قال ذلك في مقدمة كتابه ((الترغيب
والترهيب)) ١ : آخر ص٣٧: ((لا أترك شيئاً: إلا ما غلب عليّ فيه ذهول .. ، أو قد أُجمع
على وضعه أو بطلانه)). ومن هذا القبيل قول الشارح في مقدمة كتابه ((الجامع
الصغیر)): إنه صانه عما تفرّد به کذاب أو وضاع.
(٣) صفحة ٨٩.
(٤) ((النكت)) ٥٤١:١.

٤٣٠
النوع الحادي والعشرون : الموضوع
[ش]
يعترف بوضعه، ولكنْ اعترافُه بوقتٍ مولدِه يتنزَّل منزلة إقراره بالوضع، لأن
ذلك الحديث لا يُعرف إلا عن ذلك الشيخ، ولا يعرف إلا برواية هذا عنه(١).
وكذا مثَّل الزركشي في ((مختصره)(٢).
(ت).
(١) [فائدة: قال في ((فتح الإله)): الحكم بالوضع من المتأخرين عَسِرٌ جداً،
بخلاف المتقدمين الذين منحهم الله التبتُّر في علم الحديث، والتوسُّع في حفظه،
كشعبة وطبقته، ثم أصحابهم كأحمد، ثم أصحابهم كالبخاري، وهكذا إلى زمن
الدارقطني والبيهقي، ولم يأتِ أحدٌ بعدهم مساوٍ ولا مقارب. قاله العلائي - ((النقد
الصحیح) ص ٣٠ -.
ومحلُّه : حيث لم يتعقَّبهم حافظ ناقد يبين أن الحديث الذي حكموا بوضعه واقع
من طريق أخرى، فقد أكثر ابن الجوزي في كتبه الوعظية من إيراد الموضوع، مع
تغاليه في ((موضوعاته))، و((العلل المتناهية))، وإخراجه فيهما كثيراً ليس بموضوع ولا
واهٍ، ولقد أعدمَ الثقةَ بكتابيه، إذْ لا يَنتفع بهما إلا الحافظ الناقد، وأما غيره فكلُّ
حديث على انفراده يَحتمل أن لا يكون موضوعاً ولا واهياً، وأن جعله إياه موضوعاً أو
واهياً من جملة ما تجاوز الحدَّ فيه، واعتُرض عليه بسببه، ونقيضُهُ الحاكم في
((مستدركه))، فإنه أعدم الثقة به أيضاً، إذ ما من حديث يورده على أنه صحيح إلا وهو
محتمل الضعف، بل والوضع، لكثرة ما ذَكَر منهما في ((مستدركه)). انتهى.].
وأصل هذا الكلام على ((الموضوعات)) و((المستدرك)) للحافظ ابن حجر،
وسیأتي نقل الشارح له ص٤٥١.
(٢) [ومثَّل الزركشي لذلك في حاشية الأصل - ((النكت)) ٣: ٨١٧ (٢١٨) -
فقال: قوله: أو نازل منزلة إقراره: مثاله: قيل الزائدة: لم تركتَ حديث الكلبي؟
فقال : مرض الكلبي فكنت أختلف إليه، فسمعته يقول: مرضت فنسيت، فقلت : لله
عليَّ لا أروي عنك شيئاً أبداً. انتهى.].

٤٣١
النوع الحادي والعشرون : الموضوع
أو قرينة في الراوي أو المرويِّ، فقد وُضِعت أحاديث يَشهد بوضعها ركاكةُ
لفظها ومعانيها .
[ش]
٣، ٤ - (أو قرينة في الراوي أو المرويّ(١)، فقد وُضِعت أحاديث) طويلة
(يَشهد بوضعها ركاكةُ لفظها ومعانيها(٢)) قال الربيع بن خُثَيْم(٣): إن للحديث
ضوءاً كضوء النهار تعرفه، وظلمةً كظلمة الليل تنكره(٤).
[ب] -
(١) هذان معرِّفان للوضع، وسيتكلم الشارح عن القرينة في المروي، ولم يتكلم
عن القرينة في الراوي، ويمكن التمثيل لها بما تقدم ((معنى إقراره))، وسيأتي قول
الشارح ص٤٤٢ : ومن أمثلة ما دلّ على وضعه قرينةٌ في الراوي ... ، وذكر ثلاثة أخبار.
(٢) [الركيك: الفَسْل الضعيف في عقله ورأيه، يوصف به الكلام إذا كان
ضعيف اللفظ أو المعنی.].
(٣) [الرَّبيع: بفتح الراء، وكسر الموحدة، مكبراً. وخُثَيم: بضم الخاء
المعجمة، وفتح المثلثة. تقريب - (١٨٨٨) -. ].
وهو الإمام العَلَم القدوة العابد العاقل، أحد المخضرمين، قال له شيخه عبد الله
ابن مسعود - وكفاه ــ: لو رآك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأَحبّك، وما رأيتك إلا
ذكرتُ المخبتين، رواه ابن أبي شيبة (٣٦٦٥٩، ٣٦٩٩٠)، وانظر التعليق على
الموضع الأول، وكانت وفاته رضي الله عنه بعد سنة ستين، ولم يذكره الشارح مع من
سيذكره من المخضرمين في النوع الأربعين ٥: ٢٥٢.
(٤) رواه الإمام أحمد في ((الزهد)) ص٤٠٧، ومن طريقه ابن الجوزي في
((الموضوعات)) ١: ١٤٧، ورواه ابن سعد ٦: ١٨٦، ويعقوب بن سفيان ٢: ٥٦٤،
والرامهرمزي (٢١١)، والحاكم في ((المعرفة)) ص٢٤٤، والخطيب في ((الكفاية))
ص٤٣١.
وسها الشارح فنسبه في ((تحذير الخواص)) ص٢١٩ إلى ((تاريخ)) الخطيب.
=

٤٣٢
النوع الحادي والعشرون : الموضوع
[ش]
وقال ابن الجوزي(١): الحديث المنكر يقشعرُّ له جلد الطالب للعلم، ويَنْفِر
منه قلبه في الغالب(٢).
وقال البُلْقيني(٣): وشاهده: أن إنساناً لو خدم إنساناً سنين، وعَرَف ما
يحب وما يكره، فادّعى إنسان أنه كان يكره شيئاً يعلم ذلك أنه يحبُّه،
وسند الرامهرمزي والحاكم مسلسل بالكوفيين: عثمان بن أبي شيبة، عن وكيع،
عن الثوري، عن أبيه سعيد بن مسروق، عن الربيع. وفي سند الإمام أحمد زيادة
واسطة بين سعيد بن مسروق والربيع، وهي: أبو يعلى المنذر بن يعلى الثوري، وبكر
ابن ماعز، كلاهما عن الربيع، والظاهر أنه لا بد منها، إذ لم يذكر المزي رواية
بينهما، وكان بين وافتيهما نحو خمس وستين سنة، فالله أعلم.
وجاء في ((النكت الوفية)) ١: ٥٧٧ - ٥٧٨ في ضبط هذين الفعلين: تعرفه وتنكره:
((قوله ((يُعرِّفه)): الضمير المستتر فيه يعود على الضوء، وهو مشدَّد، من التعريف، أي:
يجعله ذلك الضوء معروفاً، وكذا ضمير ((تنكره))، يعود على الظلمة، أي: تجعله تلك
الظلمة نكرة لا يعرف))، وعلى هذا: فضبطهما هكذا: يُعَرِّفه ويُنكِرِه.
قلت: في المصادر التي ذكرتها: تَعرِفِه، وتُنْكِرِه، إلا ((الكفاية))، و((معرفة علوم
الحديث)) ففيهما: نعرفه وننكره، بالنون، وسياق الأحاديث والآثار التي ساقها
الخطيب في ((الكفاية)) مع هذا القول: تؤيد ذلك، وكذلك الأثر عن شعبة الذي رواه
الحاكم قبل كلمة الربيع هذه، تؤيد: نعرفه وننكره، والله أعلم.
(١) ((الموضوعات)) ١: ١٤٦.
(٢) [يعني: ينفر منه قلبه غالباً، وأراد بـ ((طالب العلم)): الممارس لألفاظ
الشارع، حتى يحصِّل مَلَكة قوية، وهمَّة راسخة، يفرِّق بها بين الموضوع وغيره.].
(٣) في ((المحاسن)) ص٢٨٣، أخذه من مغلطاي ٢: ٢٨٦، كالمعتاد، وأخذه
الزرکشي کذلك ٣: ٨٢٥ ـ ٨٢٦ (٢٢٠).

٤٣٣
النوع الحادي والعشرون : الموضوع
[ش]
فبمجرد سماعه یبادر إلى تكذيبه.
وقال شيخ الإسلام(١): المدارُ في الرِّكَّة على رِكة المعنى، فحيثما وُجِدت
دلّت على الوضع، وإن لم تنضمَّ إليه رِكّة اللفظ، لأن هذا الدين كلَّه محاسن،
والركّة ترجع إلى الرداءة.
قال: أما ركاكة اللفظِ فقط فلا تدلُّ على ذلك، لاحتمال أن يكون رواه
بالمعنى فغيَّر ألفاظه بغير فصيح، نعم إنْ صرَّح بأنه من لفظ النبي صلى الله عليه
وسلم فكاذب(٢).
قال(٣): ومما يدخلُ في قرينة حال المرويِّ: ما نُقِل عن الخطيب، عن أبي
بكر ابن الطيب(٤)، أن من جملة دلائل الوضع:
[ب] -
(١) ((النكت الوفية)) ١: ٥٧٧، وكذلك ما بعده.
(٢) هذا في ((النكت)) للزركشي ٣: ٨٢٦ (٢٢٠) - على خلل في مطبوعته - نقلاً
عن ((المُقْتَرَح)): وهو لقب تقي الدين مظفر بن عبد الله بن علي المصري المتوفَّى سنة
٦١٢، وهو جدّ الإمام ابن دقيق العيد لأمّه، ترجمه السبكي ٨: ٣٧٢.
و((المقترح)): اسم كتاب في علم الجدل، كان يحفظه فلقُّب به، ثم شرحه، وهو
تأليف أبي منصور محمد بن محمد بن محمد البَرُّوِيّ (٥١٧ - ٥٦٧) رحمه الله،
ترجمه ابن خلکان ٤: ٢٢٥، والسبكي ٣٨٩:٦، وغيرهما.
(٣) أي: الحافظ ابن حجر، وهذا في ((النكت الوفية)) ١: ٥٧٨، وأصلُه مع زيادة
عليه في ((النكت على ابن الصلاح)) ٢: ٨٤٥.
(٤) هذا لفظ ((النكت الوفية)) أيضاً، وابن الطيب: هو الإمام الباقلاني، والشارح
=

٤٣٤
النوع الحادي والعشرون : الموضوع
[ش]
١ - أن يكون مخالفاً للعقل بحيثُ لا يقبل التأويل(١).
٢ - ويلتحق به: ما يدفعه الحِسّ والمشاهدة.
٣ - أو يكونَ منافياً لدلالة الكتاب القطعية، أو السنة المتواترة، أو الإجماع
القطعي، أما المعارضة مع إمكان الجمع: فلا(٢).
[ب] -
صرَّح بنقل الخطيب عن الباقلاني، لكن لفظ ابن حجر في المصدر الثاني: ((حكى
الخطيب - تبعاً للقاضي الباقلاني -. ))، فليس فيه تصريح بالنقل عن الباقلاني، ولا جاء
له ذکر في ((الکفایة)).
(١) قال شيخنا العلامة الحافظ الأصولي عبد الله الصدِّيق الغُمَاري رحمه الله في
رسالته ((القول الجزل فيما لا يُعذر فيه بالجهل)) ص١١: ((أرادوا بالعقل: القضية العقلية
التي اتفق العقلاء على صحتها، مثل الواحد نصف الاثنين، والسماء فوقنا، فهذا هو
العقل الذي يُردّ من أجله الحديث، ولا يوجد حديث يخالف ما أجمع عليه العقلاء)).
وینظر أول كلامه.
(٢) [قوله: أما المعارضة مع إمكان الجمع فلا: قال الحافظ ابن حجر في ((نكت
ابن الصلاح» - ٢: ٨٤٦ -: قد أخطأ من حكم بالوضع بمجرد مخالفة السنة، وأكثرَ
مِن ذلك الجَوْرقاني في كتاب ((الأباطيل))، وهذا إنما يتأنَّی حیثُ لا يمكن بوجه من
الوجوه، أما مع إمکان الجمع فلا.
[كما زعم بعضهم أن الحديث الذي رواه الترمذي وحسنه - (٣٥٧) -: من
حديث أبي هريرة: ((لا يؤمنَّ عبد قوماً فيخصنَّ نفسَه بدعوة دونهم، فإنْ فعل فقد
خانهم)): موضوع، لأنه صلى الله عليه وسلم صح عنه أنه كان يقول: ((اللهم باعِدْ
بيني وبين خطاياي))، وغيرَ ذلك، لأنا نقول: يمكن حمله على ما لم يُشرع للمصلي
=

٤٣٥
النوع الحادي والعشرون : الموضوع
[ش]
٤ - ومنها: ما يصرح بتكذيبِ رواةٍ جمع المتواتر(١).
٥ - أو يكونَ خبراً عن أمر جسيم تتوفر الدواعي على نقله بمحضر الجمع،
ثم لا ينقله منهم إلا واحد (٢).
[ب]
من الأدعية، فإن الإمام والمأموم يشتركان فيه، بخلاف ما لم يُؤْثَر.
[وكما زعم ابن حبان في ((صحيحه)) - (٣٥٧٩) -: أن قوله صلى الله عليه
وسلم: ((إني لستُ كأحدكم، إني أُطعَم وأُسقَى)): دالٌّ على أن الأخبار التي فيها
وَضْع الحجر على بطنه من الجوع باطلة، وقد ردَّ عليه ذلك الحافظ ضياء الدين فشفی
وكفى. هذا كله كلام الحافظ في ((النكت)).
[وقال البدر الزركشي في ((تعليقه على ابن الصلاح)) - ٣: ٨٣٢ (٢٢٠) -: جعل
بعضهم من دلائل الوضع : أن يخالف صحيح السنة، وهذه هي طريقة ابن خزيمة وابن
حبان، وهي طريقة ضعيفة لا سيما حيثُ أمكن الجمع.].
وهذا تنبيه عظيم الأهمية، وقد أكَّدت عليه فيما سبق ص٢٧٥، تحت التحذير
من التضعيف بالفهم، وأنه مزلَّة قدم، وفيما سيأتي ٥: ٧١ فما بعدها.
(١) في ب: جميع المتواتر، وفي ((النكت الوفية)): ومنها: ما يصرِّح بتكذيب
رواية جمع التواتر، والكل غير واضح، وسببه الاختصار، وفي ((النكت على ابن
الصلاح)) ٢: ٨٤٦: ((منها: ما يصرِّح بتكذيب راويه جمعٌ كثير يمتنع في العادة
تواطؤهم على الكذب، أو تقليدُ بعضهم بعضاً)). ومثله في ((فتح المغيث)) ٢: ١٢٩.
(٢) [كحَصْر العدوّ للحاجّ عن البيت، وكسقوط الخطيب عن المنبر يوم
الجمعة. شامي.].
لعله: من كتابه ((الفوائد المجموعة)» أيضاً.

٤٣٦
النوع الحادي والعشرون : الموضوع
[ش]
٦ - ومنها: الإفراط بالوعيد الشديد على الأمر الصغير، أو الوعد العظيم
على الفعل الحقير، وهذا كثير في حديث القُصّاص، والأخير راجع إلى الرَكَّة.
٧ - قلت: ومن القرائن: كونُ الراوي رافضيّاً، والحديثُ في فضائل أهل
البيت.
وقد أشار إلى غالب ما تقدم الزركشيُّ في ((مختصره))(١) فقال:
١ ۔ ویعرف بإقرار واضعه.
٢ - أو مِن حال الراوي، كقوله: سمعت فلاناً يقول، وعَلِمنا وفاة المرويّ
عنه قبل وجوده.
٣ - أو مِن حال المرويّ، لركاكة ألفاظه حيثُ تمتنع الرواية بالمعنى.
٤ - ومخالفتُه القاطعَ ولم يقبل التأويل.
٥ - أو لتضمُّنُه لِمَا تتوفر الدواعي على نقله.
٦ - أو لكونه أصلاً في الدين ولم يتواتر، كالنصّ الذي تزعم الرافضة أنه
دلّ على إمامة عليّ.
٧ - وهل يثبتُ بالبينة على أنه وضعه؟ يشبه أن يكون فيه التردد في أن
شهادة الزور هل تثبت بالبينة مع القطع بأنه لا يُعمل به. انتهى.
(١) وبعض هذا - مع زيادة في البيان - تجده في ((النكت)) له ٣: ٨١٧ - ٨٤٠
(٢١٨ - ٢٢٠). وكلام الزركشي هذا هو مصدر ابن حجر فیما کتبه ۔ وأشرت إليه قبل
قلیل ـ ٢: ٨٤٥.

٤٣٧
النوع الحادي والعشرون : الموضوع
[ش]
وفي ((جمع الجوامع)) لابن السبكي(١) - أخذاً من ((المحصول)) وغيره -: كلُّ
خبر أوهمَ باطلاً، ولم يقبل التأويل: فمكذوب، أو نَقَص منه ما يُزيل الوهم(٣).
ومن المقطوع بكذبه: ما نُقِّب عنه من الأخبار ولم يُوجد عند أهله في
صدور الرواة وبطون الكتب.
وكذا قال صاحب ((المعتمد))(٣).
قال العزُّ ابن جماعة (٤): وهذا قد يُنازَع في إفضائه إلى القطع، وإنما غايته
غلبة الظنّ، ولهذا قال القَرافي: يشترطُ استيعاب الاستقراء بحيثُ لا يبقى ديوانٌ
ولا راوٍ إلا وكُشِف أمره في جميع أقطار الأرض، وهو عسر أو متعذِّر، وقد
ذكر أبو حازم في مجلس الرشيد(٥) حديثاً بحضرة الزهري، فقال الزهري: لا
[ب] -
(١) ((شرح جمع الجوامع)) للمحليِّ بحاشية العطار ٢: ١٤٤، وأوّله مستفاد من
((المحصول)) للرازي ٤١٣:٢، ٤٢٧.
(٢) تقدير الكلام: كل خبر أوهم باطلاً، ولم يقبل التأويل: فهو إما خبر
مكذوب، وإما أن راويه نقص منه كلاماً يُزيل الوهم والإشكال.
(٣) هو أبو الحسين البصري، وينظر كتابه ((المعتمد)) ٢: ٦٠٨ - ٦٠٩، ثم أتى
بالتفصيل ص٦٤١ فما بعدها.
(٤) تقدمت ترجمته ٢: ٢٤.
(٥) هكذا قال القرافي، وهكذا في النسخ كلها إلا نسخة د، وففيهما: سليمان
ابن عبد الملك، وانظر التعليقة التالية. وسيكرر الشارح هذا الخبر مع مغايرات،
فانظره صفحة ٥١٤.

٤٣٨
النوع الحادي والعشرون : الموضوع
[ش]
أعرف هذا الحديث، فقال: أَحفظتَ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قال: لا، قال: فنصفَه؟ قال: أرجو، قال: اجعلْ هذا في النصف الآخر.
انتھی(١).
[ب]
(١) ((شرح تنقيح الفصول)) ص ٣٥٦. وأبو حازم: هو سلمة بن دينار
المخزومي، اختُلف في سنة وفاته: ١٣٣، ١٣٥، ١٤٠، ١٤٤ كما في ((تهذيب
التهذيب))، وكانت ولادة الرشيد ووفاته سنة ١٤٩ - ١٩٣، وتولى الخلافة سنة ١٧٠.
وكانت وفاة الزهري سنة ١٢٤ أو ١٢٥، فليس في هذه التواريخ ما يساعد على صحة
هذا اللقاء والحوار.
واستطراداً أقول: إذا كانت ولادة الرشيد سنة ١٤٩، وخلافته سنة ١٧٠، فمن
المسلَّم به أن لا يكون بينه وبين الإمام سفيان الثوري تلك الأخوّة الشديدة، والمودّة
الأكيدة، التي يحكيها الإمام الغزالي رحمه الله في ((الإحياء)) ٣٥٢:٢ أواخر كتاب
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويزيد القصة نكارة: أن يكون الرشيد كاتب
الثوريَّ يدعوه إليه بعدما مضى على وفاته عشر سنوات !! ولا ينكر أن تكون القصة
صحيحة، لكن مع غير الإمام الثوري، أو مع غير الرشيد، كما نبّه إليه شارحه ٧: ٨٢.
وينظر لزاماً كلام ابن الجوزي في ((صيد الخاطر)) ص٣٧٣، رقم الخاطرة ٣٣٦،
وكلام الشارح في مقدمة كتابه ((نظم العقیان)).
ويشبه هذا من حيثُ غلطُ الكبار في ((التاريخ)): قول الإمام أبي إسحاق الشيرازي
رحمه الله في ((شرح اللمع)) ٢: ٧٢٣: إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يُحيل
بالمسائل على الحسن البصري !! مع أن الحسن كان يوم استشهاد عمر شاباً حدث
السنّ، وقال الأئمة: إنه رأى عثمان وعلياً رضي الله عنهما رؤية، فمتى كان يُحيل إليه
عمر المسائل؟ !.
=

٤٣٩
النوع الحادي والعشرون : الموضوع
[ت)
وأعود إلى التنبيه إلى حكاية القرافي فأقول: لقد نَّه إلى هذا الخطأ - وغيره -
الإمام الكوثري في مقال له بعنوان: ((بعض أغلاط تاريخية)» ص٥٤٥، وقال بعد ما
نقل كلام القرافي: إن وفاة الزهري وأبي حازم كانت ((قبل أن يولد الرشيد، وإنما
جرى مثل هذه المحادثة بينهما في مجلس سليمان بن عبد الملك في حديث سعد بن
أبي وقاص رضي الله عنه في السلام يميناً وشمالاً في الصلاة، حتى قال أبو حازم
للزهري: قد علمتُه ورويتُه قبل أن تطلع أضراسك في رأسك، كما ذكره ابن قتيبة
وغيره)). ويؤيد هذا خبر آخر عند البيهقي في ((المدخل)) (١٦٤٣).
وحديث السلام يميناً ويساراً: رواه مسلم ١: ٤٠٩ (١١٩) وغيره من طريق
إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص، عن أخيه عامر، عن سعد، لكن ليس
عنده حوار مع أحد، إنما الحوار جاء في رواية ابن خزيمة (٧٢٧)، وابن حبان
(١٩٩٢)، والبيهقي ٢: ١٧٨ بين إسماعيل بن محمد والزهري، بنحو حكاية
القرافي، لا بين أبي حازم والزهري.
وروى ابن عبد البر في ((التمهيد)) ٢١: ٩٥ الحوار - دون الحديث - بين أبي حازم
والزهري، لكن بحضرة هشام، أي: ابن عبد الملك أخي سليمان، وقال ابن عبد البر:
((هذا الخبر مختلف فيه، قد روي عن أبي سُهَيل مع الزهري، وروي لغيره أيضاً)).
يشير الإمام ابن عبد البر إلى حوار أبي سُهيل نافع بن مالك عمِّ الإمام مالك بن أنس،
مع الزهري، وهو في ((تاريخ)) ابن عساكر ٥٥: ٣٦٦ ترجمة الزهري. ثم ٦١: ٤٢١
ترجمة أبي سهيل، ويصحَّح ما بينهما من اختلاف.
ثم رأيت أبا طالب المكيَّ رحمه الله ذكر في ((قوت القلوب)) ١: ٢٠٧ خبر
الزهري ولم يسمِّ مُحاوره، وذكر قبله بأسطر، وبعده بعدّة أسطر، كلاماً مفيداً مع ما
نحن بسبيله، قال قبله: ((قال وكيع بن الجراح: ما ينبغي لأحد أن يقول: هذا الحديث
باطل، لأن الحديث أكثر من ذلك)) يريد: أكثر وأوسع من أن يحيط به أحد بمفرده.
ثم قال بعده: ((كان عبد الرحمن - ابن مهدي - ينكر الحديثَ ثم يَخرج إلينا بعد
=

٤٤٠
النوع الحادي والعشرون : الموضوع
[ب] .
وقت فیقول: هو صحیح، قد وجدته، وأما وکیع فلم ینکر ولكن يقول إذا سئل عنه:
لا أحفظه)».
وقد نقل هذين الخبرين وكلاماً آخر معهما الشارح رحمه الله في شرح ألفيته
((البحر الذي زخر))، وبعضه في القسم المطبوع ٣: ١٢٧٧ - وهو في مخطوطة الشيخ
عارف حكمت ٧١/ب، ١٢٣/ب-، وكذلك الزَّبيدي في ((شرح الإحياء)) ١: ٥٠.
وعلى كل: فيبدو أن خبرَ الزهري والحوارَ معه ثابت، لكن أمام غير هارون
الرشيد، وإن تعددت الروايات فيمن هو صاحب الزهري، وسيكرر الشارح حكاية
هذا الخبر ٤: ٥١٤، مع حكايةٍ خبرٍ آخر نحوه مع الشعبي.
وأقول: لا بدَّ من العبرة والدرس من هذين الخبرين، وهو الحذر الشديد في نفي
أمرٍ ما من أمور العلم، سواء أكان نفياً صريحاً أم ضمنيّاً، كما تقدم شرحه تعليقاً ٢:
٥٧٠، وسواء أكان نفيَ حديثٍ، أم إسنادٍ آخر لحديث، أو راوٍ آخر عن الشيخ، وما
إلی ذلك.
ولينظر القارئ الكريم قول العزّ ابن جماعة: غايته غلبة الظن، أي: غاية ما يفيده
نفي الإمام الحافظ المطلع: غلبة الظن لا الجزم والقطع، وسيأتي صفحة ٥١٥ من
كلام الحافظ - إنْ صح ظني - ما يؤيد قولَ العز ابن جماعة الآتي هناك: ((يبعد عدم
الاطلاع .. ، فالظاهر عدمه))، فما هو إلا غلبة ظن واستظهار.
وهذا الحذر من الحافظ ابن حجر يتأيد بالواقع العملي، فهو مقدَّم على ظاهر
كلامه الذي قاله آخر ((النكت على ابن الصلاح)) ٨٨٧:٢، وإن كنت لا أرى بين قوليه
اختلافاً حقيقياً.
والذي ينبغي أن يُعتمد في هذا المقام: ما أضافه شيخنا رحمه الله في مقدمته
لـ((المصنوع)) ص٢٥ - ٢٧ على كلام ابن عراق، وهو: اعتماد نفي الإمام الكبير إذا
((لم يتعقّبه أحد من الحفاظ بعده))، وهذا قيد لا بدّ منه، وقد دلَّت الوقائع على ذلك.
ويُنظر ما كتبته ص١٨٢ - ١٨٦ من ((أثر الحديث الشريف)) عن فوات بعض
=