النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ النوع الثاني عشر : التدلیس وهذا الحکمُ جارٍ فیمن دلَّس مرة، [ش] ضرب من الإيهام. (وهذا الحكم جارٍ) كما نصَّ عليه الشافعي (فيمن دلس مرة) واحدة (١). [ب] - الصحيحين اللذين يُدَّعى الإجماع على تلقيهما بالقبول يُروى فيهما عن قتادة، وعن الوليد بن مسلم، وعن فلان وفلان، وانظروا إلى البخاري يروي في ((صحیحه)) عن عمر بن علي المقدَّمي، وعباد بن منصور، وإلى مسلم يروي في ((صحيحه)) عن بقية ابن الوليد، وحجاج بن أرطاة، وسويد بن سعيد، وما إلى ذلك، والبحثُ العلمي الهادئ يردُّ الحقَّ إلى نصابه، ويردُ الباطل على صدور أصحابه. وقصة الإمام البخاري الآتية ٤: ٥٠٥ مع من أرادوا إرباكه بمئة حديث قلبوها عليه: مشهورة جداً، تخضع لإمامته الرقاب، وهي واحدة من مواقف كثيرة عجيبة له، ولهم، رضي الله عنهم وأرضاهم. (١) نعم، ولفظه في ((الرسالة)) (١٠٣٣، ١٠٣٥): ((ومن عرفناه دلّس مرة فقد أبان عورته في روايته، فقلنا: لا نقبل من مدلس حديثاً حتى يقول فيه: حدثني أو سمعت))، ومعنى هذا: أن من دلس مرة واحدة عُدَّ من المدلسين، ولا يقبل منه حديث حتى يصرِّح فيه بالسماع، وهذا قول في المسألة للمتقدمين، دَرَج عليه أتباع الشافعي في الفروع واشتهر، وصار هو المقَرَّر في هذا العلم، وعبر عنه ابن دقيق العيد في كلامه التالي بـ ((المشهور))، مع أن في المسألة أربعة أقوال، حكاها الشارح، ورتّبها السخاوي ١: ٣٢١ - ٣٢٣. وللأئمة المتقدمين قول آخر في المسألة، فقد أسند الخطيب في ((الكفاية)» ص٣٦٢ إلى يعقوب بن شيبة أنه قال: ((سألت علي بن المديني عن الرجل يدلس، أيكون حجة فيما لم يقل: حدثنا؟ قال: إذا كان الغالب عليه التدليس فلا، حتى يقول: حدثنا))، فانظر قوله: إذا كان الغالب عليه التدليس. = ٢٦٢ النوع الثاني عشر : التدليس . . [ب] وقال مسلم في مقدمة ((صحيحه)) ص٣٢ - ٣٣: ((ما علمنا أحداً من أئمة السلف ممن يستعمل الأخبار، ويتفقّد صحة الأسانيد وسقيمها، مثل: أيوب السختياني، وابن عون، ومالك بن أنس، وشعبة بن الحجاج، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن ابن مهدي، ومن بعدهم من أهل الحديث فتشوا عن موضع السماع من الأسانيد، وإنما تفقّد من تفقَّد منهم سماع رواة الحديث ممن روى عنهم، إذا كان الراوي ممن عرف بالتدليس في الحدیث وشُهِر به، فحينئذ يبحثون عن سماعه في روايته، ویتفقّدون ذلك منه، کی تنزاح عنه علة التدلیس)). وقد أشار ابن رجب في ((شرح علل الترمذي)) ١: ٣٥٣ إلى قول ابن المديني، ثم قال: ((وأما الإمام أحمد فتوقف في المسألة، قال أبو داود - في ((سؤالاته الحديثية)) للإمام أحمد (١٣٨) -: سمعت أحمد سُئل عن الرجل يعرف بالتدليس في الحديث: يُحتج فيما لم يقل فيه: حدثني أو سمعت؟ قال: لا أدري)). وأسند الخطيب في ((الكفاية)) ص٣٧٤ إلى الحميدي شيخ البخاري قوله: ((وإن كان رجل معروفاً بصحبة رجل والسماع منه، مثل هشام بن عروة، عن أبيه، فأُدرِك عليه - أي: أُخِذ عليه وكُشف - أنه أدخل بينه وبين من حدث عنه رجلاً غيرَ مسمَّى، أو أسقطه: تُرِك ذلك الحديثُ ـ الواحدُ فقط - الذي أُدرِك عليه فيه أنه لم يسمعه، ولم يضرَّه ذلك في غيره حتى يُدرَك عليه - أي: يؤخذ عليه - مثلُ ما أُدرِك عليه في هذا، فيكون مثلَ المقطوع))، أي: فيعتبر ويحكم على هذا الحديث الواحد بما يحكم على الحديث المنقطع غير المتصل. فانظر إلى قول الحميدي: رجل معروف بصحبة رجل، وبالسماع منه، وقوله: تُرك ذلك الحديث، وقوله: لم يضرّه ذلك في غيره. ومن هذه البابة قول البخاري نفسِه ـ فيما حكاه عنه الترمذي في ((العلل الكبير)) ٢: ٩٦٦ -: ((لا أعرف لسفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت، ولا عن سلمة بن كُهَيل، ولا عن منصور - وذكر مشايخ كثيرة -، لا أعرف لسفيان عن هؤلاء تدليساً، = ٢٦٣ النوع الثاني عشر : التدليس وما كان في الصحيحين - وشبههما - عن المدلسين بـ: عن، فمحمولٌ على ثبوت السماع من جهة أخرى. [ش] (وما كان في الصحيحين - وشبههما -) من الكتب الصحيحة (عن المدلسين بـ: عن، فمحمولٌ على ثبوت السماع) له (من جهة أخرى) (١)، وإنما [ب] ما أقلّ تدليسه!))، ومع ذلك فلا يُتَوقف قبول حديثه على التصريح بالسماع، وقد ذكره العلائي وابن حجر في المرتبة الثانية من مراتب المدلسين الذين يقبل حديثهم المعنعَن من غير بحث عن طريق فيه تصريح بالسماع، وتقدم دليله من مذهب ابن المديني، وکلام مسلم في مقدمة ((صحیحه). وممن اشتهر بالتدليس قتادة بن دعامة، وأنه لا يقبل منه إلا ما صرح فيه بالسماع، ومع ذلك فإن ابن عبد البر أشار إلى هذا في ((التمهيد)) ١٩: ٢٨٧، وردَّه بقوله: ((هذا تعسّق))، مع ما استقر عليه المتأخرون من اعتباره من أهل المرتبة الثالثة !. وقال ابن دقيق العيد في ((الاقتراح)) ص٢١٦ آخر النوع الحادي عشر عن عنعنة المدلِّس: ((المشهور أنه لا تحمل على السماع حتى يبيِّن الراوي ذلك، وما لم يبيِّن فهو كالمنقطع، فلا يقبل، وهذا جارٍ على القياس، إلا أن الجَرْي عليه في تصرُّف المحدثين وتخريجاتهم صعب عسير، يُوجب اطّراح كثير من الأحاديث التي صححوها، إذْ يتعذَّر علينا إثبات سماع المدلس فيها من شيخه، اللهم إلا أن يدعي مدَّعٍ أن الأولين اطلعوا على ذلك، وإن لم نطلع نحن عليه، وفي ذلك نظر)). وهذا كلام متين ودقيق، فليُنظر قوله: ((المشهور .. ))، ولقائل أن يقول: وما هو غير المشهور؟ وما موقفنا منه؟ وليُنْظر قوله: ((إلا أن الجَرْي عليه .. صعب عسير .. )). وكلُّ هذا يخدش ما تقدم قريباً ص٢٦١: أن من ثبت عليه التدليس مرة واحدة لا يقبل منه عنعنة أبداً، حتى يصرح مكانها بالسماع. والله أعلم. (١) للإمام النووي في ((إرشاد طلاب الحقائق)) ص٩٣ كلام كهذا الكلام، نقله = ٢٦٤ النوع الثاني عشر : التدليس (ت) . الزركشي في ((النكت)) ٦٣٩:٢ وما بعدها (١٧٧) وقال: ((وكذا قال الحافظ [قطب الدين عبد الكريم] الحلبي في ((القِدْح المعلَّى)) [في الاعتراض على المحلَّى لابن حزم]: إن المعنعنات التي في الصحيحين منزّلة منزلة السماع، وتوقف في ذلك من المتأخرين الشيخ صدر الدين ابن الوكيل [ت ٧١٦هـ]، وقال في كتابه ((الإنصاف)): لَعَمر الله إن في النفس لَغُصَّةً من استثناء أبي عمرو ابن الصلاح وغيره من المتأخرين: عنعنةَ المدلسين في الصحيحين من بين سائر معنعنات المدلسين، وردّ مقالة النووي وقال: هي دعوى لاتقبل إلا بدليل، لا سيما مع أن كثيراً من الحفاظ يعلِّلون أحاديث وقعت في الصحيحين أو أحدهما بتدليس رواتها، كما فعلوا في حديث الوليد بن مسلم في نفي قراءة البسملة في الصلاة وغيره. قلت - هو الزركشي -: قد أزال الغُصّة الشيخ الإمام تقي الدين ابن دقيق العيد، فأشار في كلامه إلى استشكالِ قبول رواية المدلس في الصحيحين، وردِّ روايته في غيرهما، قال: ((ولا بد من الثبات على طريقة واحدة: إما القبول، أو الردّ. الممكن هنا من الأحوال الثلاثة: إما أن تردّ الأحاديث من المدلس مطلقاً: في الصحيحين وغيرهما، وإما أن تقبل مطلقاً، تسويةً بين الصحيحين وغيرهما، وإما أن يفرق بين ما في الصحیحین من ذلك، وما خرج عنهما. ((فأما الأول - ردّ أحاديث المدلسين كلها -: فلا سبيل إليه، للاستقرار على تَرك التعرض لما في الصحيحين، وإن خالف في ذلك الظاهرية من المغاربة ... ((وأما الثاني - وهو القبول مطلقاً -: ففيه خروج عن المذهب المشهور في أن رواية المدلس محكوم عليها بالانقطاع حتى يتبيّن السماع. ((وأما الثالث - وهو التفصيل بين ما في الصحيحين من ذلك وبين غيرهما -: فلا يظهر فيه وجه صحیح في الفرق. ((وغاية ما يوجَّه به أحد أمرين: أحدهما: أن يُدَّعى أن تلك الأحاديث عَرف صاحب الصحيح صحة السماع فيها، وهذا إحالة على جهالة، وإثبات لأمر بمجرد = ٢٦٥ النوع الثاني عشر : التدلیس [ب] الاحتمال، وحكم على صاحب الصحيح بأنه يرى هذا المذهب، أعني: أن رواية المدلِّس محمولة على الانقطاع .. ، والثاني: أن يُدَّعى أن الإجماع على صحة ما في الكتابين دليل على وقوع السماع في هذه الأحاديث، وإلا لكانت الأمة مجمعة على الخطأ، وهو ممتنع، وهذا يحتاج إلى إثبات الإجماع الذي يمتنع أن يقع في نفس الأمر خلافُ مقتضاه، وهذا فيه عسر، ونحن ما ادعيناه، إنما ادعينا: أن الظن الثابت بسبب الإطباق على التصحيح لما في الكتابين، أقوى من الظن المقابل له، ويلزم مَن سلك هذا الطريقَ أن لا يَستدل بما جاء في رواية المدلس في غير الصحيح، ولا يقول: هذا شرط مسلم فلنحتجّ به، لأن الإجماع الذي يُدّعى ليس موجوداً فيما لم يُخرَّج في غير الصحيح. ((قال: والأقرب في هذا أن نطلب الجواب من غير هذا الطريق، أعني: طريق القدح بسبب التدلیس). انتھی کلام ابن دقيق العيد. وقد لخص الحافظ هذا الكلام في ((النكت على ابن الصلاح)) ٢: ٦٣٥ - ٦٣٦، وزاد عليه ما يؤيده فقال: ((وفي أسئلة الإمام تقي الدين السبكي للحافظ أبي الحجاج المزي: وسألته عمّا وقع في الصحيحين من حديث المدلسين معنعناً هل نقول: إنهما اطلعا على اتصالها؟ فقال: كذا يقولون، وما فيه إلا تحسين الظنّ بهما، وإلا ففيهما أحاديث من رواية المدلسين ما توجد من غير تلك الطريق التي في الصحيح [وما بقي إلا تحسين الظن بهما]». وما بين المعقوفتين من المجموع الخطي الذي ((يضم عشرة كتب في الرجال وعلوم الحديث)) الذي صوّرته دار الحديث الكتانية بخطّ الحافظ البوصيري ص٦٧١ ، نقله البوصيري عن خطّ ابن حجر. لكن تعقب هذا الكلام الإجمالي الحافظُ بقوله: «قلت: وليست الأحاديثُ التي في الصحيحين بالعنعنة عن المدلسين كلَّها في الاحتجاج، فيحمل كلامهم هنا - كلام = ٢٦٦ النوع الثاني عشر : التدليس وأما الثاني : فكراهتُه أخفٌّ، وسببُها توعیرُ طريق معرفته. [ش] اختار صاحبُ الصحيح طريقَ العنعنة على طريق التصريح بالسماع، لكونها على شرطه دون تلك(١) وفصَّل بعضهم تفصيلاً آخر فقال(٢): إن كان الحامل له على التدليس تغطيةً الضعيف فجرح، لأن ذلك حرام وغشّ، وإلا فلا. (وأما) القسم (الثاني: فكراهته أخفٌّ) من الأول، (وسببها توعيرُ طريق معرفته) على السامع، كقول أبي بكر ابن مجاهد أحدِ أئمة القراء: حدثنا عبد الله ابن أبي عبد الله، يريد أبا بكر ابن أبي داود السِّجِستاني، وفيه تضييع للمرويِّ عنه، والمرويِّ أيضاً، لأنه قد لا يُقطَن له، فيُحكم عليه بالجهالة. (س) المزي ومن عناهم بقوله: كذا يقولون - على ما كان منها في الاحتجاج فقط، أما ما كان في المتابعات فيحتمل أن يكون حصل التسامح في تخريجها كغيرها، وكذلك المدلسون الذين خُرِّج حديثهم في الصحيحين ليسوا في مرتبة واحدة في ذلك، بل هم على مراتب ... ))، وذكر المراتب الخمسة التي قدّمتها. ومع تمام الإجلال والاحترام لأئمتنا المتقدمين والمتأخرين، فإن الدراسة التفصيلية - کالدراستين اللتين ذكرتهما قريباً ص٢٥٨ فما بعدها، عن رجال البخاري ومسلم -: قد كشفتا الأمر على جليّته، وفصَّلتا الأجوبة على التمام، دون الاتكاء على (حسن الظن)، والحمد لله. (١) من ((النكت الوفية)) ١: ٤٤٥، من كلام الحافظ ابن حجر. (٢) هذا من ((النكت الوفية)) ١: ٤٤١، من كلام ابن حجر أيضاً. ٢٦٧ النوع الثاني عشر : التدليس وتختلف الحال في كراهته بحسب غَرَضه، لكون المغيَّرِ اسمُهُ ضعيفاً، [ش] (وتختلف الحال في كراهته بحسب غَرَضه)(١)، فإنْ كان (لكون المغيَّرِ اسمُهُ ضعيفاً) فيدلسُهُ حتى لا تظهر روايته عن الضعفاء: فهو شرُّ هذا القسم. والأصح أنه ليس بجرح، وجزم ابن الصباغ في ((العُدَّة)) بأن مَن فعل ذلك لكون شيخِه غيرَ ثقة عند الناس، فغيَّره ليقبلوا خبره: يجبُ أن لا يقبل خبره، وان كان هو يعتقد فيه الثقة، لجواز أن يَعرف غيرُه من جرحه ما لا يعرفه هو. وقال الآمدي(٢): إنْ فعله لضعفه فجرح، أو لضعفِ نسبه، أو لاختلافهم في قبول روايته: فلا. وقال ابن السمعاني(٣): إنْ كان بحیثُ لو سُئل عنه لم يبيِّنْه فجرح، وإلا فلا. ومنع بعضهم إطلاق اسم التدليس على هذا، روى البيهقي في ((المدخل)) عن محمد بن رافع قال: قلت لأبي عامر: كان الثوري يدلس؟ قال: لا، قلت: أليس إذا دخل كُورةً(٤) يعلم أن أهلها لا يكتبون حديثَ رجلٍ قال: حدثني [ب] - (١) ينظر: ((الاقتراح)) ص٢١٢. - (٢) لم أر شيئاً في ((الإحكام)) له. وهذه الاحتمالات، والتي قبلها، والتي بعدها صحيحة مقبولة. (٣) ((قواطع الأدلة)) ٥٣٣:٢، باختصار شديد. (٤) الكورة: المحلة، أو الناحية، وقد تطلق على المدينة. والخبر في ((المدخل)) (٥٥٧). ومحمد بن رافع: هو القشيري، وأبو عامر: هو العَقَدي، وهو من تلامذة الثوري العارفين به، وصفه الذهبي في ((السير)» ٩: ٤٦٩، ٤٧٠: بالإمام الحافظ من شيوخ الإسلام وثقات النقلة. ٢٦٨ النوع الثاني عشر : التدليس أو صغيراً، أو متأخرَ الوفاة، أو سمع منه كثيراً فامتنع من تكراره على صورةٍ، وتسمَّح الخطيب وغيره بهذا. [ش] رجل، وإذا عُرف الرجل بالاسم كنّاه، وإذا عُرف بالكنية سماه؟ قال: هذا تزيينٌ لیس بتدلیس. (أو) لكونه (صغيراً) في السنّ، (أو متأخرَ الوفاة) حتى شاركه فيه مَن هو دونه: فالأمر فيه سهل، (أو سمع منه كثيراً فامتنع من تكراره على صورة) واحدة، إيهاماً لكثرة الشيوخ، أو تفنناً في العبارة: فسهلٌ أيضاً. (و) قد (تسمَّح الخطيب وغيره) من الرواة المصنفين (بهذا)(١). تنبيه : من أقسام التدليس ما هو عكسُ هذا، وهو إعطاء شخصٍ اسمَ آخرَ مشهورٍ، تشبيهاً، ذكره ابن السبكي في ((جمع الجوامع))(٢) قال: كقولنا: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، نعني الذهبيَّ، تشبيهاً بالبيهقي حيث يقول ذلك، يعني به الحاكم. [ب] - (١) قال ابن الصلاح آخر هذا النوع ص٦٨ عن الخطيب: ((كان لَهِجاً به في تصانيفه))، ثم قال ص٢٩١ في النوع الثامن والأربعين: كان («الخطيب الحافظ يروي في كتبه عن أبي القاسم الأزهري، وعن عُبيدالله بن أبي الفتح الفارسي، وعن عبيد الله ابن أحمد بن عتبان الصيرفي، والجميع شخص واحد من مشايخه))، ثم ذكر أمثلة أخرى، وستأتي إن شاء الله. (٢) ٢: ١٦٥ مع حاشية البَنّاني على المحلّي، و٢: ١٩٥ بحاشية العطار، وذكر هذا الصنيع الزركشي (٧٤٥ - ٧٩٤) في ((البحر)) ٤: ٣١٠، ولم ينسبه إلى التاج السبكي (٧٢٧ - ٧٧١). ٢٦٩ النوع الثاني عشر : التدليس [ش] وكذا إيهامُ اللقيِّ والرحلة، كـ: حدثنا مِن وراء النهر، يوهم أنه جَيْحون، ويريد نهر عيسى ببغداد، أو الجيزة بمصر، وليس ذلك بجرح قطعاً، لأن ذلك من المعاريض لا من الكذب، قاله الآمدي في ((الإحكام))، وابن دقيق العيد في ((الاقتراح))(١). فائدة : قال الحاكم(٢): أهل الحجاز، والحرمين، ومصر، والعوالي، وخراسان، والجبال، وأصبهان، وبلاد فارس، وخُوزَستان، وما وراء النهر: لا نعلم أحداً من أئمتهم دلَّسوا. قال: وأكثر المحدثين تدليساً أهل الكوفة، ونفرٌ يسير من أهل البصرة. قال: وأما أهل بغداد فلم يُذكر عن أحد من أهلها التدليس إلا أبا بكر محمد بن محمد بن سليمان الباغَنْدي الواسطي، فهو أول من أحدث التدليس بها، ومَن دلس مِن أهلها إنما تبعه في ذلك(٣). [ب] - (١) ((الإحكام)) ٢: ١٢٨، و((الاقتراح)) ص٢١٨ - ٢١٩، وسُمي هذا: تدليس البلدان. (٢) ((معرفة علوم الحديث)) ص٣٥٦ فما بعدها. والجبال: قال في ((معجم البلدان)) ٢: ١١٤: ((هي ما بين أصبهان إلى زَنْجان وقَزوين وهَمَذان والدِّينَوَر وقَرْميسين والريّ، وما بين ذلك من البلاد الجليلة والكُوَر العظيمة)). (٣) ومع ذلك فقد ختم الخطيب ترجمة الباغندي بقوله في ((تاريخه)) ٤: ٣٤٨: (لم يثبت من أمر ابن الباغندي ما يُعاب به سوى التدليس، ورأيت كافة شيوخنا = ٢٧٠ النوع الثاني عشر : التدليس [ش] وقد أفرد الخطيب كتاباً في أسماء المدلسين، ثم ابن عساكر(١). فائدة(٢) استُدل على أن التدليس غير حرام، بما أخرجه ابن عديّ(٣) عن البراء قال: یحتجون بحديثه، ويخرجونه في الصحیح)). (١) أما الخطيب فقد أشار إلى كتابه في ((الكفاية)) ص٣٦١، وأنه سماه: ((التبيين لأسماء المدلسين)). وأما ابن عساكر فلم أقف على اسم كتابه. وقد سُبق الخطيب، فقال الحافظ في ((النكت على ابن الصلاح)) ٢: ٦٥٠ : ((أفردهم بالتصنيف من المتقدمين الحسين بن علي الكرابيسي، صاحب الشافعي، وأبو عبد الرحمن النسائي، وأبو الحسن الدارقطني، رحمهم الله تعالى)). ثم توارد على ذلك: الذهبي، والمقدسي، كلاهما نظماً، وسبطُ ابن العجمي، وابنُ حجر، ثم الشارح السيوطي، رحمهم الله تعالى، وشرح منظومة الذهبي: عبد العزيز الصديق الغماري. (٢) هذه الفائدة بتمامها مما زاده الشارح رحمه الله بعد قراءة نسخة ك عليه. (٣) ((الكامل)) ٢: ١٦٠ (٢٥٥) أول ترجمة بشر بن محمد بن أبان السكري، ومن طريقه ابن عساكر في ((تاريخه)) ترجمة المقداد رضي الله عنه ١٦٢:٦٠ = ٢٣٧:٦٩ من طبعة المجمع بدمشق، وفيهما قول ابن عساكر في تفسير قول البراء: لأن البراء شهد بدراً، سَقَط منه حرف النفي: ((ما))، كما يدل عليه نقل الشارح، وكما يدل عليه الواقع، فإن البراء وابن عمر رضي الله عنهم استُصْغِرا يوم بدر، كما في رواية البخاري (٣٩٥٥، ٣٩٥٦)، ثم شهدا يوم أحد، كما في رواية ابن أبي شيبة (٣٤٣٨٨) وغيره. = ٢٧١ النوع الثاني عشر : التدلیس [ش] لم يكن فينا فارسٌ يومَ بدر إلا المقداد، قال ابن عساكر: قوله ((فينا)»: يعني المسلمين، لأن البراء لم يشهد بدراً. [ب] - وهذا الاستدلال يتمشى مع قول، دون قول، وينظر ما تقدم في حكم التدليس بأنواعه. ويشبه أن يكون من هذا القَبيل: قول الحسن البصري: خَطَبنا ابن عباس، فأوَّله له أبو حاتم: ((يعني خطب أهل البصرة))، كما في ((مراسيل)) ابنه ص٣٤ (١٠٠)، والحسنُ غیر متهم ولا مضعَّف. ٢٧٢ النوع الثالث عشر : الشاذ النّوع الثّالثُ عَشر: الشّاذ وهو عند الشافعي وجماعةٍ من علماء الحجاز: ما رَوَى الثقة مخالفاً [ش] (النوع الثالث عشر(١): الشاذ)(٢) (وهو عند الشافعي وجماعةٍ من علماء الحجاز(٣): ما رَوَى الثقة مخالفاً [ب] - (١) [بفتح الثاء، على أنه مركب مع ((عشَر))، ولا يجوز فيه الضم على الإعراب، وذلك أنه إذا صِيغ بوزن فاعل من التسعة فما دونها، بمعنى بعض أصله، ورُكّب مع العشرة، فلك فيه أوجه، أحدها : أن تضيفه إلى المركب المطابق له، فتقول : هذا ثالثُ عشر، ثلاثةَ عشر. الثاني: أن تقتصر عليه مع البناء على الفتح، فتقول : هذا ثالثَ عشر. الثالث: أن تقتصر عليه، وتعرب الأول مضافاً إلى الثاني مبنياً فتقول : هذا ثالثُ عشر، بضم الثاء مثلاً، وهذا الأخير إنما يكون مع فقد حرف التعريف، أما إذا وُجد تعين البناء، وامتنعت الإضافة، لامتناع مثل: جاء الغلام رجل. دماميني.]. (٢) [الشاذ لغة: المنفرد، يقال: شذَّ يشُذُّ ويشِذُّ: بضم الشين وكسرها، أي : انفرد. قاله الجوهري - ٢ : ٥٦٥ -. ]. (٣) هكذا قال الخليلي في ((الإرشاد)) ١: ١٧٦: ((قال الشافعي وجماعة من أهل الحجاز)) وذكر نحوه، ثم ذكر ما عليه الحفاظ. أما قوله ((لا أن يروي الثقة ما لا يروي غيره)»: فهذه الجملة ليست عند الخليلي، بل من تمام كلام الشافعي في رواية الحاكم في ((المعرفة)) ص ٣٧٥ أول النوع ٢٨، وعنه البيهقي في ((المعرفة)) أيضاً ١: ١٤٣، والمدخل)) (٥٧٤). ورواها ابن أبي حاتم في ((آداب الشافعي)) ص٢٣٣، وعنه الخطيب في ((الكفاية)) ص١٤١، ورواها البيهقي من وجه آخر في ((مناقب الشافعي)) ٢: ٣٠. ٢٧٣ النوع الثالث عشر : الشاذ لرواية الناس، لا: أن يرويَ ما لا يَروي غيرُهُ، قال الخليلي: والذي عليه حفاظُ الحديث : أن الشاذّ ما ليس له إلا إسنادٌ واحد يَشِذَّ به ثقة أو غيرُه، فما كان عن غير ثقة: فمتروك، وما كان عن ثقة: تُوقَّف فيه، ولا يُحتج به، وقال الحاكم : هو ما انفرد به ثقة وليس له أصل بمتابع. [ش] لرواية الناس، لا: أن يروي) الثقة (ما لا يَروي غيرُهُ)، هو من تتمة كلام الشافعي. (قال) الحافظ أبو يعلى (الخليلي: والذي عليه حفاظ الحديث: أن الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد يَشِذُّ به ثقة أو غيره، فما كان) منه (عن غير ثقة: فمتروك) لا يقبل، (وما كان عن ثقة: تُوقّف فيه ولا يُحتج به)، فجَعَل الشاذَّ مطلق التفرد لا مع اعتبار المخالفة. (وقال الحاكم(١): هو ما انفرد به ثقة وليس له أصل بمتابع) لذلك الثقة، قال: ويُغاير المعلَّل بأن ذلك وُقِف على علَّه الدالّة على جهة الوهم فيه، والشاذّ لم يوقف فيه على علةٍ كذلك، فجعل الشاذَّ تفردَ الثقة، فهو أخص من قول الخليلي(٢). [ب] - (١) في ((المعرفة)) ص٣٧٥. (٢) وخلاصة هذه الأقوال: أن الشذوذ عند الشافعي ومن معه: هو تفرد الثقة بحديث عن جماعة الثقات. وعند الخلیلي - ومن عناهم -: هو تفرد الراوي بحديث، سواء كان ثقة أو غير ثقة. وعند الحاكم: تفرد الثقة فقط، وزاد الحافظ في ((شرح النخبة)) ص٦٨ على تعريف الشافعي للشاذ: إذا خالف الثقةُ جماعةَ الثقات، أو خالف الثقة مَن هو أرجح منه ضبطاً، أو غيرَ ذلك من المرجحات. ٢٧٤ النوع الثالث عشر : الشاذ [ش] قال شيخ الإسلام(١): وبقي من كلام الحاكم: وينقدح في نفس الناقد أنه غلط، ولا يقدر على إقامة الدليل على ذلك، قال: وهذا القيد لا بدَّ منه، قال: وإنما يغاير المعلَّل من هذه الجهة، قال: وهذا - على هذا - أدقُّ من المعلَّل بكثير، فلا يَتَمكن من الحكم به إلا مَن مارس الفن غاية الممارسة، وكان في الذِّروة من الفهم الثاقب، ورسوخ القدم في الصناعة. قلت: ولعُسْره لم يفرده أحد بالتصنيف. ومن أوضح أمثلته: ما أخرجه في ((المستدرك))(٢) من طريق عبيد بن غنّام (ت) (١) النقول من ((النكت الوفية)) ١: ٤٥٥، ويُحتاج إلى تمهيد، فالعراقي حكى في (ألفيته)) أولاً قول الشافعي: ما يخالف فيه الثقةُ الملأ، ثم حكى قول الحاكم: أنه لم يشترط المخالفة، بل مجرَّد تفرد الثقة، فجاء في ((النكت الوفية)) ما يلي: ((قوله: والحاكم: قال شيخنا: أسقط من قول الحاكم قيداً لا بدّ منه، وهو أنه قال: وينقدح في نفس الناقد .. ))، والحاكم لم يقل هذا الكلام بحروفه، إنما نسبه إليه الحافظ من خلال فهمه لكلام الحاكم وتعليقه على الأمثلة التي ساقها، فتوقفُ محقق كتاب الحاكم: في غير محله. ثم جاء آخرَ هذا المبحث في ((النكت الوفية)) - على أنه من كلام البقاعي -: ((قلت: والظاهر أن كلام الخليلي مقيَّد بما قُيِّد به الحاكم، أو نحو ذلك، وإلا كان كلامه ساقطاً)). (٢) آخر تفسير سورة الطلاق (٣٨٢٢) وصحح إسناده ووافقه الذهبي، ثم أعقبه بروايته من وجه آخر عن ابن عباس مختصراً جداً، وقال: صحيح على شرطهما، ووافقه الذهبي، ونقل بدر الدين الشبلي في ((آكام المرجان)» ص٣٥ عن شيخه الذهبي = ٢٧٥ النوع الثالث عشر : الشاذ [ب] - قوله في الرواية المطولة: إسناده حسن، ولم يسمّ كتابه، ونقله القسطلاني في ((إرشاد الساري)) ٣٠٥:٥، وانظر بحثه، لكن كلام الذهبي في ((العلوّ للعليّ العظيم)) (١٤٦) يفيد تحسينه، قال: ((شريك وعطاء فيهما لينٌ لا يبلغ بهما ردّ حديثهمَا)). هذا من حيث السند. أما من حيث المتن والمعنى فقال: ((هذه بليّة تُحيِّر السامع، كتبتها استطراداً للتعجب، وهو من قبیل: اسمع واسكت)). والتضعيف والردّ بالفهم مزلّة قدم أكبر بكثير من التضعيف بالسند، وانظر ما يلي، وانظر أيضاً لزاماً أول النوع ٣٣: المسلسل. وروى الأثرين عن الحاكم تلميذه البيهقي في ((الأسماء والصفات)) ص٣٨٩، ٣٩٠، وقال ما نقله الشارح هنا، ونقل الحافظ في ((الفتح)) ٦: ٢٩٣ تحت الباب الثاني من بدء الخلق حكمَ البيهقي بالإقرار، وقال عنه الشارح في ((الحاوي)) ١ : ٣٨٦ قُبيل جزئه ((إعمال الفِكْر في فضل الذكر)): هو في غاية الحسن، وتابعه ابن حجر الهيتمي في ((الفتاوى الحديثية)) ص ١٦٥، والحلبي في ((السيرة الحلبية)) ١: ١٤٦ - ١٤٧. قلت: ثبوت الأثر سنداً متفق عليه بين الحفاظ، لكن الشأن في معناه، وعلى هذا: فقول البيهقي - ومن معه - ((شاذ بمرَّة)): تضعيف له بالفهم، وهذا مَنْحی خطير، لا بدّ فيه من التأني الكثير، وما ينغلق فهمه على بعضهم، ينجلي فهمه لآخرين، وقد ألَّف الشيخ عبد الحي اللكنوي جزءاً سماه ((زجر الناس عن إنكار أثر ابن عباس)) مطبوع في ثلاثين صفحة، جمع في الباب الأول منه أقوال من تكلم فيه حديثياً أو أصولياً أو معنىّ، وردّها، فاستوعب منه ذلك ثماني عشرة صفحة، ثم ذكر في الباب الثاني الأقوال في تأويل معناه، فذكر ثلاثة أقوال، واستوعب ذلك ست صفحات، وختمها بقوله: ((فظهر أن أثر ابن عباس مما لا غبار عليه، لا سنداً ولا متناً، ولا مبنى ولامعنی)». ومما قاله الشارح في ((الحاوي)) ١: ٣٨٦ - وتابعه عليه الهيتمي والحلبي -: = ٢٧٦ النوع الثالث عشر : الشاذ [ش] النخعي، عن عليّ بن حكيم، عن شَريك، عن عطاء بن السائب، عن أبي [ب] - ((يمكن أن يؤوّل على أن المراد بهم النُّذُر الذين يبلِّغون الجن عن أنبياء البشر، ولا یبعد أن يُسمی کل منهم باسم النبي الذي بلّغ عنه». وكان قد رُفع إلى الإمام الحافظ الزرقاني - شارح ((المواهب)) - خمسة وسبعون بيتاً من الشعر، فيها ثلاثة وخمسون سؤالاً، فأجاب عنها نظماً في أربعة وخمسين بيتاً، ثم أجاب عنها نثراً، ولم يُسمِّ كتابه هذا باسمٍ، وعندي مخطوطة له في ٥٩ صفحة، ومما فيه ص٥١ - ٥٢ ذِكْر هذا الأثر وكلام البيهقي عليه، ثم قال: ((وعلى تقدير ثبوته يكون المعنى أن ثَمّ من يُقتدى به مسمّى بهذه الأسماء، وهم الرسل المبلغون الجنَّ عن أنبياء الله، سُمي كلَّ منهم باسم النبيِّ الذي يبلّغ عنه))، ولم يصرِّح الزرقاني بالنقل عن الشارح ومن تابعه: الهيتميِّ والحلبيِّ. [وفي ((المقاصد الحسنة)) - (٩١) -: قال ابن كثير - («البداية والنهاية)) ١ : ٤٣ و٤٢- بعد عزوه لابن جرير - في تفسير آخر سورة الطلاق، مختصراً جداً -: هو محمول إنْ صح نقله - أي: عن ابن عباس - أنه أخذه من الإسرائيليات، وذلك وأمثاله إذا لم يخبَرْ به ويصحَّ سنده عن معصوم، فهو مردود على قائله. انتهى.]. قلت: هذا صحيح إن تعذر تأويله، لئلا نردَّ ما صح سنده، ثم إن الحافظ نصّ في ((الفتح)) ٥: ٢٩١ (٢٦٨٤) على أن ابن عباس ((كان لا يعتمد على أهل الكتاب، كما سيأتي)) أي: كما سيأتي هناك عقبه عن ابن عباس نفسه (٢٦٨٥). [وقال الحافظ اليَعْمُّري: كل حديث محكوم بصحته تتوقف صحته على صحة سنده، ولا ینعکس، فلیس کل محکوم بصحة سنده یحکم بصحته، لما قد يعرِض للمتن من الشذوذ والنكارة، ومخالفة الأصول الصحيحة، وإن وُتُّق رواته. انتهى.]. بعض هذا مذکور في «أجوبته لابن أيبك الدمياطي)) ص٥٧. ٢٧٧ النوع الثالث عشر : الشاذ [ش] الضحى، عن ابن عباس قال: في كل أرضٍ نبيٌّ كنبيكم، وآدمُ كآدم، ونوحٌ كنوح، وإبراهيم كإبراهيم، وعيسى كعيسى، وقال: صحيح الإسناد، ولم أزلْ أتعجب من تصحيح الحاكم له حتى رأيت البيهقيَّ قال: إسناده صحيح، ولكنه شاذّ بمرَّةً(١). [ب] - (١) ((أي: قولاً واحداً لا تردُّد فيه. وكأن الباء زيدت للتأكيد)). قاله في ((النكت الوفية)) ٢: ٣١. [أي: لأنه لا يلزم من صحة الإسناد صحة المتن، فقد يكون فيه ما يَمنع صحتَه، فهو ضعيف، قال الجلال السيوطي في ((حاوي الفتاوى)) - ١: ٣٨٦ قُبيل: ((إعمال الفكر في فضل الذكر)» -: يمكن أن يؤوّل على أن المراد بهم النذُر الذين كانوا يبلِّغون الجنَّ عن أنبياء البشر، ولا بُعد أن يسمى كل منهم باسم النبي الذي يبلِّغ عنه. هذا كلامه. قال شيخنا الحلبي : وحينئذ كان لنبينا صلى الله عليه وسلم رسول من الجن، اسمه كاسمه، ولعل المراد اسمه المشهور، وهو محمد. فليتأمل. انتهى من ((سيرة» شيخنا - ١ : ١٤٦ _. وفي هذا التأويل تأمل، فإن الرسالة إلى الجن من خواص نبينا محمد صلى الله علیه وسلم قطعاً، فیما حكاه ابن حزم. قال ابن حجر في ((شرح الأربعين )) - ص٧٦ - ٧٧ في شرح مقدمة النووي -: وأما بقية الرسل فلم يُرسَل أحد منهم إليهم. كما قاله الكلبي، وروي عن ابن عباس، وإيمانُهم بالتوراة كما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿إِنا سمعنا كتاباً أُنزِل من بعد موسى .. ) الآية [الأحقاف: ٣٠]، لا يدل على أنهم كانوا مكلَّفين به، لجواز إيمانهم به تبرعاً منهم، وليس منهم رسول عن الله عند جماهير العلماء، وأما قوله تعالى: ﴿ألم يأتكم رسل منكم .. ﴾ [الأنعام: ١٣٠] فالمراد به : من أحدكم، على حدٍّ: ﴿يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان﴾ [الرحمن: ٢٢]. انتهى. = ٢٧٨ النوع الثالث عشر : الشاذ وما ذكراه مشكلٌ بأفرادِ العدلِ الضابطِ كحديث: ((إنما الأعمال بالنيات))، [ش] قال المصنف - كابن الصلاح(١) - : (وما ذكراه) أي: الخليليُّ والحاكم (مشكل)، فإنه ينتقض (بأفراد العدلِ الضابطِ) الحافظِ (٢) (كحديث: ((إنما الأعمال بالنيات))) فإنه حدیث فرد، تفرّد به عمر عن النبي صلی الله عليه وسلم، ثم علقمة عنه، ثم محمد بن إبراهيم، عن علقمة، ثم عنه يحيى بن سعيد(٣). [ب] - وعبارة ((الفتاوى الحديثية)) - ص٦٦ -: لم يُبعث إليهم نبيٌّ قبل نبينا قطعاً، على ما قاله ابن حزم. وقال السبكي - تنظر ((الفتاوى)) ٢ : ٦١٨ قبلُ وبعدُ -: لا شك أنهم مكلفون في الأمم الماضية كهذه الأمة، إما بسماعهم قراءةَ رسوله، أو من صادق عنه، وكونه إنسياً أو جنياً لا قاطع به، وظاهر القرآن يشهد للضحاك، والأكثرون على خلافه. انتھی. يعني : أن جمهور السلف والخلف: أنه لم يكن منهم رسول ولا نبي، خلافاً للضحاك. ومعنى قوله : ﴿رسلٌ منكم﴾ أي: من مجموعكم، وهم الإنس، أو المراد بهم: رُسُل الرسل. وقال ابن جماعة في ((شرح بدء الأمالي)): المكلف على ثلاثة أقسام، قسم: كُلِّف من أول الفطرة قطعاً، وهم الملائكة، وآدم وحواء، وقسم: لم يكلف من أول الفطرة قطعاً، وهم أولاد آدم، وقسم: فيه نزاع، والظاهر أنهم مكلفون من أول الفطرة، وهم الجان. انتهى.]. (١) في ((المقدمة)) ص٦٩. (٢) زيادةُ تأكيد على اتصاف الراوي بالضبط، ليكون ذلك دعماً لما يخشى من تفرُّده. (٣) رواه البخاري أول ((صحيحه))، وهنا أطرافه، ومسلم ٣: ١٥١٥ (١٥٥)، = ٢٧٩ النوع الثالث عشر : الشاذ والنهي عن بيع الوَلاء، وغيرِ ذلك مما في كتابَيْ الصحيح، [ش] (و)كحديثِ (النهي عن بيع الوَلاء) وهِبَته، تفرد به عبد الله بن دينار، عن ابن عمر(١)، (وغيرٍ ذلك) من الأحاديث الأفراد (مما) أُخرج (في كتابي الصحيح). كحديث مالك، عن الزهري، عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعلى رأسه المِغْفَر(٢)، تفرد به مالك، عن الزهري(٣). وانظر الكلام عليه في النوع ٣١. (١) رواه البخاري (٢٥٣٥، ٦٧٥٦)، ومسلم ٢: ١١٤٥ (١٦)، وعلّق عليه مسلم بقوله: ((الناس كلّهم عيال على عبد الله بن دينار في هذا الحديث))، يشير إلى تفرده به من بین الثقات. (٢) رواه البخاري (١٨٤٦، ٣٠٤٤، ٤٢٨٦، ٥٨٠٨)، ومسلم ٢: ٩٨٩ (٤٥٠)، من طرق، كلها عن مالك، عن الزهري، عن أنس، وهو في ((الموطأ)) ١: ٤٢٣ (٢٤٧)، وأتبعه مالك بقوله: ((ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ محرِماً، والله أعلم)). (٣) قال ذلك ابن الصلاح ص٧٠، وتعقّبه العراقي في ((التقييد والإيضاح)) ١: ٤٦٨ - ٤٦٩ برواية أربعة آخرين له غير مالك، رووه عن الزهري، ستأتي ص ٢٩٢. وانظر بحثاً ماتعاً من الحافظ ابن حجر حول هذا في ((النكت على ابن الصلاح)) ٢: ٦٥٥ - ٦٦٩، وهو في ((الفتح)) ٤: ٥٩ (١٨٤٦) مختصراً، وخلاصته: أن الأمر - من حيث الجملة - كما قال ابن الصلاح، قال في ((الفتح)): وأقربها - أي إلى الصحة - رواية ابن أخي الزهري، ويليها رواية أبي أویس)». ٢٨٠ النوع الثالث عشر : الشاذ [ش] فكلُّ هذه مخرَّجة في الصحيحين، مع أنه ليس لها إلا إسناد واحد، تفرد به ثقة(١). وقد قال مسلم(٢): للزهري نحوُ تسعين حرفاً يرويه لا يشاركه فيه أحد، بأسانید جیاد. [ب] - (١) فهذا مما يُسمى فرداً نسبياً، أي: فرد بالنسبة للثقات، لا فرداً مطلقاً: عن ثقة وغير ثقة، وينظر للكلام على من روى حديث ((الأعمال بالنية)) من غير الثقات: ((النكت الوفية)) ١: ٤٦٠. أما حديث النهي عن بيع الولاء وهبته: فقد تابع عبد الله بن دينار - نافعٌ، أشار إلى ذلك الترمذي في ((سننه)) عقب (١٢٣٦، ٢١٢٦)، وفي ((العلل الصغرى)) آخر ((سننه)) ٦: ٢٥٢، وحكم على راويها - يحيى بن سُليم الطائفي - بالوهم، ورواه مسنداً في ((العلل الكبرى)) ١: ٤٨٧، وهذه المتابعة في ((تاريخ بغداد)) أيضاً ٥: ٤٧٨، ٦: ٣٠٦. وتابعه أيضاً: عمرو بن دينار، رواها ابن حبان في ((الثقات)) ٨: ٤ ترجمة أحمد ابن أوفى، وقال: ((عمرو بن دينار غريب في هذا الحديث))، وقال في ((النكت الوفية)) ١ : ٤٦١: ((وقد صرحوا بغلطه)) أي: غلط مَن أبدل عبد الله بعمرو. (٢) في ((صحيحه)) ٣: ١٢٦٨ (قبل ٦)، ولفظه: تسعين حديثاً، وينظر ((النكت الوفية)) ١: ٤٦٥. وقال الحافظ في ((النكت)) ٢: ٦٧٢: ((اختلفت النسخ - نسخ صحيح مسلم - في العدد، والأكثر تقديم التاء على السين، والله أعلم)). أي: أكثر النسخ: تسعین، لا: سبعین.