النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
النوع الثاني عشر : التدلیس
[ش]
سمع منه ما لم يسمع منه، من غير أن يذكر أنه سمعه منه، قال: والفرق بينه
وبين الإرسال أن الإرسال: روایته عمن لم يسمع منه.
قال العراقي(١): والقول الأول هو المشهور.
وقيَّده شيخ الإسلام بقسم اللقي(٢)، وجعل قسم المعاصرة إرسالاً خفيّاً.
ومثلُ ((قال)) و((عن)) و((أنّ)): ما لو أسقط أداة الرواية(٣) وسمَّى الشيخَ فقط،
فيقول: فلانٌ.
قال علي بن خَشْرَم(٤): كنا عند ابن عيينة فقال: الزهري، فقيل له : حدّثكم
الزهري؟ فسكتَ، ثم قال: الزهري، فقيل له: سمعتَه من الزهري؟.
فقال: لا، ولا ممن سمعه من الزهري، حدثني عبد الرزاق، عن معمر،
عن الزهري. لكنْ سمى شيخ الإسلام هذا تدليسَ القطع(٥).
(١) في المصدرين السابقين له.
(٢) أي: إذا كان بين الراويين لقاء، وروى الأول عن الثاني بلفظ موهم ما لم
يسمع، فهذا تدليس. وتقييده هذا جاء في كتبه الثلاثة: ((النكت)) ٢: ٦١٤، و((النكت
الوفية)) ١ : ٤٣٦، و((شرح النخبة)) ص٨٢.
(٣) أداة الرواية: هي أداة التحمُّل، أو صيغة التحمل، وسُميت في ((النكت
الوفية)) ١ : ٤٣٨: الآلة.
(٤) الخبر في ((معرفة علوم الحديث)) للحاكم ص٣٤٢، و((الكفاية)) ص٣٥٩.
(٥) ((النكت الوفية)) ١: ٤٣٨، وفي مقدمة جزئه: ((تعريف أهل التقديس)).

٢٤٢
النوع الثاني عشر : التدليس
وربما لم يُسقِط شيخه وأسقط غيره: ضعيفاً أو صغيراً، تحسيناً للحديث.
[ش]
(وربما لم يُسقِط شيخه وأسقط غيره) أيْ: شيخَ شيخه، أو أعلى منه،
لكونه (ضعيفاً) وشيخه ثقةً (أو صغيراً)، وأتى فيه بلفظ محتمل عن الثقة الثاني
(تحسيناً للحديث)، وهذا من زوائد المصنّف على ابن الصلاح.
وهو قسم آخر من التدليس يسمّى تدليسَ التسوية(١)، سماه بذلك ابن
القطان (٢)، وهو شرُّ أقسامه، لأن الثقةَ الأولَ قد لا يكون معروفاً بالتدليس،
ويجدُه الواقف على السند - كذلك بعد التسوية - قد رواه عن ثقةٍ آخرَ، فیحکمُ
له بالصحة، وفيه غرور شدید.
وممن اشتهر بفعل ذلك: بقيةُ بن الوليد(٣).
قال ابن أبي حاتم في ((العلل)) (٤): سمعت أبي، وذكر الحديثَ الذي رواه
(١) من قولك: سوَّيَّتُ الشيء إذا عدلتَه، فهي تسوية لما هو غير سَوِيّ ولا معتدل،
ليظهر كأنه سويّ معتدل، والمعنى اللغوي داخل في هذا المعنى الاصطلاحي.
(٢) في ((بيان الوهم والإيهام)) ٥: ٤٩٩، وأول بحثه عن التدليس يبدأ من
ص٤٩٣، وكله مفيد، لكنه تكلّم هنا في الوليد بن مسلم بما يجرحه، مع أنه سبق منه
٤: ١١٠ ما يبرئه، فليجمع بينهما لزاماً، وينظر ما يأتي صفحة ٢٥٦ فما بعدها.
(٣) قال الذهبي في ((الكاشف)) (٦١٩): ((وثقه الجمهور فيما سمعه من الثقات،
وقال النسائي: إذا قال: حدثنا وأخبرنا: فهو ثقة))، وفي ((التقريب)) (٧٣٤): ((صدوق
كثير التدليس عن الضعفاء)).
(٤) رقم المسألة (١٩٥٧)، ونقله العراقي في ((شرح الألفية)) ص٨٤، ويفهم منه
ضرورة التصريح بالسماع بين المدلس وشيخه، وبين شيخه وشيخ شيخه، لكن انظر
((النكت)) لابن حجر ٢: ٧٥٣ ففيه اكتفاؤه بتصريح الوليد بن مسلم من الأوزاعي فقط.

٢٤٣
النوع الثاني عشر : التدليس
[ش]
إسحاق بن راهويه عن بقية: حدثني أبو وهب الأَسَدي، عن نافع، عن ابن
عمر، حديثَ: ((لا تَحْمَدوا إسلام المرءِ حتى تَعرِفوا عُقْدة رأيه))، فقال أبي: هذا
الحديث له أمر قلَّ من يفهمه: رَوَى هذا الحديثَ عُبيدالله بن عمروٍ، عن
إسحاق بن أبي فروة، عن نافع، عن ابن عمر، وعُبيدالله كنيته أبو وهب، وهو
أسديٌ، فكناه بقيةُ ونَسَبه إلى بني أسد، كي لا يُقْطَن له، حتى إذا ترك إسحاقَ
لا يُهتَدى له، قال: وكان بقيةُ من أفعلِ الناسِ لهذا.
وممن عُرِف به أيضاً: الوليد بن مسلم، قال أبو مُسهِر: كان يحدِّث
بأحاديثِ الأوزاعيِّ عن الكذابين، ثم يدلِّسها عنهم.
وقال صالح جَزَرة: سمعت الهيثم بن خارجة يقول: قلت للوليد: قد
أفسدتَ حديثَ الأوزاعي، قال: كيف؟ قلت: تروي عن الأوزاعي، عن نافع،
وعن الأوزاعي، عن الزهري، وعن الأوزاعي، عن يحيى بن سعيد، وغيرُك
يُدخل بين الأوزاعي وبين نافع: عبد الله بن عامر الأسلميَّ، وبينه وبين الزهري:
إبراهيم بن مرة، وقرّةً(١) !.
[ب] -
(١) ((إبراهيم بن مرة، وقرّة)): هو الصواب، وفي نسخ ((التدريب)): ((أبا الهيثم بن
مرة))، والشارح ينقل من كتابي العراقي: ((التقييد)) ١: ٤٤٨، و((شرح الألفية)) ص ٨٤
- ٨٥، وفيهما ما أثبتُّه، ومصدر العراقي - وغيرِه - ابن عساكر، فإنه أسند كلمة أبي
مسهر وكلمة الهيثم بن خارجة في ((تاريخه)) ٦٣: ٢٩١، وفيه: إبراهيم بن مرة، وقرة،
ومنه أخذ المزي ترجمة الوليد ٣١: ٩٧، وفيه كما في ابن عساكر.
أما إبراهيم: فهو الذي ترجمه البخاري في ((الكبير)) ١ (١٠٣٥) وأطال، وابن أبي
=

٢٤٤
النوع الثاني عشر : التدليس
حاتم ٢ (٤٤١) واختصر، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) ٢٦:٦.
وأما قرة: فهو ابن عبد الرحمن بن حَيْوئيل المعافري، ترجمه البخاري أيضاً ٧
(٨١٧)، وابن أبي حاتم ٧ (٧٥١)، وابن حبان ٧: ٣٤٢، وما استشكله ابن حبان من
ثناء الأوزاعي على قرة، ذكره ابن أبي حاتم في ((تقدمة الجرح والتعديل)) ص٢٠٤ من
قبلُ وأجاب عنه.
وينظر بعد ذلك ((الميزان)): (٩٤٠٥= ٨٨٨٢)، و((السير)) ٩: ٢١٥، و((تاريخ
الإسلام)) ٤: ١٢٤٣، و((جامع التحصيل)) ص١٠٣، والله أعلم.
ثم، إن ابن القطان ذكر في ((بيان الوهم)) ٤: ١١٠ عن الوليد بن مسلم صنيعه هذا
- ونسبه إلى الدارقطني، وهو آخر ترجمةٍ في ((الضعفاء والمتروكين)) له - وقال: ((ما
كان من التدليس أو التسوية بإسقاط الضعفاء ينقسم قسمين: قسم هو إسقاط ضعفاء
عنده وعند غيره، فهذا إذا فعله يكون به مجرَّحاً، وقسم هو إسقاط قومٍ ضعفاء عند
غيره ثقاتٍ عنده، وهذا لا يكون به مجرَّحاً، ومِن هذا القبيل هو قول الدار قطني
المحكيّ عن الوليد بن مسلم .. ، لا يكون بعمله المذكور مضعَّفاً».
وقال الذهبي في ((السير))، و((تاريخ الإسلام)» بعد ذكر ما قدَّمته عن أبي مسهر
والهيثم بن خارجة: ((قلت: البخاري ومسلم قد احتجا به، ولكنهما ينتقيان حديثه
ويتجنَبان ما يُنكر له))، وهذا التصرف من الشيخين الإمامين مظهر من مظاهر إمامتهما
وبراعتهما رحمهما الله تعالى، وهو يذكِّرنا بالقصة التي ذكرها ابن عدي في مقدمة
كتابه: ((أسامي من روى عنهم محمد بن إسماعيل البخاري))، ص٥٢: عن العشرة
الذين قلب كلّ واحد منهم عشرة أحاديث على الإمام البخاري، وهو یجیب کل واحد
عن حديثه: لا أعرفه، لا أعرفه، قال: ((فكان الفُهَماء ممن حضر المجلس يلتفت
بعضهم إلى بعض ويقولون: الرجل فَهِم، ومن كان منهم غير ذلك يقضي على
البخاري بالعجز والتقصير وقلة الفهم».
وكذلك الناس أمام هذا الانتقاء من الشيخين لمن تُكلُّم فيه: إما فَهِمٌ يقضي لهما
=

٢٤٥
النوع الثاني عشر : التدليس
[ش]
قال: أُنَبِّل(١) الأوزاعيَّ أن يروي عن مثل هؤلاء، قلتُ: فإذا رَوَى عن
هؤلاء - وهم ضعفاء - أحاديثَ مناكير، فأسقطتَهم أنتَ وصيَّرتها من رواية
الأوزاعي عن الثقات، ضُعَّف الأوزاعي! فلم يلتفت إلى قولي.
قال الخطيب(٢): وكان الأعمش وسفيان الثوري [وبقية بن الوليد] يفعلون
مثل هذا.
قال العلائي(٣): وبالجملة فهذا النوع أفحشُ أنواع التدليس مطلقاً وشرُّها.
قال العراقي(٤): وهو قادح فيمن تعمّد فعله.
بالإمامة، وإما جاهل متطاول عليهما، طاعن في كتابيهما، ويتخذ ذلك ذريعة للطعن
في كتب السنة الأخرى.
ومَثَل هؤلاء الأئمة - وسائر أئمتنا - رضي الله عنهم مَثَل من ينطبق عليه قول
القائل: قتل أرضاً خبيرُها، يمشي هذا الخبير في شعاب الأرض وسهولها وأوديتها في
وقت الزلازل والأمطار والحر والبرد، وهو مطمئن واثق بنفسه، عارف أين يمشي
وكيف يمشي، ويصل إلى غايته ومنتهاه بسلام، وغيرُه يمشي في الظل والسكون،
وينتقد ذلك الخبير الماهر، ويهرف بما لا يعرف، ويصفه بالمخاطرة والتهور، ولا
يجني من ثمار العلم والمعرفة شيئاً !! والحديث ذو شجون، والكلام طويل.
(١) فسَّرها على حاشية ك بقوله: أُعظم.
(٢) في ((الكفاية)) ص٣٦٤، وزدتُ ((بقية بن الوليد)) من كلام الخطيب، من أجل
قوله ((يفعلون))، وكأن الشارح ينقل من ((شرح الألفية)) ص٨٥، لا ((التقييد)) ١: ٤٤٩.
(٣) في ((جامع التحصيل)) ص١٠٤، وزاد بعده: ((لكنه قليل بالنسبة إلى ما يوجد
عن المدلسین)».
(٤) في ((التقييد والإيضاح)) ١: ٤٤٩.

٢٤٦
النوع الثاني عشر : التدليس
[ش]
وقال شيخ الإسلام(١): لا شك أنه جرح وإنْ وُصف به الثوري والأعمش،
فالاعتذار أنهما لا يفعلانه إلا في حقّ مَن يكون ثقةً عندهما، ضعيفاً عند
غيرهما(٢).
قال: ثم، ابنُ القطان إنما سماه ((تسوية)) بدون لفظ ((التدليس)) فيقول: سوّه
فلان، وهذه تسوية(٣)، والقدماء يسمُّونه تجويداً، فيقولون: جوَّده فلان، أيْ:
ذَكَر مَن فيه من الأجواد وحَذَف غيرهم(٤).
قال(٥): والتحقيق أن يقال: متى قيل ((تدليس التسوية)): فلا بد أن يكون كلّ
من الثقات الذين حذفت بينهم الوسائط في ذلك الإسناد: قد اجتمع الشخصُ
منهم بشيخ شيخه في ذلك الحديث، وإنْ قيل ((تسوية)) بدون لفظ ((التدليس)): لم
(١) من ((النكت الوفية)) ١: ٤٥٣، وكذلك النقلان التاليان.
(٢) ويتأيّد هذا الاعتذار بما يأتي عن الثوري ص٧١٩، وإنْ كان ذاك في تدليس
الشیوخ، لکنه من منزع واحد.
ومما يحسن التنبيه إليه هنا: أن السخاوي ذكر في شرحه على ((التقريب والتيسير))
ص١٣٤ : شعبةَ مع الثوري في هذا المقام، وهو سبق قلم منه رحمه الله، صوابه:
الثوري والأعمش.
(٣) ينظر كلامه في ((بيان الوهم)) ٤: ١١٠، ٥: ٤٩٣ فما بعدها.
(٤) ((من الأجواد)): أي: من الرواة الجيدين، وهذا تنبيه مهم جداً، إذ قد يفهم
القارئ من قول القائل: جوّده فلان، أي: رواه على استقامة وضبط.
(٥) أي: الحافظ، والنقل من ((النكت الوفية)) ١: ٤٥٣.

٢٤٧
النوع الثاني عشر : التدليس
[ش]
يُحتجْ إلى اجتماع أحدٍ منهم بمن فوقه، كما فَعَل مالك، فإنه لم يقع في التدليس
أصلاً، ووقع في هذا، فإنه يروي عن ثور، عن ابن عباس، وثورٌ لم يلقه، وإنما
روى عن عكرمة، عنه، فأسقط عكرمة لأنه غير حجة عنده، وعلى هذا يُقارِق
المنقطع، بأنّ شرط الساقط هنا أن يكون ضعيفاً، فهو منقطع خاص(١).
ثم زاد شيخ الإسلام(٢): تدليس العطف، ومثّله بما فعل هشيم (٣)، فيما نقل
الحاكم والخطيب(٤): أن أصحابه قالوا له: نريد أن تحدثنا اليومَ شيئاً لا يكون فيه
تدلیس، فقال: خذوا، ثم أملی علیهم مجلساً یقول في کلّ حدیث منه: حدثنا
فلان وفلان، ثم يسوق السند والمتن، فلما فرغ قال: هل دلستُ لكم اليومَ
شيئاً؟ قالوا: لا، قال: بلى، کل ما قلت فيه: وفلان، فإني لم أسمعه منه.
قال شيخ الإسلام(٥): وهذه الأقسام كلُّها يشملها تدليس الإسناد، فاللائق
[ب] -
(١) كتب على حاشية ك: بلغ.
(٢) في ((النكت على ابن الصلاح)) ٢: ٦١٧، ومقدمة ((معرفة أهل التقديس)).
(٣) [هشيم: بمعجمة مصغراً، ابن بَشير: بموحدة ومعجمة مكبراً، ابن أبي
خازم: بمعجمتين. كذا في ((التقريب)) - (٧٣١٢) -، وعبارة ((جامع الأصول)) - ١٥ :
٥١٢ - ٥١٣ -: بمهملة، ثم معجمة.].
و کتب الرسم کلها على أنه بمعجمتین.
(٤) أما الحاكم: فنعم، رواه في ((المعرفة)) ص٣٤٣، وأما الخطيب: فلم أر
الخبر في ((الكفاية))، ولم أر من عزاه إلى الخطيب غير الشارح، واقتصر الحافظ نفسه
في ((النكت)) على عزوه إلى الحاكم.
(٥) ((النكت الوفية)) ١: ٤٥١.

٢٤٨
النوع الثاني عشر : التدليس
[ش]
ما فعله ابن الصلاح من تقسيمه قسمين فقط(١).
قلت: ومن أقسامه أيضاً: ما ذكر محمد بن سعد(٢) عن أبي حفص عمر بن
علي المقدَّمي: أنه كان يدلس تدليساً شديداً، يقول: سمعت، وحدثنا، ثم
يسكت، ثم يقول: هشام بن عروة، الأعمش(٣).
وقال أحمد بن حنبل(٤): كان يقول: حجاجٌ سمعتُه، يعني حديثاً آخر.
وقال جماعة: كان أبو إسحاق يقول: ((ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن
[ب] -
(١) كذلك كتب هنا: بلغ.
(٢) في ((الطبقات الكبرى)) ٩: ٢٩٢.
(٣) هكذا دون واو العطف بينهما. وذكر المزي في ((التهذيب)) ٢١: ٤٧٢ رواية
بين المقدَّمي وهشام فقط، دون الأعمش، مما يؤكد عدم واو العطف بينهما، وهي
غير ثابتة في ((السير)) ٨: ٥١٣، و((تاريخ الإسلام)) ٤: ٩٣٥، وثبوتها في طبعات
((الميزان))، والتهذيبين وغيرها خطأ.
ثم رجعت إلى القطعة المحفوظة من ((الميزان)) بخط الذهبي رحمه الله، في
المغرب، وعنها صورة في مكتبة الحرم النبوي الشريف، فرأيت النصّ كما أثبتُّه:
هشام بن عروة، الأعمش، والحمد لله.
(٤) قول أحمد هذا جاء في ((العلل)) لابنه عبد الله (٣٩٣٥)، والسياق هناك وهنا
يدل على أن اسم ((كان))، وفاعل ((يقول)): هو عمر بن عليّ المقدَّميُّ، ويؤكد ذلك كلام
ابن أبي حاتم في ((الجرح)) ٦ (٦٧٨)، وحجّاج في كلام أحمد: هو حجاج بن أرطاة.

٢٤٩
النوع الثاني عشر : التدليس
[ش]
عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه))(١)، فقوله ((ولكن عبد الرحمن)): تدليس
يُوهِم أنه سمعه منه.
-
(١) أبو إسحاق: هو السَّبِيعي، وأبو عبيدة: هو عامر بن عبد الله بن مسعود،
وهذه المقولة قالها أبو إسحاق في حديث ابن مسعود عند البخاري (١٥٦): أتى
النبيُّ صلى الله عليه وسلم الغائط فأمرني أن آتيَه بثلاثة أحجار .. ، وقد روى أبو
إسحاق هذا الحديث مرةً عن أبي عبيدة، عن أبيه، كما هو عند ابن أبي شيبة
(١٦٥٥)، والترمذي (١٧) وأطال الكلام عليه، ومرةً عن علقمة بن قيس، عن ابن
مسعود، كما هو عند أحمد ١: ٤٥٠، ومرة عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه
الأسود بن يزيد، عن ابن مسعود، كما هو عند البخاري (١٥٦). وانظر التعليق
على ((مصنف)) ابن أبي شيبة.
وقال الحافظ في ((الفتح))، في تفسير مقولة أبي إسحاق، بعد ما ذكر رواية
الترمذي فقط: ((مراد أبي إسحاق هنا بقوله ((ليس أبو عبيدة ذكره)): أي لستُ أرويه
الآن عن أبي عبيدة، وإنما أرويه عن عبد الرحمن)).
وأما قول الشارح ((يوهم أنه سمعه منه)): فيردّه رواية البخاري التي ذكرها عقب
هذه الرواية ومعها وتحت رقم واحد، وهي بإسناد الرواية الأولى: أبو نعيم، عن
زهير، عن أبي إسحاق، قال: ليس أبو عبيدة ذكره، .. ، ثم قال البخاري عقبه: وقال
إبراهيم بن يوسف - بن إسحاق بن أبي إسحاق السبيعي - عن أبيه - يوسف - عن جدّ
أبيه: أبي إسحاق، حدثني عبد الرحمن.
قال الحافظ هنا: أراد البخاري بهذا الردّ على ما حكي عن سليمان الشاذَكوني،
قال: لم يُسمع في التدليس بأخفى من هذا، وانظر تمام كلامه هناك.

٢٥٠
النوع الثاني عشر : التدليس
[ش]
وقَسَمه الحاكم إلى ستة أقسام(١):
الأول: قوم لم يميزوا بين ما سمعوه وما لم يسمعوه (٢).
الثاني: قوم يدلِّسون، فإذا وقع لهم من ينقِّر عنهم ويلحُّ في سماعاتهم
ذكروا له، ومثَّله بما حكَى ابن خَشْرم(٣)، عن ابن عيينة (٤).
الثالث: قوم دلَّسوا عن مجهولين لا يُدرى من هم، ومثَّله بما رَوَى عن ابن
المديني قال: حدثني حسين الأشقر، حدثنا شعيب بن عبد الله، عن أبي
عبد الله، عن نوفٍ قال: بِتُّ عند عليّ، فذكر كلاماً.
قال ابن المديني: فقلت لحسين: ممن سمعت هذا؟ فقال: حدثنیه شعیب،
عن أبي عبد الله، عن نوف، فقلت لشعيب: مَن حدثك بهذا؟ فقال: أبو عبد الله
الجصاص، فقلت: عمن؟ قال: عن حماد القصار، فلقيت حماداً فقلت له: من
حدثك بهذا؟ قال: بلغني عن فَرْقَد السَّبَخيّ، عن نوف.
[ب] -
(١) ((معرفة علوم الحديث)): النوع السادس والعشرون ص٣٣٨ - ٣٥٨، وانظر
تعليق الحافظ في ((النكت على ابن الصلاح)) ٢: ٦٢٢ على هذا التقسيم.
(٢) کذا قال الشارح رحمه الله تعالى، وهو مستفاد من كلام قاله ابن مهدي وأبو
قلابة الرَّقاشي في الإمام شعبة بن الحجاج، مع أن كلام الحاكم فيمن يدلس عن
مختلف طبقات الثقات الذين يشملهم وصف القبول العام.
(٣) [بخاء وشين معجمتين، بوزن جعفر، ثقة، من صغار العاشرة، مات سنة
٢٥٧ أو بعدها، وقد قارب المئة. غزي - ورقة ٥٠/أ -. ].
(٤) تقدم قريباً ص ٢٤١.

٢٥١
النوع الثاني عشر : التدلیس
الثاني : تدليس الشيوخ، بأنْ يسمِّيَ شيخَه، أو يَكْنَه، أو ينسُبه، أو
يَصِفَه بما لا يُعرف.
[ش]
فإذا هو قد دلَّس عن ثلاثة، وأبو عبد الله مجهول، وحمادٌ لا يُدرى من
هو، وبلغه عن فَرْقَد، وفرقد لم يدرك نوفاً.
الرابع(١): قوم دلَّسوا عن قوم سمعوا منهم الكثيرَ، وربما فاتهم الشيء
عنهم، فیدلسونه.
الخامس: قوم رووا عن شيوخ لم يَرَوْهم، فيقولون: قال فلان، فحُمِل ذلك
عنھم علی السماع، ولیس عندهم سماع.
قال البُلقيني(٢): وهذه الخمسة كلُّها داخلة تحت تدليس الإسناد.
وذكر السادس، وهو تدليس الشيوخ الآتي.
القسم الثاني : تدلیس الشیوخ، بأن یسمِّي شیخه، أو یکنیه، أو ينسبه، أو
يَصِفِه بما لا يُعرف).
قال شيخ الإسلام(٣): ويدخل أيضاً في هذا القسم: التسويةُ، بأنْ يصفَ
شيخ شيخه بذلك.
[ب].
(١) هذا هو القسم الخامس عند الحاكم، والذي يليه هو القسم السادس عنده،
أما القسم الرابع عنده فهو الذي سيذكره الشارح على أنه القسم السادس، وهو تدلیس
الشيوخ.
(٢) في ((محاسن الاصطلاح)) ص٢٣٣، وقوله هذا مستفاد من كلامه هناك.
(٣) ((النكت الوفية)) ١: ٤٤٨.

٢٥٢
النوع الثاني عشر : التدليس
أما الأول : فمكروه جدّاً، ذمَّه أكثر العلماء،
[ش]
(أما) القسم (الأول: فمكروه جداً، ذمَّه أكثر العلماء) (١)، وبالغ شعبةُ في
ذمه فقال: لأن أزنيَ أحبُّ إليَّ من أن أدلس، وقال: التدليس أخو الكذب(٢).
[ب] -
(١) [وقال البلقيني - ((محاسن الاصطلاح)) ص٢٣٤ -: بل هو كفر ظاهر، فإن
آفة التدليس بها ضرر كبير في الدِّين، وهي أضر من أكل الربا، وقد جاءت أحاديث
يُحتج بها تدل على أن أكل درهم من رباً أشد من الزنى، على وجوه مروية. انتهى
فليتأمل. غزي - ورقة ١/٥١-٠].
ومحلّ التأمل قوله عن التدليس: بل هو كفر ظاهر، وهذا محلّ تأملٍ كبير، بل
لايصح، وليس هذا اللفظ في كلام البلقيني، ولا في كلام ناقله: الغَزّي، إنما لفظ
البلقيني - ومثلُهُ الغَزّي -: ((هذا الذي قاله شعبة - التدليس أشدّ من الزنى -: ظاهر))،
ثم علّل ووجّه ذلك بقوله: فإن آفة التدليس .. ، أما الكفر فما قاله البلقيني ولا أحد
غیره، ولا وجه له.
(٢) رواهما الخطيب عنه في ((الكفاية)) ص٣٥٥ - ٣٥٦. والثاني منهما نقله عن
شعبة الإمامُ الشافعي، وبينهما انقطاع، ولا يضرّه، ورواه عن شعبة أيضاً: أبو نعيم
الفضل بن دكين، أفاده ابن عبد البر في مقدمة ((التمهيد)) ١ : ١٦ = ٧٤. وأسند إليه
ابن عبد البر أيضاً من طريق غندر عنه قوله: التدليس في الحدیث أشدّ من الزنى.
وأسند ابن عدي في ((الكامل)) ٨ (٢١٦٥)، أول ترجمة يزيد بن أبان الرقاشي،
إلى يزيد بن هارون قوله: ((سمعت شعبة يقول: لأن أزني أحبّ إليّ من أن أحدث عن
يزيدَ الرقاشي، ثم قال يزيد بن هارون منكِّتاً على شعبة: ((ما كان أهونَ علیه الزنى !! )).
وواضح أن شعبة رضي الله عنه وأرضاه يريد المبالغة في التنفير من التدليس، ومن
الرواية عن هذا المتروك.

٢٥٣
النوع الثاني عشر : التدلیس
ثم قال فريق منهم: مَن عُرف به صار مجروحاً مردودَ الرواية وإِنْ بَيَّن
السماع.
[ش]
قال ابن الصلاح(١): وهذا منه إفراط محمول على المبالغة في الزجر عنه
والتنفير.
(ثم قال فريق منهم) من أهل الحديث والفقهاء: (مَن عُرف به صار مجروحاً
مردودَ الرواية) مطلقاً (وإنْ بَيَّن السماع)، وقال جمهورُ مَن يَقبل المرسل: يُقبل
مطلقاً، حكاه الخطيب(٢).
ونَقْلُ المصنف في ((شرح المهذَّب))(٣) الاتفاقَ على ردّ ما عنعنه
- تبعاً للبيهقي وابن عبد البر(٤) -: محمولٌ على اتفاق مَن لا يَحتج
[ب] -
(١) ((المقدمة)) ص ٦٧.
(٢) بل حكاهما - هذا والذي قبله - الخطيب في ((الكفاية)) ص٣٦١.
(٣) ((المجموع)) ٤: ٥٤٦، ولفظه: ((أجمع العلماء من المحدثين والفقهاء
والأصوليين على أن المدلس إذا قال ((عن)): لا يحتج بروايته))، ونحوه ٧: ١٥٩،
١٦٩، وتعقبه العراقي في ((التقييد والإيضاح)) ١: ٤٥٥ بقوله: ((وهذا منه إفراط))،
وهذا وغيره من الإمام النووي يذكرنا بقول الحافظ في ((التلخيص الحبير)) ١ : ١٩٣ في
مناسبة أخرى: «بالغ الشیخ محيي الدين ۔ النووي - کعادته)).
(٤) البيهقي في ((المدخل)) (٥٥٠) مع عنوان الباب، وقول ابن عبد البر: في
مقدمة ((التمهيد)) ١٢:١ - ١٣ = ص ٦٥ - ٦٦، وسياق كلام النووي في المواضع
الثلاثة يتفق مع قول ابن عبد البر: أن يكون الرجل معروفاً بالتدليس، فأفاد بهذا
الاحتراز: أنه إذا كان غير معروف به، لقلة تدليسه، فتقبل منه العنعنة، وسبقه إلى هذا
المعنى الإمام ابن المديني في جوابه ليعقوب بن شيبة، وهو في ((الكفاية)) ص٣٦٢،
=

٢٥٤
النوع الثاني عشر : التدليس
[ش]
بالمرسل(١)، لكنْ حكى ابن عبد البر (٢) عن أئمة الحديث أنهم قالوا: يُقبل تدليس ابن
عيينة، لأنه إذا وُقُّف(٣) أحال على ابن جريج ومعمر ونُظرائهما، ورجّحه ابن حبان
قال: وهذا شيء ليس في الدنيا إلا لسفيان بن عيينة، فإنه کان یدلس، ولا يدلس إلا
عن ثقة متقن، ولا يكاد يوجد له خبر دلس فيه إلا وقد بيَّن سماعه عن ثقة مثلٍ
[ب] -
وسأنقله قريباً جداً.
(١) ينظر لفظه الذي قدَّمته، هل يساعد على هذا الحمل؟! والشارح ينقل هذا
من ((النكت الوفية)) ١: ٤٣٣، لكن لفظه: ((وما ذكره من الاتفاق لعله محمول
على .. ))، بصيغة الترجي لا الجزم. وصيغة العراقي في ((شرح ألفيته)) ص ٨١ بصيغة
الجزم، لكن في تأويل كلام البيهقي الذي في ((المدخل)).
قال العراقي: ((وجدت في كلام بعضهم أن المدلس إذا لم يصرح بالتحديث لم
يقبل اتفاقاً، وقد حكاه البيهقي في ((المدخل)) (٥٥٠) مع عنوان الباب، عن الشافعي
وسائر أهل العلم بالحديث، وحكاية الاتفاق هنا غلط، وهو محمول على اتفاق من لا
يَحتج بالمرسل)). فهذا غير ذاك قطعاً، هذا: عن أهل العلم بالحديث، وذاك: إجماع
العلماء من المحدثين والفقهاء والأصوليين.
ومن تمام الدقة والإفادة: التنبيه إلى الفرق بين عبارتي العراقي، فإنه قال في
((شرح الألفية)): ((الشافعي وسائر أهل العلم بالحديث))، ففيه الحكاية عن المحدثين،
أما في ((التقييد والإيضاح)) ١: ٤٥٥ فقال: ((الشافعي وسائر أهل العلم))، والظاهر هو
الأول، والله أعلم، لأنها جاءت كذلك في نقل الزركشي ٢: ٦٣٧ (١٧٥).
(٢) مقدمة ((التمهيد)) ١ : ٣١ = ص٩٧، والشارح ينقل عن ((شرح ألفية العراقي))
له ص٨٠. وكلام ابن حبان في مقدمة «الإحسان)) ١: ١٦١.
(٣) الضبط من ك.

٢٥٥
النوع الثاني عشر : التدلیس
[ش]
ثقته، ثم مثَّل ذلك بمراسيل كبار التابعين (١)، فإنهم لا يُرسِلون إلا عن صحابي.
وسبقه(٢) إلى ذلك أبو بكر البزار وأبو الفتح الأزدي، وعبارة البزار(٣): من
كان يدلس عن الثقات كان تدليسه عند أهل العلم مقبولاً.
وفي ((الدلائل)) (٤) لأبي بكر الصيرفي: من ظهر تدليسه عن غير الثقات لم
يُقبل خبره حتى يقول: حدثني أو سمعت، فعلى هذا هو قولٌ ثالث مفصِّل غير
التفصيل الآتي.
قال المصنف - كابن الصلاح -: وعُزِي للأكثرين، منهم: الشافعي، وابن
[ب] -
(١) في مطبوعتي ((شرح الألفية)): المصرية ص ٨٠، والفاسية ١٨٢:١: ((كبار
الصحابة))، لكن انظر ((النكت)) للزركشي ٢: ٦١٧ (١٧٠)، و((النكت الوفية)) ١ :
٤٣٩ - ٤٤٠.
(٢) ظاهر السياق يفيد عود الضمير إلى ابن حبان، وهو مشكل، فابن حبان
توفي سنة ٣٥٤، وأبو الفتح الأزدي توفي سنة ٣٦٧، لكن صريح كلام العراقي: ((وقد
سبق ابنَ عبد البر الحافظان أبو بكر البزار وأبو الفتح الأزدي .. ))، فلا إشكال. وأيضاً:
فسَبْقُ هذين الحافظين هو في الحكم، لا في التمثيل بابن عيينة.
(٣) في جزء له في: ((معرفة من يترك حديثه أو يقبل))، كما أفاده العراقي أيضاً،
وقد تقدم ذكره والنقل عنه قريباً ص ٢٤٠.
(٤) ينظر صفحة ١٣٨ للتعريف بالصيرفي وكتابه. وقوله هذا يُفهِم أن من دلَّس
عن الثقات قُبل خبره ولو لم يقل: حدثني أو سمعت، فهذا المعنى مفهوم من كلام
الصيرفي لا صریح، كما نبه إليه في ((النكت الوفية)) ١: ٤٤٠ - ٤٤١.

٢٥٦
النوع الثاني عشر : التدليس
والصحيحُ التفصيل: فما رواه بلفظ محتمِل لم يبِيِّن فيه السماعَ
فمرسَل، وما بيّه فيه كـ: سمعت، وحدثنا، وأخبرنا، وشِبْهِها: فمقبول
يُحتج به، وفي الصحيحين وغيرهما من هذا الضرب كثيرٌ، كقتادةَ،
والسفیانین، وغيرهم.
[ش]
المَديني، وابن معين، وآخرون(١).
(والصحيحُ التفصيل، فما رواه بلفظ محتمِل لم يبِّن فيه السماعَ فمرسَل) لا
يُقبل، (وما بيّه فيه كـ: سمعت، وحدثنا، وأخبرنا، وشِبْهِها: فمقبول يُحتج
به. وفي الصحيحين وغيرهما من هذا الضرب كثير، كقتادة، والسفيانين،
وغيرهم) كعبد الرزاق، والوليد بن مسلم(٢)، لأن التدليس ليس كذباً، وإنما هو
(١) ((النكت)) للزركشي ٢: ٦٣٤ (١٧٥). وأما الشافعي: فقوله في ((الرسالة
(١٠٢٩)، وابن المديني: في ((الكفاية)) ص٣٦٢، و((التمهيد)) ١: ١٨ = ٧٦، وأما ابن
معين: فقوله مذكور في المصدرين المذكورين، لكنه لا يفيد المدَّعى، ولفظه: سأل
يعقوب بن شيبة ((يحيى بن معين عن التدليس فكرهه وعابه، قلت له: أفيكون المدلس
حجة فيما روى، أو حتى يقول: حدثنا وأخبرنا؟ فقال: لا يكون حجة فيما دلّس))، فأطلقَ
عدم الاحتجاج بحديث كل مدلِّس، أما لفظ جواب ابن المديني ليعقوب بن شيبة نفسه
في المصدرين نفسهما: ((إذا كان الغالب عليه التدليس فلا، حتى يقول: حدثنا))، أما غير
المكثر من التدليس فيقبل حديثه ولو لم يصرح بالسماع، وهذا هو - والله أعلم - مستند
ابن حجر في قبوله عنعنة رجال المرتبة الثانية من مراتب المدلسين. وانظر ما يأتي قريباً ص
٢٦١ - ٢٦٢ عن ابن المديني ومسلم في مقدمة ((صحيحه)).
(٢) هؤلاء خمسة من المدلسين من رجال البخاري ومسلم أصولاً واحتجاجاً،
وقد استقر رأي المتأخرين على ما قعَّده العلائي في ((جامع التحصيل)) ص٩٩، ثم ابن
=

٢٥٧
النوع الثاني عشر : التدليس
حجر في مقدمة ((تعريف أهل التقديس))، من تقسيمهم إلى خمس مراتب: ١ - من لم
يوصف بذلك إلا نادراً. ٢- من احتمل الأئمة تدليسه، وأخرجوا له في الصحيح،
لإمامته وقلة تدليسه في جنب ما روى، کالثوري، أو کان لا یدلس إلا عن ثقة، کابن
عيينة. ٣- مَن أكثر مِن التدليس، فلا يحتج إلا بما صرحوا فيه بالسماع، وقيل: يردّ
مطلقاً: صرَّح بالسماع أو لم يصرح، وقيل: يقبل حديثهم مطلقاً. ٤- من انُّفِقٍ على
عدم الاحتجاج بحديثهم إلا إذا صرحوا بالسماع. ٥- من كان ضعيفاً بسبب آخرَ غيرِ
التدلیس.
وهؤلاء الخمسة المذكورون، منهم: الثوري وابن عيينة وعبد الرزاق، من رجال
المرتبة الثانية، وتقدم حكم رواياتهم، ومنهم: قتادة، وهو من رجال المرتبة الثالثة،
اختُلِف في قبول حديثه، ورجحوا التفصيل: يقبل من حديثه ما صرَّح فيه بالسماع،
لكن لقتادة شأن آخر خاص به، وهو قبول حديثه إذا كان الراوي عنه شعبة بن
الحجاج، فإنه ما كان يَحمل عنه إلا ما صرّح به في السماع، ولو أن الرواية التي بين
أيدينا جاءت بالعنعنة. والخامس منهم، وهو الوليد بن مسلم، ففيه كلام أعرض له
باختصار فأقول:
تقدم ص ٢٤٤ نقلاً عن أبي مسهر والهيثم بن خارجة، وفيه حكاية تدلیس الوليد
ابن مسلم عن الأوزاعي عن بعض الضعفاء والكذابين، عن رجال ثقات، فيأتي الوليد
هذا ويرويها عن الأوزاعي عن الثقات، ويُسقط الضعيف والكذاب من الرواية، فأَنكَر
عليه ذلك الهيثم بن خارجة، فقال الوليد: أُنَبِّل الأوزاعيَّ أن يروي عن مثل هؤلاء،
فقال له الهيثم ما معناه: إنك تُحمِّل الأوزاعي تبعة هذه المناكير، فيضعَّف الأوزاعي
بسببها !! فلم يلتفت الولید إلی قول الهيثم بن خارجة.
وقد علَّق الحافظ ابن حجر على قول الهيثم: ((يُضعَّ الأوزاعي)) بقوله - كما في
((النكت الوفية)) ١: ٤٥٢ -: ((قد وقع ما خافه الهيثم، فإن أحمد سئل عن الأوزاعي؟
فقال: رأي ضعيف، وحديث ضعيف))، ((لأنه كان يحتج بالمقاطيع والمراسيل في
=

٢٥٨
النوع الثاني عشر : التدليس
(ت)
بعض المسائل، ثم يقيس عليها))، قاله البيهقي في ((مناقب الشافعي)) ١: ١٦٦،
وقريب منه للذهبي في ((السير)) ٧: ٤١١.
والذي قصدته من نقلي تعليقَ الحافظ الذي في ((النكت الوفية)): أنه يرى صحة النقل
عن الهيثم بن خارجة، كما هو واضح، فما في ((القول النفيس)) ١: ٧٧ فما بعدها، من
محاولة تضعيف هذا النقل: ليس بنفيس، وفي البحث كله - على طوله - نَظَر.
أما قول الحافظ في ((هدي الساري)) ص٤٥٠: ((احتجوا به في روايته عن
الأوزاعي)): فوجهه - والله أعلم -: ما رواه يعقوب بن سفيان في ((المعرفة والتاريخ))
٢: ٤٦٤ - ومن طريقه الخطيب في ((الكفاية)) ص٣٩٠ - عن دُحَيم قال: حدثنا الوليد
قال: کان الأوزاعي إذا حدثنا یقول: حدثنا یحیی قال: حدثنا فلان، قال: حدثنا فلان،
حتى ينتهي، قال الوليد: فربما حدثتُ كما حدثني، وربما قلت: عن، عن، عن،
تخفُّفاً من الإخبار))، أي: اختصاراً وتخلصاً من تكرار: أخبرنا، وحدثنا، ونحوهما.
وقد صدّر الخطيب هذا النقل بقوله في ((الكفاية)): ((وإنما استجاز كتَبَة الحديث
الاقتصار على العنعنة لكثرة تكرارها، ولحاجتهم إلى كَتْب الأحاديث المجملة بإسناد
واحد، فتكرار القول من المحدث: حدثنا فلان، عن سماعه من فلان: يشقّ ويصعب)).
وساق الحافظ ابن رجب أخباراً في ((شرح العلل)) عن عدد من مشاهيرهم كانوا
يتخففون كذلك، لكنهم ليسوا من المدلسين، ففعلُ الوليد هكذا إما أنه كان على
شاكلتهم: غیر مدلس، فقال الحافظ كلمته هذه، أو أنه کان یستر تدليسه !!
وكان الأخ الفاضل الدكتور عواد حسين الخلف عمل استقراء جيداً ودراسة
مختصرة مفيدة لـ((روايات المدلسين في صحيح البخاري))، وعمِل قبله لـ((روايات
المدلسين في صحيح مسلم))، وصنَّف استقراءه: إلى ما صرَّح كل راو مدلس
بالسماع، وإلى ما عنعن فيه، فذكر في كتابه الأول صفحة ٤٨٣: أن قتادة صرَّح
بالسماع في رواياته عند البخاري في ١١٢ حديثاً، وفيه أيضاً من رواية شعبة عن قتادة
- فهي في حكم السماع - في ٧٣ حديثاً، وعنعن في ٨٩ حديثاً، ثم سردها كلها
=

٢٥٩
النوع الثاني عشر : التدلیس
[ب] -
باختصار وإشارة، حديثاً حديثاً، وكانت النتيجة فيما عنعن فيه: أنها كلها مما صرح
بالسماع في بعضها في مصادر أخرى سوى البخاري، وبعضها رواها البخاري في
المتابعات أو الشواهد، أو أنه قَرَن مع قتادة غيره، أو خبر موقوف، ولا شيء في
مروياته عند البخاري حديثٌ هو في مقام الاحتجاج، وفيه عنعنة قتادة، ولم يتأید.
وكذلك فعل في مرويات قتادة عند مسلم في كتابه الثاني، ذكر في صفحة ٢٧٤
أنه صرح بالسماع في ٦٢ حديثاً، وعنعن في ١٦٠ حديثاً، منها ٧٢ حديثاً رواها مسلم
من طريق شعبة عن قتادة - فهي في حكم ما صرَّح فيه بالسماع -، وبقي عدد ما عنعن
فيه ٨٨ حديثاً، وقد استقرأها كلها وسردها باختصار وإشارة، حديثاً حديثاً، وكانت
النتيجة معه - كما في سابقتها -: جاء التصريح في كثير منها عند مسلم، وفي المصادر
الأخرى، ومنها ما رواه عنه شعبة في تلك المصادر، ومنها ما ساقه مسلم متابعة أو
شاهداً، ومنها ما توبع عليه قتادة، ومنها ما هو مقرون بغيره، والموقوف منها نادر،
وليس فيها شيء معنعن ولم يتأيَّد.
أما الوليد بن مسلم: فبلغت رواياته في ((صحيح)) البخاري ٣٧ حديثاً، صرح
بسماعه في ثلاثين حديثاً، وبقيت سبعة أحاديث معنعنة، وقد استقرأها الدكتور عواد
ص٥٨٨، وذكر أن أربعة أحاديث من السبعة صرّح الوليد فيها بالسماع عند البخاري
أو غيره، وواحداً منها توبع عليه في صحيح مسلم، واثنين رواهما البخاري من طريقه
عن الأوزاعي، وقد قال الحافظ في ((هدي الساري)) ص ٤٥٠: ((احتجوا به في حديثه
عن الأوزاعي))، فهما في حكم المصرَّح فيه بالسماع.
وأما رواياته في صحيح مسلم: فبلغ عدد ما صرَّح فيه بالسماع ٢٢ حديثاً، وعدد
ما عنعنه ١٩ حديثاً، وقد سردها الدكتور عواد على طريقته من الإيجاز والإشارة،
ونتج عنها أن عدداً منها مصرَّح فيه بالسماع عند البخاري وغيره، ومنها في
المتابعات، ومنها ما توبع عليه عند غير مسلم، وليس فيها ما يخشى من روايته أبداً.
وكذلك جاء في هذين الكتابين استعراضُ سائرٍ مَن وصف بالتدليس من رجال
=

٢٦٠
النوع الثاني عشر : التدليس
[ب]
الكتابين، مع متابعة تصنيف العلائي وابن حجر لهم على المراتب الخمسة.
وقد نظرت فيهما نظرة تامة - سوى رجال المرتبة الأولى والثانية - فوجدت
صاحبهما قد وفّى بالردّ الهادئ المقنع: أنْ ليس في الكتابين الصحيحين حديث فيه
عنعنة مدلس من رجال المراتب: الثالثة والرابعة والخامسة، إلا وفيه ما يدفع عنه هذه
العلة، والحمد لله، وقد بلغ عدد رجال الكتاب الأول ثمانية وستين رجلاً، وعدد
رجال الكتاب الثاني ستة وثمانین رجلاً.
وجزى الله مؤلفهما خيراً عن السنة النبوية عامة، وعن الإمامين الجليلين خاصة،
أقول هذا شاکراً له ومقدِّراً جهده، مع احتفاظي ببعض هَنَات نادرة العدد، ولا تؤثر
على البحث أبداً.
ثم وقفت على كتاب ((المدلسين ومروياتهم في صحيح البخاري)) للأخ الكريم
الدكتور فهمي أحمد القزاز - من العراق، سلّمها الله وأغاثها -، استعرض فيه كذلك
باستقراء واستيفاء مرويات المدلسين من رجال الطبقة الثالثة والرابعة فقط، وليس
لأحد من رجال الخامسة رواية في ((صحيح)) البخاري، ودرس كل رواية على حِدَة،
وكانت النتيجة - كما قال في خاتمة كتابه ٢: ٤٠٩ - ٤١٠ -: ((عدد المرويات التي لم
تُوصل ولم تخرج من طريق آخر سبع روايات، من مجموع (٤٢٣٣)، وكانت: ١ - في
باب المناقب وفضائل الأعمال. ٢- وهي من الأحاديث الموقوفة. ٣- وعُرف رواتها
بإمامتهم وثقتهم. ٤- وأنهم لا يروون إلا عن ثقة)).
وأقول فيه ما قلته في العمل الذي قبله: شكراً ودعاء له بكل خير على ما بذل
وقدَّم في خدمة هذين الركنين من أركان السنة المحمدية، وبهذا الجهد المتضافر
يتحقق (حسن الظن) ويصير يقيناً: أن كل معنعن فيهما فهو مسموع أو في حكم
المسموع، والحمد لله. وانظر ما يأتي قريباً ص ٢٦٣ وما بعدها.
وأعود لأقول: إن الأئمة السابقين كانوا على تؤدة تامة، مع بصيرة نافذة، فيما
يكتبون ويحكمون، ومن الضوضاء والصَّخب المغرِض أن يقول قائل: انظروا إلى
=