النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
النوع الحادي عشر : المعضل
الثالث : التعليقُ الذي يذكُّرُه الحميديُّ وغيرُهُ في أحاديثَ من كتابٍ
البخاري - وسبقهم باستعماله الدارقطني - صورته: أنْ يُحذَف من أول
الإسناد واحدٌ فأكثرُ،
[ش]
(الثالث: التعليقُ الذي يذكُرُه الحميديُّ(١) وغيرُهُ) من المغاربة (في
أحاديثَ من كتابِ البخاري - وسبقهم باستعماله الدارقطني(٢) - صورته: أنْ
يُحذَف من أول الإسناد واحدٌ فأكثرُ) على التوالي بصيغة الجزم، ويُعزَى
الحديثُ إلى مَن فوقَ المحذوف مِن رواته، وبينَه وبينَ المعضَل عمومٌ
وخصوص من وجه، فيجامعُه في حذف اثنين فصاعداً، ويفارقه: في حذف
واحد، وفي اختصاصه بأول السند.
(١) الحميدي: أبو عبد الله محمد بن أبي نصر: فتوح الحميدي الأندلسي
الظاهريّ المذهب المتوفى سنة ٤٨٨، رحمه الله، وهو صاحب ((الجمع بين
الصحيحين))، فإنه يذكر في كتابه هذا ما ذكره البخاري معلقاً ويصرِّح به - ولم أره
تعرّض لمعلَّقات مسلم، وإن كانت نادرة ۔۔
مثال ذلك: ما ذكره محققة في مقدمته ص١٦، وأرقامها عنده في ((الجمع)) ثم في
((الجامع الصحيح)) كما يلي: (٩٩٧ = ٢٤٣٣)، (٢٠٧٩-٤٢١، ٣٠٤٩، ٣١٦٥)،
(٢٤٥٠ = ٥٩٣٣)، (٢٣٥٣=٨٩٨)، وكلام ابن الصلاح الذي في آخر المسألة
السادسة من مسائل الصحيح ص٢٣ يحتاج إلى تأمل.
(٢) يريد: أن الدارقطني - وهو من المشارقة، وكانت وفاته سنة ٣٨٥ قبل
الحميدي بقرنٍ - سمَّى ما حُذِف أول إسناده: معلّقاً، وتقدم النقل ٢: ٤٣٠ عن ابن
حجر أن الدارقطني أول من سماه بهذا.

٢٢٢
النوع الحادي عشر : المعضل
وكأنه مأخوذ من تعليق الجدار، أو الطلاق، لقطع الاتصال، واستعمله
بعضهم في حذفِ كلّ الإسناد، كقوله: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم، أو قال ابن عباس، أو عطاء، أو غيرُه: كذا.
[ش]
(وكأنه مأخوذ من تعليق الجدار، أو الطلاق، لقطع الاتصال) فيهما (١)
(واستعمله بعضهم في حذفِ كلِّ الإسناد، كقوله: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم، أو قال ابن عباس، أو عطاء، أو غيرُه: كذا) وإن لم يذكره أصحاب
الأطراف، لأن موضوع كتبهم بيان ما في الأسانيد من اختلاف أو غيره(٢).
(١) ضمير التثنية ((فيهما)) من النسخ، وهو يعود على الطلاق والجدار، مع أن
كلمة ((الطلاق)) زيادة من نسخة ج، د، ومن المتن، وظاهر تسمية الحافظ كتابه
(تغليق التعليق)): يشير إلى اعتباره معنى (تعليق الجدار) أكثر. والله أعلم.
(٢) هذا الكلام عن الأطراف جديد وطريف، لكن فيه إجمال وإيهام، هل
أصحاب الأطراف - وفيهم الإمام المزي - لا يذكرون معلَّقات البخاري - مثلاً - كلَّها؟
أو لا يذكرون منها ما حُذِف إسناده كلُّه؟ أما الذي ذُكر بعض سنده فإنهم يذكرونه؟،
والجواب الشافي منتظَر ممن يعايش الكتاب السنين العديدة في تحقيقه !.
والذي يدعو إلى هذا التساؤل أن المزي - كما سيأتي بعد أسطر - قال في مقدمة
كتابه ((تحفة الأشراف)) يشرح رموزه وخِطَّته فيه: ((علامة ما اتفق عليه الجماعة الستة:
ع، وعلامة ما أخرجه البخاري: خ، وعلامة ما استشهد به تعليقاً: خت))، وتابعه
الحافظ ابن حجر على ذلك فقال في مقدمة ((النكت الظراف)) وهو يذكر استدراكاته
عليه: ((ثم وجدت جملة من الأحاديث أغفلها، وخصوصاً من كتاب النسائي رواية ابن
الأحمر وغيره، وكذلك من تعاليق البخاري))، ومما استدركه من معلَّقات البخاري
حديث معاوية بن حيدة الذي ذكره البخاري تحت الباب ٩٢ من كتاب النكاح.
نعم، لم يصرِّح ولم يلمح كلٍّ من المزي وابن حجر أنهما أدخلا معلقات غير
=

٢٢٣
النوع الحادي عشر : المعضل
وهذا التعليق له حكم الصحيح كما تقدم في نوع الصحيح، ولم
يستعملوا التعليق في غير صيغة الجزم، كـ: يروى عن فلان كذا، ويقال
عنه، ويُذكر، ويحكى وشِبْهها، بل خصّوا به صيغة الجزم، كـ: قال،
وفعل، وأمر، ونھی، وذكر، وحكى،
[ش]
(وهذا التعليق له حكم الصحيح) إذا وقع في كتاب التُزِمتْ صحته (كما
تقدم في) المسألة الرابعة من (نوع الصحيح)(١).
(ولم يستعملوا التعليق في غير صيغة الجزم، كـ: يروى عن فلان كذا،
ويقال عنه، ويذكر، ويحكى وشِبْهها، بل خصّوا به صيغة الجزم، كـ: قال،
وفعل، وأمر، ونهى، وذكر، وحكى) كذا قال ابن الصلاح(٢).
قال العراقي (٣): وقد استعمله غير واحد من المتأخرين في غير المجزوم
به، منهم الحافظ أبو الحجّاج المزي حيث أورد في ((الأطراف)) ما في البخاري
من ذلك مُعْلِماً عليه علامة التعليق، بل المصنف نفسه أورد في ((الرياض)) (٤)
[ب ] -
البخاري في کتابیهما.
(١) المسألة الرابعة ٢: ٤٣٢.
(٢) آخر التنبيه الرابع صفحة ٦٣.
(٣) في ((التقييد)) ١: ٤٤١.
(٤) باب توقير العلماء والكبار وأهل الفضل ص١٧٤ (٣٥٤). وهو في مقدمة
((صحيح)) مسلم ١: ٦ بصيغة غير الجزم: ((وقد ذُكر عن عائشة))، والذي يبدو - والله
أعلم - أنه يريد تضعيفه، ثم أيّده وقوّاه بشاهد قرآني فقال: ((مع ما نطق به القرآن من
قول الله تعالى: ﴿وفوق كل ذي علم عليم))).
=

٢٢٤
النوع الحادي عشر : المعضل
(ت)
إلا أن ابن الصلاح قال في ((صيانة صحيح مسلم)) ص٨٤: ((احتج به وأورده إيراد
الأصول، لا إيراد الشواهد، فهذا يقتضي أنه حكم بصحته))، فينظر؟.
والحديث رواه أبو داود (٤٨٠٩)، وأبو يعلى (٤٨٢٦)، وأعله أبو داود
بالانقطاع.
ورواه البيهقي في ((الشعب)) (١٠٤٨٩) من وجه آخر، وفيه قصة، وانقطاعٌ أيضاً
بين عمرو بن مِخْراق وعائشة.
ومن طريق ميمون عن عائشة: رواه ابن خزيمة في كتاب ((السياسة)) من
((صحيحه))، كما في ((إتحاف المهرة)) (٢٢٨٢١)، وهذا مشعِر بصحته عند ابن
خزيمة، وممن جزم بصحته: الحاكم في ((المعرفة)) ص٢١٧ النوع ١٦، وابن الصلاح
في ((المقدمة)) ص٢٤٧، وفي ((صيانة صحيح مسلم)) ص٨٤، وتَعقب إعلال أبي داود
بتعقب - من حيث هو - وجيه، لكنه لا ينطبق هنا، ذلك أن حكم النقاد على حديث
بالانقطاع لا يتوقف - فقط - على قول الراوي: لم أَلقَ فلاناً، بل أكثر أحكامهم قائمة
علی تتُعهم.
وقد أطال السخاوي في تخريج الحديث في ((المقاصد)) (١٧٩)، وفي ((الجواهر
والدرر)) له ١: ٥٥ - ٦٠، وقال في آخرهما: ((وبالجملة فحديث عائشة حسن)).
هذا، وسيشير الشارح ـ تبعاً لابن الصلاح - إلى هذا الحديث أول النوع ٤١:
رواية الأكابر عن الأصاغر ٢٦٨:٥.
هذا، وقد عزا العراقيُّ الحديث في ((التقييد والإيضاح)) ٢: ٩٩٤ إلى ((المتفق
والمفترق)) للخطيب، والسخاويُّ في ((الجواهر والدرر)) ١: ٥٨ إليه وإلى ((الجامع))
للخطيب أيضاً، ولم أره في المطبوع من ((المتفق والمفترق))، وهو في ((الجامع))
(٨٠٦).
وأيضاً: فإن العراقي نقل في ((التقييد)) ٢: ٩٩٢ كلام ابن الصلاح المشار إليه في
تصحيح الحديث، لكن نسبه في أول الكلام وآخره إلى كتاب لابن الصلاح سماه
=

٢٢٥
النوع الحادي عشر: المعضل
ولم يستعملوه فيما سَقَطْ وَسْط إسناده.
[ش]
حديث عائشة: أُمِرْنا أنْ نُنَزِّلَ الناس منازلهم، وقال: ذَكَرَه مسلم في صحيحه
تعليقاً، فقال: وذُكِر عن عائشة.
(ولم يستعملوه فيما سَقَطْ وَسَطَ(١) إِسناده) لأن له اسماً يخصُّه من الانقطاع
والإرسال والإعضال.
[ب] -
((التحرير))، وهو سبق ذهن منه رحمه الله، فكلام ابن الصلاح الذي نقله العراقي
مذكور بالحرف في ((صيانة صحيح مسلم)) ص ٨٤، وليس لابن الصلاح كتاب اسمه
(التحرير))، إنما ((التحرير)) شرح على صحيح مسلم لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل
الأصبهاني (٥٠٠ - ٥٢٦)، ترجمهُ الذهبي عَرَضاً مع ترجمة أبيه في ((السير)) ٨٣:٢٠،
ووصفه بالإمامة مع صغر سنه رحمه الله تعالی.
(١) [قال الإمام النووي في ((دقائق المنهاج)) - ص٣٣ -: قال أهل اللغة: كل
موضع يصلح فيه : (بين)، قلتَ: وسْط، بإسكان السين، وإلا فوسَط بالفتح، ويجوز
الإسكان علی ضعف. انتهى.
وقوله : بفتح السین، لأن المراد به ما يُكْتنف من جوانبه.
قال في ((المصباح)) - مادة (وسط) -: الوسط بالتحريك: المعتدل، وقد يراد
به : ما يُكتنف به من جوانبه، ولو من غير تساوٍ، كما قيل: إن صلاة الظهر هي
الوسط، ويقال: ضربت وسَط رأسه بالفتح، لأنه اسم لما يكتنفه من جهاته غيرُه،
ويصح دخول العوامل عليه، فيكون فاعلاً كما هنا، ومفعولاً ومبتدأً، فيقال: اتسع
وسطُهُ، وضربت وسطَ رأسه، وجلست في وسطِ الدار، ووسطُه خير من طرفيه،
والسكون فيه جائز، وأما وسْط - بالسكون - فهو بمعنى: (بين)، نحو : جلست وسْط
القوم، أي: بينهم .. إلخ. انتهى.]

٢٢٦
النوع الحادي عشر : المعضل
[ش]
أما ما عزاه البخاري لبعض شيوخه بصيغة: قال فلان، وزاد فلان، ونحو ذلك،
فلیس حکمه حكم التعلیق عن شيوخ شيوخه ومن فوقهم، بل حكمه حكم العنعنة
من الاتصال بشرط اللقاء والسلامة من التدليس، كذا جزم به ابن الصلاح(١).
قال(٢): وبلغني عن بعض المتأخرين من المغاربة أنه جعله قسماً من التعليق
ثانياً، وأضاف إليه قول البخاري: وقال لي فلان، وزادنا فلان، فوسَمَ كلَّ ذلك
بالتعليق.
قال العراقي(٣): وما جزم به ابن الصلاح هنا هو الصواب، وقد خالف ذلك
في نوع الصحيح، فجعل من أمثلة التعليق قول البخاري: قال عفان كذا، وقال
القَعْنَي كذا، وهما من شيوخ البخاري(٤)، والذي عليه عملُ غيرِ واحدٍ من
المتأخرين - كابن دقيق العيد والمِزّي - أن لذلك حكمَ العنعنة.
قال ابن الصلاح هنا(6): وقد قال أبو جعفر ابن حمدان النيسابوري(٦) - وهو
[ب] -
(١) الفرع الثالث من النوع الحادي عشر ص٥٩.
(٢) في الفرع الرابع ص٦٣.
(٣) في ((شرح ألفيته)) ص٢٩.
(٤) في المسألة السادسة من مسائل الصحيح ص ٢٠ - ٢١.
(٥) في الفرع الرابع من النوع الحادي عشر: المعضل ص٦٣، وسيكرره في
بحث: المناولة المقرونة بالإجازة ص١٥٢، وسها الحافظ العراقي رحمه الله فنسب في
((شرح الألفية)) ص٢٢٢ هذا القول إلى ابن الرجل المذكور هنا أبي عَمْرو ابن أبي
جعفر بن حمدان.
(٦) هو الإمام الحافظ الزاهد القدوة المجاب الدعوة شيخ الإسلام أبو جعفر
=

٢٢٧
النوع الحادي عشر : المعضل
[ش]
أعرف بالبخاري -: كلَّ ما قال البخاري: قال لي فلان، أو قال لنا: فهو عرض
ومناولة(١).
أحمد بن حمدان بن على النيسابوري، ولد في حدود سنة ٢٤٠، وتوفي ٣١١،
رحمه الله تعالى، قاله الذهبي في ((السير)) ١٤: ٢٩٩، واقرأ في سيرته علوّ الهمة في
طلب الإسناد الواحد العالي، ونقل الذهبي هناك هذا القول عن ((تاريخ)) نيسابور
للحاكم.
وكان عمل ((مستخرجاً)) على ((صحيح)) مسلم، وتنظر في ((الجامع)) للخطيب
(١٨٨) قصة طريفة أثناء قراءة هذا ((المستخرج)) على مؤلفه.
(١) تحتمل أن تكون هذه الواو لعطف المغايرة، وأن تكون لعطف التفسير.
فإن كانت للمغايرة فالعرض: هو قراءة الطالب الحدیث على الشیخ، كأنه یعرض
عليه ما عنده، كما يعرض القارئ* محفوظه من القرآن على القارئ، وهذا هو القسم
الثاني من أقسام التحمل، وسيأتي إن شاء الله ٤: ٢٢٣.
أما المناولة: فأن يدفع الشيخ إلى الطالب أصلَ سماعه أو فرعاً مقابلاً به ويقول:
هذا سماعي أو روايتي عن فلان، فارْوِهِ عني، أو أجزت لك روايته عني. قاله ابن
الصلاح ص١٤٦ في القسم الرابع من أقسام التحمل من النوع الرابع والعشرين.
ثم ذكر صورة ثانية للمناولة تناسب أن تكون الواو لعطف التفسير فقال: ((أن
يجيء الطالب إلى الشيخ بكتاب أو جزء من حديثه فيعرضه عليه، فيتأمله الشيخ وهو
عارف متیقظ، ثم يعيده إليه ويقول له: وقفت على ما فيه، فاروِهِ عني، وقد سماه غير
واحد من أئمة الحديث ((عرضاً)) .. فلنُسَمِّ هذا: عرض المناولة)). والظاهر أنه يريد
بـ((العرض)): القراءة على الشيخ، وبـ(المناولة)): الصورة الثانية من ((المناولة)) التي
هي: عرض المناولة، والله أعلم، وينظر ((فتح الباري)) ١ : ١٥٤ الباب السابع من
=

٢٢٨
النوع الحادي عشر : المعضل
وقال غيره: المعتمد في ذلك ما حققه الخطيب(١) من أن ((قال)) ليست
[ش]
[ب] -
كتاب العلم.
على أن الحافظ تعقّب هذا من أبي جعفر ابن حمدان، فقال في ((النكت)) ٢:
٦٠١: ((فيه نظر، فقد رأيت في ((الصحيح)) عدة أحاديث قال فيها ((قال لنا فلان))
وأوردها في تصانيفه خارج ((الجامع)) بلفظ: حدثنا. ووجدت في ((الصحيح)) عکس
ذلك، وفيه دليل على أنهما مترادفان. والذي تبيَّن لي بالاستقراء من صنيعه أنه لا يعبّر
في ((الصحيح)) بذلك إلا في الأحاديث الموقوفة أو المستشهَد بها، فيخرج ذلك حيث
یحتاج إلیه عن أصل مَسَاق الکتاب)).
قلت: وانظر - مثلاً - من ((مقدمة الفتح)) ترجمة حماد بن سلمة ص٣٩٩، ومن
((الفتح)) كلامه على الحديث (٦٥، ٦٩٥، ٨٤٨)، وتحت الباب الرابع والعشرين من
کتاب النكاح ٩: ١٥٤.
وأنقل كلامه في الموضع الثالث، قال البخاري رحمه الله: ((وقال لنا محمد بن
يوسف: حدثنا الأوزاعي .. ))، فقال الحافظ ٢: ١٨٨: ((قيل: عبَّر بهذه الصيغة لأنه مما
أخذه من شيخه في المذاكرة فلم يقل فيه: حدثنا، وقيل: إن ذلك مما تحمّله
بالإجازة، أو المناولة، أو العرض، وقيل: هو متصل من حيث اللفظ، منقطع من
حيث المعنى، والذي ظهر لي بالاستقراء خلاف ذلك، وهو أنه متصل، لكنه لا يعبِّر
بهذه الصيغة إلا إذا كان المتن موقوفاً أو كان فيه راو ليس على شرطه، والذي هنا من
قَبیل الأول)).
(١) في ((الكفاية)) ص٢٨٩، دون حكاية صنيع البخاري، وأشار ص ٢٩٠ إلى
طريقة حجاج الأعور، ونقلها عنه ابن الصلاح آخر القسم الأول من النوع الرابع
والعشرین ص١٢١.

٢٢٩
النوع الحادي عشر : المعضل
[ش]
كـ(عن))، فإن الاصطلاح فيها مختلف (١)، فبعضهم يستعملها في السماع
دائماً، كحجاج بن موسى المِصّيصي الأعور، وبعضُهم بالعكس لا يستعملها إلا
فيما لم يسمعه دائماً، وبعضهم تارةً كذا، وتارة كذا، کالبخاري، فلا يُحكم
عليها بحكم مطَّرد.
ومثلُ ((قال)): ((ذَكَر))، استعملها أبو قُرَّة في ((سننه))(٢) في السماع، لم يذكر
سواها فیما سمعه من شيوخه في جميع الکتاب.
تنبيه :
فرَّق ابن الصلاح(٣) والمصنف أحكام المعلَّق فذكرا بعضَه هنا، وهو
حقيقته(٤)، وبعضَه في نوع الصحيح، وهو حكمه، وأحسنُ من صنيعهما صنیعُ
العراقي حيث جمعهما في مكان واحد في نوع الصحيح(٥)، وأحسنُ من ذلك
صنيعُ ابنِ جماعة حيث أفرده بنوع مستقل هنا (٦).
[ب] -
(١) في و، ك: يختلف.
(٢) أبو قرَّة: هو موسى بن طارق الزَّبيدي، من شيوخ أحمد وابن راهويه،
مترجم في التهذيبين وغيرهما، ونقل الذهبي في ((السير)) ٩: ٣٤٦، وابن حجر في
((التهذيب)) ١٠: ٣٥٠ عن حمزة السهمي قوله: «سألت الدار قطنيَّ: أبو قرَّة لا يقول
((أخبرنا)) أبداً، يقول: ذكر فلان، أَيْشٍ العلةُ فيه؟ فقال: هو سماع له كلَّه، وقد كان
أصاب کتبه آفةٌ، فتورَّع فیه، فکان یقول: ذکر فلان».
(٣) في ((المقدمة)) ص ٢٠، ٦١.
(٤) يريد هنا: صُوَرَه وأمثلته.
(٥) ((شرح الألفية)) ص ٢٦ - ٢٧.
(٦) في ((المنهل الروي)) ص٤٩، والطيبي في ((الخلاصة)) ص ٤٧، وجعله
=

٢٣٠
النوع الحادي عشر : المعضل
الرابعُ: إذا روى بعض الثقات الضابطين الحديثَ مرسلاً، وبعضهم
[ش]
(الرابعُ(١): إذا روى بعض الثقات الضابطين الحديث مرسلاً، وبعضهم
[ب] -
الشارح النوع السادس والستين.
(١) هذا الفرع معقود لبيان حكم زيادة الثقة، وزيادة الثقة تكون في السند، كما
هنا، وتكون في المتن، وقد أفرد الإمام ابن الصلاح ((زيادات الثقات وحكمها)) في
نوع مستقل يأتي إن شاء الله تعالى: النوع السادس عشر ص٣١٩، وفصَّل القول في زيادات
الثقات في المتن، وأوجز القول في زياداتهم في الإسناد، وذكر فيه هذا الفرع الرابع فقط،
وكان ينبغي إلحاقه بما تقدم آخر النوع الحادي عشر، أو نقل ما هناك إلى هنا.
وكما أنه استُحسِن من العراقي جمعُه أحكام المعلق في مكان واحد، فليكن
کذلك الموقف من جمع أحكام زیادات الثقات في الأسانید والمتون في مكان واحد،
ثم رأيت هذا التنبيه في ((النكت الوفية)) ١ : ٤٢٦.
وممن جمع الكلام على المسألتين في مكان واحد: الإمام ابن حبان رحمه الله،
فإنه تكلم عليهما معاً في مقدمة ((صحيحه)) ١: ١٥٩ - بترتيبه -، وفي مقدمة كتابه
(المجروحين)) ١: ٩٣، وله فيهما رأي وجيه استحسنه الحافظ ابن حجر في ((النكت
الوفية)) ١ : ١٥٢.
ولفظ ابن حبان في مقدمة ((الصحيح)): ((إن أصحاب الحديث الغالب عليهم
حفظ الأسامي والأسانيد دون المتون، والفقهاء الغالب عليهم حفظ المتون وأحكامها
- كذا، ويحتمل كسر الهمزة - وأداؤها بالمعنى دون حفظ الأسانيد وأسماء
المحدثين، فإذا رفع محدث خبراً وكان الغالبَ عليه الفقهُ، لم أقبل رفعه إلا من
كتابه، لأنه لا يَعلم المسند من المرسَل، ولا الموقوف من المنقطع، وإنما همَّه إحكام
المتن فقط، وكذلك لا أقبل من صاحب حديث حافظ متقن أتى بزيادة لفظة في
الخبر، لأن الغالب عليه إحكام الإسناد وحفظ الأسامي والإغضاء عن المتون وما فيها
من الألفاظ إلا من كتابه، هذا هو الاحتياط في قبول الزيادات في الألفاظ)).
=

٢٣١
النوع الحادي عشر : المعضل
متصلاً، أو بعضهم موقوفاً، وبعضهم مرفوعاً، أو: وصله هو، أو رفعه في
وقتٍ، وَأرسله، أو وقفه في وقت: فالصحيح أن الحكم لمن وصله أو
رفعه، سواءً كان المخالف له مثلَه أو أكثرَ، لأن ذلك زيادةُ ثقةٍ، وهي مقبولة.
[ش]
متصلاً، أو بعضهم موقوفاً، وبعضهم مرفوعاً. أو: وصله هو، أو رفعه في
وقت، وأرسله، أو وقفه في وقت) آخر (١):
(١ - فالصحيح) عند أهل الحديث والفقه والأصول (أن الحكم لمن وصله
أو رفعه، سواءٌ كان المخالف له مثلَه) في الحفظ والإتقان (أو أكثر) منه (لأن
ذلك) أي: الرفعَ والوصلَ (زيادةُ ثقةٍ، وهي مقبولة) على ما سيأتي(٣).
وقد سئل البخاري عن حديث ((لا نكاحَ إلا بوليّ))(٣)، وهو حديث اختُلف
[ب] -
وحين أشار الحافظ إلى هذا المعنى قال مستحسناً له - كما في ((النكت الوفية)) ١ :
١٥٢ -: ((رحم الله ابن حبان حيث نظر مثل هذا النظر .. )).
(١) قوله ((أو: وصله هو، أو رفعه في وقتٍ، وأرسله، أو وقفه في وقت آخر)):
هذه أربع صور في اختلاف الرواية من الراوي: ١ - بأنْ رواه زيد - مثلاً - مرة
موصولاً. ٢ - ومرة مرسلاً. ٣ - ومرة مرفوعاً. ٤ - ومرة موقوفاً. فالصورة الأولى التي
في المتن يقابلها الصورة الثالثة فيه، والصورة الثانية يقابلها الصورة الرابعة.
(٢) أول النوع السادس عشر صفحة ٣١٩. والكلام طويل جداً، والإحالة تغني
إن شاء الله، فتنظر المسألة في ((الكفاية)) ص٤٠٩، و((النكت)) للحافظ ٢: ٦٠٣، و
((شرح النخبة)) له ص٦٥، و((النكت الوفية)) ١: ٤٢٦.
(٣) رواه موصولاً: الطيالسي (٥٢٥)، وابن أبي شيبة في ((المصنَّف)) (١٦١٨٦،
٣٧٢٧٢)، وأحمد ٤: ٣٩٤، ٤١٣، وأبو داود (٢٠٧٨)، والترمذي (١١٠١) وأطال
الكلام عليه عقب (١١٠٢)، وفي ((العلل الكبير)) له ١: ٤٢٨، وابن ماجه (١٨٨١)،
=

٢٣٢
النوع الحادي عشر : المعضل
[ش]
فيه على أبي إسحاقَ السَّبِيعي، فرواه شعبة والثوريُّ عنه، عن أبي بُردة، عن
النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً، ورواه إسرائيلُ بن يونسَ في آخرينَ، عن
جدِّه أبي إسحاقَ، عن أبي بردة، عن أبي موسى متصلاً، فحكَم البخاريُّ لمن
وصله، وقال: الزيادة من الثقة مقبولة(١)، هذا مع أن من أرسله شعبةُ وسفيانُ،
وهما جَبَلان في الحفظ والإتقان.
وقيل: لم يحكم البخاري بذلك لمجرد الزيادة ، بل(٣) لأن لِحذاقٍ
المحدِّثين نظراً آخرَ، وهو الرجوع في ذلك إلى القرائن دون الحكم بحكم
مطَّرد، وإنما حكم البخاري لهذا الحديث بالوصل لأن الذي وصله عن أبي
[ب] -
وابن حبان (٤٠٧٧، ٤٠٧٨)، والحاكم (بعد ٢٧٠٩ - ٢٧١٧)، وأطال الكلام عليه
أيضاً.
ورواه مرسلاً: ابن أبي شيبة (١٦١٨٨، ٣٧٢٧١)، والترمذي في الموضعين
السابقين، والحاكم كذلك، وغيرهم، والحديث صحيح متصلاً مسنداً، وينظر كلام
الحافظ عليه في ((النكت)) له ٢: ٦٠٥ - ٦٠٩، و((النكت الوفية)) ١: ٤٢٦ - ٤٢٨، وما
يأتي قريباً.
(١) أسند هذه الحكاية الخطيبُ في ((الكفاية)) ص٤١٣، وذكرها ابن رجب في
((شرح العلل)) ١: ٤٢٩، وعلَّق عليها بما يتفق مع ما هنا لكنه قال: ((إنْ صحت))؟.
(٢) من هنا بدأ النقل من ((النكت الوفية)) ١: ٤٢٦، وهذا القيل هو تحقيق
الحافظ ابن حجر للمسألة بنفس قوي فيه، وفي ((شرح النخبة)» ص ٦٥ فما بعدها،
وفي ((النكت)) ٢: ٦٠٤ فما بعدها و٢: ٦٨٧ فما بعدها.
وأصل هذا البحث للخطيب في ((الكفاية)) ص٤١٢ - ٤١٣.

٢٣٣
النوع الحادي عشر : المعضل
[ش]
إسحاق(١) سبعةٌ، منهم: إسرائيلُ حفيدُهُ وهو أثبتُ الناس في حديثه، لكثرة
ممارسته له، ولأن شعبة وسفيان سمعاه منه في مجلس واحد، بدليل رواية
الطيالسي في ((مسنده))(٢) قال: حدثنا شعبة قال: سمعت سفيان الثوري يقول
(١) هكذا في ((النكت الوفية)) ١: ٤٢٧ على أنه من كلام شيخه ابن حجر، لكن
كلام ابن حجر في ((النكت)) ٢: ٦٠٦: ((إن یونس وابنَيْه اسرائيل وعيسى رووه عن أبي
إسحاق موصولاً، ووافقهم على ذلك أبو عوانة، وشريك النخعي، وزهير بن
معاوية، وتمام العشرة من أصحاب أبي إسحاق)).
قلت باختصار شديد: روایة یونس عند أحمد ٤: ٤١٣، ورواية إسرائيل عند
أحمد أيضاً ٤: ٣٩٤، ورواية شريك عند الترمذي (١١٠١)، وابن حبان (٤٠٧٧،
٤٠٩٠)، ورواية زهير بن معاوية عند ابن حبان (٤٠٧٧) والحاكم (٢٧١٣)، وتراجع
روایة عیسی بن یونس؟.
ورواه الطيالسي (٥٢٥)، والحاكم من طريق أبي عوانة (٢٧١٤)، ورواه
الطحاوي في ((شرح المعاني)) ٣: ٩ من طريق قيس بن الربيع، ورواه ابن عدي ٥:
١٩٥٨ من طريق عبد الحميد بن الحسن الهلالي، فهؤلاء سبعة، يضاف إليهم رواية
عیسی بن یونس، فصاروا ثمانية.
وقال الحاكم (بعد ٢٧١٤): ((وصلَ هذا الحديثَ عن أبي إسحاق جماعةٌ من أئمة
المسلمين غير من ذكرناهم، منهم: أبو حنيفة النعمان بن ثابت، ورَقَبَة بن مَصْقَلة
العبدي، ومطرِّف بن طريف الحارثي، وعبد الحميد بن الحسن الهلالي، وزكريا بن
أبي زائدة، وغيرهم)). فهؤلاء اثنا عشر راوياً سوى عبد الحميد الهلالي، فإنه تكرر.
(٢) هذه الرواية ليست في ((مسند)) الطيالسي تحت الرقم الذي سبق ذكره
(٥٢٥)، ولا في مكان آخر، إنما هي في ((سنن)) الترمذي (١١٠٢ م) عن محمود بن
=

٢٣٤
النوع الحادي عشر : المعضل
ومنهم من قال: الحكم لمن أرسله أو وقفه، قال الخطيب : وهو ...
[ش]
لأبي إسحاق: أحدَّكَ أبو بردةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر الحديثَ،
فرجعا كأنهما واحد، فإن شعبة إنما رواه بالسماع على أبي إسحاق بقراءة
سفيان.
وحَكَم الترمذي في ((جامعه))(١) بأن رواية الذين وصلوه أصح، قال: لأن
سماعهم منه في أوقات مختلفة، وشعبة وسفيان سمعاه في مجلس واحد.
وأيضاً(٢): فسفيان لم يقل له: ولم يحدثك به أبو بردة إلا مرسلاً، وكأن
سفيان قال له: أسمعتَ الحديث منه، فقَصْدُه إنما هو السؤال عن سماعِه له، لا
کیفیة روايته له.
(٢ - ومنهم من قال: الحكم لمن أرسله أو وقفه، قال الخطيب(٣): وهو
[ب] -
غيلان، عن أبي داود الطيالسي. والله أعلم.
-
(١) عقب الحديث (١١٠٢).
(٢) من هنا تحليل الحافظ ابن حجر لكلام الترمذي، نقله في ((النكت الوفية)) ١ :
٤٢٨، وهناك البيان والتمثيل.
وأقول: هذا كلام قوي، ولكنه في واقعة معينة، فلا ينبغي أن يتخذ حجة لننفي
عن الإمام البخاري أنه لا يقول بقبول زيادة الثقة، فقد صرح في موضعين متتاليين من
((صحيحه) بأن زيادة الثقة مقبولة، وذلك برقم (١٤٨٣، ١٤٨٤)، ولفظه في الموضع
الثاني: ((يؤخذ أبداً في العلم بما زاده أهل الثَبَت أو بَّنوا))، ومعنى ((يؤخذ أبداً»: أي:
دائماً وقطعاً.
(٣) في ((الكفاية)) ص٤١١ والقولان التاليان منه، وها هنا تنبيه مهم على اختيار
=

٢٣٥
النوع الحادي عشر : المعضل
قول أكثر المحدثين، وعن بعضهم: الحكمُ للأكثر، وبعضهم للأحفظ، ..
[ش]
قول أكثر المحدثين.٣ - وعن بعضهم: الحكمُ للأكثر، ٤ - و) عن (بعضهم):
الحكم (للأحفظ).
الخطيب أن الزيادة من الثقة مقبولة مطلقاً.
ذكر ابن رجب في ((شرح العلل)) ١: ٤٢٨: كتاب الخطيب ((تمييز المزيد في
متصل الأسانيد))، وقال عنه: ((قسمه قسمين: أحدهما: ما حكم فيه بصحة ذكر الزيادة
في الإسناد وتركها. والثاني: ما حكم فيه بردّ الزيادة وعدم قبولها))، فكيف يقول في
((الكفاية)) ص٤١١: ((ومنهم من قال: الحكم للمسند إذا كان ثابت العدالة ضابطاً
للرواية .. ، وهذا القول هو الصحيح عندنا)»؟.
ثم علق ابن رجب عليه بقوله: ((إن الخطيب تناقض فذكر في كتاب ((الكفاية))
للناس مذاهب في اختلاف الرواة في إرسال الحدیث ووصله، کلّها لا تعرف عن أحد
من متقدمي الحفاظ، إنما هي مأخوذة من كتب المتكلمين - يريد: الأصوليين
المتكلمين كالباقلاني والرازي، لا الأصوليين الفقهاء -، ثم إنه - أي الخطيب - اختار
أن الزيادة من الثقة تقبل مطلقاً) كما نصره المتكلمون وكثير من الفقهاء، وهذا يخالف
تصرفه في كتاب ((تمییز المزيد))، وقد عاب تصرّفه في كتاب ((تمییز المزيد)) بعض
محدثي الفقهاء، وطمع فیه لموافقته لهم في كتاب ((الکفایة)).)) انتهى.
وزاد الأمر بياناً الإمام الشارح السيوطي رحمه الله فقال في ((البحر الذي زخر)) من
القسم غير المطبوع ورقه ٩٧/ب: ((وأقول: الذي عندي أن الخطيب مشى على رأي
الأصوليين، لأنه نقل هذا الفصل - الذي في ((الكفاية)) ص٤٠٩ - ٤١٣ - من كتاب
((التقريب)) للقاضي أبي بكر - الباقلاني - ونقل منه أيضاً عدة فصول في ((الكفاية)) نقلها
برمَّتها حرفاً بحرف من غير تغيير ولا تلخيص، ولا زيادة ولا نقصان، فتبعه على ذلك
تقليداً له)).

٢٣٦
النوع الحادي عشر : المعضل
وعلى هذا: لو أرسله، أو وقفه الأحفظُ: لا يقدحُ الوصلُ والرفعُ في
عدالة راويه، وقيل : يقدح فيه وصلُهُ ما أرسلهُ الحفاظ.
[ش]
(وعلى هذا) القولِ: (لو أرسله، أو وقفه الأحفظُ: لا يقدحُ الوصلُ والرفعُ
في عدالة راويه) ومسنِدُه من الحديث غيرُ الذي أرسله (١)، (وقيل: يقدح فيه
وصلُه ما أرسلهُ) أو رَفْعُه ما وقفه (الحفاظ).
وصحح الأصوليون في تعارض ذلك مِن واحدٍ في أوقاتٍ: أن الحكم لِمَا
وقع منه أكثر، فإن كان الوصل أو الرفع أكثرَ قدِّم، أو ضدُّهما: فكذلك.
قلت: بقي عليهم ما إذا استويا، بأنْ وقع كل منهما في وقتٍ فقط، أو
وقتين فقط؟.
فائدة :
قال الماوردي: لا تعارض بين ما ورد مرفوعاً مرة، وموقوفاً على الصحابي
أخری، لأنه يكون قد رواه وأفتى به(٢).
[ب] -
(١) الواو في قوله ((ومسنِدُهُ من الحديث)) هي واو الحال، أي: والحالُ أن
الراوي المسنِدَ الواصل للحديث غيرُ الذي رواه مرسلاً. والنقل ما يزال من ((الكفاية)).
(٢) لفظ الماوردي في ((الحاوي)) ٢: ٣٥٩ أول باب صلاة المسافر: ((مذهبنا
- الشافعية -: أن الخبر إذا رُوي موقوفاً ومسنداً، حُمِل الموقوف على أنه مذهب
الراوي، والمسنَد على أنه قول النبي صلى الله عليه وسلم))، ومثله في ((الكفاية))
ص٤١٧، و(المحصول)) للرازي ٤: ٤٤٩، وقرَّر ابن القيم هذا المعنى في ((الفروسية))
ص٢١٨، ثم فصَّل القول فيه ص٢٨١ - ٢٨٢.
وهذه الفائدة - والله أعلم - استفادها الشارح من كلام الحافظ في ((النكت)) له ٢:
٦١٠، - وورد هذا الاحتمال في كلامٍ قاله العلائي، نقله الحافظ في ((النكت)) ٢:
=

٢٣٧
النوع الحادي عشر : المعضل
٦٩٦ - ويُنظر هناك تعليق الحافظ عليها.
ومع ما عرضه الحافظ هناك - في الموضع الأول - من بحث أصولي حديثي متين
مُراعىَ فيه واقع الرواة، فإنه ينبغي أن يُراعى فيه جانب آخر، هو جانبُ خاصةِ الرواة،
أعني: أئمتهم وأصحاب الرواية والدراية والمفتين، سواء أكان من الصحابة أم ممن
جاء بعدهم.
فمن الأخبار عن الصحابة في ذلك: ما رواه أبو داود (٤٦٦٦)، وابن ماجه (٧٧)
عن عبد الله بن الديلمي أنه وقع في نفسه شيء من القَدَر، فأتى أبيَّ بن كعب فسأله
فأجابه بجواب في خمسة أسطر، ثم ذهب إلى ابن مسعود - وفي رواية ابن ماجه: أن
أبيّا دلَّه على ابن مسعود - فأجابه بمثل جواب أُبيّ، ثم ذهب إلى حذيفة بن اليمان،
فأجابه بمثل جوابهما، ثم ذهب إلى زيد بن ثابت فسأله قال ابن الديلمي: فحدّثني عن
النبي صلى الله عليه وسلم بمثل ذلك.
فهؤلاء ثلاثة من أجلّة الصحابة أجابوه بما ظاهره أنه موقوف على أنفسهم،
وصرّح الرابع منهم برفعه، والجواب واحد، فدلّ اتحاد جوابهم على أنه مرفوعٍ
عندهم، مسموع لهم من النبي صلى الله عليه وسلم، فمثل هذا: لا يصحّ أن يُعَلَّ
المرفوع بالموقوف.
ومثال آخر من واقع السيدة عائشة رضي الله عنها، فقد روى عنها البخاري
(٤٧٩٦)، ومسلم ٢: ١٠٦٩ (٥) قولها: حرِّموا من الرضاعة ما تحرمون من النسب،
وروى عنها مسلم قبل صفحة مرفوعاً ((يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة))،
فالأول فتیا، والثاني رواية، ولا يصح إعلال الثاني بالأول.
وأما من أخبار كبار الطبقة التالية لهم، وهم رجالات السلف ومن كان عليه
المدار روايةً وفقهاً: فقد روى الدارمي في ((سننه)) (٢٦٦) عن عاصم الأحول قال:
سألت الشعبي عن حديث، فحدّثنيه، فقلت: إنه يرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم؟
فقال: لا، على من دون النبي صلى الله عليه وسلم أحبُّ إلينا، فإن كان فيه زيادة أو
=

٢٣٨
النوع الحادي عشر : المعضل
[ش]
-
(ت)
-
نقصان، کان علی من دون النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم ذكر الدارمي آثاراً أخرى كثيرة على هذا السَّنن من رقم (٢٦٦ - ٢٨٧)، ومنها
الأرقام (٢٧١ - ٢٧٤) فإنها تفيد أن الشعبي متأثر بهذا من هَدْي ابن مسعود، ومن
صحبته لابن عمر رضي الله عنهم جميعاً.
وليس معنى هذا أنهما كانا لا يتحدَّثَان بالعلم أبداً، بل معناه أنهما كانا يتحرَّجان
من رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فيتكلمان بكلام على أنه من
عندهما، فإذا اقتضت الحال رفع الحديث صرّحا بذلك، فينقل عنهما على الوجهين،
وكلٌّ منهما صحيح: مرفوعاً وموقوفاً، ولا يصح إعلال أحد الوجهين بالآخر.
وهذا أمر مشاهد من واقع أيّ رجل عالم، يُسأل فيجيب، أو يُستَرشَد فيرشد،
بحديث شريف يفهم السائل منه مراده وجوابه، على أنه من كلام هذا الشيخ الذي
استفتاه ، ثم يكون الشيخ المفتي نفسه في مجلس علم ودرس عام أو خاص، وتسوقه
المناسبة إلى ذكر الحديث فيذكره بتمامه مع تسمية صحابيّه - مثلاً - ومَن رواه من
الأئمة المحدثين، ولو قدِّر أن هذا السائل المستفتي كان حاضراً الدرسَ لما أنكر على
الشيخ اختصارَه في الجواب أولاً، وتفصيلَه في مجلس العلم والدرس ثانياً.
وعلى هذا: فلو قلنا: إن الاختلاف بين الرفع والوقف، والوصل والإرسال: إنْ
كان مداره على راوٍ من الرواة، فحينئذ يجري فيه بحث الحافظ المشار إليه، وإن كان
مدار الاختلاف على كبير من كبرائهم، كابن مسعود، وكالشعبي ونظرائهما أو مَن
دونهما ممن يُرجع إليه في الفتيا والإرشاد: فينبغي أن يُراعى في الحكم عليه ما قاله
الماوردي، وقرَّرتُه بشاهده، وتمثيلُ الخطيب في كلامه الذي في ((الكفاية)) ص ٤١٧
بابن عيينة يؤكد هذا. والله أعلم.

٢٣٩
النوع الثاني عشر : التدلیس
النّوع الثّاني عشر: التّدليس
وهو قسمان : الأول : تدليس الإسناد : بأنْ يَرويَ عمن عاصره ما لم
یسمعه منه، مُوهِماً سماعه قائلاً: قال فلان، أو عن فلان، ونحوه،
[ش]
(النوع الثاني عشر: التدليس)(١)
(وهو قسمان) بل ثلاثة، أو أكثر، كما سيأتي (٢).
(الأول: تدليس الإسناد: بأنْ يَرويَ عمن عاصره)، زاد ابن الصلاح: أو
لقيه (ما لم يسمعه منه) بل سمعه من رجل، عنه، (مُوهِماً سماعَه)، حيثُ أورده
بلفظ يُوهم الاتصال ولا يقتضيه، (قائلاً: قال فلان، أو عن فلان، ونحوَه) كـ:
أنّ فلاناً، فإنْ لم يكن عاصره فليس الروايةُ عنه بذلك تدليساً على المشهور.
وقال قوم(٣): إنه تدليس، فحدُّوه: بأنْ يحدِّث الرجل عن الرجل بما لم
يسمعه منه، بلفظٍ لا يقتضي تصريحاً بالسماع.
[ب] -
(١) كُتب على حاشية ك: بلغ.
وكتب العلامة ابن العجمي رحمه الله: [اشتقاقه من الدَّلَس، بفتحتين، وهو :
اختلاط الظلام، كأنه لتغطيته على الواقف عليه أظلم أمره.].
(٢) ومردُّها كلِّها إلى الإسناد وما يتصل به، وهناك تدليس يسميه الأصوليون:
تدليس المتون، وذلك هو: إدراج الراوي كلمة أو جملة في كلام النبي صلى الله عليه
وسلم. انظر آخر ما يأتي في نوع الحديث المدرج صفحة ٤١٣.
(٣) هذا القول والذي قبله حكاهما ابن عبد البر في مقدمة ((التمهيد)) ١: ١٥ =
صفحة ٧٣، من تحقيق شيخنا رحمه الله تعالى.

٢٤٠
النوع الثاني عشر : التدليس
[ش]
قال ابن عبد البر(١): وعلى هذا فما سَلِم أحد من التدليس، لا مالكٌ ولا
غیرہ(٢).
وقال الحافظ أبو بكر البزار، وأبو الحسن ابن القطان(٣): هو أن يروي عمن
(١) المصدر السابق، وينظر لفظه، والشارح ينقل بواسطة العراقي في ((التقييد
والإيضاح)): ١: ٤٥١، و((شرح ألفيته)) ص ٨٠ واسم الإشارة الذي في كلام ابن
عبد البر ((وعلى هذا .. )): يعود على قول (القوم).
وخلاصة ما في الباب أربع صور: ١- إن لم يكن بين الراويين معاصرة: فهذا
انقطاع جليّ، أو إرسال جليّ، سواء. ٢ - وإن كان بينهما معاصرة فقط: فهو تدليس
عند ابن الصلاح، وتوبع، وإرسال خفيّ عند ابن حجر، وتوبع. ٣- وإن کان بينهما
معاصرة ولقاء فقط، ٤- أو معاصرة ولقاء وسماع لجملة أحاديث، فروى الأول عن
الثاني أحاديث أخرى غير التي سمعها: فهذا والذي قبله تدلیس.
ووجهة نظر الحافظ - غير الذي قرَّره في ((النكت)) ٢: ٦١٤ : أن المرسل الخفي
متردد بين المرسل الجليّ والمدلَّس، ففيه جِلاء، لكون اللقاء والسماع منتفياً بينهما،
وفيه خفاء، بسبب وجود المعاصرة بينهما.
ومما ينبغي ذكره ليستفاد: أن التدليس من الضعف اليسير، كما هو صريح عبارة
الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي في مجالسه في تفسير قوله تعالى: ﴿لقد منَّ الله على
المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً .. ﴾ صفحة ١٠١.
(٢) [أي: إلا شعبةَ والقطان، فإنه ليس يوجد لهما شيء من هذا، لا سيما
شعبة .] .
(٣) أما كلام البزار: ففي جزء له ((في معرفة من يترك حديثه أو يقبل))، وأما ابن
القطان: ففي ((بيان الوهم والإيهام)) ٤٩٣:٥، ذكرهما العراقي في كتابيه المذكورين.