النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
النوع الثاني : الحسن
[ش]
قال البلقيني(١): الحسن لمَّا توسط بين الصحيح والضعيف عند الناظر كان
شيئاً ینقدح في نفس الحافظ، قد تقصُر عبارته عنه، كما قيل في الاستحسان،
فلذلك صعُب تعريفه. وسبقه إلی ذلك ابن كثير(٢).
تنبيه :
الحسن أيضاً على مراتب، كالصحيح. قال الذهبي(٣): فأعلى مراتبه: بهز
(ت) -
-
(١) ((محاسن الاصطلاح)) ١٧٦.
[قال الحافظ ابن ناصر [الدين]: قيل: لا يُطمع بأن للحسن قاعدة تندرج كل
الأحاديث الحسان تحتها، فإنا على إياس من ذلك. قاله الذهبي - ((الموقظة))
ص٢٨ -، وما أحسن ما قال شيخنا شيخ الإسلام البلقيني - ((محاسن الاصطلاح))
ص١٧٦ -: الحسن ما توسط .. إلخ.].
والنقل عن ابن ناصر الدين - هذا والآتي - من شرحه الكبير على منظومته ((عقود
الدرر))، كما تقدم ٢: ٤٥٢.
(٢) في ((اختصار علوم الحديث)) أول كلامه على الحديث الحسن ص٣٧.
[وتبعه ابن ناصر [الدين]، فقال: الحسن: نوع متجاذَب بين الصحة
والضعف.].
(٣) في ((الموقظة)) ص٣٢، وما بين المعقوفين زيادة منه، وزاد هناك مثالاً قبل:
ابن إسحاق عن التيمي، هو: محمد بن عمرو بن علقمة الليثي، عن أبي سلمة بن
عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة. وكلام الحافظ في ((شرح النخبة)) ٥٨ موافق
له، بل صرَّح بأن ما ينفرد به ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن جابر بن
عبد الله. وعمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: فهو حسنٌ.

٢٢
النوع الثاني : الحسن
ثم: الحسن كالصحيح في الاحتجاج به، وإن كان دونه في القوة،
ولهذا أدرجَتْه طائفة في نوع الصحيح.
[ش]
ابن حكيم، عن أبيه، عن جده. وعمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. وابن
إسحاق، عن [محمد بن إبراهيم] التيمي، وأمثال ذلك مما قيل إنهُ صحيح،
وهو من أدنى مراتب الصحيح، ثم بعد ذلك ما اختُلِف في تحسينه وتضعيفه(١)،
كحديث الحارث بن عبد الله، وعاصم بن ضَمْرَة، وحجاج بن أَرْطاةَ،
(٢)
ونحوهم(٢).
(ثم: الحسن كالصحيح في الاحتجاج به وإن كان دونه في القوة، ولهذا
أدرجَتْه طائفة في نوع الصحيح) كالحاكم، وابن حبان، وابن خزيمة (٣)، مع
قولهم بأنه دون الصحيح المبيَّن أولاً.
ولا بِدْع في الاحتجاج بحديثٍ له طريقان لو انفرد كلٌّ منهما لم يكن
حجة، كما في المرسل إذا ورد من وجه آخر مسنَداً، أو وافقه مرسَل آخر
بشرطه، كما سيجيء، قاله ابن الصلاح(٤).
(١) في أ، ج، ك: وضعفه.
(٢) زاد هنا الذهبي رحمه الله: وخُصيف بن عبد الرحمن الجزري، ودرّاج أبو
السَّمْح.
(٣) اشتهر هذا، وهو واضح بالنسبة للحاكم، إذ لم يفرد الحديثَ الحسن بنوع
خاص في كتابه ((معرفة علوم الحديث))، أما بالنسبة للإمامين الآخرين: فالظاهر أنه من
استقراء أقوالهما و کتابیهما.
(٤) صفحة ٢٩ التنبيه الأول من الحديث الحسن، وسيجيء بيانه ص ٦٧.

٢٣
النوع الثاني : الحسن
وقولهم: حديث حسن الإسناد، أو صحيحه، دون قولهم: حديث
صحيح، أو حسن، لأنه قد يصحُّ أو يحسُن الإسناد دون المتن، لشذوذ أو
علة، فإن اقتصر على ذلك حافظ معتمد فالظاهرُ صحةُ المتن وحُسنه.
[ش]
وقال في ((الاقتراح))(١): ما قيل من أن الحسن يُحتج به: فيه إشكال، لأن ثَم
أوصافاً يجب معها قبول الرواية إذا وُجدت، فإنْ كان هذا المسمَّى بالحَسَن مما
وُجدت فيهِ على أقل الدرجات التي يجب معها القبول فهو صحيح، وإن لم
توجد لم يَجُزِ الاحتجاج به، وإن سُمِّي حسناً، اللهم إلا أن يُرَدَّ هذا إلى أمر
اصطلاحي، بأن يقال: إن هذه الصفات لها مراتبُ ودرجات، فأعلاها وأوسطها
يسمى صحيحاً، وأدناها يسمى حسناً، وحينئذ يرجع الأمر في ذلك إلى
الاصطلاح، ويكون الكلّ صحيحاً في الحقيقة(٢).
(وقولهم) أي الحفاظِ: هذا (حديث حسن الإسناد أو صحيحه، دون قولهم
حديث صحيح أو حسن، لأنه قد يصحُّ أو يحسُن الإسناد) لثقة رجاله (دون
المتن، لشذوذ أو علة)، وكثيراً ما يستعمل ذلك الحاكم في ((مستدركه)).
(فإن اقتصر على ذلك حافظ معتمد) ولم يَذكر له علة ولا قادحاً (فالظاهر
صحة المتن وحُسنه) لأن عدم العلةِ والقادحِ هو الأصل والظاهر.
قال شيخ الإسلام(٣): والذي لا أشكُّ فيه أن الإمام منهم لا يَعدِل عن قوله:
[ب] -
(١) ص١٩٢، وختم كلامه بقوله: ((هذا ما يتعلَّق بالبحث على كلام الخطابي)).
(٢) على حاشية ك: بلغ.
(٣) ((النكت الوفية)) ١: ٢٩١.

٢٤
النوع الثاني : الحسن
[ش]
صحيح، إلى قوله: صحيح الإسناد إلا لأمرٍ مّا (١).
[ٹ)
(١) يقصد الحافظ: إلا لنكتة علمية دقيقة، تحمله على التحفظ في حكمه بصحة
المتن والإسناد، وهذا صحيح مسلّم، واشتهر هذا التحفظ عن الحاكم، ويكثر منه
الحافظ المنذري.
ويلتحق بهذه الكلمة في إرادة التحفظ في الحكم، قولهم: رجاله ثقات، أو
رجاله رجال الصحيح، أو رجاله رجال الشيخين، أو البخاري، أو مسلم ! إذ هناك
شروط غير العدالة والضبط، ويُكثر من الكلمتين الأوليين المنذري أيضاً، والهيثمي
في ((مجمع الزوائد)).
وأرى - والله أعلم - أنه ينبغي ملاحظة أمرٍ آخر غيرِ النكتة العلمية الدقيقة التي
أرادها الحافظ ابن حجر، وهي ملاحظة الظرف الذي يحمل الإمامَ على إطلاقه هذا
الحکم الحذر.
فالحاكم رحمه الله بدأ بإملاء كتاب ((المستدرك)) في وقت شيخوخته. وتوفي قبل
الفراغ من إعادة النظر فيه، كما تقدم ٢: ٣٨٣.
والهيثمي في ((مجمع الزوائد» أمام عدد كبير من الأحاديث، قُرابة العشرين ألف
حدیث، لو أراد هو والحاکم من قبله أن يدرسا إسناد كل حديث ومتنه من كل الوجوه
ليطلقا عليه حكماً عاماً شاملاً لكل ما يتعلق بصحة إسناده ومتنه، وبراءته من الانقطاع
الجلي والخفي، والشذوذ والنكارة والعلة القادحة سنداً ومتناً: لطال الأمر عليهما
- وعلى غيرهما - ولَمَا أمكنهما إنجاز كثير من مشاريعهم العلمية، فرأيا الاقتصار على
حكم إجمالي مبدئي على الحديث، بواحدة من هذه الكلمات الحَذِرة، كما تقتضيها
الأمانة العلمية، رحمهم الله جميعاً. والله أعلم.

٢٥
النوع الثاني : الحسن
وأما قول الترمذي وغيره : حديث حسن صحيح،
[ش]
(وأما قول الترمذي وغيره) كعلي ابن المديني ويعقوب بن شيبة(١): هذا
(حديث حسن صحيح)، وهو مما استُشكل، لأن الحسن قاصر عن الصحيح،
[ب] -
(١) نقلاً عن ((النكت الوفية)) ١: ٢٩٣، وقال مغلطاي في ((إصلاح كتاب ابن
الصلاح)) ٢: ١٣٨ عن يعقوب بن شيبة: إنه جمع في مواضع كثيرة بين الحسن
والصحة في حديث واحد، يريد: إنه فعل ذلك في ((مسنده)). ثم نَسَب مغلطاي مثل
ذلك إلى أبي علي الطوسي (٣٠٨، أو ٣١٢هـ) في كتابه ((الأحكام)) الذي جعله
مستخرجاً على ((سنن)) الترمذي. وانظر ما يأتي صفحة ٤٠.
وأقول: إنه جاء الجمع بين الحسن والصحة في كلام الإمام أحمد، نقل ذلك عنه
الترمذي نفسه في ((سننه)) (١٢٨)، وجاء في كلام البخاري، كما في بعض طبعات
((السنن)) (١٢٨) أيضاً، لكن اتفقت الطبعات على نقله (٣٢٣٥) عن البخاري في
حديث معاذ عن اختصام الملأ الأعلى: حسن صحيح، وفي كلام أبي حاتم الرازي في
(العلل» (١٨٧٣) بلفظ: صحیح حسن.
وجاء في كلام مَن بعد الترمذي: جاء في ((سنن)) الدار قطني (١٢٩٤، ٢١٥٠،
٢٢٣٣، ٢٣٥١). وجاء هذا التعبير في كلام الإمام ابن عبد البر أيضاً في ((التمهيد)) ٣:
١٦٥، ٢١: ١٦٢، والحازمي في ((الاعتبار)) ص١٢٧، وجاء في كلام الحافظ في
((فتح الباري)) ١٢ : ٢٣٤ آخر الصفحة (٦٨٩٨) بلفظ: صحيح حسن، وكذلك قال عن
حديث: ((لا تردّ يد لامسٍ)): حسن صحيح، في جزئه الذي أفرده له.
فهؤلاء أحد عشرة إماماً ورد في كلامهم: حسن صحيح، قبل ابن الصلاح
وبعده، ولكن لا بدّ من التنبيه والتمييز، فالأقوال - أو الأجوبة الستة - الآتية إنما قيلت
في استعمال الإمام الترمذي فقط، ولا يمكننا تنزيلها أو واحدٍ منها على استعمال غيره
إلا ببيّنة. والله أعلم.

٢٦
النوع الثاني : الحسن
فمعناه : رُوي بإسنادين : أحدُهما يقتضي الصحة، والآخرُ الحُسْنَ.
[ش]
فکیف یجتمع إثباتُ القصور ونفيُه في حديث واحد؟.
(فمعناه): أنه (رُوي بإسنادين: أحدُهما يقتضي الصحة، والآخرُ الحُسْنَ)
فصح أن يقال فيه ذلك، أي: حسنٌ باعتبار إسناد، صحيحٌ باعتبار آخر.
قال ابن دقيق العيد (١): يَرِدِ على ذلك الأحاديثُ التي قيل فيها ذلك مع أنه
ليس لها إلا مخرج واحد، كحديث أخرجه الترمذي (٢) من طريق العلاء بن
عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة: ((إذا بقي نصفُ شعبان فلا تصوموا))
وقال فيه: حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه على هذا اللفظ.
وأجاب بعض المتأخرين(٣): بأن الترمذي إنما يقول ذلك مريداً تفرُّد أحد
الرواة عن الآخر، لا التفرد المطلق، قال: ويوضِّح ذلك ما ذكره في الفتن(٤) من
(١) ((الاقتراح)) ص ١٩٨، والمثال من الشارح، وهو مستفاد من ((التقييد
والإيضاح)) ١: ٣٤٣ لكن اعترضه في ((النكت الوفية)) ١: ٢٩٦.
(٢) (٧٣٨) وقال ما نقله الشارح عنه، وتقدم ٢: ٥٢٨ تخريجه عن بقية أصحاب
السنن.
وأما ما رواه البيهقي ٤: ٢٠٩ عن ابن مهدي قوله في هذا الحديث: ((حديث
منكر، وكان ابن مهدي لا يحدث به)): فهذا جرح للحديث بالفهم والتفقه، وانظر
لزاماً التعليق على ((سنن)) أبي داود (٢٣٣٠).
(٣) هذا من كلام العراقي ١: ٣٤٢، يريد به مغلطاي ٢: ١٦٠، ونقله البلقيني
في ((المحاسن)) ص ١٨٥، ولم ينسبه إليه - كالعادة - والعراقي لم يُرِد عصريَّه البلقينيَّ.
(٤) ((سنن)) الترمذي (٢١٦٢).

٢٧
النوع الثاني : الحسن
[ش]
حديث خالدِ الحذّاء، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة يرفعه: ((من أشار إلى أخيه
بحديدة)) الحديثَ، قال فيه: حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه،
فاستغربه(١) من حديث خالد لا مطلقاً.
قال العراقي(٢): وهذا الجواب لا يمشي في المواضع التي يقول فيها: لا
نعرفه إلا من هذا الوجه، كالحديث السابق.
وقد أجاب ابن الصلاح بجواب ثانٍ (٣) وهو: أن المراد بالحُسْن
اللغويُّ دون الاصطلاحي، كما وقع لابن عبد البر حيثُ روى في كتاب
((العلم)) (٤) حديث معاذ بن جبل مرفوعاً: ((تعلموا العلم، فإن تعلُّمه لله خشية،
[ب] -
(١) هكذا عند العراقي، وعند الترمذي (٢١٦٢) والبلقيني: يُستغرب، وفي
مطبوعة کتاب مغلطاي: مستغرب.
وقال الشيخ ابن العجمي رحمه الله: [فائدة: نقل الشيخ [الشارح] في ((القوت))
- ((قوت المغتذي)) ١ : ١٩٧ - عن العراقي: أن عادة الترمذي أن يقدم الوصف الغالب
على الحديث، فإن غلب عليه الحُسْن قدَّمه، وإن غلبت عليه الغرابة قدمها.].
(٢) ((النكت)) ١: ٣٤٣.
(٣) ((المقدمة)) ص٣٥، التنبيه الثامن.
(٤) ((جامع بيان العلم (٢٦٨)، وقال أيضاً (٧٦٩) عن حديث آخر لمعاذ: ((هذا
حدیث لا يحتج بمثله لضعفه، ولكنه حديث حسن .. )).
وقال ابن عبد البر أيضاً في ((الاستيعاب)) ترجمة ركب المصري (٨٠٢): (له
حديث واحد حسن، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيه آداب وحضّ على خصال
من الخير والحكمة والعلم)). وخرَّج الحافظ هذا الحديث في ((الإصابة)) وعزاه إلى
=

٢٨
النوع الثاني : الحسن
[ش]
وطلبه عبادة)) الحديثَ بطوله، وقال: هذا حديث حسن جداً، ولكن ليس له
إسناد قوي، فأراد بالحسن حُسْن اللفظ، لأنه من رواية موسى البَلْقاوي وهو
البخاري في ((التاريخ الكبير)) ٣ (١١٤٨)، والطبراني في ((الكبير)) ٥ (٤٦١٥)
وغيرهما، وقال: ((إسناد حديثه ضعيف، ومراد ابن عبد البر أنه حسنٌ لفظه)).
وقال رحمه الله في ((التمهيد)) ٦: ٥٥ بعد أن روى حديثاً من عدة وجوه عن
الإمام مالك: «هذا لا يرويه عن مالك من يوثق به، ولا هو معروف من حديثه، وهو
حدیث حسن تُرجی بركته، إن شاء الله تعالی)).
وهذا كله يتصل باستحسان المتن.
وروى النسائي (٢٤٦١) حديثاً من طريق محمد بن فضيل، وعلّق عليه بقوله:
«هذا إسناده حسن، وهو منکر .. )).
وتقدم ص٨ نقلي عن ((اقتضاء الصراط المستقيم)) لابن تيمية ١: ٤٤٢ عن أبي
طاهر السِّلَفي أنه قال في حديث ((أحبوا العرب لثلاث)): ((هذا حديث حسن))، فقال
عليه: ((ما أدري! أراد حسن إسناده على طريقة المحدثين، أو حسن متنه على
الاصطلاح العام)).
وقال ابن الأبار في «معجم أصحاب أبي علي الصدفي» ص٨٥ بعد أن روی من
طريق الصدفي حديث ((أكرموا الشهود)): ((هذا حديث حسن غريب لم نكتبه إلا من
هذا الوجه))، وذكره الشيخ أحمد الصديق الغماري في ((المُغير)) ص٢٥ - ٢٦، وقال:
((هذا من إطلاق لفظ الحسن على المستطرف الغريب ولو كان باطلاً، وذلك كان
معروفاً بين أهل الأندلس، وأنهم لا يقصدون الحسن الاصطلاحي)). ولم يأتِ بهذه
الفائدة في كتابه الآخر ((المداوي)) ٢: ١٨٥، وينظر في تخصيصه أهل الأندلس بهذا
الاصطلاح، فلعله من تكرار استعمال ابن عبد البر له، كما ترى؟.

٢٩
النوع الثاني : الحسن
[ش]
كذاب نُسب إلى الوضع، عن عبد الرحيم العَمِّي، وهو متروك.
ورُوِيّنا (١) عن أمية بن خالد قال: قلت لشعبة: تحدِّث عن محمد بن عبيدالله
العَرْزَمي وتَدَعُ عبد الملك بن أبي سليمان، وقد كان حسن الحديث؟! فقال:
مِن حسْنها فررتُ. يعني: أنها منكرة.
وقال النخعي: كانوا يكرهون إذا اجتمعوا أن يخرج الرجل أحسن ما
عنده(٢).
قال السمعاني(٣): عَنَى بالأحسنِ الغريبَ.
قال ابن دقيق العيد(٤): ويلزم على هذا الجواب أن يُطلق على الحديث
(١) في ((الجامع)) للخطيب (١٣٣١)، و((تاريخ بغداد)) ١٢: ١٣٥، بهذا اللفظ،
و((الجرح والتعديل)) ٥ (١٧١٩). وينظر تعليق الخطيب البغدادي على كلمة شعبة قبل
روایته لها.
(٢) ((مصنف)) ابن أبي شيبة (٢٦٨٠٤) وينظر هناك تخريجه والتعليق عليه، وقد
قال أبو داود رحمه الله في ((رسالته إلى أهل مكة في وصف سننه)) ص٤٧:
((والأحاديث التي وضعتها في ((كتاب السنن)) أكثرها مشاهير، والفخر أنها مشاهير،
فإنه لا يحتج بحديث غريب ولو كان من رواية مالك ويحيى بن سعيد والثقات من
أهل العلم))، ثم ذكر كلمة إبراهيم النخعي هذه، ومراده بالمشاهير: ما هو معروف
مألوف متفق مع الأحاديث الأخرى، وبالغريب: المستنكر المخالف.
(٣) في ((أدب الإملاء والاستملاء)) (١٦٤)، وإنما أخذ كلام الخطيب في
((الجامع)) (١٣٣١) فقاله.
(٤) ((الاقتراح)) ص١٩٩. وأقول: إن كان مراد الإمام ابن دقيق العيد بـ((يطلق
=

٣٠
النوع الثاني : الحسن
[ش]
الموضوع إذا كان حَسَن اللفظ أنه حسن، وذلك لا يقوله أحد من المحدثين إذا
جَرَوْا على اصطلاحهم.
قال شيخ الإسلام(١): ويلزم عليه أيضاً، أن كل حديث يوصف بصفةٍ
فالحُسْن تابعه، فإن كل الأحاديث حسنةُ الألفاظ بليغة (٢)، ولمّا رأينا الذي وقع
له هذا كثير الفَرق، فتارة يقول حسن فقط، وتارة صحيح فقط، وتارة حسن
صحيح، وتارة صحيح غريب، وتارة حسن غريب: عرفنا أنه لا محالة جارٍ مع
الاصطلاح، مع أنه قال في آخر ((الجامع)): ((وما قلنا في كتابنا ((حديث حسن))
فإنما أردنا به حُسْن إسناده عندنا))، فقد صرح بأنه أراد حسن الإسناد، فانتفى
أن يريد حسن اللفظ(٣).
(س) .
على الحديث الموضوع)): أنه يُوصف ويُذكر: فهذا واقع حاصل، والأمثلة التي
تقدمت شاهدة على ذلك، وأما إن كان مراده بالإطلاق وصفَ الحديث الموضوع بأنه
حديث حسن، لحسن صياغته، دون كلام آخر يُشعر بوضعه: فلا، على أن في هذا
الكلام إلزاماً للمبالغة في شناعة القول المردود عليه.
(١) ((النكت الوفية)) ١: ٢٩٥.
(٢) في كلام الحافظ رحمه الله إلزام ما لا يلزم، كما حصل في كلام ابن دقيق
العيد، ومثله في ((النفح الشذي)) ١: ٢٨٥، ذلك أن الحيثية مرعية، كما يقول الحافظ
في بعض المناسبات، أي: إن القرائن ملاحظةٌ، والسياق دالٌ على المراد، وكثيراً ما
تكون المناقشات اللفظية معقّدة للبحث، معرقلة للوصول إلى المراد بُيُسْر، وانظر
((النكت الوفية)) ١: ٢٩٨، ٣٢٠، وقد حصل هذا منهم في الحديث الحسن خاصة !.
(٣) هذا مسلَّم جداً بالنسبة لكلام الإمام الترمذي. أي: إنه لا يصح تأويل كلمة
=

٣١
النوع الثاني : الحسن
[ش]
وأجاب ابن دقيق العيد بجواب ثالث(١)، وهو: أن الحسن لا يشترط فيه
القصور عن الصحة إلا حيثُ انفرد الحَسَن، أما إذا ارتفع إلى درجة الصحة
فالحُسْن حاصل لا محالةَ تبعاً للصحة، لأن وجود الدرجة العليا - وهي الحفظ
والإتقان - لا ينافي وجود الدنيا كالصدق، فيصحّ أن يقال حسن باعتبار الصفة
الدنيا، صحيحٌ باعتبار العليا، ويلزم على هذا: أن كل صحيح حسنٌ. وقد سبقه
إلى نحو ذلك ابن المَوَاق(٢).
قال شيخ الإسلام(٣): وشِبْه ذلك قولهم في الراوي ((صدوق)) فقط،
و((صدوق ضابط))، فإن الأول قاصر عن درجة رجال الصحيح، والثاني منهم،
فكما أن الجمع بينهما لا يضرُّ ولا يُشكل، فكذلك الجمع بين الصحة والحسن.
[ب] -
-
((حسن)) التي في أحكامه على جلّ أحاديث كتابه بالحسن اللغوي، وكونُ بعض الأئمة
استعملها في مواطن - كما قدَّمته - فهذا لا يعني تطبيقه وتنزيله على كلام الترمذي.
لكن لا يُسلَّم هذا الاعتراض من الحافظ على ابن الصلاح، ذلك أن ابن الصلاح
لم يفسِّر كلمة ((حسن)) من الترمذي في أيّ حديث، منفردةً أو مقترنةً بغيرها، بالحسن
اللغوي أبداً، وكلامه صريح في هذا، قال ص٣٥: ((على أنه غير مستنكر أن يكون
بعض من قال ذلك أراد بالحسن معناه اللغوي .. ))، فتأويله إنما هو لكلام (بعض من
قال ذلك) لا لكلام الترمذي.
(١) ((الاقتراح)) ص١٩٩ - ٢٠٠.
(٢) كلامه في ((النفح الشذي)) ١: ٢٨٩ - ٢٩٠.
(٣) ((النكت الوفية)) ١: ٢٩٧.

٣٢
النوع الثاني : الحسن
[ش]
ولابن كثير جوابٌ رابع(١)، وهو: أن الجمع بين الصحة والحسن درجة
متوسطة بين الصحيح والحسن، قال: فما يقول فيه حسن صحيح، أعلى رتبة
من الحسن ودون الصحيح.
قال العراقي(٢): وهذا تحگُّم لا دليل عليه. وهو بعيد.
ولشيخ الإسلام جواب خامس(٣) وهو: التوسط بين كلام ابن الصلاح وابن
دقيق العيد، فيخصُّ جوابَ ابن الصلاح بما له إسنادان فصاعداً، وجوابَ ابن
دقيق العيد بالفرد.
قال(٤): وجواب سادس، وهو الذي أرتضيه ولا غبار عليه - وهو الذي
مشى عليه في ((النخبة)) و((شرحها)) -: أن الحديث إنْ تعدد إسناده فالوصف
(١) ((اختصار علوم الحديث)) ص٤٣.
(٢) في ((التقييد والإيضاح)) ١: ٣٥٣، وقد جاء البقاعي في ((النكت الوفية)) ١ :
٢٩٩ بالجوابين التاليين، ثم ذكر ١: ٣٠١ جواب ابن كثير هذا، وردّ العراقيِّ عليه، ثم
قال البقاعي: ((وقد ظهر بما حرَّره شيخنا - ابن حجر في الجواب السادس - أنه ليس
ببعيد، فإنه - أي جواب ابن كثير - واقع على ما هو فرد. والله أعلم)).
(٣) ((النكت الوفية)) ١: ٢٩٩.
(٤) الكلام لابن حجر، كما في ((النكت الوفية)) ٢٩٩:١ أيضاً، لكنه جواب
خامس في ترتيبه، والعزو إلى ((النخبة)) وشرحها من الشارح، وهو في ((شرح النخبة))
ص٦٣.

٣٣
النوع الثاني : الحسن
[ش]
راجع إليه باعتبار الإسنادين أو الأسانيد (١)، قال: وعلى هذا: فما قيل فيه ذلك،
فوق ما قيل فيه: صحيح، فقط، إذا كان فرداً، لأن كثرة الطرق تقوّي، وإلا
فبحسب اختلاف النقاد في راويه، فيرى المجتهدُ منهم: بعضَهم يقول فيه:
صدوق، وبعضھم یقول: ثقة، ولا یترجّح عنده قول واحد منهما، أو يترجح،
ولكنه يريد أن يشير إلى كلام الناس فيه، فيقول ذلك، وكأنه قال: حسن عند
قوم، صحیح عند قوم.
قال: وغاية ما فيه أنه حذف منه حرف التردد، لأن حقه أن يقول: حسن أو
صحیح.
قال: وعلى هذا: ما قيل فيه ذلك، دون ما قيل فيه: صحيح، لأن الجزم
أقوی من التردد. انتهى(٢).
وهذا الجواب مركّب من جواب ابن الصلاح وابن كثير (٣).
(١) انظر ما يتعلق بهذه اللفظة ((أو الأسانيد)) فيما يأتي صفحة ٧٢، وهي في
((النكت الوفية)) ١ : ٢٩٩ من كلام ابن حجر.
(٢) وعلى هذا: فلا يصح القول في حديث ما: صححه الترمذي، فقد يكون
التقدير (حسن وصحيح)، ففيه بَخْس للحديث بالنسبة للترمذي، وقد يكون التقدير
(حسن أو صحیح) فیکون فیه رفع لحال الحدیث، بالنسبة إليه.
(٣) [قال الشارح في ((شرح ألفيته)) - ((البحر الذي زخر)) ١٢٤١:٣ -: وقد ظهر
لي توجيهان آخران، أحدهما : أن المراد حسن لذاته صحيح لغيره، الثاني : أن المراد
حسن باعتبار إسناده، صحيح أي : إنه أصح شيء ورد في الباب، فإنه يقال : أصح ما
ورد كذا، وإن كان حسناً أو ضعيفاً، والمراد: أرجحه وأقله ضعفاً.].
وهو في ((قوت المغتذي)) للشارح ١: ٢٠.
=

٣٤
النوع الثاني : الحسن
وأما تقسيم البغوي أحاديثَ ((المصابيح)) إلى حِسَان وصحاح، مريداً
بالصحاح : ما في الصحيحين، وبالحسان : ما في السنن : فليس بصواب،
لأن في السنن الصحيحَ والحسنَ والضعيف والمنكر.
[ش]
(وأما تقسيم البغوي أحاديثَ ((المصابيح)) (١) إلى حِسَان وصحاح، مريداً
بالصحاح ما في الصحيحين، وبالحِسان ما في السنن : فليس بصواب، لأن في
السنن الصحيحَ والحسنَ والضعيف والمنكر) كما سيأتي بيانه، ومَنْ أطلق عليها
الصحيح - كقول السِّلَفي في الكتب الخمسة (٢): اتفق على صحتها علماء
(ت) .
وعلى حاشية ك: ((الحمد لله. ثم بلغ قراءة عليّ. كتبه مؤلفه، عفا الله عنه. آمين)).
(١) في مقدمته لكتابه المذكور ((مصابيح السنة)).
(٢) ينظر في آخر ((معالم السنن)) للخطابي ٤: ٣٦٢.
وجاء بعده بقرنٍ ابنُ خلكان فقال في ترجمة ابن ماجه ٤: ٢٧٩: ((وكتابه في
الحديث أحد الصحاح الستة))، نقله شيخنا العلامة النعماني في كتابه ((الإمام ابن
ماجه، و کتابه السنن» ص١٧٨ .
ويُشبه هذا القولَ إطباقُ علماء الهند على وصفهم الكتب الستة بـ: الصحاح
الستة، وفيه من التجوُّز ما في كلمة السِّلَفي، وكأن عمدتهم في هذا قولُ إمام من
كبارهم - رحمهم الله جميعاً -، هو الإمام الفَتّني في كتابه ((مجمع بحار الأنوار))، وهو
اسم على مسماه - لو طبع طبعة حديثة مشرقة -، قال ٢: ٦٥: ((فإنْ قلتَ: ما وثوقُك
أنه على الصراط المستقيم، فإن كل فرقة تدّعي أنها عليه؟! قلت: بالنقل عن الثقات
المحدثين الذين جمعوا صحاح الأحاديث في أموره صلى الله عليه وسلم، وأحواله،
وأفعاله، وفي أحوال الصحابة، مثل الصحاح الستة التي اتفق الشرق والغرب على
صحتها، وشراحها: كالخطابي، والبغوي، والنووي، اتفقوا عليه، فبعد ملاحظته:
يُنظر من الذي تمسّك بهديهم، واقتفى أثرهم))، وانظر قوله: الصحاح، وشراحها،
=

٣٥
النوع الثاني : الحسن
[ش]
المشرق والمغرب، وكإطلاق الحاكم على الترمذي (الجامع الصحيح)،
وإطلاق الخطيب عليه، وعلى النسائيِّ اسم (الصحيح) (١) -: فقد تساهل.
قال التاج التبريزي: ولا أزال أتعجب من الشيخين - يعني ابن الصلاح
والنووي - في اعتراضهما على البغوي، مع أن المقرَّر أنه لا مُشَاحّة في
الاصطلاح(٢).
وكذا مشى عليهِ علماء العجم، آخرهم شيخنا العلامة الكافِيَجي في
((مختصره))(٣)
قال العراقي(٤): وأجيب عن البغوي بأنه يبين عقب كل حديث الصحيح
أي: الستة، وفهم علمائنا لها، لا فهمنا نحن، فجزاه الله خيراً.
(١) وآخرين، ينظر ((النكت على ابن الصلاح)) لابن حجر ١: ٤٨١ وما بعدها
حتى ص٤٨٩.
(٢) نحوه في ((الكافي)) ص١٧٧ - ١٧٨، والنقل من ((النكت الوفية)) ١: ٢٦٧،
وفيه من التجوُّز ما في كلمة السِّلَفي.
(٣) صفحة ١١٤.
(٤) في ((التقييد والإيضاح)) ١: ٣٢٣، والمجيب عن البغوي: هو مغلطاي في
كتابه ٢: ١٤٦ فما بعدها، لكن لفظه: ((بوَّب - البغوي - الصحيح والحسن
والغريب))، والواقع أنه يقول: باب كذا، من الصحاح: كذا وكذا، ومن الحسان: كذا
وكذا، وهذه الأحاديث التي تحت (الحسان) شرطه فيها أن تكون من كتب السنن،
وبما أن كتب السنن فيها ما هو من الصحيحين أو أحدهما، وفيها ما هو صحيح عند
غيرهما، وفيها الحسن، وفيها الضعيف، فإن هذه الأنواع كلها واردة تحت عنوان
=

٣٦
النوع الثاني : الحسن
فروع : أحدها :
[ش]
والحسن والغريب، قال: وليس كذلك، فإنه لا يبين الصحيح من الحسن فيما
أورده من السنن، بل يسكت، ويبين الغريب والضعيف غالباً، فالإيراد باقٍ في
مَزْجه صحیحَ ما في السنن بما فيها من الحسن.
وقال شيخ الإسلام(١): أراد ابن الصلاح أن يعرِّف أن البغوي اصطلح لنفسه
أن يسمي السنن الأربعة: الحسان، ليغتنيَ بذلك عن أن يقول عقب كل حديث:
أخرجه أصحاب السنن، وأن هذا اصطلاح حادث ليس جارياً على المصطلح
العرفي.
(فروع) (٢):
(أحدها:) في مَظِنَّة الحسن، كما ذكر في الصحيح مظانّه(٣)، وذكر في كل
(ت)
(من الحسان)، وهو رحمه الله يبيِّن غالباً عقب الحديث ضعفه أو غرابته، لا أنه
يوردها تحت عنوان: ومن الضعاف، أو: ومن الغرائب، وأما سكوته عما هو صحيح
وإدراجه إياه تحت عنوان: ومن الحسان: فجوابه تمام كلام العراقي الذي لم ينقله
الشارح هنا، قال ١: ٣٢٤: ((وكأنه سكت عن بيان ذلك لاشتراكهما في الاحتجاج به.
والله أعلم.))
(١) ((النكت الوفية)) ١: ١٦٧.
(٢) ليس إلا فرع واحد: مظان الحديث الحسن: كتاب الترمذي وأبي داود،
وسيأتي صفحة ٥٠ تحت عنوان: فوائد، الأولى منها: من مظان الحديث الحسن:
(سنن)) الدارقطني، وكان ذكره مع ((سنن)) أبي داود والترمذي ألیق.
(٣) تقدم ٢: ٣٧٢. وكتب العلامة ابن العجمي هنا:
[قال في ((النهاية)) - لابن الأثير ٣: ١٦٤ -: المظانّ: جمع مظِنّة، بكسر الظاء،
=

٣٧
النوع الثاني : الحسن
كتابُ الترمذي أصلٌ في معرفة الحسن، وهو الذي شَهَره.
[ش]
نوع مظانّه من الكتب المصنفة فيه إلا يسيراً نبّه عليه(١).
(كتابُ) أبي عيسى (الترمذي أصلٌ في معرفة الحسن، وهو الذي شَهَره)
وأكثرَ مِن ذكره(٢).
[ب]
وهو موضع الشيء ومعدِنه، مفعِلة من الظن، وهو العلم، وكان القياس فتح الظاء،
وإنما كسرت لأجل الهاء. انتهى.].
وقوله: القياس فتح الظاء: أي: إن المصدر: مَظَنّ، فلما أضيفت الهاء آخره بعد
النون فقلنا: مَظنّة، كسرت الظاء من أجل هذه الزيادة، وقديماً قالوا: أضعف من علّة
صرفيّ.
(١) في ج، ك: أنبّه عليه.
(٢) يكاد يكون اتفاق من العلماء على هذا، هو استعمال كلمة (حسن) بالمعنى
الاصطلاحي، في الحكم على بعض الأحاديث، قبل الإمام الترمذي، غير أن الإمام
الترمذي هو الذي أكثر وشَهَرَ هذا الاستعمال.
لكن قال الحافظ ابن رجب في ((شرح علل الترمذي)) ١: ٣٤٢ - ٣٤٤: ((نَسَب
طائفة من العلماء الترمذيَّ إلى التفرد بهذا التقسيم، ولا شك أنه هو الذي اشتهرت عنه
هذه القسمة، وقد سبقه البخاري إلى ذلك .. وقد كان أحمد وغيره يقولون: حديث
حسن، وأكثر ما كان الأئمة المتقدمون يقولون في الحديث: إنه صحيح أو ضعيف)).
وقوله ((نَسَب طائفة من العلماء)): المعروف من هذه (الطائفة) هو ابن تيمية ومن
تبعه رحمهم الله، ولم يُنسب إلى أحد غيره قبله، فيما أعلم.
قال في ((مجموع فتاويه)) ١٨: ٢٣، ٢٥: ((أولُ من عُرف أنه قسم هذه القسمة
- صحيح وحسن وضعيف - أبو عيسى الترمذي، ولم تُعرف هذه القسمة عن أحد قبله،
وأما مَن قبل الترمذي من العلماء فما عُرف عنهم هذا التقسيم الثلاثي، لكن كانوا
=

٣٨
النوع الثاني : الحسن
يقسمونه إلى صحيح وضعيف، والضعيف عندهم نوعان: ضعيف ضعفاً لا يمتنع
العمل به، وهو يشبه الحسن في اصطلاح الترمذي، وضعيف ضعفاً يوجب تركه،
وهو الواهي)).
وينبغي أن يلاحظ بدقة ردُّ ابن رجب هذا القول بلهجة: ((ولا شك أنه هو الذي
اشتهرت عنه هذه القسمة»، ثم تأييده ذلك بالدليل فقال: ((وقد سبقه البخاري وأحمد
وغيره))، ثم اعترافه بأن أكثرهم - لا كلَّهم - كانوا يقولون صحيح وضعيف فقط،
وينظر البحث في هذا في ((النكت)) لابن حجر ١: ٤٢٤ فما بعدها، ثم في التعليق على
((قواعد في علوم الحديث)) للعلامة ظفر أحمد العثماني ص ١٠٠ فما بعدها.
وأزيد على ما في التعليق هناك مثالاً آخر، روى الإمام أحمد حديث وابصة بن
معبد الأسدي رضي الله عنه، في ((مسنده)) ٤: ٢٢٨ من طرق، والترمذي (٢٣٠،
٢٣١) وقال: حسن، ونقل الحافظ في ((التلخيص الحبير)) ٢: ٣٧ عن الأثرم، عن
الإمام أحمد قوله: هو حديث حسن.
وأزيد أيضاً قول الشيخ ابن تيمية نفسه في ((المسوَّدة)) ص٥٣٠: ((وما رواه
- أحمد ـ من سنّة أو أثر وصححه أو حسّنه أو رضي بسنده، أو دوَّنه في كتبه، ولم
يردَّه، ولم يُقتِ بخلافه، فهو مذهبه))، فانظر قوله: ((صححه أو حسَّنه))، ولئن كان في
هذا المثال وغيره من الأمثلة التي ذكرها ابن حجر في ((النكت)) ١: ٤٢٤ ما يعكر على
إرادة الإمام أحمد المعنى الاصطلاحي، فإن هذا النص من ابن تيمية كافٍ في الدلالة
على المراد. والله أعلم.
وانظر فائدة عابرة هي قوله ((ولم يردّه، ولم يُقْتِ بخلافه)): فقد يترك الإمام
المجتهد حديثاً صحيحاً أو حسناً، وهو ضمن كتبه ومؤلفاته، وقد يفتي بخلافه، لأدلة
أخرى قائمة عنده، لا الإعراض عن السنة المطهرة، معاذ الله !.
وبعد: فأؤكد على القارئ الكريم التأني والحذر من التهور تحت شعار: العمل
بالكتاب والسنة، دون الاهتداء بهدي السلف الصالح وأئمة الاجتهاد.

٣٩
النوع الثاني : الحسن
[ش]
قال ابن الصلاح(١): وإن وجد في متفرِّقاتٍ من كلام بعض مشايخه،
والطبقة التي قبله، کأحمد والبخاري وغيرهما.
قال العراقي(٢): وكذا مشايخ الطبقة التي قبل ذلك، كالشافعي، قال في
((اختلاف الحديث))(٣) عند ذكر حديث ابن عمر: لقد ارتقيت على ظهر بيتٍ
لنا، الحديثَ: حديثُ ابن عمر مسندٌ حسنُ الإسناد (٤).
وقال فيه أيضاً: وسمعت من يَروي بإسناد حسن أن أبا بكرةَ ذَكَر للنبي
صلى الله عليه وسلم أنه ركع دون الصفِّ، الحديثَ(٥).
وكذا يعقوب بن شيبة في ((مسنده))، وأبو علي الطوسي أكثرا من ذلك إلا
أنهما ألفا بعد الترمذي (٦).
[ب] -
(١) ((المقدمة)) صفحة ٣٢ التنبيه الرابع.
(٢) ((النكت)) ١: ٣١٢.
(٣) (اختلاف الحديث)) ص٢٢٧، ١٨١، لكنه لم يكن منه على المعنى
الاصطلاحي لكلمة: الحسن، كما سيتضح من تخريجهما.
(٤) رواه البخاري (٧٨٣)، ومسلم ١: ٢٢٤ (٦١)، لذلك قال الحافظ في
((النكت)) ١: ٤٢٥، والسخاوي في ((فتح المغيث)) ١: ١٢٨: ((صحيح متفق على
صحته)).
(٥) رواه البخاري (٧٨٣) دون مسلم.
(٦) هذه الزيادة من اعتراضات مغلطاي ٢: ١٣٨، وهذا الاستدراك ((إلا أنهما
أَّفا بعد الترمذي)): من العراقي ١: ٣١٤.
=

٤٠
النوع الثاني : الحسن
وتختلف النسخ منه في قوله: حسن، أو حسن صحيح ونحوه،
فينبغي أن تعتني بمقابلة أصلِك بأصول معتمدة، وتعتمد ما اتفقت عليه.
[ش]
(وتختلف النسخ منه) أي: من كتاب الترمذي (في قوله : حسن، أو حسن
صحيح ونحوه، فينبغي أن تَعتنيَ بمقابلة أصلك بأصول معتمدة وتعتمد ما
اتفقت عليه)(١) .
[ب] -
وأقول: عاش الترمذي بين (٢٠٩ - ٢٧٩)، وعاش يعقوب بن شيبة بين (١٨٢ -
٢٦٢)، وأبو علي الطوسي (نحو ٢٢٥ - ٣١٢)، فقولُ العراقي تأليف يعقوب بن شيبة
((مسندَه) بعد تأليف الترمذي ((سننَه)): في محلّ النظر. أما الطوسيّ: فنعم، ومعلوم أن
كتابه مستخرج على كتاب الترمذي، كما تقدم ٢: ٤٠٥ آخر المسألة الثالثة من مسائل
الصحيح، وسَلِم كلام مغلطاي من المؤاخذة الأولى، ولم يسلم من الثانية.
وثمة جزئيات أخرى تفتقر إلى دراسة ومتابعة، أهمها: أن ظاهر استعمال يعقوب
ابن شيبة لكلمة ((الحسن)) في غير المعنى الاصطلاحي، والله أعلم. ينظر منه مثلاً
(٦٦١، ٦٦٦، ٦٧٢، ٧٠٠) وغيرها.
(١) أكّد هذا المعنى الإمام النووي رحمه الله في ((المجموع)) ٥٤٥:٤ - ٥٤٦ في
كلامه على حديث: ((إذا نَعَس أحدكم في مجلسه يوم الجمعة فليتحوَّل))، وأن الترمذي
رواه (٥٢٦) وقال: حسن صحيح، والحاكم (١٠٧٥) وصححه على شرط مسلم، ثم
قال: ((لم يذكر الحافظ ابن عساكر في ((الأطراف)) أن الترمذي صححه، ولكن
تصحيحه موجود في نسخ الترمذي، ولعل النسخ اختلفت في هذا الحديث كما
تختلف في غيره، في كتاب الترمذي غالباً».
وفي هذا النص من الفوائد غير ما نحن: التنبيه إلى الاختلاف الكثير في نقل
أحكام الترمذي، بسبب اختلاف نسخه مع تقدم عهد النووي عنا، وقربه من
الترمذي، وعند النووي رواية الكَروخي، كما أفاده الحافظ في ((النكت الظراف))
=