النص المفهرس

صفحات 541-560

٥٤١
الأول : الصحيح
ومسانيد، وكتب أجزاء ومنثورات، فالصنف الأول: ثابت متواتر متداول كثيراً، لا
يُخشى من طروّ الخلل عليه. والثاني: متوقع محتمل، فوجّه ابن الصلاح كلامه إلى
هذا الصنف الثاني فقال - كما تقدم -: إذا وجدنا فيما يروى من أجزاء الحديث وغيرها
- وهذا (الغير): الفوائد والأمالي ونحوها -: إذا وجدنا فيها حديثاً ظاهره الصحة فإنا
نتأنی ولا نتجاسر ولا نتجرأ على الجزم بصحته، وهذا صريح في أنه لا يمنع، بل
يدعو إلى الحذر والحيطة، وذلك كما يتحفّظ من يقول: هذا صحيح الإسناد، ولا
یقول: حديث صحيح.
ثم علل رحمه الله حذره هذا بقوله: المتقدمون كانوا على دقة وحفظ وضبط
وإتقان، أما بعد هذه النقلة الخطيرة فلا، واعتماد الواحد من هذا الصنف الثاني في
روايته على كتابه لا يرفع عنه احتمال الخلل والخطأ، فإنه لما تحمل كتابه لم يكن
متأهلاً.
ثم أجاب رحمه الله عن سؤال: كأن قائلاً قال: ما الفائدة من هذه الرواية ما دام
احتمال الخلل وارداً؟ أجاب فقال: معظم المقصود من مجالس الرواية وتداول الكتب
إبقاء سلسلة الإسناد الذي هو من خصائص هذه الأمة، وهذا كلام الإمام البيهقي،
قاله في ((مناقب الشافعي)) ٢: ٣٢١.
ولا بدّ من التأكيد على أمور: أولها : أن دواوين السنة محفوظة والحمد لله
بكثرة طرقها إلى مؤلفيها مع الدقة العالية، وما تزال بأيدينا نماذج رفيعة منها،
والحمد لله. ثانيها : أن حكم ابن الصلاح على أحاديث الأجزاء حكم أغلبي، فلو
فرض أمامنا حديث في جزء متداول بالدقة المطلوبة، ووُجد المتأهل لدراسة سنده
والحكم عليه، لما منع ابن الصلاح من ذلك أبداً. ثالثها : أن ابن الصلاح قَصَر
كلامه وحكمه على الأجزاء التي في تلقيها شبهة، على قدمته، ولا علاقة لكلامه
بالكتب الأصول الأمهات، لكن الإمام النووي رحمه الله لما اختصر الاختصار
الثاني لكتاب ابن الصلاح في ((التقريب» أضاف من عنده كلمة (كتاب) كما تراها
=

٥٤٢
الأول : الصحيح
الإسناد في كتابٍ أو جزءٍ، لم يَنُصَّ على صحته حافظٌ معتَمَد.
قال الشيخُ: لا يُحْكَم بصحته، لضعف أهلية أهل هذه الأزمان.
[ش]
الإسناد في كتابٍ أو جزءٍ، لم يَنُصَّ على صحته حافظٌ معتَمَد) في شيء من
المصنفات المشهورة.
(قال الشيخُ) ابنُ الصلاح(١): (لا يُحْكَم بصحته، لضعف أهلية أهل هذه
الأزمان). قال: لأنه ما مِن إسناد مِن ذلك إلا وتَجِدُ في رجاله مَن اعتمدَ في
روايته على ما في كتابه، عَرِيًّا عما يُشْتَرطُ في الصحيح من الحفظ والضبط
والإتقان.
قال في ((المنهل الرَّوي))(٢): مع غلبة الظن أنه لو صحَّ لَمَا أهمله أئمةُ
-
[ب]
أمامك في المتن والشرح، فتغيّر مسار المسألة، وصار ينتقد كلامه بعمل فلان
وفلان.
وبعد أخيراً: لقد كنا نتلمَّس المثال والمثالين من كلام ابن الصلاح على أنه
صحح وضعف، أما الآن فقد انجلت الحقيقة، وزال الإشكال من أصله، وذلك
بطباعة كتابه ((شرح مشكلات الوسيط))، فقد تبيّن واقع الإمام ابن الصلاح، أنه كغيره
تماماً تماماً من علمائنا السابقين له، واللاحقين: يصحح ويضعف، ويجرِّح ويعدل،
والحمد لله.
وينظر تمام البحث في ((مجموع رسائل في علم الحديث دراية)) إن شاء الله تعالى.
(١) صفحة ١٣، وكذا ما بعده.
(٢) لبدر الدين ابن جماعة رحمه الله، وقوله هذا في الورقة التي سقطت من
الأصل الذي طُبع الكتاب عنه، تنظر ص٣٣ منه، وهذا القول كالموافقة من الإمام
ابن جماعة لابن الصلاح، وما أظنه أراد ذلك، فكلامه الآخر الذي نقله عنه
=

٥٤٣
الأول : الصحيح
والأظهرُ عندي : جوازُه لمنْ تمكَّنَ وقَویتْ معرفته.
[ش]
الأعصار المتقدمة، لشدّةِ فحصِهم واجتهادهم.
قال المصنف: (والأظهرُ عندي جوازُه لمنْ تمكَّنَ وقَويتْ معرفته).
قال العراقي (١): وهو الذي عليه عملُ أهلِ الحديث، فقد صحَّح جماعة من
المتأخرين أحاديثَ لم نجدْ لمن تقدَّمھم فیھا تصحیحًا.
فمن المعاصرين لابن الصلاح: أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الملك
ابن القطان صاحب كتاب ((الوهَم والإيهام))، صحَّح فيه حديث ابن عمر أنه كان
يتوضأُ ونعلاه في رجليه، ويمسحُ عليهما ويقولُ: كذلك كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم يفعل. أخرجه البزار(٢).
[ب] -
العراقي في ((التقييد والإيضاح)) ١: ٢٤٩ صريح في مخالفة ابن الصلاح، وهو
أيضًا في القسم غير المطبوع.
(١) في ((التقييد والإيضاح)) ١: ٢٢٧، ونحوه في ((شرح ألفيته)) ص٢٣، وبين
كلام الزركشي ١٦١:٢ (٣٤)، وكلام شيخه العراقي تقارب كبير كالمتن والشرح.
(٢) ((بيان الوهم)) ٥: ٢٢٢، وفيه سندُ البزارِ وحكمُه على الحديث، ولفظه:
((لا نعلمه رواه عن نافع إلا ابنُ أبي ذئب، ولا عنه إلا روح - بن عبادة -، وإنما
كان يمسح عليهما لأنه توضأ من غير حَدَث، وكان يتوضأ لكل صلاة من غير
حَدَث، فهذا معناه عندنا. انتهى كلام البزار، وقد سلّم صحة الحديث)). وهذا
يعكِّر على استشهاد العراقي بهذا المثال، سواء أكان فاعل ((سلَّم)) عبد الحق أو
البزار، فإن ابن القطان يحكي عن أحدهما قوله بصحة الحديث، فابن القطان
مسبوق بذلك. والله أعلم.

٥٤٤
الأول : الصحيح
[ش]
وحديثَ أنس: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرون
الصلاة، فَيَضَعُون جُنُوبَهم، فمنهم مَن ينامُ ثم يقوم إلى الصلاة. أخرجه قاسم بن
أَصْبَغ(١).
ومنهم: الحافظ ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي، جَمَعَ كتابًا سماه
((المختارة))(٢) التزم فيه الصحَّة، وذكر فيه أحاديثَ لم يُسبق إلى تصحيحها.
(١) ((بيان الوهم والإيهام)) ٥: ٥٨٩، وانظر ((نصب الراية)) ١: ٤٧، و((التلخيص
الحبير)) ١: ١١٩، وينبغي التأني الطويل في مباحث ابن القطان الحديثية، وفي مباحثه
الفقهية أكثر.
وأصل الحديث في ((مصنف)) ابن أبي شيبة (١٤٠٨)، وصحيح مسلم ١ : ٢٨٤
(١٢٥)، وأبي داود (٢٠٢)، والترمذي: ١ (٧٨) وقال: حسن صحيح.
(٢) اسم الكتاب على وجه مخطوطته بقلم مؤلّفه: ((الأحاديث المختارة مما لم
يخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما))، كما ذُكر في مقدمة الكتاب ص٦١، أما
((المختارة)) فهو الاسم المختصر الذي يتكرر على ألسنة العلماء من قديم.
ومؤلِّفه هو الإمام ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي، المولود
سنة ٥٦٧، والمتوفّى سنة ٦٤٣ رحمه الله تعالی.
وكونه التزم فيه الصحة: هو مما اشتهر بين العلماء قديماً، لكن يُعكِّر على ذلك
قوله في مقدمته: ((أما بعد: فهذه أحاديث اخترتُها مما ليس في البخاري ومسلم، إلا
أنني ربما ذكرت بعض ما أورده البخاري معلَّقًا، وربما ذكرنا أحاديث بأسانيدَ جیادٍ
لها علَّة، فنذكر بيان علَّتها حتى يعرف ذلك)).
فهو يشبه ((المستدرك)) إلى حد کبیر، لکن یفوقه من حيث إنه کتاب مسند معلَّل،
=

٥٤٥
الأول : الصحيح
[ش]
وصحّح الحافظ زکی الدین المنذري حدیثَ بحرٍ بن نصر، عن ابن وهب،
عن مالك ويونسَ، عن الزهري، عن سعيد وأبي سَلَمة، عن أبي هريرة، في
غفران ما تقدَّم من ذنبه وما تأخر(١).
[ب] -
ويتكرر من أهل العلم نقل الثناء على ((المختارة))، وهو مسلِّم به، لكنهم لا ينقلون
غير ذلك، مع أهميته، فمن ذلك قول الحافظ ابن عبد الهادي في ((التنقيح)) آخر كلامه
على المسألة (٢١٥) ٢: ٤٨٠: ((في ((المختارة)) أحاديث كثيرة ضعيفة)) فمنها ما سببه
اختلاف الاجتهاد، ومنها ما يسوقه الضياء مَسَاق الإعلال، فينقله الناقلون على
ظاهره، دون مراعاة للسیاق.
وعلى هذا: فعزو الحديث إلى ((المختارة)) لا يلزم منه الصحة، فقد يكون
المصنف أورده وتكلم عليه وبيَّن علَّته، هذا إلى جانب الأحاديث التي يُخالَف في
تصحيحها، كما التزم الحاكم وغيره الصحةَ، وخُولفوا.
والكتاب طُبع، وصار أمره معروفًا بالمعاينة.
(١) للحافظ المنذري رحمه الله تعالى جزء فيما ورد فيه أنه يكفِّر الذنوب
المتقدمة والمتأخرة، ومما فيه: حديث البخاري (٧٨٠)، عن أبي هريرة رضي الله
عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا، فإنه من وافق تأمينُه تأمينَ
الملائكة غُفِر له ما تقدم من ذنبه)). وأن ابن وهب زاد في ((مصنفه)): ((وما تأخر))،
وكذلك جاء في ((أمالي أبي عبد الله الجرجاني))، وبعض نسخ ((سنن)) ابن ماجه.
وقد صحَّح المنذري في جزئه المذكور هذه الزيادة، أما الحافظ ابن حجر
فاعتبرها شاذة. وانظر ((فتح الباري)) ٢: ٢٦٥، و((النكت)) ١: ٢٧٤، و((الخصال
المكفِّرة للذنوب المتقدمة والمتأخرة)) لابن حجر أيضًا - الحديث الرابع - و((شفاء
الأسقام والآلام)» للسيد محمد بن جعفر الكتاني رحمه الله ص١١٧.
قلت: ورواية ابن وهب جاءت في الجزء الذي طبع له باسم ((الجامع لابن وهب
=

٥٤٦
الأول : الصحيح
[ش]
ثم صحَّح الطبقةُ التي تلي هذه، فصحح الحافظُ شرف الدين الدِّمياطي
حديثَ جابر: ((ماءُ زمزمَ لِمَا شُرِب له))(١).
ثم صحَّح طبقةٌ بعد هذه، فصحَّح الشيخ تقيُّ الدين السُّكي حديثَ ابن
عمر في الزيارة (٢).
--
[ب] -
في الأحكام)) (٤١٠): بحر بن نصر، عن ابن وهب، به، وليس فيها زيادة ((وما تأخر))
كما أن رواية ابن ماجه للحديث لم تجئ فيها هذه الزيادة حتى في طبعة المكنز
الإسلامي المعتمدة على عدة أصول، ورقم الحديث فيها (٩٠١).
(١) وذلك ((في جزء له جمعه في ذلك، أورده من رواية عبد الرحمن بن أبي
المَوَالِ، عن محمد بن المنكدر، عن جابر))، كما قاله العراقي في ((النكت)) ١: ٢٣٠،
وتعقّبه ابن حجر ١: ٢٧٤، فقال: ((لفظ الدمياطي: هذا على رسم الصحيح))، ثم قال:
((وليس فيه حكم على الحديث بالصحة .. )) لأن كون الإسناد على رسم الصحة لا ينفي
عنه العلة، والعلة هنا موجودة، وللحافظ كلام نحو هذا في جزئه الذي أفرده للحديث
المذكور: ((ماء زمزم لما شُرب له)). وانظر ((فتح الباري)) ٣: ٤٩٣ شرح الباب ٧٦ من
کتاب الحج، و ((المقاصد الحسنة) ص٣٥٧.
قلت: هذه المناقشة اللفظية لكلمة ((رسم الصحيح)) مسلَّمة لو سلَّمنا أن الدمياطي
أراد بهذا اللفظ الاحترازَ عن التصريح بصحة الحديث، لكن كلام العراقي صريح في
فهمه عن الدمياطي غير هذا الاحتراز، والله أعلم، ويؤيده كلامُ الدمياطي نفسه في
((المتجر الرابح)) ص٣١٨ (١٠٠) من أبواب الحج. والله أعلم.
وعلى كلّ: فالذي خلُص إليه كلام الحافظ في خاتمة جزئه: أن الحديث يصلح
للاحتجاج به، بمجموع طرقه.
(٢) يريد حديث: ((من زار قبري وجبتْ له شفاعتي))، وذلك في كتابه المشهور:
=

٥٤٧
الأول : الصحيح
[ش]
قال(١): ولم يَزَلْ ذلك دأُبُ مَن بلغَ أهليةَ ذلك منهم، إلا أن منهم مَنْ لا
يُقْبَلُ ذلك منهم، وكذا كان المتقدِّمون: ربما صحَّح بعضُهم شيئًا فَأُنْكِرَ عليه
تصحیحه.
وقال شيخ الإسلام(٢): قد اعتَرضَ على ابن الصلاح كلّ مَن اختصر كلامه،
وكلُّهم دفعَ في صدر كلامه من غير إقامةِ دليل، ولا بيانِ تعليل، ومنهم مَن
[ت)
((شفاء السَّقام في زيارة خير الأنام)) صلى الله عليه وسلم. ومما قال فيه ص ١٠٠ بعد
كلام: ((وبذلك تبيَّن أن أقل درجات هذا الحديث أن يكون حسنًا إنْ تُوزع في دعوى
صحته). وقال أيضًا: ((ثم إن الأحاديث التي جمعناها في الزيارة بضعة عشر حديثًا مما
فيه لفظ الزيارة، غيرُ ما يستدلُّ به لها من أحاديثَ أُخَر، وتضافرُ الأحاديث يزيدها
قوة، حتى إن الحسن قد یترقَّی بذلك إلى درجة الصحيح)).
(١) أي: العراقي في ((التقييد والإيضاح)) ١: ٢٣٣.
(٢) نقل الشارح رحمه الله في ((البحر الذي زخر)) ٢: ٨٦٦ كلامه المذكور هنا
بطوله مع زيادات، وكأنه في ((النكت الكبرى)) وتعقّبه في جزئيات منه، فانظر
الصفحات: ٨٥٨، ٨٥٩، ٨٦١، ٨٦٣، ٨٦٤، ٨٦٥، وقد خَلَص بمجموعها إلى
أنه: ((يصلُح أن يركَّب منها علة للمنع، وهو الأقوى، لأن الإسناد قد يجمع شروط
الصحة في الظاهر، ولا يحكم بصحة المتن، لشذوذ أو علة، وإدراكُ الشذوذ والعلة
كان عَسِرًا على كثير من المتقدمين، ويخفى على كثير من الحفاظ المعتبرين، فما
ظنك بالمتأخرین !! )).
وقال الزركشي ١٦٢:٢ (٣٤) آخر كلامه: «إن الشرط الذي ذكره النووي - وهو
الأهلية - مأخوذ من تعليل ابن الصلاح، والظاهر أنه لا يخالف فیه عند وجوده))،
فاتفقا !.

٥٤٨
الأول : الصحيح
[ش]
احتجَّ بمخالفة أهل عصره ومَن بعده له في ذلك، كابن القطَّان، والضياء
المقدِسي، والزَّكيِّ المنذري، ومَن بعدهم، كابن المَوَّاق(١)، والدِّمياطي،
والمِزِّي ونحوِهم، وليس بوارد، لأنه لا حجَّة على ابن الصلاح بعملٍ غيرِهِ،
وإنما يُحتَجُّ عليه بإبطالِ دليله، أو معارضتِه بما هو أقوى منه. ومنهم من قال٢:
لا سلف له في ذلك، ولعلَّه بناه على جوازِ خلوِّ العصرِ من المجتهد، وهذا إذا
انضم إلى ما قبله من: أنه لا سَلَف له فيما ادَّعاه، وعملِ أهلِ عصره ومَن بعدهم
على خلاف ما قال: انتهض دليلاً للردِّ عليه(٣).
[س)
(١) تقدم التعريف بابن المَوّاق ص ٤٧٢، والآخرون معروفون.
(٢) هذا من كلام ابن حجر، كما يستفاد من ((البحر الذي زخر)) ٢: ٨٥٨.
(٣) [فائدة: قد يكون الحديث صحيحًا لذاته من وجه، صحيحًا لغيره من وجه
آخر، حسناً لذاته باعتبار آخر، حسناً لغيره باعتبار آخر. مثاله حديث: ((لولا أن أشق
على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة).
فوجه كونه صحيحًا لذاته : رواية الشيخين له من طريق عبد الرحمن بن هرمز،
عن أبي هريرة.
ووجه كونه صحيحًا لغيره: رواية جماعة من المحدثين له من طريق محمد بن
عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وتابعه جماعة، فارتقى إلى الصحيح
بهذه المتابعة، ولولاها لم يرتقٍ، لأن رواية محمد وإن اشتهر بالصدق والصيانة ووثقه
بعضهم، لكنه لم يكن متقنًا حتى ضعفه بعضهم لسوء حفظه، فهو صحيح لغيره،
حسن لذاته، باعتبار طريق محمد باعتبارين، حسن لغيره باعتبار آخر. وهذه القاعدة
من لطائف هذا الفن. والله أعلم. مَثْبولي.].
=

٥٤٩
الأول : الصحيح
[ش]
قال: ثم إن في عبارته مناقشاتٍ.
منها: قوله ((فإنا لا نتجاسر)): ظاهرُهُ أن الأَولَى تركُ التعرُّض له، لِمَا فيه
من التعب والمشقة وإن لم ينهضْ إلى درجة التعذَّر، فلا يحسُن قولُه بعد
[ب ] -
كتب الشيخ ابن العجمي رحمه الله هذه الفائدة أعلى الورقة ٢٥/ب ولم
يربطها بجملة معينة، إذ ليس في الصفحة كلها ما يناسبها، فوضعتها هاهنا عند
هذه الجملة.
والمتبولي: هو شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد الأنصاري، المتبولي
- نسبة إلى متبول قرية من قرى الجيزة - توفي سنة ١٠٠٣، له شرح على ((الجامع
الصغير)) للسيوطي رحمهما الله تعالى، سماه ((الاستدراك النضير)). قال في ((كشف
الظنون)) وهو يعدِّد شروح ((الجامع الصغير)): ((قدَّم مقدِّمة في أصول الحديث في
مجلد))، فالظاهر أن هذا النقل منه، ولفضيلة الشيخ أبي الوفاء المراغي رحمه الله
تعالى مقال عن هذا الشرح في أربع صفحات، نشره في مجلة الأزهر، المجلد ٢٦،
الجزء ٧، وهو شرح نفيس، يتعيَّن البحث عن نسخة كاملة منه، ثم طبعها، أو طبع ما
هو موجود منه فقط.
وأصل الكلام لابن الصلاح في المسألة الثانية من مسائل الحديث الحسن،
وسيأتي إن شاء الله تعالى ٣: ٦٧. ورواية الأعرجِ عبد الرحمن بن هرمز في البخاري
(٨٨٧)، ومسلم ١: ٢٢٠ (٤٢)، ورواية محمد بن عمرو عند الترمذي (٢٢).
فأبو سلمة تابع الأعرج، عن أبي هريرة، وتابعه أيضًا سعيد المقبري عند ابن
ماجه (٢٨٧). وغير هذا.
ويرى القارئ وقفة في آخر الكلام من حيث الصياغة لا الصناعة.

٥٥٠
الأول : الصحيح
[ش]
ذلك: فقد تعذّر (١).
ومنها: أنه ذَكَر مع الضبط: الحفظَ والإتقان، وليست متغايرة.
ومنها: أنه قابَلَ بعدمِ الحفظِ وجودَ الكتاب، فَأَفهمَ أنه يَعِيب مَن حدَّث من
كتابه، ويُصَوِّب مَن حدَّث عن ظهر قلبه، والمعروفُ من أئمة الحديث خلاف
ذلك، وحينئذ فإذا كان الراوي عدلاً، لكنْ لا يحفظُ ما سمعه عن ظهر قلب،
واعتمدَ على ما في كتابه، فحدَّث منه: فقد فَعَلَ اللازم له، فحديثُه على هذه
الصورة صحیح.
قال: وفي الجملة: ما استدلَّ به ابن الصلاح مِن كونِ الأسانيدِ ما منها إلا
وفيه مَن لم يبلُغْ درجةَ الضبط المشتَرَطةَ في الصحيح: إنْ أراد أن جميع الإسناد
كذلك: فهو ممنوع، لأن مِن جملته مَن يكونُ مِن رجال الصحيح، وقلَّ أن
يخلوَ إِسنادٌ عن ذلك، وإنْ أراد أن بعضَ الإسناد كذلك: فمسلَّم(٢)، لكنْ لا
(ت)
(١) لفظ ابن الصلاح: ((فإنا لا نتجاسر على جزم الحكم بصحته))، وفي
(القاموس)): ((تجاسر عليه: اجترأ))، فمراده بدقّة: لا نتجرأ على الجزم بصحة المتن،
وإن كان ظاهره الصحة، حرمةً للسنّة والعلم، لا حذرًا من التعب والمشقة.
وأيضاً يقول: لا نتجاسر ولا نتجرأ على الجزم، أي: فالحكم بحذر وحيطة
ممكن جائز لا أمنع منه نفسي ولا غيري، مع الشرط الملاحظ في كل مناسبة: هو
الأهلية، فيلاحظ عدم التوارد بين المناقشة والكلام الأصل.
كما يلاحظ في هذه المناقشة واللتين بعدها شيء من التكلَّف من الحافظ في تَفْلِية
كلام ابن الصلاح، رحمهما الله تعالى، لا سيما مع ملاحظة موقع كلام ابن الصلاح.
(٢) تقدم ص٤٧٩ في كلامي عن تاريخ هذه المسألة، وارتباط كلام ابن الصلاح
بكلام البيهقي رحمهما الله تعالى، ما يؤكّد أن هذا هو المراد، لكن في الأجزاء
=

٥٥١
الأول : الصحيح
[ش]
ينهضُ دليلاً على التعذَّر، إلا في جزء يَنْفرِدُ بروايته مَن وُصِف بذلك.
أما الكتابُ المشهورُ الغنيُّ بشهرته عن اعتبار الإسنادِ منَّا إلى مصنَّه
- كالمسانيد والسنن، مما لا يُحتاجُ في صحةِ نسبتها إلى مؤلّفها إلى اعتبارِ إسنادٍ
معيَّن - فإن المصنفَ منهم إذا رَوَى حديثًا، ووجدت الشرائطُ فيه مجموعةً،
ولم يَطَّلِعِ المحدثُ المتقنُ المطَّلِعُ فيه على علةٍ: لم يَمْنعِ الحكمُ بصحته، ولو
لم ينصَّ عليها أحدٌ من المتقدِّمين(١).
قال: ثم ما اقتضاه كلامه من قبولِ التصحيحِ من المتقدمين، وردِّه من
المتأخرين، قد يَستلزِمُ ردَّ ما هو صحيح، وقبولَ ما ليس بصحيح (٢)! فكم من
حديثٍ حكم بصحته إمامٌ متقدِّمٌ، اطَّلِع المتأخِّرُ فيه على علة قادحة تمنعُ من
الحكم بصحته، ولا سيما إنْ كان ذلك المتقدِّم ممن لا يرى التفرقةَ بين
الصحيح والحسن، کابن خزيمة وابن حبان.
قال: والعجبُ منه كيف يدَّعي تعميم الخلل في جميع الأسانيد
المتأخرة(٣)، ثم يقبلُ تصحيح المتقدم، وذلك التصحيحُ إنما يتَّصلُ للمتأخِّر
[ب] -
الحديثية ونحوها، لا الكتب المشهورة.
(١) وهذا لا يخالف فيه ابنُ الصلاح البتة، كما تقدم في الملاحظات على كلامه.
(٢) نعم هذا صريح كلامه هنا، لكن إذا جمعنا بين كلاميه: هنا، وكلامه السابق
على ((المستدرك)): كانت النتيجة غير ذلك، لا سيما كلامه هنا، فإنه خاص بما لم
يتداوله العلماء من الأجزاء ونحوها.
(٣) لم يدَّع تعميم ذلك، بل ادَّعى ذلك دعوى خاصة قاصرة على الأجزاء وما
شاكلها، لا في الكتب والمصنفات المشهورة.

٥٥٢
الأول : الصحيح
[ش]
بالإسناد الذي يُدَّعَى فيه الخلل، فإنْ كان ذلك الخللُ مانعًا من الحكم بصحة
الإسناد، فهو مانعٌ من الحكم بقبول ذلك التصحيح، وإنْ كان لا يؤثِّر في مثل
ذلك لشهرة الكتاب - كما يُرشِد إليه كلامه - فكذلك لا يؤثّر في الإسناد المعيَّن
الذي تَتَّصل به روايةُ ذلك الكتاب إلى مؤلفه، وينحصر النظرُ في مثلِ أسانيدِ
ذلك المصنفِ منه فصاعدًا.
لكنْ قد يَقْوَى ما ذهب إليه ابنُ الصلاح بوجه آخر، وهو ضعفُ نظرٍ
المتأخرين بالنسبة إلى المتقدمين.
وقيل(١): إن الحامل لابن الصلاح على ذلك: أن ((المستدرك)) للحاكم
كتابٌ كبير جدًّا، يَصْفُو له منه صحيح كثير، وهو - مع حرصه على جمع
الصحيح - غزيرُ الحفظِ، كثير الاطّلاع، واسعُ الرواية، فيبعُد كلَّ البعدِ أن
يُوجَد حديثٌ بشرائط الصحة لم يُخرجه، وهذا قد يُقبلُ، لكنه لا ينهضُ دليلاً
على التعذر.
قلت: والأحوطُ في مثلٍ ذلك أن يُعبَّرَ عنه بصحيح الإسناد، ولا يطلَقَ
التصحيحُ: لاحتمالِ علةٍ للحديث خفيتْ عليه، وقد رأيتُ من يعبِّر خشيةً مِن
ذلك بقوله: صحيح إن شاء الله(٢).
[ب] -
-
-
(١) قاله الحافظ في ((النكت)) ٢٧٢:١، وهو في ((البحر الذي زخر)) ٨٦٥:٢ عن
((النكت الكبرى)).
(٢) هذه المقولة من كلام الشارح رحمه الله، كما هو واضح صريح من كتابه
((البحر الذي زخر)) ٢: ٨٦٨.
=

٥٥٣
الأول : الصحيح
[ب]
وقد قدّمتُ ص ٥٣٩ أن الشارح رحمه الله أفرد الكلام على هذه المسألة بما
أسماه ((التنقيح في مسألة التصحيح))، وأن الشيخ ابن العجمي نقل جُلَّه هنا، وسأثبِتُ
ما نقله، وأعلُّق عليه بما يُسعف عليه المقام، وأُرجئ نقله بتمامه والتعليق عليه كاملاً
إلى الجزء المفرد ((مجموع رسائل في علم الحديث دراية)) إن شاء الله تعالى.
نَقَل الشيخ ابن العجمي رحمه الله هنا ما نصه:
[والتحقيق عندي : أنه لا اعتراض على ابن الصلاح، ولا مخالفة بينه وبين من
صحح في عصره أو بعده.
[وتقرير ذلك: أن الصحيح قسمان: صحيح لذاته، وصحيح لغيره، كما هو
مقرر في كتاب ابن الصلاح وغيره. والذي منعه ابن الصلاح إنما هو القسم الأول،
دون الثاني، كما تعطيه عبارته، وذلك أن يوجد في جزء من الأجزاء حديث بسند من
طريق واحد لم تتعدد طرقه، ويكون ظاهرُ ذلك الإسناد الصحةَ، لاتصاله وثقة رجاله،
فيريد الإنسان أن يحكم على هذا الحديث بالصحة لذاته، لمجرد هذا الظاهر، ولم
يوجد لأحد من أئمة الحديث الحكم عليه بالصحة، فهذا ممنوع قطعًا، لأن مجرد
ذلك لا يُكتفَى به في الحكم بالصحة، بل لا بد من فَقْد الشذوذ والعلة (القادحة)،
والوقوف على ذلك الآن متعسِّر، بل متعذِّر، لأن الاطلاع على العلل الخفية إنما كان
للأئمة المتقدمين، لقرب أعصارهم من عصر النبي صلى الله عليه وسلم.
[وأما الأزمان المتأخرة فقد طالت فيها الأسانيد، وتعذَّر الوقوف على العلل إلا
بالنقل من الكتب المصنفة في العلل.
[وأما القسم الثاني: فهذا لا يمنعه ابن الصلاح ولا غيره، وعليه يُحمل صنيع من
كان في عصره ومن جاء بعده، فإني استقريت ما صححه هؤلاء، فوجدته من قسم
الصحيح لغيره لا لذاته. وقد أَعطى أئمةُ المحدثين المتقدمون قاعدةً، وهي أنه إذا
وُجد للحسن طريق آخر يُشبهه : حُكم بصحته، ويكون صحيحًا لغيره لا لذاته، فعمل
هؤلاء المصحِّحون بهذه القاعدة، فصححوا الأحاديث التي صححوها لتعدد طرقها،
=

٥٥٤
الأول : الصحيح
[ش]
وكثيرًا ما يكونُ الحديثُ ضعيفًا أو واهيًا، والإسنادُ صحيحٌ مركَّبٌ عليه(١)،
[ب] -
عملاً بالقاعدة المذكورة.
[فهم في ذلك تابعون للأئمة فيما أصَّلوه، وعاملون بما أوصَوْا به، فلا يُنسب
إليهم منافاة ولا مخالفة.
[وبهذا انْجَلَت المسألة، وعُلم أنه لا مخالفة بين قول ابن الصلاح وبين فعل أهل
عصره ومن بعده، وأن الفريقين لم يَتَواردا على محل واحد.
[وقد وقع السؤال عن حديثٍ، وهو: ((طلب العلم فريضة على كل مسلم))
فأجاب النووي في ((فتاويه)) - ص٢٨١ - بضعفه، وخالفه تلميذه المِزي، فحكم
بحسنه، لتعدد طرقه، ثم إني وقفت له على خمسين طريقًا، فحكمت بصحته، لكن
من القسم الثاني، وهو الصحيح لغيره، ولم يقع لي أني حكمت بصحة حديث لم
أُسْبَق إلى تصحيحه سواه، لا لذاته ولا لغيره.].
(١) فصحة السند لا تستلزم صحة المتن، وكذا صحة المتن لا تستلزم صحة
السند: إن كنا صححنا المتن بمجموع طرقه، لا لكل سند على انفراد. وهذا التنبه من
الأئمة رحمهم الله تعالى: مظهر من مظاهر نقدهم (الداخلي) للحديث، وهو يردُّ على
من يفتري عليهم ويقول: إنهم لا يُعْنَونَ إلا بنقد الأسانيد (النقد الخارجي) !!
ويروِّجون على الأئمة أنهم يَخْطِبون بليل: لا يدري أحدهم ماذا يحمل على ظهره.
وقد ذكر الحاكم في ((معرفة علوم الحديث)) ص٣٧٧ من النوع ٢٨ حديثًا من
رواية قتيبة بن سعيد، عن الليث بن سعد .. ، وقال: «هذا حديث رواته أئمة ثقات،
وهو شاذ الإسناد والمتن، لا نعرف له علة نعلله بها .. )).
ثم ذكر ص ٣٧٨ عن قتيبة أن سبعة من الأئمة رووه عنه: أحمد، وابن المديني،
وابن معين .. ، وأمثالهم من كبار الأئمة، ثم قال: ((أئمة الحديث إنما سمعوه من قتيبة
تعجبًا من إسناده ومتنه .. ، فنظرنا فإذا الحديث موضوع، وقتيبة بن سعيد ثقة مأمون)).
=

٥٥٥
الأول : الصحيح
[ش]
فقد روى ابن عساكرٍ في ((تاريخه))(١)، من طريق أحمد بن فارس(٢)، حدثنا
مكيُّ بن بُنْدار (٣)، حدثنا الحسن بن عبد الواحد القَزْويني(٤)، حدثنا هشام بن
[ب]
وقال الذهبي في ((الميزان)) (٨٤٣٢)، في ترجمة موسى بن نصر الثقفي: ((روى
بسندِ مسلمٍ حديثًا كذبًا)».
وقال (٩١٦٩): «یزید بن صالح الذي روى عنه غلام خلیل حِرز أبي دجانة،
وهو حرز مكذوب، كأنه من صنعة غلام خليل، يرويه عنه، عن شعبة، بقلة حياء،
بسند الصحيح)). وغير هذا كثير.
وقد علم كل منصف من المسلمين وغيرهم أنه لا يوجد، ولن يوجد، ميزان
أدقّ من ميزان أئمة السنة النبوية لسلامة الأخبار في دين الإسلام.
(١) ١٣: ١٣١ ترجمة الحسن بن عبد الواحد القزويني. وكتب على حاشية ك:
«مطلب. حدیث الورد موضوع)).
(٢) أحمد بن فارس: هو الصواب، وفي النسخ: علي بن فارس إلا ج، و، ح
ففيها: ابن فارس، فقط، وفي ((الموضوعات)) لابن الجوزي ٣ (١٤٦٨): ((رواه أبو
الحسين ابن فارس، في كتاب: الريحان والراح))، وجزم السخاوي في ((المقاصد))
(٢٦١): بأنه هو الإمام اللغوي المشهور، واسمه أحمد بن فارس، وله مشاركة
حديثية، فهو صاحب جزء ((مأخذ العلم)) وسيأتي النقل عنه إن شاء الله ٤: ٢٣٢ في
النوع الرابع والعشرين.
(٣) قال الذهبي في ((الميزان)) (٨٢٥٧) في ترجمة مكي هذا: ((اتهمه الدار قطني
بوضع الحديث)). ومثله في ((اللسان)) (٧٩٠٥) لكن انظر التعليق عليه.
(٤) هو الحسن بن علي بن عبد الواحد القزويني، تُرجم في ((الميزان)) و((اللسان))
على الوجهين، مع التنبيه على أنهما واحد: ((الميزان)) (١٧٩٧) وكرره بعد (١٨٢٠)،
=

٥٥٦
الأول : الصحيح
[ش]
عمار، حدثنا مالك، عن الزهري، عن أنس مرفوعًا: ((خُلِقِ الوردُ الأحمرُ من
عَرَقِ جبريلَ ليلةَ المعراج، وخُلقَ الوردُ الأبيضُ من عَرَقي، وخُلق الوردُ
الأصفرُ من عَرَق البُرَاق))، قال ابن عساكر(١): هذا حديث موضوع، وَضَعَه مَنْ
لا علم له، وركَّبه على هذا الإسناد الصحيح.
تنبيه :
لم يتعرَّض المصنفُ ومَن بعده كابن جماعة، وغيرِه ممن اختصر ابن
و («اللسان» (٢٣١١، وبعد ٢٣٣٤)، وفيهما أنه غير معروف، وروى هذا الخبرَ الباطلَ
المذكور هنا، لا على أنه هو المتهم به. أما ابن الجوزي فاتهمه به (١٤٦٨)، ووصفه
بـ«المقدسي))، لأنه جاء عنده في السند أنه حدث به ببيت المقدس.
(١) ابن عساكر ناقل لا قائل. ولفظه: ((قرأت بخط عبد العزيز الكتاني: قال لي
أبو النجيب عبد الواحد بن عبد الله الأرموي - كذا، وصوابه: عبد الغفار بن
عبد الواحد بن محمد الأرموي -: الحسن بن عبد الواحد مجهول، وهذا حديث
موضوع، وضعه من لا علم له، وركَبه على هذا الإسناد الصحيح)).
وينظر ((الفردوس)) مع التعليق عليه ٤: ٤٣٦ (٧٢٦٩)، و((المقاصد الحسنة))
(٢٦١)، و((كشف الخفا)) (٧٩٨).
وقوله ((من لا علم له)): يريد - والله أعلم - لا حياء له، فهذا ليس من وضع
الجهلة، جهلَ علم، بل جهلَ خُلُق، كما قال تعالى عن سيدنا موسى لقومه إذا قالوا
له: ﴿أتتخذنا هُزُوًا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين﴾ البقرة: ٦٧، جهلاً خُلُقيًّا لا
جهلاً علميًّا.

٥٥٧
الأول : الصحيح
[ش]
الصلاح، والعراقي في ((الألفية))، والبُلْقيني، وأصحاب النُّكَت: إلا للتصحيح
فقط، وسكتوا عن التحسين. وقد ظهر لي أنْ يقال فيه: إن من جوَّ التصحيحَ
فالتحسين أولى، ومن منع فيحتمل أن يُجَوِّزه، وقد حسَّنَ المِزِّي حديثَ:
((طلبُ العلم فريضةٌ))، مع تصريحِ الحفاظِ بتضعيفه(١)، وحسَّن جماعة كثيرون
أحاديثَ صرَّح الحفاظُ بتضعيفها.
ثم تأملتُ كلام ابنِ الصلاح فرأيته سوَّى بينه وبين التصحيح حيثُ قال: فآل
الأمر إذًا في معرفة الصحيح والحسن: إلى الاعتماد على ما نصَّ عليه أئمة
الحديث في كتبهم، إلى آخره(٢)، وقد مَنَع فيما سيأتي - ووافقه عليه المصنف
(١) اشتهر هذا النقل عن الإمام المزيّ رحمه الله تعالى، ولم يُسَمُّوا له مصدرًا.
وعبارة الشارح هنا تَحتمل أنه حسَّنه: لذاته أو لغيره؟ وصريح نقله عنه في ((الدرر
المنتثرة)) (٢٨٢): أنه يريد الحسن لغيره. وسقط من المطبوعة التي أعزو إليها اسم
الحافظ المزي، وغيرُهُ وغيرُه، واندُبِ العلمَ والدينَ من هؤلاء المتطاولين على تراث
الإسلام عامة، والسنَّة خاصة !!.
والحديث رواه ابن ماجه (٢٢٤) وغيره، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى
في نوع: الحديث المشهور ٥: ١٠.
(٢) هذا الفهم لمذهب ابن الصلاح، وأنه يسوِّي بين التصحيح والتحسين: أولى
مما جاء في ((النكت الوفية)) ١: ١٣٩: أنه ((لم يَسُدَّ باب التحسين))، بناء على كلام ابن
الصلاح عن أحاديث ((المستدرك)).
وأقول: إن كلام الشارح هنا، واستدلاله بقول ابن الصلاح هذا: سليم صحيح،
=

٥٥٨
الأول : الصحيح
[ش]
وغيره - أن يُجزمَ بتضعيفِ الحديثِ: اعتمادًا على ضعف إسناده، لاحتمال أن
يكون له إسناد صحيح غيرُهُ(١).
فالحاصلُ أن ابن الصلاح سدَّ باب التصحيح والتحسين والتضعيف على
أهل هذه الأزمان: لضعفِ أهليتهم(٣)، وإنْ لم يُوَافَقْ على الأول(٣).
ولا شك أن الحكم بالوضع: أولى بالمنع قطعًا إلا حيثُ لا يخفى،
كالأحاديث الطِّوال الرَّكيكةِ التي وضعها القُصَّاص(٤)، أو ما فيه مخالفةٌ
للعقل(٥)، أو الإجماع.
[ب] -
وكلام البقاعي، واستدلاله بكلام ابن الصلاح ذاك: سليم صحيح، والجمع بينهما بما
قدَّمته: أن ابن الصلاح لم يقل بمنع التصحيح والتحسين، كما فُهِم عنه وقِيل ونُسِب
إليه، ولم يفتح الباب على مصراعيه، بل قيَّد الجواز بما عُلِم أنه انطبقت عليه الأحكام
الأصلية، ولم يدخله تساهل المتأخرين في مجالس التحمل والسماع.
(١) ومن هذا المنطلق الحذر: توقَّف ابن الصلاح في جواز تصحيح ما فيه أدنى
احتمال، نتيجة التساهل المشار إليه.
(٢) هذا ما لم يقله ابن الصلاح، وابن الصلاح أرفع أدبًا من أن يَعرِض
لمعاصريه بالانتقاص لهم، وذلك بأن يسمح لنفسه بالتصحيح والتحسين والتضعيف،
ویسدّ الباب دونهم !.
(٣) أي: سدّ باب التصحيح.
(٤) انظر تنبيه الحافظ ابن حجر حول ركة اللفظ والمعنى، الآتي ٣: ٤٣٣.
(٥) انظر أيضًا الموضع المشار إليه قبلُ.
=

٥٥٩
الأول : الصحيح
[ش]
وأما الحكم للحديث بالتواتر أو الشهرة: فلا يَمتنعُ، إذا وُجِدت الطرقُ
المعتبرةُ في ذلك.
وينبغي التوقُّفُ عن الحُكْم بالفَرْدية والغَرَابة، وعن العِزَّة أكثر(١).
والمراد هنا بالعقل: أحكامه القطعية، قال شيخنا العلامة عبد الله الصديق
الغماري رحمه الله في رسالته ((القول الجزل فيما لا يعذر فيه بالجهل)) ص١١: ((أرادوا
بالعقل القضية العقلية التي اتفق العقلاء على صحتها، مثل الواحد نصف الاثنين،
والسماء فوقنا، فهذا هو العقل الذي يردّ من أجله الحديث، ولا يوجد حديث يخالف
ما أجمع عليه العقلاء)).
والمراد بالعقل أيضًا: أحكام العقل السليم الشرعي، الخالي من شوائب الهوى
والانحراف، ولَوْئات الثقافة المعاصرة، والمادية الملحدة، وإلا كان الدين أُلعوبةً
لكل ذي هوى وضلالة، تحت شعار التمسُّك بمثل هذه النصوص، ونحن نعيش هذه
المفاهيم الآن !!.
(١) مثل هذا في ((البحر الذي زخر)) ٨٧٦:٢.
وهاهنا أمر يجب التنبه له ضمن إطار المنهج العلمي، وهو أن الأحكام التي
يُصدرها الباحث: إما إيجابية، وإما سلبية.
فالأحكام الإيجابية إصدارها سهل، إذ بمجرد ما يقف طالب العلم المتمكن - لا
الدخيل - على حكم فقهي أو حديثي - مثلاً - من عالم معتمد في كتاب معتمد: جاز
له أخذه والاعتماد عليه، وقد يحتاج زيادةً في التثبت إلى مراجعة كتاب آخر أو کتابین.
أما الأحكام السلبية - أي قوله: لا يعرف كذا، ولا يوجد كذا، ولم ينقل، وما
ورد حديث في أمر كذا، ونحو ذلك -: فلا يجوز له قولها، إلا إذا استقصى المراجعة
في مظانها، واستقرأ، وأجهد نفسه بحثًا وتنقيبًا، وكان هو من أهل ذلك البحث
=

٥٦٠
الأول : الصحيح
(س)
والاستقراء، فحينئذ يجوز له أن ينفي، مع التحرُّر والحذر. وشرح هذه المسألة يطول.
وقد يكون في الحكم الإيجابي معنى سلبيٌّ ضمنًا.
فحكمك على حديث بالتواتر: حكم إيجابي بحت، إذ لن تحكم عليه بالتواتر إلا
إذا توافرت لديك شروطه.
أما حكمك عليه بالشهرة: فحكم إيجابي متضمِّن لحكم سلبي، لأنك حينما
تقول: حديث مشهور، فقد أثبتَّ أن له ثلاثة طرق مثلاً، وكأنك تقول ضمنًا: إنه غير
متواتر، والحكم فيه غير حَرِج، إلا إذا قارب التواتر، فيتعيَّن الحذر والتأني، خشية أن
يكون له ثمة طريق أو طريقان يرفعانه إلى التواتر، والباحث يصل إليهما بشيء من
الجهد والبحث.
وحينما تقول: حديث غريب، كأنك تقول: ليس له طريق أخرى يكون بها
عزيزًا، وهذا نفي صعب جدًّا، ولا يستطيع الإمام الجِهْبِذ أن يطلق هذا النفي إلا بعد
استقراء تام وتُّع طويل الأمد. ولذا يقول الشارح هنا: ((وينبغي التوقّف عن الحكم
بالفردية والغرابة».
وإذا خرج الحديث عن دائرة الغرابة: فمن العَسِر جدًّا ادِّعاء العزَّة فيه، لأنه يكون
قد تُدُووِل وانتشر بين الرواة، ولذا يقول الشارح هنا: ((وعن العزَّة أكثر))، وعلَّل ذلك
في شرح ألفيته ((البحر)) ٢: ٨٧٦: ((لضيق شرطها)).
ولا بأس أن أذكر مثالاً هنا على صعوبة النفي حتى على كبار الأئمة.
قال الإمام محمد بن نصر المروزي في ((كتاب الوتر)) - ص١٢٥ من مختصره
المطبوع -: ((لم نجد عن النبي صلى الله عليه وسلم خبراً ثابتًا مفسَّرًا: أنه أوتر بثلاث
لم يسلِّم إلا في آخرهن، كما وجدنا في الخمس والسبع والتسع، غير أنا وجدنا عنه
أخبارًا: أنه أوتر بثلاثٍ لا ذِكر للتسليم فيها .. ))، ثم ساق بعض ذلك، وعلّق عليه
بمعنى ما تقدم.
=