النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤١ الأول : الصحيح وما ليس فيه جَزْم: كيُرْوَى، ويُذْكَر، ويُحْكَى، ويُقال، ورُوِي، وذُكِر، وحُكِيَ عن فلان كذا : فليس فيه حكم بصحته عن المضاف إليه، . . . . . [ش] (وما ليس فيه جَزْمُ(١) : كيُرْوَى، ويُذْكَر، ويُحْكَى، ويُقال، ورُوِي، وذُكِر، وحُكِيَ عن فلان كذا) قال ابن الصلاح (٢): أو في الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم كذا: (فليس فيه حكم بصحته عن المضاف إليه)(٣). قال ابن الصلاح(٤): لأن مثلَ هذه العباراتِ تُستعمل في الحديث الضعيف [ب] - (١) هذا التعبير من دقائق العبارات، وقد تفرَّد به الإمام ابن الصلاح - فيما أظنُّ۔ رحمه الله تعالى، فإنه يقول: ما ليس فيه جزم، ويتجنَّب ما يقع في كلام غيره - على إمامتهم -: وما جاء بصيغة التمريض، أو: التضعيف، إذ في هذا التعبير جزم على الحديث بالضعف، وقد لا يكون كذلك، كما سيأتي البحث مفصَّلاً. وسيأتي ص ٤٤٧ في النقل عن ابن حجر قوله - بالمعنى -: إن الضعيف في هذا القسم الذي ليس له أيّ عاضد: قليل جدًّا، والباقي كله صحيح: على شرطه، أو على شرط غيره، أو حسن، أو ضعيف انجبر بانعقاد الإجماع على العمل به، فتصديرُ هذه الأقسام بقولهم مثلاً: علَّقه البخاري بصيغة التمریض: غیر دقیق. وقد وقع هذا في کلام الحافظ ابن حجر - وغيره ۔ في أكثر من موضع، كما يراه المتتبع لكلامه في هذا المبحث، في عددٍ من كتبه، ولا يخفى على أهل العلم أن علماءنا عامة متميِّزون بدقة التعبير عن المراد، لكن ابن الصلاح يأتي بين الرعيل الأول. رحم الله تعالى الجميع. (٢) صفحة ٢١. (٣) وأيضًا ليس فيه حكمٌ بضعفه عن المضاف إليه. (٤) صفحة ٢١. وانظر إلى عِظَم وَقْع قوله ((أيضًا))، فأفاد رضي الله عنه أن قولهم: يُروَى ورُوي، ويُحكَى وحُكي ..: من الألفاظ المستعملة عند العلماء - ومنهم = ٤٤٢ الأول : الصحيح [ش] أيضًا. فأشار بقوله ((أيضًا)) إلى أنه ربما يُورِد ذلك فيما هو صحيح: إما لكونه رواه بالمعنى: كقوله في الطب(١): ويُذْكَر عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم في الرُّقَى بفاتحة الكتاب، فإنه أسنده في موضع آخر بلفظِ(٢): أن نَفَرًا من الصحابة مَرُّوا بحيٍّ فيه لَدِيغٌ، فذكر الحديثَ في رقيتهم للرجل بفاتحة الكتاب، وفيه: ((إن أحقَّ ما أَخَذتُم عليه أجراً كتاب الله)). أو ليس على شرطه: كقوله في الصلاة(٣): ويُذْكَر عن عبد الله بن السائب قال: قرأ النبيُّ صلى الله عليه وسلم ((المؤمنون))(٤) في صلاة الصبح، حتى إذا (ت) البخاري - في التعبير عن الصحيح والضعيف، ولا تختص بالضعيف. فما شاع على الألسنة، وفي الأذهان، وفي الكتابات: بين أهل زماننا العامة عمومًا، وكثيرٍ من الخاصة: أن (روي) ونحوَها لا تستعمل إلا في الضعيف: فهو قولٌ خطأ، وفهمٌ خطأ، مبنيٌّ على قولِ مخطئٍ خاطئٍ. وسيأتي تمام بيانه إن شاء الله تعالى ٣: ٥١٩. (١) ((الفتح)) ١٠: ١٩٨ الباب ٣٣. (٢) أسنده تحت الباب نفسه ١٠: ١٩٨، بينهما حديث واحد (٥٧٣٧). وقد اختصر الشارح رحمه الله كلام ابن حجر في بيان السبب الذي من أجله علَّق البخاري هذا الحديث بصيغة غير الجزم مع أنه على شرطه. وخلاصته: لأنه أشار إليه بالمعنى، ((إذ ليس في الموصول أنه صلى الله عليه وسلم ذكر الرقية بفاتحة الكتاب، إنما فيه أنه لم یَنْھھُم عن فعلهم، فاستفید ذلك من تقریرہ)). (٣) کتاب الأذان - أول الباب ١٠٦، ٢: ٢٥٥. (٤) [قوله ((المؤمنون)) - بالواو - على الحكاية. ولأبي ذر: المؤمنين. وللأصِیلي : قد أفلح المؤمنون.]. (إرشاد الساري)) ٢: ٩٥. ٤٤٣ الأول : الصحيح [ش] جاء ذكْر موسى وهارون أَخَذَتْه سَعْلة(١) فركع. وهو صحيح أخرجه مسلم(٢)، إلا أن البخاري لم يُخْرِج لبعض رواته(٣). أو لكونه ضمَّ إليه ما لم يصحّ: فَأَتَى بصيغةٍ تُسْتَعملُ فيهما، كقوله في الطلاق(٤): ويُذْكَر عن علي بن أبي طالب وابن المسيّب، وذكر نحواً من ثلاثة [ب] (١) [قوله ((سَعْلَة)): بفتح السين، كما في ((الترتيب)) عن النووي. وفي ((القاموس)) - س ع ل -: ((سَعَل: كنصر، سُعالاً، وسُعلة - بضمهما -، وهي : حركة تدفع بها الطبيعة أذىً عن الرئة والأعضاء التي تتصل بها)). انتهى.]. و((الترتيب)): يريد به: ((ترتيب مطالع الأنوار)) لابن خطيب الدهشة، وهو في «المطالع» ٥: ٥٢٧ دون عزو إلی النووي، نعم هو في «شرح النووي)» ٤: ١٧٧ باب القراءة في الصبح. (٢) ١ : ٣٣٦ (١٦٣)، وقد أشار إلى بعض ما فيه من اختلاف. (٣) هكذا قال الحافظ في ((مقدمة الفتح)) ص١٨، وما يزال النقل عنه مستمرًّا. وفي إسناد مسلم - ممن لم يرو لهم البخاري ـ: هارون الحمّال شيخ مسلم، ثم الثلاثة الذين رووه عن عبد الله بن السائب، وهم عبد الله بن المسيَّب العابدي، وعبد الله بن عمرو القاريّ، وأبو سلمة بن سفيان. وكلام الحافظ في ((النكت)) ١: ٣٣٤، و((تغليق التعليق)) ٢: ٣١٣ صريح في أن البخاري علّقه للاختلاف في إسناده، بل: في متنه بعضُ اختلاف لا يضرّ. فلعل الأولى الاعتذار عن البخاري بالأمرين معاً. والله أعلم. (٤) باب لا طلاق قبل نكاح ٩: ٣٨١، ولفظه: ((ورُوي في ذلك عن علي وسعيد .. )). وقد ذكر الحافظ من وصلها كلَّها. وانظر أيضًا إن شئت ((تغليق التعليق)) ٤: ٤٤٠ - ٤٥١. والأمر كما قاله هنا: بعضها لم يصحّ. ٤٤٤ الأول : الصحيح [ش] وعشرين تابعیًّا. وقد يورده أيضًا في الحسَن: كقوله في البيوع(١): ويُذْكَر عن عثمان بن عفان: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ((إذا بِعْتَ فَكِلْ، وإذا ابتعتَ فاكْتَلْ))، هذا الحديث رواه الدار قطني(٢) من طريق عُبيدالله بن المغيرة، وهو صدوق، عن مُنْقِذ مولى عثمان، وقد وثَّق(٣)، عن عثمان. وتابعه سعيد بن المسيَّب، ومن طريقه أخرجه أحمد في ((المسند))(٤)، إلا أن في إسناده ابنَ (١) باب الكيل على البائع والمعطي ٤: ٣٤٤. - (٢) في ((سننه)) (٢٨١٨). (٣) ذكره ابن حبان في ((ثقاته)) ٥: ٤٤٧ فقط، ولذا قال في ((التقريب)) (٦٩١٤): ((مقبول)). وقوله هنا: ((وثَّقَ)): أولى من قوله الآخر في ((الفتح)) - الموضع السابق -: ((مجهول الحال))، ومن قوله في ((النكت على ابن الصلاح)) ١: ٣٣٩: ((مستور ولم يضعِّفه أحد)»، فمن لم يُضَعَّف ووُثق من ابن حبان: فهو ثقة، كما قررته في مقدمة ((مصنَّف)) ابن أبي شيبة ١: ٧٧ فما بعدها، ثم مع زيادات عليه في ((دراسات الكاشف)) للذهبي ص١٦٠ فما بعدها. (٤) ١ : ٦٢، ٧٥. وإعلاله هنا بابن لهيعة: استدركه بقوله في ((الفتح)) أيضًا: ((ولكنه من قديم حديثه، لأن ابن عبد الحكم أورده في ((فتوح مصر))، من طريق الليث، عنه)). وهذه فائدة جديدة تضاف إلى من إذا روى عن ابن لهيعة قُبِل حديثه، إذ کان ذلك قبل اختلاطه. لكن يستدرك على تخريج الحافظ هذا: أن ابن ماجه رواه بنحوه (٢٢٣٠) عن عبد الله بن يزيد المقرئ، عن ابن لهيعة، وهذا أحد العبادلة الأربعة الذين أخذوا عن = ٤٤٥ الأول : الصحيح [ش] لَهِيعة. ورواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (١) من حديث عطاء، عن عثمان، وفيه انقطاع (٢). والحديث حسنٌ لِمَا عَضَده من ذلك(٣). ومن أمثلة ما أورده من ذلك وهو ضعيف(٤): [ب] - ابن لهيعة قبل اختلاطه، فذِكْره مقدَّم على التخريج من ((فتوح مصر)). وكذلك رواه عبد بن حميد (٥٢) من طريق ابن المبارك، عن ابن لهيعة، وابن المبارك أحد العبادلة الأربعة أيضًا. وخرَّجه الحافظ أيضًا في ((تغليق التعليق)) ٣: ٢٣٩ عن («مسند أبي بكر المروزي))، رواه من حديث ابن وهب، عن ابن لهيعة، وابن وهب هو الرجل الثالث من العبادلة الأربعة، ولذلك لم يضعِّفه الهيثمي، بل قال في ((المجمع)) ٤: ٩٨: ((إسناده حسن))، وهو كذلك حسن لذاته. فعجيبٌ تضعيف البوصيري في ((مصباح الزجاجة)) ٢: ١٦ (٧٨٨) للإسناد بابن لهيعة. (١) (٢١٧٣٢) لكن من رواية الحكم، وهو ابن عتيبة، قال: قَدِمِ لعثمانَ طعام، وهكذا سماه الحافظ في ((الفتح)) ٤: ٣٤٥ تحت شرح الباب ٥١ من كتاب البيوع، و((تغليق التعليق)) ٣: ٢٤٠، فتسميته له هنا في ((مقدمة الفتح)) ص١٩ عطاء: سبق ذهن منه، ومتابعة الشارح له متابعة على السهو. (٢) فالحكم لم يلق عثمان. وعبَّر الحافظ في ((الفتح)) ٤: ٣٤٥ عن هذا بـ((المرسل)). (٣) بل انظر الكلام عليه آخر تخريجه السابق. (٤) لكنه منجبر، فقد عَضَده وقوَّاه ما هو أقوى من طريق أو طريقين، ألا وهو الإجماع، وقد أسند أبو نعيم في ((الحلية)) ٣: ٣٤٣ إلى عطاء بن أبي رباح - وهو من = ٤٤٦ الأول : الصحيح [ش] قوله في الوصايا(١): ويُذْكَر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قَضَى بالدين قبل الوصية، وقد رواه الترمذي موصولاً من طريق الحارث، عن عليّ، والحارث ضعيف(٢). [ب] هو جلالةً وعلمًا - قال: ((ما اجتمعتْ عليه الأمة أقوى عندنا من الإسناد)). وانظر التعليقة بعد اللاحقة. (١) ((الفتح)) ٣٧٧:٥، باب تأويل قوله تعالى: ﴿مِن بعدِ وصيةٍ يُوصِي بها أو دَیْن﴾. (٢) رواه الترمذي في كتاب الفرائض (٢٠٩٤)، ورواه آخرون، ومدار طرقهم على الحارث الأعور، وانظر تفصيل تخريجه في ((مصنف)) ابن أبي شيبة (٢٩٦٦٢)، وقال الترمذي عقبه: (( تكلّم بعض أهل العلم في الحارث، والعمل على هذا الحديث عند عامة أهل العلم)). وقال الحافظ في ((فتح الباري)) - الموضع المذكور -: ((كأن البخاري اعتمد عليه لاعتضاده بالاتفاق على مقتضاه، وإلا فلم تجر عادته أن يورد الضعيف في مقام الاحتجاج به، وقد أورد في الباب ما يعضده أيضًا، ولم يختلف العلماء في أن الدَّين يقدَّم على الوصية إلا في صورة واحدة، وهي ما لو أوصى لشخص بألف مثلاً، وصدَّقه الوارث، وحكم به، ثم ادَّعى آخر أن له في ذمة الميت دينًا يستغرق موجوده، وصدَّقه الوارث: ففي وجه للشافعية تقدَّم الوصية على الدَّين في هذه الصورة الخاصة)». وألفتُ نظر القارئ الكريم إلى فائدة عابرة في هذا النص من الحافظ رحمه الله، وذلك في قوله: ((لم تجر عادته أن يورد الضعيف في مقام الاحتجاج به))، فقيَّد نفي ذكر البخاري للضعيف في صحيحه إذا كان في مقام الاحتجاج، أما الاستحباب = ٤٤٧ الأول : الصحيح وليس بواهٍ لإِدخاله في الكتاب الموسوم بـ((الصحيح)). والله أعلم. [ش] وقوله في الصلاة: ويُذكَر عن أبي هريرة رَفَعه: ((لا يَتَطَوَّع الإمام في مكانه))، وقال عقبه: ولم يصح(١)، وهذه عادته في ضعيفٍ لا عاضدَ له من موافقةِ إجماعٍ، أو نحوِهِ، على أنه فيه قليلٌ جدًّا. والحديثُ أخرجه أبو داود من طريق الليث بن أبي سُلَيم، عن الحجاج بن عبيد، عن إبراهيم بن إسماعيل، عن أبي هريرة(٢). وليثٌ ضعيف، وإبراهيمُ لا يُعرف، وقد اختلف علیه فیه. (و) ما أورده البخاري في ((الصحيح)) مما عبَّر فيه بصيغة التمريض وقلنا لا يُحكَم بصحته: (ليس بواهِ) أي: ساقطِ جدًّا، (لإِدخاله) إياه (في الكتاب الموسوم بـ(الصحيح)). والله أعلم). والاستئناس: فلا يدخل تحت هذا النفي، فإنه موجود فيه، وينظر تفصيله في بحث ((الحديث الضعيف بين النظرية والتطبيق والدعوى)) إن شاء الله، وأقول باختصار: ينظر منه: الباب ١٢ من كتاب الصلاة، والباب ١٢ أيضًا من كتاب النكاح. (١) ٢: ٣٣٤ عقب رقم (٨٤٨). وقال في ((التاريخ الكبير)) ١ (١٠٧٣): ((لم يثبت هذا الحديث))، وقال في ((الفتح)) ٢: ٣٣٥: هذا ((ذَكَره بالمعنى)). (٢) (٩٩٨) بلفظ آخر، وإبراهيم بن إسماعيل: يقال فيه: إسماعيل بن إبراهيم، وبه ترجمه البخاري في ((التاريخ الكبير)) الموضع السابق. ولیث: صدوق في نفسه، لكنهم لا يصححون حديثه لاختلاطه الشديد، وقوله: ((ضعيف)) أي: ضعيف الحديث، أما ذاته فقد قال في ((التقريب)) (٥٦٨٥): ((صدوق اختلط جدًّا، ولم يتميز حديثه فترك)». ٤٤٨ الأول : الصحيح [ش] وعبارة ابن الصلاح(١): ومع ذلك فإيراده له في أثناء الصحيح مشعرٌ بصحةٍ أصلِه إشعارًا يُؤْنَس به ویُرْكَن إليه. قلت: ولهذا رددتُ على ابن الجوزي حيثُ أورد في ((الموضوعات))(٢) حديثَ ابن عباس مرفوعًا(٣): ((إذا أُتيَ أحدُكم بهديةِ فجلساؤُه شركاؤُه فيها)). فإنه أورده من طريقين عنه، ومن طريقٍ عن عائشة، ولم يُصِبْ، فإن البخاريَّ أورده في ((الصحيح))(٤) فقال: ((ويذكر عن ابن عباس)). وله شاهد آخر من حديث الحسن بن علي، رُوِّيناه في ((فوائد أبي بكر [ب] - - (١) صفحة ٢١. (٢) من طريقين: (١٥٢٥) من طريق الخطيب، و(١٥٢٦) من طريق العقيلي، و(١٥٢٧) من طريقه أيضًا. (٣) عزاه الحافظ في ((الفتح)) ٥: ٢٢٧، و((النكت)) ١: ٣٤١ إلى عبد بن حميد (٧٠٥)، وزاد في ((النكت)): ((حلية الأولياء)) ٣: ٣١٥، وهو في ((سنن)) البيهقي ٦: ١٨٣، و((تاريخ بغداد)) ٤١٠:٥، و((الضعفاء)) للعقيلي ٣: ٦٧. كلهم من حديث ابن عباس، وفي إسنادهم مِّنْدل بن علي العَنَزي، وهو ضعيف، إلا العقيليَّ ففي إسناده عبد السلام بن عبد القدوس الكَلاعي، وهو أضعف من مندل. وطريقُ عائشة المشارُ إليه في كلام الشارح: هو عند العقيلي ٣٢٨:٤ وقال: لا يصح في هذا المتن حدیث. وقد رجَّح البيهقيُّ في ((سننه)) الموضع السابق، وابنُ حجر في ((النكت))، و((الفتح)) أيضًا: وقفه على ابن عباس. (٤) تحت الباب ٢٥ من كتاب الهبة ٥: ٢٢٧. ٤٤٩ الأول : الصحيح [ش] الشافعي))(١)، وقد بيَّنتُ ذلك في . [ب] (١) الذي يعرف بـ((الغيلانيات))، وهو فيه (٩٠٠)، ورواه هو وإسحاق بن راهويه - كما في ((المطالب العالية)) (١٤٨٧) -، كلاهما من طريق يحيى بن سعيد العطار، عن يحيى بن العلاء البجلي الرازي، عن طلحة بن عبيدالله بن كَرِيز، عن الحسن بن علي رضي الله عنهما، ویحیی الأول ضعيف، والثاني أشدّ ضعفًا منه، بل اثُّهم. ورواه الطبراني في ((الكبير)) ٣ (٢٧٦٢) من طريق يحيى بن سعيد، به، لكنه نُسب عنده: الواسطي، مع أنه شامي: حمصي أو دمشقي، كما قاله المزي ٣١: ٣٤٣، وترجمته عند ابن عساكر ٦٤: ٢٦٦، ومع هذا التصريح في نستبه واسطيًّا جعله الهيثمي في ((المجمع)) ٤: ١٤٨ العطارَ، واقتصر على إعلال الحديث به! ومما يؤكد أن المذكور في إسناد الطبراني هو هو العطار: أن ابن عساكر - والمزي - ذكرا أن العطار يروي عن يحيى بن العلاء. ومفارقة أخرى: طلحة الراوي له عن الحسن السبط رضي الله عنه: نسب في رواية ابن راهويه والطبراني: طلحة بن عبيد الله، وطلحة بن عبيد الله الراوي عن الحسن، ويروي عنه يحيى بن العلاء البجلي الرازي، هو ابن كَرِيز الخزاعي، في حين أنه نُسب وسمي في رواية الغيلانيات: طلحة العقيلي، لم يسم أبوه، وقد ترجمه المزي ومتابعوه طلحة بن عبيد الله العقيلي تمییزًا له عن ابن کریز، لکنه یروي عن الحسين الشهيد رضي الله عنه، ولم يذكروا أنه يروي عنه يحيى بن العلاء، وكتب التراجم تؤيد أنه ابن كريز، وأنه يروي عن الحسن، وتسميته في الغيلانيات - مع العقيلي -: الحسن، تحريف، صوابه: الحسين، إن صح أنه العقيلي. وللتنبيه أقول: ذكر البوصيري هذا الحديث في «إتحاف الخيرة)) (٤٠٠٠)، وفي إسناده تحريفان: يحيى بن سعيد القطان، صوابه: العطار، وطلحة بن عبد الله، = ٤٥٠ الأول : الصحيح [ش] ((مختصر الموضوعات))(١)، ثم في كتابي ((القول الحسن في الذبِّ عن السنن))(٢). فائدة : قال ابن الصلاح(٣): إذا تقرَّر حكم التعاليق المذكورة فقولُ البخاري: ما أدخلتُ في كتابي إلا ما صحَّ، وقولُ الحافظِ أبي نصرِ السِّجْزي(٤): أجمع و الفقهاءَ وغيرُهم أن رجلاً لو حلف بالطلاق أن جميع ما في البخاري صحیحٌ، (ت) وصوابه: بن عبيد الله. والله أعلم. (١) ((اللآلئ المصنوعة)) ٢: ٣٠٠، وأطال رحمه الله في تخريجه. (٢) على حاشية ك: بلغ. (٣) ص٢٥ - ٢٦ بالمعنى. وقد قال ابن الصلاح هذا بناء على ما يُشْعِر به تسمية البخاري لكتابه وهو: ((الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه)). فقوله ((المسند)): دليل على أنه التزم الصحة فيما أسنده فقط، دون ما علَّقه. (٤) هو الإمام الحافظ عبيدالله بن سعيد بن حاتم الوائلي السِّجِستاني، والسِّجْزي: نسبة ثانية إلى سجستان، على خلاف القياس، توفي سنة ٤٤٤ بمكة، في قول الذهبي في ((السير)) ١٧: ٦٥٦، أو بعد ٤٤٠ - دون تحديد - في قول السمعاني في ((الأنساب)) ٥: ٥٧١، وتبعه الحافظُ عبد القادر القرشي في ((طبقاته)) ٢: ٣٣٨. والوائلي: نسبة إلى قرية من قرى سجستان، في قول ابن طاهر في ((الأنساب المتفقة)) ص ٢٢٩، والسمعاني. أو: نسبة إلى بكر بن وائل، حكاه السمعاني أيضًا، وعليه أبو طاهر السِّلَفي في ((الوجيز)) ص ٦٢. هذا، ولإمام الحرمين كلمةٌ مشهورة من بابة كلمة أبي نصر الوائلي، وزاد عليه ذکر کتاب مسلم مع کتاب البخاري، ستأتي في كلام الشارح ص٤٩٣. ٤٥١ الأول : الصحيح الخامسة : الصحيح أقسامٌ : [ش] قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم لا شكَّ فيه، لم يَحْنَث: محمولٌ على مقاصدِ الکتاب وموضوعه، ومتون الأبوابِ المسندة(١) دون التراجم ونحوها. انتھی. وسيأتي في هذه المسألة مزيدُ كلامٍ قريبًا(٢). ويأتي (٣) تحرير الكلام في حقيقة التعليق، حيثُ ذكره المصنف عَقِب المعضَل، إن شاء الله تعالى (٤). (الخامسة : الصحيح أقسامٌ (٥)) متفاوتةٌ بحسب تمكُّنِه من شروط الصحة [ب] - - (١) كلمة ((المسندة)) زيادة على كلام ابن الصلاح، ولا تضرُّ هنا. (٢) عند بحث إفادة أحاديث الصحيحين القطعَ أو الظنَّ القويَّ، ص٤٨٧ فما بعد. (٣) في الفرع الثالث من فروع المعضل ٣: ٢٢١. (٤) على حاشية ك: بلغ. (٥) [قال الحافظ ابن ناصر [الدين] في ((شرح عقود الدرر)): وهو - أي الصحيح - على مراتب، فأصحُّه: ما اتفق على تخريجه الستة في كتبهم. ثم: ما اتفق عليه البخاري ومسلم مع الثلاثة. ثم: ما اتفقا عليه مع أبي داود والترمذي. ثم: ما اتفقا عليه مع أبي داود. ثم: ما اتفقا عليه. ثم: ما انفرد به البخاري. ثم: ما انفرد به مسلم. ثم: ما كان على شرطهما من غير تخريجهما، فهو صحيح أيضًا. ثم: ما كان على شرط البخاري كذلك. ثم: على شرط مسلم. ثم: ما لم يكن على شرط أحدٍ منهما وقد صححه غيرهما من الأئمة، وذلك كالذي صححه إمام، مثل : ابن عيينة، والقطان، وابن معين، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن خزيمة، وغيرهم. ثم: ما صححه ابن حبان، وأبو عبد الله الحاكم، لكنْ في تصحيحه في ((المستدرك)) أشياء كثيرة، فهناك يَحكم الناقد بما يليق فيها. ثم: ما عُلُّق في الصحيحين بلا روايةٍ = ٤٥٢ الأول : الصحيح بصيغة الجزم. انتهى.]. ((منظومة عقود الدرر في علوم الأثر)) لابن ناصر الدين الدمشقي، له عليها شرحان، مطول لم يطبع، ومختصر، طبع أكثر من مرة، والنقل المذكور من المطول، إذ لا شيء في المختصر. والله أعلم. ونحو هذه الترتيبات تأتي في كلام الحافظ ص ٤٠٣ - ٤٠٤. وكأن ملحظ الحافظ ابن ناصر الدين في هذا الترتيب: أن الصحيحين تُلُقِّيا بالقبول، والسنن الأربعة كذلك تُلُقِّيت بالقبول، حتى جُعلت سِتَتُها: الكتبَ الستةَ الأصول، فلذلك جَعَل أعلا المراتب ما اتفق أصحاب السنن مع الشيخين على روايته، ثم، وثم، وهذا هو ملحظ علاء الدين مغلطاي فيما قاله في ((إصلاح كتاب ابن الصلاح)) ٢: ١١١، وهو في ((النكت الوفية)) ١: ١٥٧، وعرَّض به العراقي في ((التقييد والإيضاح)) ١: ٢٨٢، وإلا فاتفاق مشترطي الصحة على تخريج حديثٍ رواه الشيخان: أولى من اتفاق أصحاب السنن معهما على روايته. والسنن الأربعة أُلحقت بالصحيحين، فجعلتْ من كتب أصول السنة لكونها جَمَعت أحكام الإسلام، لا من ناحية حديثية أخرى، أما مشترطو الصحة فقد التزموا الصحة واشترطوها، وإن خُولِفوا ونُوقِشوا في بعض ذلك. وإلى هذا المعنى يشير أيضًا ترتيب ابن حزم لكتب السنة، كما تقدم من الشارح نقل كلامه صفحة ٤٠١ - ٤٠٤. وتقدم التنبيه إلى هذا أيضًا في التعليق عليه ص ٤٠٠. كما أن قوله أخيراً: ((ثم ما عُلِّق في الصحيحين بلا روايةٍ بصيغة الجزم)): قد عرفتَ ما فيه مما نقله الشارح عن الحافظ ابن حجر. وفي كلام ابن ناصر الدين رحمه الله دقيقة ينبغي التنبُّه لها، وهي تقييده تساهل الحاكم بما كان في أحاديث ((المستدرك)» لا مطلقًا، بحيث صار ذلك عَلَمَا عليه! وقد تقدم تنبيهي لذلك ص٣٧٩ - ٣٨٠، قبل وقوفي على عبارة ابن ناصر الدين. ٤٥٣ الأول : الصحيح أعلاها : ما اتفق عليه البخاري ومسلم، ثم ما انفرد به البخاري، ثم ... [ش] وعدمه، (أعلاها: ما اتفق عليه البخاري ومسلم(١)، ثم ما انفرد به البخاري)، ووجهُ تأخُّره عما اتفقا عليه: اختلاف العلماء أيُّهما أرجحُ(٢)، (ثم) ما انفرد به (س). (١) مراد الإمام النووي بقوله: ((ما اتفق عليه البخاري ومسلم)): ما أخرجه البخاري ومسلم، أو: رواه البخاري ومسلم، ونحو ذلك، كما عبَّر هو في ((الإرشاد)) ص ٦٤، وأصله لابن الصلاح ص ٢٣. أما قوله هنا ((اتفق عليه البخاري ومسلم)): فيوهم المعنى الاصطلاحي للمحدثين الذي نبّه إليه الحافظ في ((النكت)) ٢٩٨:١، ٣٦٤، وهو: اتفاقهما على رواية الحديث من طریق صحابي واحد، فما زاد علیه من السند، أما إذا رویاه عن صحابييْن فلا يقال فيه عندهم: متفق عليه، بل نقول: رواه البخاري ومسلم، أو: رواه الشيخان، أو: في الصحيحين، وهكذا، ويمكن أن يقال فيه: متفق عليه عند الفقهاء. ومعنى قولهم ((متفق عليه)): هو ما عبّر عنه ابن الصلاح رحمه الله ص٢٨ بقوله: ((يَعْنُون به اتفاق البخاري ومسلم، لا اتفاق الأمة عليه، لكن اتفاق الأمة عليه لازم من ذلك وحاصل معه، لاتفاق الأمة على تلقي ما اتفقا عليه بالقبول)). وصريح كلام الحافظ في الموضع الثاني: أن ما اتفقا عليه - بهذا الاصطلاح الذي ذكره - قد يكون أقوى من الذي روياه ولا ينطبق عليه هذا الاصطلاح، وقد يكون العکس، ولينظر کلامه. (٢) وهكذا قال الشارح رحمه الله تعالى في شرحه ((البحر)) ٢: ٦٤٩، ومقتضاه: الاعتداد بهذا الاختلاف، وسبقه إلى هذا: ابن حجر في ((شرح النخبة)) ص ٥٩! مع أنه قِيلٌ مردود، أو مفهوم غلطًا، أو مصروف عن ظاهره! فلا ينبغي التعليل به وتوجيه المراتب بمقتضاه. وإنما مردُّ هذا - والله أعلم - إلى أمرين: = ٤٥٤ الأول : الصحيح مسلمٌ، ثم على شرطهما، [ش] (مسلمٌ (١)، ثم) صحيحٌ (على شرطهما) ولم يخرجْه واحدٌ منهما، ووجهُ تأخُّره - [ب] - أولهما: ما قالوه في وجوه الترجيح بين الخبرين المتعارضين: الترجيح بكثرة الرواة، فتخريج مسلم للحديث إلى جانب تخريج البخاري له: زيادة مرجِّحة لهذا الحدیث علی الحدیث الذي ينفرد به البخاري. فإن قيل: إن مقتضى ما ذكرتَ من التعليل: أن يكون الحديث الذي وافق الشيخين غيرُهما على تخريجه، راجحًا على الحديث الذي ينفرد الشيخان بتخريجه؟. قلت: نعم، وقد رأيتَ كلامَ ابن ناصر الدين قبل قليل، ورأيتَ ما كتبتُه عليه، وانظر كلام البقاعي في كتابه ١ : ١٥٧، فسواء أكان الموافقُ لهما أصحابَ السنن أم ملتزمي الصحة، لا فرق في أن ما كثُر مخرجوه راجح على ما قلَّ مخرجوه، بشرط أن يكون لكتب هؤلاء الموافقين قبول ومزية عند أهل العلم، لا الأجزاء والفوائد المنثورة، ونحوها مما لا مزية له. ثانيهما: احتمال أن يكون مسلم تحامى إخراج الحديث لعلة فيه، فيكون الحديث من المختلَف في صحته بين إمامين كبيرين، ولا شك أن المتفَق على صحته أولى من المختلف فيه. وهذان الوجهان يقالان أيضاً في القسم التالي، وهو ما انفرد به مسلم. وانظر التعليقة التالية. (١) قال الزركشي رحمه الله في ((النكت على ابن الصلاح)) ٢٦٠:٢ - ٢٦١ (٦٥): ((لك أن تقول: إنما يظهر نزول هذا عما قبله في حديث نصَّ البخاريُّ على تعليله فأخرجه مسلم، أما حديث لم يتعرض له البخاري وأخرجه مسلم: كيف يكون نازلاً، وتَرْكُ البخاري له لا يقدح فيه، لأنه لم يلتزم كلّ الصحيح؟! والتحقيق: أن هذه الرتبة وما قبلها غير جارية على الإطلاق، بل قد يكون بعضها كما ذُكر، وقد يكون بعضها بخلافه، وإلى ذلك يشير كلام البيهقي في ((المدخل)) (١٠١) حيث قال: فإن كان مما خرجه = ٤٥٥ الأول : الصحيح ثم على شرط. [ش] عما أخرجه أحدُهما: تَلَقِّي الأمة بالقبول له (١)، (ثم) صحيحٌ (على شرط - [ب] - الشيخان في كتابيهما - وهو الدرجة الأولى من الصحاح - بيَّنته، وإن كان مما خرجه أحدهما دون الآخر ۔ وبعضُه دون الدرجة الأولى في الصحة ۔ ذکرته. انتھی. ((ويدلُّ لذلك: أنهم قد يقدمون بعض ما رواه مسلم على ما رواه البخاري لمرجِّح اقتضى ذلك. ومن رجَّح كتاب البخاري على مسلم إنما أراد ترجيح الجملة على الجملة، لا كلِّ واحدٍ واحدٍ من أحاديثه، على كل واحد من أحاديث الآخر. ومع ذلك فلا يستقيم من المصنف - يعني ابنَ الصلاح - إطلاقُ ترجيح ما انفرد به البخاري على مسلم)). قلت: لا أحدَ يعارض في صحة قوله: ترجيح الجملة على الجملة، إلى آخر كلامه، إنما المعارضة في كلامه السابق، ذلك أن المرجِّحات الإجمالية الستة التي قالها الحافظ، في ترجيح جملة ما في البخاري على جملة ما في مسلم: ذاتُ وجاهة قوية، فانظرها فيما تقدم ص ٢٩٠ فما بعدها. (١) كأن هذا التعليل من الشارح رحمه الله تعالى جواب ضمني عن قول الحافظ في ((شرح النخبة)) ص٦١: ((إن كان الخبر على شرطهما معًا كان دون ما أخرجه مسلم أو مثلَه)). وملاحظة أخرى أبداها الصنعاني في ((توضيح الأفكار)) ١: ٩٥: ((إذا كان وجه أرجحيَّتهما هو التلقيَ المذكورَ، فهما متلقّيان على السوية، فلا وجه لجعل ما اتفقا عليه مقدَّمًا على ما إذا انفرد به كل واحد منهما، ولا يُجعل ما انفرد به البخاري أرجحَ من حيثية التلقي، لاستواء الجميع فيه)). وجوابها: أن كليهما متلقّىَ بالقبول، لكن مع ملاحظة الفارقِ بينهما، والترجيحِ الأول على الثاني، لا على السواء، وتقديم كتاب البخاري على كتاب مسلم أمر = ٤٥٦ الأول : الصحيح البخاريِّ، ثم مسلم، ثم صحيح عند غيرهما. [ش] البخاري، ثم) صحيحٌ على شرط (مسلم، ثم صحيح عند غيرهما) مستوفى فيه الشروطُ السابقة(١). (س) مشهور، أما قول الحافظ في ((شرح النخبة)) ص٥٩: ((صرح الجمهور بتقديم صحيح البخاري)): فهذا الاحتراز منه بقوله ((الجمهور)) من أجل كلمة أبي علي النيسابوري، ومن أجل ما نُقل عن أبي مروان الطّبْني من المغاربة، كما هو صريح تتمة كلامه، فلا وجه لاعتراض الصنعاني. (١) وهاهنا أربع مسائل لا بد من ذكرها: أولاها: مَن هو أول مَن جاء بهذا التقسيم والترتيب؟. وجوابه: أن أول من قال به هو الإمام ابن الصلاح رحمه الله تعالى، وتابعه عليه جلّ من جاء بعده من العلماء، وكأن نَواتَه وجذوره من كلمة الإمام البيهقي رحمه الله التي تقدم ص ٤٠١ - ٤٠٢ نقلها بواسطة الزركشي عن كتابه «المدخل» (١٠١). ثم جاء ابن الجوزي، وهو قبل ابن الصلاح بنصف قرن، فقال في مقدمة ((الموضوعات)) ١: ٩، ١٣: ((اعلم - وفقك الله - أن الأحاديث على ستة أقسام: القسم الأول: ما اتُّفِق على صحته، وذلك الغاية، وكان أبو عبد الله البخاري أولَ من أفرد الصحاح، ثم تبعه مسلم .. القسم الثاني: ما انفرد به البخاري أو مسلم .. القسم الثالث: ما صحّ سنده على رأي أحد الشيخين، فيلحق بما أخرجه إذا لم يُعرف له علة مانعة)). وخلاصة هذا: ١ - ما رواه الشيخان. ٢ - ما انفرد به البخاري. ٣ - ما انفرد به مسلم. ٤ - ما كان على شرط البخاري. ٥ - ما كان على شرط مسلم. هذا صريح تقسيم ابن الجوزي، ويلحق به - من باب أولى - فيجعل القسم الرابع: ماكان على شرطهما، ثم ما كان على شرط البخاري يجعل قسمًا خامسًا، وما كان على شرط مسلم يجعل قسمًا سادسًا، فيكون ابن الصلاح - والله أعلم - قد أخذ هذا التقسيم من ابن = ٤٥٧ الأول : الصحيح الجوزي وما زاد عليه إلا القسم السابع: ما كان صحيحًا في اجتهاد أي عالم متأهل. وإنما قلت: تابع ابنَ الصلاح عليه جلَّ من جاء بعده: لأن منهم من حاول التدقيق في مشتَمَلات المرتبة الواحدة، كما قال ابن حجر في ((النكت)) ١: ٣٦٣، وتبعه تلميذه السخاوي في ((فتح المغيث)) ١: ٧٦، مع اختلاف في بعض الاعتبارات. ولفظ ابن حجر: ((والحقُّ أن يقال: إن القسم الأول - وهو: ما أخرجاه - يتفرع فروعًا: أحدها: ما وصف بكونه متواتراً. ٢ - ويليه: ما كان مشهوراً كثير الطرق. ٣ - ويليه: ما وافقهما الأئمة الذين التزموا الصحة على تخريجه (و) الذين خرجوا السنن، والذين انتقوا المسند. ٤ ۔ ویلیه: ما وافقهما علیه بعض من ذکر. ٥- ويليه: ما انفردا بتخريجه. فهذه أنواع للقسم الأول .. وکذا نقول في ما انفرد به أحدهما أنه يتفرع علی هذا الترتیب». انتهى. وجعل السخاوي الفرع الثالث: ما رُوي بسلسلة وُصفت بأنها أصح الأسانيد، كمالك، عن نافع، عن ابن عمر. وكلام الحافظ في ((شرح النخبة)) ص٥٨ يؤيده، وسيأتي نقله بتمامه بعد أسطر. ثانيتها: مِن العلماء مَن لم يرتضِ التقسيم مطلقًا، لأن عماده التلقي بالقبول، وهو لا يرى التلقي بالقبول مزية يرجَّح بها بين أدلة مسألة فقهية اختلفت فيها أقوال الأئمة المجتهدين، وكلهم كانوا في طبقة زمنية قبل الشيخين. فالشيخان اشترطا والتزما بشروطهما ووقًيا بها، وشروطهما متفق عليها بين العلماء، فما رُوي بهذه الشروط وليس في الكتابين: لم يكن لما رُوي فيهما مزية على ذاك. وعلى رأس هؤلاء: الكمال ابن الهمام رحمه الله تعالى، من أئمة الحنفية المتأخرين فقهًا وأصولاً وحديثًا، فإنه قال رحمه الله في باب النوافل من ((فتح القدير)) ١: ٣٨٨، وهو يتحدث عن صلاة ركعتين قبل فرض المغرب، ولم يَرَ القول بكراهتهما، ولا بمندوبيتهما، قال: ((وقول من قال: أصح الأحاديث ما في الصحيحين، ثم ما انفرد به البخاري، ثم ما انفرد به مسلم، ثم ما اشتمل على = ٤٥٨ الأول : الصحيح (س) شرطهما من غيرهما، ثم ما اشتمل على شرط أحدهما: تحكّم لا يجوز التقلید فيه، إذ الأصحية ليس إلا لاشتمال رواتهما على الشروط التي اعتبراها، فإذا فرض وجود تلك الشروط في رواة حديثٍ في غير الكتابين: أفلا يكون الحكم بأصحية ما في الكتابين عينَ التحكم؟!))، إلى آخر كلامه، ونحوه في كتابه الأصولي ((التحرير)) ٣: ٣٠ بشرح تلميذه ابنِ أميرٍ حاجٌ، ووافقه عليه، كما وافقه الشارح الثاني أمير بادشاه ٣: ١٦٦. ولم يعرض ابن الهمام في تمام كلامه لقرينة التلقي بالقبول لأحاديث الصحيحين، ذلك لأنهما أُلّفا في القرن الثالث، واستقرار مكانتهما في القلوب، وتلقي العلماء لهما بالقبول بدأ يظهر في القرن الخامس، ظهر على لسان أبي نصر السجزي، وتقدم قوله ص ٤٥٠، وإمام الحرمين، وسيأتي قوله ص ٤٩٣، وهذا الأمر المتأخِّر لا يصلح أن يكون مرجِّحًا لقولٍ فقهي لإمام، على قول فقهي لإمام آخر، کالمناسبة التي قال فيها ابن الهمام كلامه هذا. ولذلك لم يعرض - كما قلت - لقرينة التلقي بالقبول، بل لفت النظر إلى رتبة المتقدمِ والمتأخرِ، والمجتهدِ والمقلدِ، فقال رحمه الله: ((نعم، تسكن نفس غير المجتهد ومن لم يخبر أمر الراوي بنفسه، إلى ما اجتمع عليه الأكثر، أما المجتهد في اعتبار الشرط وعدمه، والذي خبر الراوي، فلا يرجع إلا إلى رأي نفسه)). فالتحكم باجتهاد أبي حنيفة وغيره من الأئمة المجتهدين، بما يقرِّره المتأخرون عنهم بقُرون، تحكّم من مخطئ، مقدِّد لمخطئء !. وأكّد ابن الهمام هذا الرأي منه وكرَّره في موضع آخر من كتابه ((فتح القدير)) وذلك في باب الإيلاء ٤٥:٤، ولفتَ الأنظار إلى أمر آخر متأصِّل متجذِّر في نفوس الناقدين جهابذة الرواية والرواة، فقال بعد ما أشار إلى أصل المسألة عند ابن الصلاح، وردِّ لها الذي نقلته: ((نعم، قد يكون الراوي المعيّنُ أكثرَ ملازمةً لمعين، من غيره، فيصير أدرى بحديثه وأحفظَ له منه، على معنى: أكثر إحاطة بأفراد متونه، = ٤٥٩ الأول : الصحيح وأعلم بعادته في تحديثه، وعند تدليسه إن كان، وبقصده عند إبهامه، وإرساله: ممن يلازمه تلك الملازمة)». فهذا هو توضيح رأي ابن الهمام ومتابعيه رحمهم الله وسائرَ علماء المسلمين، وهذا توجيهه. والله أعلم. ثالثتها: هل هذا الترتيب لأقسام الحديث الصحيح مما يجب التزامه، فلا تقديم ولا تأخير بينها؟ . وجوابه: ما قاله الحافظ في ((شرح النخبة)) ص٦٢، قال رحمه الله: ((أما لو رَجَح قسم على ما فوقه بأمور أخرى تقتضي الترجيح، فإنه يقدَّم على ما فوقه، إذ قد یعْرِض للمغُوق ما يجعله فائقًا، كما لو كان الحدیث عند مسلم - مثلاً - وهو مشهور قاصر عن درجة التواتر، لكن حقَّتْه قرينة صار بها يفيد العلم، فإنه يقدم على الحديث الذي يخرجه البخاري إذا كان فردًا مطلقًا. ((وكما لو كان الحديث الذي لم يخرجاه من ترجمة وُصِفِت بكونها أصحّ الأسانيد، كمالك، عن نافع، عن ابن عمر، فإنه يقدَّم على ما انفرد به أحدهما -مثلاً - لا سيما إذا كان في إسناده مَن فيه مقال)). وقولُ الحافظ هذا ((وهو مشهور قاصر عن درجة التواتر)): قيَّده في ((النكت)) ١: ٣٦٦ بـ((الشهرة القوية))، إذْ ما كل شهرة تصلح لذلك. وخلاصة هذا النقل: أن ما رواه مسلم هو في المرتبة الثالثة في كلام ابن الصلاح، فإذا تأيَّد بالمرجحات المذكورة قدِّم على ما انفرد به البخاري الذي هو في المرتبة الثانية، ومعنى تقديمه على المرتبة الثانية: أنه يكون مساويًا لما هو في المرتبة الأولى: المتفق عليه. وزاد السخاوي ١: ٧٦ فقال: ((وكذا نقول فيما انفرد به البخاري بالنسبة لما اتفقا عليه، بل وفي غيره من الأقسام المفضولة بالنسبة لما هو أعلى منه إذا انضم إليه ذلك)). وهذا الكلام يدل على أن هذه المرجحات الخارجية أقوى من قرينة التلقي = ٤٦٠ الأول : الصحيح [ش] تنبيهات : الأول: أُورِدَ على هذا أقسامٌ(١): بالقبول، فليحفظ. رابعتها: هل يلزم من أن أعلى أقسام الصحيح: المتفق عليه، ثم، وثم: أن يقدَّم ما اتفقا عليه، ثم ما انفرد به البخاري ... ، على كل حديث آخر يُعارضُهُ؟. وبعبارة أخرى: إذا تعارض حديث متفق عليه، مع حديث رواه البخاري فقط، أو حديث انفرد به البخاري، مع حديث في مسلم فقط، وهكذا بالتسلسل، فهل المرجّح الفوريّ هو كون هذا في الصحيحين فهو مقدَّم دون تردّد ولا توقّف على الذي في البخاري؟ وهكذا ..!. والجواب: أن هذا شيء لم يقل به ابن الصلاح، ولا النووي الذي اختصر كتابه مرتين، ولا غيرهما، إنما هو فهم خاطئ من دهماء الناس وغوغائهم، تمكَّن واستقر في أذهان مَن عايشهم ثم ترقَّى وتصدّر، وليس له أصل في أذهان العلماء إلا على أنه مرجٌّح من أواخِرٍ وجوه الترجيح التي عدَّها الحافظ العراقي: مئة وجه، وعشرة وجوه، كما سيأتي بيانه ٥: ١٣٢ عند الكلام على النوع السادس والثلاثين: مختلف الحدیث، إن شاء الله تعالی. والمهم الآن التنبيه إلى ضرورة التنبُّه لمراد الإمام ابن الصلاح دون تزيُّد عليه، وقد رأيتَ أنه قد يعرِض للمتأخر ما يجعله متقدمًا، وهذا من جانب حديثي فقط، أما الجوانب الأخرى - الأصولية والفقهية والحديثية أيضًا - فالحديث عنها ٥: ١٢٤ عند النوع السادس والثلاثين، كما تقدم. (١) هذه الإيرادات نقلها البقاعي في ((النكت الوفية)) ١ : ١٥٦ عن ابن حجر.