النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
الأول : الصحيح
[ب]
لحديثه فهي أرفع درجات المحدثين، وإن كان صاحب كتاب فلا ينبغي أن يحدث إلا
من أصوله ... وإن كان المحدث غريبًا - يريد: في غير بلده - لا يقدر على إخراج
أصوله، فلا يُكتب عنه إلا ما يحفظه إذا لم يخالف الثقات في حديثه، فإن حدّث من
حفظه بالمناکیر التي لا يتابع علیها: لم يؤخذ عنه)).
وخلاصة هذا: أن العدل عند الحاكم هو من لم يجرح، ولم يكن مبتدعًا داعية،
ولا معلنًا بفسق، وهو ضابطٌ ضبطَ صدر أو ضبط كتاب، ولم يأت بما يُنكر عليه.
والشرط الأول منها - ((من لم يجرح)) - صرّح به في ((المستدرك))، فقال عقب
(٧٨٨٥): ((هذا حديث ليس في إسناده منسوب إلى نوع من الجرح، وإذا كان هكذا
فإنه صحیح، ولم يخر جاه)).
وروى (١٤٦) حديثًا لكثير بن زيد الأسلمي وقال: لا أعرفه بجرح في الرواية،
والشيخان لم يخرجا له لقلة حديثه، وروى (٤٢٩) لإسحاق بن محمد بن إسحاق
العَميّ، عن أبيه، وقال: من البصريين لم نعرفهما بجرح.
واشتهر هذا المذهب عن ابن حبان، وبيَّنت بالدلائل الواضحة أنه شرط غيره
ممن سبقه من الأئمة، وذلك في مقدمة ((مصنف)) ابن أبي شيبة ١ : ٧٧، وزدت عليه
في ((دراسات الكاشف)) للذهبي ص ١٦٠.
وبناء على هذا: فإنه لا تنبغي نسبته إلى التساهل في الشروط والقواعد وتأصيل
الأحكام.
كما لا تنبغي نسبته إلى التساهل في تطبيق الأحكام وتنزيلها على الأحاديث التي
يرويها، ذلك أن سبب مؤاخذاته التي أشار إليها: هو عدمُ تيسُّرِ زمنٍ لتنقيح كتابه
وتحريره، كما هي عادة العلماءِ وكلُّ كاتب.
غايةُ ما عنده: أنه لم يُفرد في أحكامه على الأحاديث الحسن عن الصحيح، بل
لم يفرد في كتابه ((معرفة علوم الحديث)) للحسن نوعًا من أنواعه، ومن وصفه
بالتساهل، إنما أرادوا نزول كثير مما يصححه إلى دركة الضعف، لا الحُسْن، وقد
=

٣٨٢
الأول : الصحيح
[ب]
أفصح الحافظ عن سبب ذلك، فكيف يصفُه بالتساهل هو وبعض من سبقه ولحقه؟!
وانظر ما سيأتي تعليقًا ص ٣٩٢ عند قول الشارح: فالحاصل أن ابن حبان وفَّى
بالتزام شروطه.
وقد قال الشارح في ((البحر الذي زخر)) ٢: ٨٢٣: ((وقد شرعت في تعليقٍ عليه -
يريد على ((المستدرك)) - سميته ((توضيح المَدْرك في تصحيح المستدرك))، فأقول والله
المستعان: إن الحاكم مظلوم في كثيرٍ مما نُسب إليه من التساهل .. )).
ثم نقل عن ابن حجر قوله في ((النكت على ابن الصلاح)) ١: ٤١٧: ((اعتبرت
كثيراً من أحاديث الصحيحين، فوجدتها لا يتم الحكم عليها بالصحة إلا بذلك))، أي:
بتعدد طرقها، لكلامٍ في بعض رواتها. قال الشارح عقبه: ((وإذا اعتبرتَ الأحاديث التي
صححها الحاكم، وتعقّبوه بضعف رواةٍ في سندها: وجدتَها على هذه الشريطة .. ))،
إلى آخر كلامه، وفيه طولٌ مع الأمثلة.
ثم قال الشارح ص٨٣٥: ((وأرجو من فضل الله تعالى أن يمنَّ بإتمام التعليق الذي
شرعت فيه، وتحرير الأحاديث المتكلم عليها حديثًا حديثًا)).
وحاصل التوفيق بین کلام من انتقده ــ دون تسرع كالماليني - وكلام من دافع
عنه، كالشارح في كلامه هذا: أن من انتقده فقد دقّق عليه كلامه في تطبيق دعواه:
على شرطهما، أو على شرط أحدهما، وأن من دافع عنه فقد نظر إلى مآل حكمه: أنه
ادعى الصحة، وأن هذا الحديث صحيح لذاته، أو لغيره، أو حسن، وهو لا يفرِّق
بين الصحيح والحسن، وهو تدقيق صحيح حسب الشائع بين العلماء، لاسيما من
عصر ابن الصلاح فمن بعده، أما إذا فسرنا (شرطهما أو شرط أحدهما) بمجرد الرواية
عنه في كتابيهما - على وَفْق ما قدمتُه ص ٣٣١ -: فتقلُّ المؤاخذات على أحكامه
جدًّا، لكن تنشأ مؤاخذات أخرى حين ينسُب إخراج الشيخين لفلان، أو عدم
إخراجهما له، ويكون الواقع خلافه، وهي مؤاخذات أقل من سابقتها بكثير. والله
أعلم.

٣٨٣
الأول : الصحيح
فما صححه ولم نجدْ فيه لغيره من المعتَمَدين تصحيحًا ولا تضعيفًا : .
..
[ش]
فأعجَلَتْه المنيَّة. قال: وقد وجدتُ في قريبِ نصفِ الجزءِ الثاني من تجزئةِ ستةٍ
من ((المستدرك)): إلى هنا انتهى إملاء الحاكم، قال: وما عدا ذلك من الكتاب لا
يُوجد عنه إلا بطريق الإجازة، فمِنْ أكبرِ أصحابِه وأكثرِ الناسِ له ملازمةً
البيهقيُّ، وهو إذا ساق عنه من غير المُمْلَى شيئًا لا يذكره إلا بالإجازة.
قال: والتساهلُ في القَدْرِ المُمْلَى قليلٌ جدًّا بالنسبة إلى ما بعده.
(فما صححه(١) ولم نجدْ فيه لغيره من المعتَمَدين تصحيحًا ولا تضعيفًاً
[ب] -
(١) علّق الشيخ العلامة ابن العجمي هنا ما نصُّه:
[نَقَل الشاميُّ - في ((سيرته)) ١ : ٤٢١ - في باب ولادته مختونًا - وكذا ابن عَرَّاق
في أوائل الموضوعات ((تنزيه الشريعة)) ١: ١٤٤ - عن الزركشي: ((أن تصحيح الضياء
أعلى مرتبةً من تصحيح الحاكم، وأنه قريب من تصحیح الترمذي وابن حبان)). انتهى.
والعبارة لابن عرَّاق. وقال الزيلعي في حديث البسملة من ((تخريج الهداية))
- ١ : ٣٥٢ - ما نصُّه: «ما عُرف من تساهله، حتى قيل: إن تصحيحه دون تصحيح
الترمذي والدارقطني، بل تصحيحه كتحسين الترمذي، وأحيانًا يكون دونه، وأما ابن
خزيمة وابن حبان فتصحيحهما أرجح من تصحيح الحاكم بلا نزاع)). انتهى.].
وما نَسَبه الشيخ ابن العجمي للزيلعي قائلاً له: صوابه أن الزيلعي ناقل له، لا
قائل، إنما قائله هو الحافظ ابن عبد الهادي رحمه الله، فإنه أفرد هذه المسألة - الجهر
بالبسملة - في جزء، ردًّا على جزء الخطيب البغدادي، ووصف ابنُ عبد الهادي جزأه
هذا في كتابه الآخر ((التنقيح)) ١٩٩:٢ بأنه: ((كتاب متعوب عليه، فمن أحبّ الوقوف
علیه فلیسارع إليه)).
وقد لخَّص هذا الجزءَ زميلُه الحافظ الزيلعي، فقال ١: ٣٣٥: ((ملخَّص ما ذكره
ابن عبد الهادي في ((الجهر بالبسملة)) مستدرِكًا على الخطيب .. ))، واستمر تلخيصه
=

٣٨٤
الأول : الصحيح
[ب]
للجزء إلى ١: ٣٥٨، وأتى فيه بفوائد وفرائد، وقد نقل كثير من أهل العلم بعضَ هذه
الفوائد ناسبين لها إلى الزيلعي، وهي في حقيقتها لابن عبد الهادي.
وفي أواخر هذه الصفحة ٣٥٨ قال الزيلعي: ((ملخص ما قاله صاحب التنقيح))،
وصوابه: صاحب التحقيق، وهو ابن الجوزي، والكلام المذكور موجود في
((التحقيق)) ١: ٣٥٧، تصحيح مسعد عبد الحميد السعدني، وكذا هو في طبعات
(التحقيق)) لابن الجوزي التي معها ((التنقيح)) لابن عبد الهادي.
ثم قال الزيلعي ص٣٦١: ((ملخص ما قاله الحازمي .. )). وهذا كله يؤكد أنه
يلخص كلام العلماء في المسألة، ولا يتدخل في نقول كلامهم بشيء من عنده.
ومما نقله الزيلعي عن ابن عبد الهادي في مبحثه هذا قوله ١ : ٣٥٥ - ٣٥٦:
((البخاري رحمه الله مع شدة تعصُّبُه وفَرْط تحامله على مذهب أبي حنيفة لم يُودع
((صحيحه)) منها حديثًا واحدًا .. والبخاري كثير التُّع لما يَرِد على أبي حنيفة من
السنة .. وأنا أحلف بالله وتالله لو اطلع البخاري على حديثٍ منها موافقٍ لشرطه أو
قريبٍ من شرطه: لم يُخْلِ منه كتابه، ولا كذلك مسلم رحمه الله .. )). ولهذا الكلام صلة
بکلام ابن عبد البر المتقدم ص٣٤٧.
وقد ظنّ بعض المتسرِّعين أن هذا الكلام للزيلعي الحنفي يحطّ فيه على البخاري
ومسلم نصرةً لمذهبه وتعصُّبًا، وغَفَل عن أن هذا كلام ابن عبد الهادي الحنبلي الذي
نَصَرَ بجزئه هذا في الجهر بالبسملة مذهبه الحنبلي - والمذهب الحنفي تَبَعًا - نصرةً لا
مزيد عليها، فالتعصُّب عند منْ إن كان ثمة تعصّب؟ !.
وأعود إلى ما نقله الشامي الصالحي عن الزركشي، في تقديم تصحيح الضياء
المقدسي على تصحيح الحاكم، فأقول: قال الضياء رحمه الله في مقدمة كتابه
((المختارة)): ((هذه أحاديث اخترتها مما ليس في البخاري ومسلم، إلا أنني ربما ذكرت
بعض ما أورده البخاري معلقًا، وربما ذكرنا أحاديث بأسانيد جياد لها علّة، فنذكر
بيان علتها حتى يُعرف ذلك)). فهو كتاب معلَّل، ولا يدَّعي صحة جميع أحاديثه،
=

٣٨٥
الأول : الصحيح
حكمنا بأنه حسن، إلا أن يظهر فيه علةٌ تُوجِبُ ضعفه.
[ش]
حكمنا بأنه حسن، إلا أن يظهر فيه علةٌ تُوجِبُ ضعفه).
قال البدر ابن جماعة(١): والصوابُ أنه يُتَبَّع ویُحكَمُ علیه بما يليق بحاله من
-
[ب] -
ويمكن النظر لمعرفة بعض ما ضُعُّف من أحاديثه في تعليق شيخنا رحمه الله على
(الأجوبة الفاضلة)) ص١٥٣ - ١٥٥، فالعزو إليه مفيد للصحة عنده من حيث الجملة،
كالعزو لابن خزيمة والحاكم، مفيد للصحة عندهما من حيث الجملة، لا التفصيل،
إذ لا بدّ من مراجعة كتبهم، ثم مراجعة كلام العلماء الآخرين. ومع ذلك فينظر كلام
ابن عبد الهادي الآتي ص٥٥٦.
أما العزو إلى ابن حبان فيفيد الصحة عنده جملة وتفصيلاً، إذ لم أَرَ - والله أعلم -
في كتابه استدراكًا على حديث يرويه، أو استثناء وتعليقًا لصحته، نعم، قد يكون
للعلماء الآخرین رأي آخر فیه.
وأما الحكم على أحاديث ((المختارة)) بأنها أعلى من تصحيح الحاكم، وهكذا
حال تصحيح ابن خزيمة وابن حبان: فهذا مسلَّم من حيث الجملة، ويحتاج إلى قيد:
ما لم يكن أعلَّه الضياء، أو استثنى صحته ابن خزيمة، وأيضًا: ينبغي - لإنصاف
الحاكم - أن يقيد هذا فيما سوى الربع الأول من ((المستدرك)) الذي ذكره الحافظ أول
کلامه.
وقيد رابع: إن الصحة غالبة على أحاديث ((المختارة)) إذا حاكمنا تصحيح الحاكم
على وَفْق ما فعّده ابن الصلاح وتوبع عليه، أما إذا فسّرنا ((شرطهما)) بمعنى: الرواية
مطلقًا كما قدمتُه ص ٣٣١: فلا. والله أعلم.
(١) كأن هذا في الورقة الساقطة من الأصل الذي طُبع عنه ((المنهل الروي))، وقد
نقل لفظه العراقي في ((التقييد والإيضاح)) ٢٤٩:١، وأعقبه بقوله مؤيداً لابن جماعة:
((وهذا هو الصواب)). وقال في ((شرح ألفيته)) ص ١٧ - ١٨: ((إن الحكم عليه بالحسْن
=

٣٨٦
الأول : الصحيح
[ش]
الحسن أو الصحة أو الضعف.
ووافقه العراقي وقال(١): إن حكمه عليه بالحسْن فقط تَحكّم.
[ب] -
فقط - أي كما ذهب إليه ابن الصلاح -: تحكّم، فالحقُّ: أن ما انفرد بتصحيحه يُتَّع
بالکشف عنه، ویحکم علیه بما یلیق بحاله)).
(١) في ((التقييد والإيضاح)) ١: ٢٤٩، و((شرح الألفية)) ص ١٧ - ١٨ كما تقدم.
وأقول: لفظ ابن الصلاح رحمه الله: ((ما حكَم - الحاكم - بصحته ولم نجد ذلك
فيه لغيره من الأئمة، إن لم يكن من قبيل الصحيح فهو من قبيل الحسن، يحتج به
ویعمل به، إلا أن تظهر فيه علة توجب ضعفه)).
وهذا صريح من ابن الصلاح في أن ما يصححه الحاكم تدخُله الأحكام الثلاثة:
الصحة، والحسْن، والضَّعْف. وعجيب من العراقي رحمه الله قوله: إن حكمه عليه
بالحسن فقط تحكم !! أمام هذه الصراحة في كلام ابن الصلاح.
وقد شاع ما فهمه ابن جماعة والعراقي وغيرهما من أن ابن الصلاح يحسِّن ما
یصححه الحاكم ولم نجد موافقًا له من المتقدمین، مع أن ابن الصلاح لا يقول بذلك،
كما ترى نصه أمامك، فتأنَّ وراجع الأصول دائمًا.
وأغرب من هذا: أنهم بَنَوْا ما فهموه عن ابن الصلاح على رأي آخر له، هو: أنه
لا يرى التصحيح لأهل زمانه فمن بعدهم، فربطوا بين هذا وذاك! ثم رأيت البقاعي في
((النكت)) ١: ١٣١ ناقش العراقيّ بمثل هذا، وكذا السخاوي ١: ٦٣، لكن بإيجاز.
وقد حذف النووي الحكم الأول من كلام ابن الصلاح، وهو قوله: إن لم یکن
من قبيل الصحيح، وحذف العراقي الحكم الثالث، وهو قوله: إلا أن تظهر فيه علة
توجب ضعفه، وأبقى (الحسْن فقط)، وقال عنه: هذا تحكّم !!.
وبهذا يزول عَجَبُ الشارح الذي عبّر عنه بقوله: والعجبُ من المصنف كيف
=

٣٨٧
الأول : الصحيح
[ش]
قال: إلا أن ابن الصلاح قال ذلك بناءً على رأيه: أنه قد انقطع التصحيح في
هذه الأعصار، فليس لأحد أن يصحِّحه، فلهذا قَطَعَ النظر عن الكشف عليه.
والعجبُ من المصنف كيف وافقه هنا مع مخالفته له في المسألة المبنيِّ
عليها، كما سيأتي.
وقوله ((فما صححه)): احترازٌ مما خرَّجه في الكتاب ولم يصرِّح بتصحيحه،
فلا يُعتمدُ علیه(١).
وافقه هنا مع مخالفته له في المسألة المبنيِّ عليها، كما سيأتي.
نعم، إن قوله في مطلع كلامه: ولم نجد ذلك فيه لغيره من الأئمة: صريح في أنه
لا يخرج عن دائرة أحكامهم. وهذه الجملة هي في الحقيقة جزء من تمام رأيه ذاك،
وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يتعلق بها ص٥٣٩.
وقوله: إن لم يكن من قبيل كذا، فهو من قبيل كذا، إلا أن تظهر علة: ألقى
ظلالاً على كلامه بالتليين، والإمام ابن الصلاح معروف بدقة التعبير وبالتلطّف في
أحكامه ونقده، فهذا ما جعل هؤلاء الأعلام يفهمون من كلامه هذا ما نسبوه إليه،
وهي نسبة فيها نظر، كما ترى.
والعجب من الشارح رحمه الله أيضًا كيف يسكت هنا عن كلام ابن جماعة
والعراقي - ومِن قبلهم المصنف النووي - مع أنه ناقشهم في ((البحر الذي زَخَر)) ١:
٨٤٧ بما يطول نقله، ومؤداه ما قدّمته قبل أن أقف علیه.
(١) قوله ((فلا يعتمد عليه): يريد به أنه ليس له اصطلاح فيما يسكت عنه، فلا
ينسب إليه تصحيح له ولا تضعيف. وقد تقدم - ص٣٧٤ فيما نقله الشيخ ابن العجمي
عن ترجمة ابن حجر للسخاوي - كلامٌ للعلائي يقول فيه: ((ربما أورد الخبر ولا يتكلّم
عليه، فكأنه أراد تحصيله وأخَّر التنقيب عنه فعوجل بالموت)).
=

٣٨٨
الأول : الصحيح
ويُقاربه في حُكْمِهِ : صحیحُ أبي حاتم ابنِ حِبّان،
[ش]
(ويُقَارِبُهُ) أي: صحيحَ الحاكم (في حُكْمِهِ صحيحُ أبي حاتم ابن حِبّان(١)،
[ب]
وقدمتُ ص ٣٨٠: أن الحاكم سكت عن أول حديث في كتابه، فبعيد جدًّا أن يتمّ
احتمال کلام العلائي هذا مع أول حدیث في الكتاب.
وقد كتب الشيخ ابن العجمي هنا فائدة عامة تتعلق بـ((المستدرك))، ولا ترتبط
بكلمة في الشرح، قال:
[فائدة: قال العراقي في ((مستخرجه على المستدرك)) ما نصه: لا يحلُّ لطالب
العلم أن ينقل عن ((المستدرك)) من النسخ التي لا يثقُ بها حديثًا بصيغة الجزم، ولا
نسخةَ يوثق بها حينئذ، لا سيما في هذا الزمان الذي كثُر فيه أن ينسخ كُتُب العلم مَن
ليس مِن أهله، بل ربما نسخها مَن ليس مِن أهل الملَّة. انتهى، ومن خطه نقلت.].
وهذا النص غير موجود في الصفحات التي طبعت من ((المستخرج على
المستدرك))، وفيها سبعة مجالس فقط، مع أن الشارح قال في ((البحر الذي زخر))
٨٢٣:٢٠: ((وأملى الحافظ أبو الفضل العراقي عليه مستخرجًا وصل فيه إلى أثناء
الصلاة، حرَّر فيه الكلام على أحاديثه تحريرًا بالغًا)). بل زاد التقي ابن فهد في وصفه
في ((لحظ الألحاظ)) ص٢٣٣: ((أملى قريبًا من مجلد، ثلاث مئة مجلس ومجلس
واحد))، ثم استثنى مجلسًا واحدًا، فبقي القدر المُمْلَى: ٣٠٠ مجلس، ونحوه كلام
السخاوي في ((الضوء اللامع)) ٤: ١٧٤.
وأقدِّر أن ما نقله الشيخ ابن العجمي مذكور في أول ((المستخرج على
المستدرك)».
(١) [أبو حاتم محمد بن حِبَّان - بكسر الحاء المهملة، وشدِّ الموحَّدة - ابن
أحمد بن حِبَّن بن معاذ التميمي الدارمي البُسْتي، صاحب التصانيف.].
هذا بعض نسبه الذي ساقه الذهبي في ((السير)) ١٦: ٩٢، وكانت ولادة ابن حبان
=

٣٨٩
الأول : الصحيح
والله أعلم.
[ش]
والله أعلم).
قيل: إن هذا يُفْهِم ترجيحَ كتاب الحاكم عليه، والواقعُ خلافُ ذلك.
-
[ب]
سنة بضع وسبعين ومئتين، ووفاته سنة أربع وخمسين وثلاث مئة، رحمه الله تعالى.
والبستي: نسبة إلى بُسْت، مدينة في أفغانستان، وقد أطال ياقوت الحموي في
ترجمة ابن حبان في كتابه ((معجم البلدان)) ١: ٤١٥ - ٤١٩ أثناء كلامه على بُست،
وذكر من أخباره ما يزيد على ما ذكره الذهبي في ((السير)). ومما فيه ١: ٤١٨ عن ابن
حبان أنه قال: ((في أربع ركعات يصلِّيها الإنسان ستُّ مئةِ سُنَّةٍ عن النبي صلى الله عليه
وسلم، أخرجناها بفصولها في كتاب صفة الصلاة)). ومع ذلك فلم يدَّعِ هذا الإمام في
هذا الكتاب أنه يَعرِض على القرّاء («صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم من التكبير
إلى التسليم كأنك تراها)) !!. هذه ملاء
وملاحظة ثانية: بقيتُ زمناً طويلاً بعد ما وقفت على كلمة ابن حبان هذه في
((معجم البلدان)) وأنا أتطلع إلى الوقوف عليها في كلام أحد الأئمة المحدثين: الذهبي
أو ابن حجر، ولما طبع ((الإحسان)) تطلعت إلى الوقوف عليه في مقدمة محققه! فلم
أر شيئًا، ثم يسر الله تعالى الوقوف عليه أثناء المراجعة فيه عقب (١٨٦٧)، ثم في
أصله ((التقاسيم والأنواع)) (٩٥٦).
وطبعت دار الميراث النبوي بحضرموت كتاباً لطيف الحجم، دون المئة
والثلاثين صفحة مع المقدمة والفهارس والتعليق عليه، باسم ((الرسالة الوهبية في سنن
الصلاة الرباعية)) للفقيه الشافعي حامد بن عبد الله الحسيني الأعرجي (١٢١٧ -
١٢٩٩) رحمه الله تعالى، ذكر فيها /٦٦٦ / سُنَّة في صلاة أربع ركعات، من المذهب
الشافعي، سردها سرداً، ذكر مع الحكم الفقهي أحياناً دليله من السنّة عَرَضاً، وهذا
عمل مشكور مبرور، جزاه الله خيراً.

٣٩٠
الأول : الصحيح
[ش]
قال العراقي(١): وليس كذلك، وإنما المرادُ أنه يقاربُه في التساهل،
فالحاكم أشدُّ تساهلاً منه. قال الحازمي: ابنُ حبانَ أمكنُ في الحديث من
الحاکم.
قيل(٢): وما ذُكِرِ من تساهُل ابنٍ حبان ليس بصحيح، فإن غايتَه أنه يُسمِّي
الحسنَ صحيحًا، فإن كانت نسبته إلى التساهل باعتبار وُجْدانِ الحسن في كتابه:
فهي مُشَاحَّة في الاصطلاح، وإن كانتْ باعتبار خِفَّة شروطه: فإنه يُخرِّج في
الصحيح ما كان راويه: ثقةً(٣)، غيرَ مدلِّس، سمعَ من شيخه، وسمعَ منه الآخِذُ
[ب] -
(١) ((التقييد والإيضاح)) ١: ٢٥٠، وينظر ((شرح الألفية)) له ص١٨، و((شروط))
الحازمي ص ١٣٣.
والناظر في كلام العلماء يرى أن في عبارة ابن الصلاح هذه ((ويقاربه في حكمه
صحيح ابن حبان)) احتمالاً: هل المراد: في أحكام الحاكم تساهل، وابن حبان يقرب
تساهله من تساهل الحاكم؟ أو: حكم الحاكم على الأحاديث بالصحة يقرب منه حكم
ابن حبان بالصحة؟ والخلاصة: هل المقاربة في التصحيح، فالحاكم أعلى وابن حبان
يقرب منه؟ أو المقاربة في التساهل، فالحاكم أشد تساهلاً وتصحيح ابن حبان أولى
وأحسن حالاً منه؟ الأكثر من أهل العلم على الفهم الثاني، واستدلوا بثناء الحازمي
على ابن حبان بقوله: ابن حبان أمكن في الحديث من الحاكم، وانظر ما يلي.
(٢) هذا من ((النكت الوفية)) ١: ١٤١، ولم ينسبه البقاعي إلى نفسه، فهو من
كلام شيخه ابن حجر، وقد صرح السخاوي ١ : ٦٤ بنسبته إلى ابن حجر، مع أني
أرى فيه احتمال أن يكون من عند البقاعي، وكأن الشارح لم ينسبه إلى (شيخ الإسلام)
كعادته، لهذا الاحتمال. والله أعلم.
(٣) هذه الكلمة من ((النكت الوفية))، وهي في ((فتح المغيث)) أيضًا، وقد ذكر
=

٣٩١
الأول : الصحيح
[ش]
عنه، ولا يكونُ هناك إرسالٌ ولا انقطاع.
وإذا لم يكنْ في الراوي جرح ولا تعديل(١)، وكان كلٌّ من شيخه، والراوي
عنه ثقةً(٢)، ولم يأتِ بحديثٍ منكَر: فهو عنده ثقة.
وفي كتاب ((الثقات)) له كثيرٌ ممَّن هذه حالُه، ولأجل هذا ربما اعتَرَض عليه
في جعلهم ثقاتٍ مَنْ لا يعرفُ اصطلاحه(٣)، ولا اعتراضَ عليه، فإنه لا مشاحَّة
في ذلك. وهذا دون شرطِ الحاكم، حيثُ شرط أن يُخْرِجِ عن رواةٍ خرّج
[ب] -
ابن حبان شروطه في الصحة والوثاقة في مقدمة ((صحيحه)) ١: ١٥١ من ((الإحسان))،
و((الثقات)) ١: ١٢، ١٣، وليس في كلامه أن يكون الراوي (ثقة)، نعم في كلامه
مؤدَّى (الثقة) لكن على مصطلحه ومصطلح الأئمة قبله وبعده بقليل، وهو: العدالة،
بمعنى: عدمِ الجرح فقط، والضبطُ: بمعنى عدم المخالفة، وبمعنى: أن لا يرويَ ما
ينكرَ عليه، وعبَّر في مقدمة ((صحيحه)) عن العدالة بقوله: ((العدالة في الدين بالسَّر
الجميل))، وينظر ((فتح المغيث)) ١: ٩٠، وانظر هذه المسألة مع شواهدها فيما كتبته
في مقدمة ((مصنف)) ابن أبي شيبة ٧٧:١، و((دراسات الكاشف)) للذهبي ص ١٦٠.
(١) كلمة ((ولا تعديل)) جيء بها من باب الإتباع والإلحاق لكلمة ((جرح))،
وليست مقصودة، وإلا فإن كان في الراوي تعديل، وتوفرت الشروط الأخرى فيه،
فهو ثقة من باب أولى.
(٢) أي: على مذهبه وشرطه في التوثيق، كما تقدم قبل أسطر: من لم يُجْرح،
ولم يأت بما يُنکر علیه.
(٣) الذي في النسخ، ومثلها في ((البحر الذي زخر)) ٨٨١:٣: لا يعرف حاله،
لكن في ((النكت الوفية)): من لم يعرف اصطلاحه، فأثبتُّ هذه الكلمة منه، وكأن
التحريف واقع في نسخة الشارح التي ينقل منها؟.

٣٩٢
الأول : الصحيح
[ش]
لمِثْلهم الشيخان في الصحيح(١).
فالحاصل: أن ابن حبان وفَّى بالتزام شروطه، ولم يُوَفِّ الحاكم(٢).
فوائد :
الأولى :
((صحيح)) ابن حبان ترتيبه مختَرَعُ (٣)، ليس على الأبواب ولا على
-
(١) هذا شرطه في الصحيح صحةً مقيدة، وذلك حين يقول: على شرط
الشيخين أو أحدهما، أما شرطه في الصحة المطلقة حين يقول: صحيح الإسناد:
فشرطه كشرط شيخه ابن حبان ومن قبله، وينظر ما تقدم ص ٣٣٢، وآخرُ المقدمة
التي كتبتها أول ((مصنف)) ابن أبي شيبة ص١٠١، أو ((دراسات الكاشف)) ص ١٦٠،
على الخلاف الآتي بيانه في فهم (المثلية) ص ٤٧٨ فما بعدها.
(٢) للعارض الذي عَرَض له، وهو وفاته قبل إتمام إعادة النظر في كتابه، رحمه
الله تعالى، كما تقدم عن الحافظ ص ٣٧٥، لا لقصور في شروطه، أو لقصور في
تطبيقها.
(٣) [ذكر السخاوي في ((شرح ألفية العراقي)) - ٣ :٣٣٥ - أن ابن حبان رَّب
صحيحه على خمسة أقسام، وهي : الأوامرُ، والنواهي، والإخبارُ عما احتيج لمعرفته -
كبدء الوحي، والإسراء، وما فضِّل به على الأنبياء - والإباحاتُ، وأفعالُه صلى الله
عليه وسلم التي انفرد بفعلها مما اختصَّ به، ونوَّع كل قسم منها أنواعًا. ولَعَمْري إنه
لمسلك صعب المرتَقَى، بحيث سمعت شيخنا يقول: إنه رام تقريبه فبعَّده. انتهى.].
وقد ذكر ابن حبان نفسه هذه الأقسام، ثم ذكر ما يتنوَّع إليه كل قسم، وعدَّدها،
فجاء كالفهرس في مقدمة الكتاب، وبلغت أنواع كل من القسم الأول والثاني: ١١٠،
=

٣٩٣
الأول : الصحيح
[ش]
المسانيد، ولهذا سماه «التقاسيم والأنواع)).
وسببُه: أنه كان عارفًا بالكلام والنجوم والفلسفة، ولهذا تُكُلُّم فيه ونُسِب
إلى الزندقة، وكادوا يحكُمون بقتله، ثم نُفي من سِجِسْتان إلى سَمَرْقند(١).
والكشفُ من كتابه عَسِر جدًّا.
وقد رتَّبه بعض المتأخرين على الأبواب(٢)، وعَمِل له الحافظ أبو الفضل
[ب] -
والقسم الثالث: ٨٠، وكل من القسم الرابع والخامس: ٥٠، فمجموع أنواعه: ٤٠٠
نوع. ومؤلِّفه رحمه الله مُدرِكٌ وعورةَ مسلكه، إلا أنه تعمد ذلك. قال رحمه الله ١ :
١٥١ مبيِّنَا قصده من ذلك: ((وهذا هو الحيلة التي احتَلْنا ليحفظ الناسُ السننَ، ولئلا
يعرِّجوا على الكِتْبة والجمع إلا عند الحاجة)).
فهذا نصٌّ صريح من المؤلف الإمام ابن حبان بالسبب الباعث له على ابتكار هذه
الطريقة في تصنيف ((صحيحه))، فقول الحافظ: إنه رام تقريبه فبعّده: في محلّ النظر.
(١) انظر خبر ذلك وردَّه في ترجمة ابن حبان عند التاج السبكي في ((طبقات
الشافعية)) ٣: ١٣٢.
(٢) [قوله ((ورتَّبه بعض المتأخرين .. )) إلخ: هو أبو الحسن علي بن بَلَبان
الفارسي علاء الدين المصري الحنفي، ولد سنة ٦٧٥، وسمع من الدمياطي وغيره،
وتفقَّه بالسَّروجي، والفخر ابن التُّرْكُماني، ورَّب ((صحيح ابن حبان)) و((معجم
الطبراني الكبير)) بإشارة القطب الحلبي، مات سنة ٧٣٩.].
هكذا في ((الجواهر المضية)) للقرشي ٢: ٥٤٨، و((الفوائد البهية)) للکنوي ص١١٨،
واللام من (بَلَبان)) مفتوحة، كما في ((تبصير المنتبه)) ١: ٩٩، لا ساكنة، وانظر ترجمته في
مقدمة «الإحسان في تقریب صحيح ابن حبان)) ١: ٥١ فما بعدها. وسبقه بقليل عصريُّه أبو
الغنائم ابن أبي الدُّرّ (٦٤٦ -٧٢٦)، كما في ((الدرر الكامنة)) ٢: ١٢٣.
=

٣٩٤
الأول : الصحيح
والفخر ابن التركماني: هو عثمان بن إبراهيم ابن المارديني فخر الدين، شيخ
الحنفية بمصر في عصره، وكانت وفاته سنة ٧٣١، وهو والد علاء الدين علي ابن
التركماني المتوفى سنة ٧٤٥، صاحب ((الجوهر النقي)) المطبوع مع ((سنن البيهقي
الکبری)».
وقد رتَبه إمام آخر، هو علاء الدين مُغْلَطاي بن قَلِيج المصري الحنفي، المتوفَّى
سنة ٧٦٢، رحمه الله تعالى، ذكر ذلك له التقي ابن فهد في ترجمته من ((لحظ
الألحاظ)» ص١٣٩.
وذَكَر أيضًا في صفحة ١٩٦ في ترجمة ناصر الدين ابن زُرَيق الدمشقي، المتوفى
سنة ٨٠٣ رحمه الله، أنه رئَّب (صحیح)) ابن حبان.
وأقصد من هذه الزيادة: أن جزم الشيخ ابن العجمي بمراد الشارح في قوله ((رتبه
بعض المتأخرين)) أنه ابن بَلَبان: فيه نظر، ولعل الشارح يقصد بهذا الإجمال (بعض)
أن يُدخِل تحته أكثر من واحد، ولم يعدِّدهم اختصاراً وإجمالاً. والله أعلم.
ثم رأيت كلامًا للشارح يؤيد جزم ابن العجمي، ففي (البحر الذي زخر)) ٣:
٨٨٥: ((وقد رتبه بعض المتأخرين على الأبواب فأحسن، وسماه («الإحسان بترتيب
ابن حبان».
ومما يحسن التنبيه إليه بمناسبة ذكر كتاب ((الإحسان)»: أن في المطبوع منه نقصًا
نَبَّهت إليه في التعليق على الطبعة الأولى من ((سنن)) أبي داود (٥٠٨٧)، سنة ١٤١٩،
لا كما وصف محققه النسخة الخطية منه في المقدمة ص٥٤: بأنها ((النسخة
الكاملة)) !! ، ثم رأيته اعترف بهذا النقص في تعليقه على ((مسند)) الإمام أحمد
(٧٣٥٢، ٢٢٣٦٠)، وفي تعليقه على ((موارد الظمآن)) (١٢٠٠، ١٣٤٧، ١٧٣٩،
١٩٩١)، فكيف يتجرأ على وصفها بـ((الكاملة))؟!، وينظر لزامًا من ((التقاسيم
والأنواع)» ٦: ٦٦٣.

٣٩٥
الأول : الصحيح
[ش]
العراقي ((أطرافًا))(١)، وجرَّد الحافظ أبو الحسن الهيثمي زوائده على الصحيحين
في مجلد.
[ب] -
-
(١) أما ((أطرافه)) للحافظ العراقي: فلم يتم. قال الحافظ تقي الدين ابن فهد
رحمه الله في ((لحظ الألحاظ)) ص٢٣٢: ((بلغ فيه إلى أول النوع الستين من القسم
الثالث)»، أي: نحو ثلثي الكتاب.
وأما زوائد الهيثمي فهي ((موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان))، وقد طبع في
مجلد كبير، فيه ٢٦٤٧ حديثًا في نحو ٦٣٠ صفحة سوى المقدمات والفهارس.
وسماه الشارح في ((البحر)) ١٢٦ /آ: (نَغْبة الظمآن)). والنُّغْبة - بفتح النون وضمِّها -:
الجَرْعة من الماء، وتحرفت في المطبوع منه ٣: ٨٨٦ إلى: بُغْية الظمآن.
ولما عمل الحافظ ابن حجر كتابه الضخم الفخم «إتحاف المهرة بالفوائد
المتكاثرة من أطراف الكتب العشرة)) - وهو في الحقيقة أطراف لأحد عشر كتابًا -
أدخل ((صحیح)) ابن حبان فيها، فعمل أطرافًا له ضمنه.
وذكر الشارح رحمه الله في ((ذيل تذكرة الحفاظ)) له ص٣٦٦ في ترجمة الإمام
مُغْلَطاي أنه ((خرَّج زوائد ابن حبان على الصحيحين)) أيضًا.
ومما خَدَم به الحافظُ العراقيُّ ((صحیحَ) ابن حبان: أنه عمل لرجاله كتابًا أفرده
لتراجمهم سوی من له ترجمة في ((تهذیب الکمال»، لکنه «بلغ فیہ نظیر أطرافه»، کما
قاله التقي ابن فهد أيضًا ص٢٣٢ - ٢٣٣، أي: نحو ثلثي الكتاب. وهذه خدمة جديرة
بالاهتمام.
وقد استخرج زوائد رجال ابن حبان على الكتب الستة الدكتور يحيى الشِّهْري،
وطبع عمله في خمس مجلدات سوی مجلد الفهارس، وفيها جهد مشكور.

٣٩٦
الأول : الصحيح
[ش]
الثانية :
((صحيح)) ابن خزيمة أعلى مرتبةً من ((صحيح)) ابن حبان، لشدّة تحرِّيه،
حتى إنه يتوقّف في التصحيح لأدنى كلامٍ في الإسناد، فيقول: إنْ صحَّ الخبر،
أو إِنْ ثَبَتَ كذا، ونحوَ ذلك(١).
(١) في هذا الحكم ودليله نظر، ذلك أن ابن حبان: لم يَرَ الخروج عن دائرة ما
اختطَّه واشترطه على نفسه من الالتزام بالصحة، فلم يحتج إلى الاستثناء والتوقف،
وابن خزيمة خرج عن دائرة الصحة فاحتاج إلى مثل هذه الكلمات وغيرها، ومن أدلة
ما أقول: أن ابن حبان وُصِف بالتعنُّت والتشدد في الجرح، ولم يوصف ابن خزيمة
بذلك، فهذا (التوقف) لم يكن من ابن خزيمة تحریًا، كما أن عدمه من ابن حبان لم
یکن تسامحًا.
وهذا الصنيع منه رحمه الله صريح في أن كتابه المعروف بـ((صحيح)) ابن خزيمة
فيه الصحيح وغيره، وكان هذا غامضًا على كثير من أهل العلم، فكان يُظَنُّ أن كل ما
عُزِي إليه فصحيح، وما رأيت أحداً جلّى هذا الغموض غير العلامة المحقق الشيخ
عبد العزيز الفنجابي رحمه الله في تعليقه على ((نصب الراية)) ١ : ٣١٤ فما بعدها، ثم
طبع الکتاب وعُرِف حاله.
ولابن خزيمة كلمتان أخريان في ((صحيحه))، تدلان على توقفه في صحة الحديث،
وهما قوله في غمز بعض رجاله: في القلب منه، أي: في القلب من فلان شيء ووقفة،
وفلان لا أعرفه بعدالة ولا جرح، واصطلاح آخر سيأتي في نقل الشارح عن ابن حجر،
في الفرع الحادي عشر من النوع السادس والعشرين ٤: ٤٨٥ هو قوله: ((تقديم المتن على
السند يقع لابن خزيمة إذا كان في السند مَن فيه مقال، فيبتدئ به .. )). وانظر ما كتبته في
(دراسات الكاشف)) للذهبي ص ٢٠٧، ومقدمة ((المصنف)) ١٢٢:١، ثم زدت عليه أمثلة
=

٣٩٧
الأول : الصحيح
[ش]
ومما صُنِّف في الصحيح أيضًا - غيرَ المستخرجات الآتي ذكرُها - ((السنن
الصحاح)) لسعيد ابن السَّكَن(١).
وشرحاً، وضمَّتته في ((مجموع رسائل في علم الحديث دراية)).
(١) هو الإمام الكبير أبو علي سعيد بن عثمان بن سعيد بن السَّكَن البغدادي
المصري، ولد سنة ٢٩٤، وتوفي أول ٣٥٣، وهو أول من أدخل ((صحيح)) البخاري
إلى مصر، ومؤلفاته تُروى وتُتَناقل عند المغاربة، كما في ((السير)) ١٦: ١١٧، وقال:
((كان ابن حزم يُثني على ((صحيحه المنتقى))، وفيه غرائب))، ويعرف باسم: الصحيح
المنتقى، وباسم: السنن الصحاح المأثورة عن رسول الله صلی الله عليه وسلم.
ونقل الشارح في ((البحر)) ٢: ٧٥٠ عن ((التذكرة)) للحافظ ابن حجر، عن أبي الحسن
ابن الفرضي قوله: ((إن ابن السكن جمع الأحاديث التي في الصحيحين وكتابي أبي داود
والنسائي، وسماه: السنن الصحاح))، وصرَّح السخاوي ١: ٥٦ باستثناء كتاب الترمذي،
أي: من بين كتب السنن الثلاثة، والسابق لهم: ابن خیر في «فهرسته)» ص١٢٥.
وقال الإمام تقي الدين السبكي في ((شفاء السَّقام)) ص ١١٢ أثناء كلامه على
الحديث الثالث عنده: «هو كتاب محذوف الأسانيد، قال في خطبته : .. فما ذكرتُه في
كتابي هذا مجملاً فهو مما أجمعوا على صحته، وما ذكرته بعد ذلك مما يختاره أحد
من الأئمة الذين سميتهم، فقد بيّنت حجته في قبول ما ذكره، ونسبته إلى اختياره دون
غيره، وما ذكرته مما يتفرد به أحد من أهل النقل للحديث فقد بينتُ علَّته، ودَلَلْتُ
علی انفراده دون غيره)).
فبان معنى قوله ((مجملاً)) بالاحتمالات التالية، وهو: أن ما رواه في كتابه، ولم
يعيِّن أنه دليل لإمام مسمَّى، فهو مجمع على صحته متفق عليها. وقد فهم التقي
السبكي منه في تمام كلامه أن ذكر ابن السكن لحديث واحد تحت الباب واقتصاره
=

٣٩٨
الأول : الصحيح
[ش]
الثالثة :
صرَّح الخطيب(١) وغيرُه بأن ((الموطأ)) (٢) مقدَّم على كل كتاب من الجوامع
-
[ب]
عليه: دليل على صحته المتفق عليها عندهم.
وبان أيضًا بالاحتمال الأخير في كلامه ((وما ذكرته مما يتفرد به أحد .. )): أنه يوجد
في كتابه ما فيه ضعف، بصريح كلامه وأحكامه، وإن وُصِف كتابه: بالصحيح
المنتقى، أو بالسنن الصحاح، وحينئذ فينبغي النظر في وصف ابن الملقن له في ((البدر
المنير)» ٧: ٣٣٣: بالتساهل.
وخلاصة هذا: أنه لا يلزم من عزو حديثٍ ما إلى صحيح ابن السكن أن يكون
حديثاً صحيحاً عنده أو عند غيره، فهو يشترك في هذه النتيجة مع: صحيح ابن
خزيمة، والمختارة للضياء المقدسي.
(١) ((الجامع)) (١٦١٨).
(٢) [قال أبو بكر الأبهري: جملة ما في ((الموطأ)) من الآثار عن النبي صلى الله
عليه وسلم، وعن الصحابة والتابعين : ألف وسبع مئة وعشرون حديثًا، المسند منها :
ست مئة حديث، والمرسل: مئتان واثنان وعشرون حديثًا، والموقوف: ست مئة
وثلاثةَ عشرَ، ومن قول التابعين : مئتان وخمسة وثمانون.].
النقل عن ((البحر الذي زخر)) ٢: ٧٩٤. والأبهري: هو الإمام أبو بكر محمد بن
عبد الله الأبهري، نسبة إلى أبهر، بليدة قرب زَنْجان، من بلاد إيران، المتوفَّى سنة
٣٧٥ عن نحو تسعين سنة، كان إمام المالكية ببغداد، ومن تلامذته الإمام الدار قطني
والباقلاني، له ترجمة في ((تاريخ بغداد)) ٤٩٢:٣، و((الديباج المُذْهَب)) لابن فرحون
١٦٢:٢. وله كتب كثيرة في المذهب لم يطبع منها شيء.
ونقله الشارح في مقدمات ((تنوير الحوالك)) ص٩، ونقل كلام غيره في عدد ما
=

٣٩٩
الأول : الصحيح
[ب]
في ((الموطأ))، ويتعذّر التحقق من هذه الأعداد مع طبعة الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي
رحمه الله تعالی.
[فائدة: نَقَل المازَري في كتاب ((تثقيف اللسان)) في: غلط أهل الحديث:
يقولون: مُوَطَّ مالك، بغير همز، والصواب: الموطأ، بالهمز. ويقولون:
((الملخّص) بفتح الخاء، والصواب کسرها، كذلك سماه مصنفه، لأنه لخص ما اتصل
إسناده من حديث ((الموطاً)).].
((تثقيف اللسان)) ص٣٠٦، وهو للإمام اللغوي المحدث عمر بن خلف ابن مكي
الصِّقِلِي المازري، ذكره الشارح في ((بغية الوعاة)) ٢: ٢١٨، ولم يؤرخ وفاته، وفي
((هدية العارفين)) ١: ٧٨٢ أنه توفي سنة ٥٠١. ونَسَب حاجي خليفة ((تثقيف اللسان))
لابن القطاع الصِّقِلِّي، ترجمه الشارح أيضًا في ((البغية)) ٢: ١٥٣، ولم يذكر له هذا
الكتاب، واسمه: علي بن جعفر بن محمد، ولد سنة ٤٣٣، وتوفي سنة ٥١٥، أو في
التي قبلها، فكأن حاجي خليفة وهم فنسب لهذا ما لذاك؟.
و((الملخص)) لأبي الحسن القابسي المتوفَّى سنة ٤٠٣ رحمه الله تعالى، لخص
ورتَّب رواية ابن القاسم للموطأ. وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى في ((الغُنْية)
ص٤٣: ((وبعض شيوخنا يقول فيه (الملخّص) بكسر الخاء، وترجمة الكتاب تدل
على الوجهين، فإذا كانت الترجمة: ((الملخّص لمسند الموطأ)): فهو بالكسر. قال ابن
مكي في كتاب ((تقويم اللسان)) - كذا -: كذا سماه مؤلفه. وكذا هو في أكثر النسخ. وإذا
كان: ((- الملخَّص - من مسند الموطأ)): فبالفتح)).
وقال ابن عبد الملك الأنصاري المراكشي في كتابه ((الذيل والتكملة)) ٢/١: ٥٣٩
في ترجمة أبي العباس ابن شاب: ((وله كلام حسن على ترجمة (الملخص) .. من
الاختلاف في كسرِ الخاء، وهو رأي أبي عمرو عثمان بن سعيد المقرئ - يريد الإمام
الداني - وفتحِها، وهو رأي أبي القاسم المهلَّب بن أبي صُفرة، وكلاهما حَمَل الكتاب
عن جامعه، صرَّح فیه أبو العباس ابن شاب بإبطال الفتح، وصحح الکسر وصوَّبه.
=

٤٠٠
الأول : الصحيح
[ش]
والمسانيد، فعلى هذا هو بعدَ صحيحِ الحاكم، وهو رواياتٌ كثيرة، وأكبرُها
روايةُ القَعْنَبِي.
(ت)
قال المصنف عفا الله عنه - هو ابن عبد الملك نفسه -: .. وعندي أن الوجهين
صحيحان .. وقد بَسَطتُ الكلام في ذلك في مقالة لي .. ، ولكل ذي رأي اختیار))،
ووجّه ابن عبد الملك الوجھین بنحو ما قاله عیاض.
[وفي ((شرح ألفية العراقي)) للسخاوي - ٣٢٢:٣ -: أن مالكًا سماه بـ(الموطأ))
لأنه عَرَضه على بضعةَ عشَر تابعيًّا، وكلُّهم واطاً، على صحته، ذكره ابن الطحان في
(تاريخ المصريين)) له، نقلاً عن ابن وهب، عن مالك. وعن غيره: مما جُرِّب أن
الحامل إذا أمسكتْه بيدها تَضَع في الحال. انتهى.].
والذي في ((تنوير الحوالك)) ص ٧ نقلاً عن ابن فِهْر أن مالكًا قال: ((عَرَضت كتابي
هذا على سبعين فقيهاً من فقهاء المدينة، فكلُّهم واطأني عليه، فسميته الموطأ)). ثم قال
ابن فهر: ((لم يَسبق مالكًا أحد إلى هذه التسمية .. ولفظة الموطأ بمعنى: الممهَّد
المنقَّح))، كما تقدم نقله أيضًا من الشيخ ابن العجمي ص٢٧١.
فقول الإمام مالك: عرضت كتابي هذا ... يفيد أن ((الموطأ)) من: المواطأة
والموافقة، وهو ما يميل إليه القاضي عياض في ((المشارق)) ٢: ٢٨٥. قال: ((ومنه
سمي کتاب الموطأ، أي: المتفق علی أحاديثه وصحته)).
ونقل الشارح أيضًا هناك قبل نقله كلام ابن فهر: عن الإمام أبي حاتم الرازي أنه
سُئل: لم سمَّى مالك كتابه بالموطأ؟ فقال: ((شيء قد صنَّفْه ووطَّاه للناس، حتى قيل:
موطأ مالك، كما قيل: جامع سفيان)). فهو من التوطئة والتمهيد. والمعنيان في اللغة
صحیحان، ومرادان. والله أعلم.