النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
الأول : الصحيح
[ب]
فما يقوله الحافظ الذهبي في ((التذكرة)) ٣: ٩٤٠، و((السِّير)) ١٦: ٢٥٦، وتابعه
مختصرا ((التذكرة)): ابن عبد الهادي ٣: ١٣٣، والشارح في ((طبقات الحفاظ))
(٨٦٠)، ونَصَرَه بعض المعاصرين - من أن ((الصغرى)) عملُ ابن السني -: هو في
محلِّ النظر، بل المنع، والشارحُ نفسُه تراه ينقل هنا كلام العراقي ويُقُرُّه، وقال في
((حسن المحاضرة)) ١: ٣٤٩ في ترجمة النسائي: ((له من المصنفات: السنن الكبرى
والصغرى)). فما قاله في ((طبقات الحفاظ)) هو في مقام المتابعة منه، لا الاستقلال !.
وهكذا ينبغي أن يقال في متابعة ابن عبد الهادي، إنهما متابعان لصاحب الأصل، وهو
الذهبي، فهم واحد في الاعتبار لا ثلاثة.
وتقدم قبلُ في التعليقة السابقة كلامُ ابن حجر أن المزي عمل كتابَيْه العظيمين:
((تهذيب الكمال)) و((تحفة الأشراف)) على ((السنن الكبرى)) مضافًا إلى ((الصغرى))،
ومعلوم متابعة مَن بعد المزي له في كتابيه هذين، ومنهم الذهبي في مختصراته:
((تذهيب التهذيب))، و((الكاشف))، و((المجرَّد)).
وهذا هو المشهور بين أهل العلم من قديم، ولا يقال في مثله: إنه يخفى على
كثير من طلبة العلم! بل الذي ينبغي: أن يُتَأوَّل كلام الحافظ الذهبي إن كان له وجه
مقبول، ليتساوق كلامه مع كلام غيره من الأئمة، أو يُستَدركَ عليه.
ثم رأيت الإمامَ أبا علي الغَسَّانيَّ الجيَّاني المتوفى سنة ٤٩٨ سَبَق مَن ذكرته في
نسبة ((السنن الصغرى)) إلى النسائي، فنقل عنه ابنُ خير الإشبيلي إمامُ أصحاب
الفهارس في ((فهرسته)) ص١١٦، قال: ((قال أبو محمد ابن يربوع رحمه الله - ومن
خطه نقلته -: قال لي أبو علي الغساني رحمه الله: كتاب الإيمان والصلح ليسا من
المصنَّف - يريد ((السنن الكبرى)) للنسائي - إنما هما من كتاب ((المجتبى)) له - بالباء -
في السنن المسندة، لأبي عبد الرحمن النسائي، اختصره من كتابه الكبير المصنَّف،
وذلك أن بعض الأمراء سأله عن كتابه في السنن: أَكلَّه صحيح؟ فقال: لا، قال:
فاكتب لنا الصحيح منه مجوَّدًا، فصنع ((المجتبى)) من السنن، ترك كل حديث أورده
في ((السنن)) مما تُكُلُّم في إسناده بالتعليل.
=

٣٦٢
الأول : الصحيح
وجملةُ ما في البخاري.
[ش]
أهداها لأمير الرَّمْلة، فقال له: كلَّ ما فيها صحيح؟ فقال: لا. فقال: ميِّز ليَ
الصحيحَ من غيره. فصنَّف لهُ الصغرى(١).
(وجملةُ ما في) صحيح (البخاري) قال المصنف في ((شرحه))(٢): من
-
روى هذا الكتاب عن أبي عبد الرحمن النسائي: ابنه عبد الكريم بن أحمد،
ووليد بن القاسم الصوفي، ورواه عن أبي موسى عبد الكريم من أهل الأندلس: أيوب
ابن الحسن قاضي الثغر، وغيره))، وهذه زيادة فائدة فيها سياق إسنادٍ برواية الصغرى
إلى الإمام النسائي من رواية ابنه عنه. وأبو موسى: كنية ابنه عبد الكريم.
(١) هنا انتهت نسخة ي، وهي النسخة التي مصدرها القدس.
(٢) أي: النووي في شرح البخاري ١: ٢١٩، وعدَّد الكتب وما تحت كل كتاب
من الأحاديث نقلاً عن الحَمُّويِيْ، لكنْ لفظه: ((وبحذف المكرر نحو أربعة آلاف))، لا:
أربعة آلاف جزمًا، واللفظ المذكور هنا أصله لابن الصلاح في ((المقدمة)) ص ٢٠.
وكتب الشيخ ابن العجمي هنا:
[فائدة: ذكر الحافظ في باب كفران العشير في كتاب الإيمان من ((الفتح)) - ١: ٨٤
(٢٩) - فائدتين، إحداهما في سبب الاختلاف في عدة ما في الصحيح، فليراجع.].
قال الحافظ: ((إن البخاري يذهب إلى جواز تقطيع الحديث إذا كان ما يَفْصِله منه
لا يتعلَّق بما قبله ولا بما بعده تعلَّقًا يُفْضي إلى فساد المعنى، فصنيعه كذلك يُوهم من
لا يحفظ الحديث أن المختَصَرَ غيرُ التام، لا سيما إذا كان ابتداء المختَصَر من أثناء
التام .. ، وقد وقع في ذلك مَن حكى أن عدَّته بغير تكرار أربعةُ آلاف حديث أو
نحوها، كابن الصلاح والشيخ محيي الدين - النووي - ومن بعدهما، وليس الأمر
كذلك، بل عدَّته على التحرير: ألفا حديثٍ وخمسُ مئة حديث وثلاثةَ عشَر حديثًا
(٢٥١٣)، كما بيّنت ذلك مفصلاً في المقدمة)). أي: ((مقدمة الفتح)).
=

٣٦٣
الأول : الصحيح
أقول: قال الحافظ في ((المقدمة)) ص٤٦٥: ((الفصل العاشر، في عدِّ أحاديث
الجامع))، وذكر كلام ابن الصلاح والنووي وتعداد الحمُّويِيْ للكتب وعدد أحاديثها،
وتعقبهم بشدة، ثم قال: ((وها أنا أسوق ما ذَكَر وأتعقَّبه بالتحرير إن شاء الله تعالى .. )).
ثم ذکر کلام الحمُّويِيْ كتابًا كتابًا، وتعقب منه ما يحتاج إلى تعقب.
ثم قال أول صفحة ٤٦٨: ((قلت: فجميع أحاديثه بالمكرر سوى المعلقات
والمتابعات على ما حررته وأتقنته: سبعة آلاف وثلاث مئة وسبعة وتسعون حديثًا
(٧٣٩٧)، فقد زاد على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا)).
ثم ذكر ما في كل كتاب من التعاليق والمتابعات، وقال آخر كلامه ص٤٦٩:
((فجملة ما في الكتاب من التعاليق ألفٌ وثلاث مئة وواحد وأربعون حديثاً (١٣٤١).
وجملة ما فيه من المتابعات والتنبيه على اختلاف الروايات ثلاث مئة وواحد وأربعون
حديثًا (٣٤١). فجميع ما في الكتاب على هذا بالمكرر: تسعة آلاف واثنان وثمانون
حديثًا)) (٩٠٨٢). كذا قال، وبإعادة الجمع ينقص الحاصل ثلاثة، فصوابه: ٩٠٧٩.
ونقل عنه تلميذه البقاعي في ((النكت الوفية)) ١: ١٣٢: ((جملة ما فيه من
المتابعات والتنبيه على اختلاف الروايات ثلاث مئة وأربعة وثمانون حديثًا)) (٣٨٤)،
ومع ذلك قال عقبه: ((فجميع ما في الكتاب على هذا بالمكرر: تسعة آلاف واثنان
وثمانون حديثًا)» مع أنه ينبغي أن يكون حاصل الجمع: ٩١٢٢ !.
ثم إن الحافظ رحمه الله عقد فصلاً ص٤٧٤ حصر فيه أحاديث البخاري بلا
تكرار على وجه آخر، هو طريقة المسانيد، ذكر أسماء الصحابة المروي لهم في
الصحيح، ورتبها على الأحرف، وذكر بجانب كل اسم عدد أحاديثه فيه، فقال
- مثلاً -: ((أبي بن كعب سيد القراء: سبعة أحاديث، أسامة بن زيد بن حارثة: ستة عشر
حديثًا .. ))، وهكذا.
وقال آخر الفصل ص٤٧٧: ((فجميع ما في ((صحيح)) البخاري من المتون
الموصولة بلا تكرير على التحرير: ألفا حديث وست مئة حديث وحديثان
=

٣٦٤
الأول : الصحيح
سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسةٌ وسبعون حديثاً، بالمكررة، وبحذفِ المكررة
أربعةُ آلاف
[ش]
الأحاديث المسنَدة (سبعةُ آلافٍ) حديثٍ (ومئتان وخمسةٌ وسبعون حديثاً
بالمكررة، وبحذفِ المكررة أربعةُ آلاف).
قال العراقي(١):
(٢٦٠٢) .. )). وهذا هو المعتمد - والله أعلم - لا ما قاله في ((الفتح)) ١: ٨٤ (٢٩)،
وكرره آخر ((الفتح)) ١٣: ٥٤٣: ألفا حديث وخمس مئة حديث وثلاثة عشر حديثًا
(٢٥١٣)، ولا ما قاله في ((النكت الوفية)) ١: ١٣٢: (٢٥٢٣) حديثًا.
والرقم المهم من هذه الإحصاءات هو عدد أحاديثه المرفوعة بالمكرر، وهو في
عدّ الحافظ (٧٣٩٧) كما تقدم.
وقد كتب الأخ الفاضل المحقق الدكتور خلدون الأحدب كتابًا ماتعًا عن ((الإمام
البخاري وجامعه الصحيح))، وعمل في آخره جدولاً مفصلاً لكتب الجامع، مقارنًا
عدد أحاديث كل كتاب في المطبوع من ((فتح الباري))، مع عدِّ أحاديثه من قبل الحافظ
في ((هدي الساري)). فكانت النتيجة أن حاصل تعداد الحافظ - كما تقدم - (٧٣٩٧)،
وحاصل تعداده - كما قال ص ٣٩٠ -: ((بلغ إحصائي بعد جمعي له بدقة (٧٢٠٨)
حديثًا))، فالفرق بينهما (١٨٩) حديثًا. أما عدد الأحاديث في طبعة جمعية المكنز
الإسلامي بالقاهرة فبلغ (٧٦٥٨).
ومن المهم جدًّا التنبيه إليه أن اختلاف هذه الأعداد يعود إلى أمور فنية، لا إلى
زيادة ونقص في صلب الصحيح أبدًا.
(١) في ((التقييد والإيضاح)) ١: ٢٤٠، ولفظه: (( .. وأنقص الروايات رواية
إبراهيم بن مَعْقِل، فإنها تنقص عن رواية الفربري ثلاث مئة حديث)). وعلَّق عليه
الشيخ ابن العجمي من كلام ابن حجر فقال:
=

٣٦٥
الأول : الصحيح
[ش]
هذا مسلَّم في رواية الفِرَبْري(١)،
[ب]
-
[قال الحافظ ابن حجر - ((النكت)) ٢٩٤:١ -: ظاهر كلام العراقي أن النقص في
رواية حماد بن شاكر ورواية إبراهيم بن معقل النسفي من أصل التصنيف، وليس
كذلك، بل كتاب البخاري في جميع الروايات الثلاث : الفربري وحماد بن شاکر وابن
معقل: سواء، وإنما فات حمادَ بن شاكر وابنَ معقل لمّا سمعا ((الصحيح)) على
البخاري من أواخر الكتاب، فروياه عنه بالإجازة، نَّه على ذلك ابن طاهر، وأبو علي
الجيَّاني، فالنقص إنما حصل من طَرَيان الفَوْت، لا من أصل التصنيف. انتهى.
وقال الشارح - في ((البحر)) ٥٩٣:٢ -: وقع في (الصحيح)) بالنسبة إلى هذه
الروايات اختلاف وتفاوت يسير، فما كان منه بزيادة حديث كامل أو بعضه : فمحمول
على أنه فوتٌ حصل لمن سقط من روايته، مع ثبوته في أصل ((الصحيح)). يُكمَّل من
شرح ألفيته]، وأطال رحمه الله في ذكر احتمالات الاختلاف.
(١) الفِرَبْري - أو الفَرَبْري - هو: محمد بن يوسف بن مَطَر، ولد سنة ٢٣١،
وتوفي سنة ٣٢٠، ترجمه ابن نُقطة في ((التقييد)) ١: ١٣١، والذهبي في ((السير)) ١٥:
١٠، وحلّه بقوله: المحدث الثقة العالم، وابن رُشيد في ((إفادة النصيح)) ص ١٠ فما
بعدها.
وقال عن نفسه: سمع ((الجامع)) سنة ٢٤٨، و٢٥٢. وقال أيضًا: ((سمع كتابَ
الصحیح لمحمد بن إسماعيل تسعون ألف رجل، فما بقي أحد يروي عنه غيري»،
أسنده إليه الخطيب البغدادي في ((تاريخ بغداد)) ٣٢٨:٢، وعلق عليه الذهبي في
((السیر)) بقوله: لم يصح.
فإن كان تضعيفه لهذا القول لأن أبا طلحة منصور بن محمد البَزْدي - بالباء
الموحدة - المتوفى سنة ٣٢٩ تأخر عن الفربري تسع سنين، وهو ممن يروي الصحيح
=

٣٦٦
الأول : الصحيح
[ش]
وأما روايةُ حماد بن شاكر(١) فهي دون رواية الفِرَبْري بمئتي حديث، وروايةٌ
إبراهيم بن مَعْقِل(٢) دونها بثلاث مئة(٣).
[ب] -
عن مؤلفه: فلا ينبغي أن يضعف القول لذلك، فالفربري يقول بما يعلم، وإن كان
تضعيفه لشيء في السند: فينظر، ويغلب على ظني، بل أجزم، بالاحتمال الأول، لأن
الإسناد ظاهر الصحة، وسَبَق الذهبيَّ إلى هذا القول ابنُ ماكولا في ((الإكمال))
٢٤٣:٧.
ويعكِّر على اعتبار القول بأن أبا طلحة البَزْدي آخر من روى ((الجامع الصحيح))
عن مؤلفه: ما حكاه ابن نقطة في ((التقييد)) ٢: ٢٥٩ في ترجمة أبي طلحة، عن جعفر
المستغفري في ((تاريخ نسف)) قوله: ((يضعِّفون روايته من جهة صغره حين سمع،
ويقولون: وجدوا سماعه بخط جعفر بن محمد مولى أمير المؤمنين)). أما الرجل فهو
في ذاته ثقة.
ومن المفيد التنبيه إلى أن كلمة ((تسعون ألف)) تحرفت في بعض المصادر إلى:
سبعون ألف.
(١) هو أبو محمد حماد بن شاكر الوراق النسفي. قال جعفر المستغفري: ثقة
مأمون، مات سنة إحدى عشرة وثلاث مئة، وله رحلة إلى الشام .. كما في ((التقييد))
لابن نقطة ١ : ٣١٤.
(٢) هو الإمام الحافظ الفقيه القاضي أبو إسحاق إبراهيم بن معقل النسفي، له
((المسند الكبير)) و((التفسير))، وكان فقيهاً مجتهداً، مات في ذي الحجة سنة خمس
وتسعين ومئتين، كما في ((سير أعلام النبلاء)) للذهبي ١٣ : ٤٩٣.
(٣) أي: دون رواية الفربري، فرواية ابن معقل تزيد في النقصان على رواية
حماد بن شاکر مئة حدیث.

٣٦٧
الأول : الصحيح
[ش]
قال شيخ الإسلام(١): وهذا قالوه تقليدًا للحَمُّوي(٢)، فإنه كَتَبَ البخاريَّ
-
[ب]
(١) هو ملتَقَطاً في ((النكت الوفية)) للبقاعي عن ابن حجر ١: ١٣٠ - ١٣٢. وعلى
هذا الاعتبار ضَبَطت قوله آخر المقطع: ونَقَل عنه ... ، أُريد: نَقَل البقاعي، وهو قوله:
((ثم رأيت عن بعض الحواشي المنسوبة إليه)) أي: إلى ابن حجر.
(٢) [الحمُّوي: نسبة إلى جدّ: حَمُّويه، وهي بلغة المَصَامِدة من البربر عبارة
عن: محمد. قال في ((التبصير)) - ٢: ٥١٦ -: وهو بفتح أوله، وضم الميم الثقيلة
بإشباع، ثم واو ساكنة، هكذا (سمعنا من يَنْطِق بها)، والأَوْلى أن يقال: بفتح الميم
من غير إشباع، لأنه في لفظ النسب لا يُنْطَق فيه بما كرهوه من لفظ: وَيْه. انتهى.
وفي ((شرح الشفا)) للصَّفَوي.]. والكلمات التي بين هلالين كبيرين سقطت من الأصل
الخطي الذي طبع عنه «تبصير المنتبه))، فَيُرُمَّم المطبوع من هنا.
وقوله ((بفتح الميم)): أي: مع تشديدها، وهكذا في المطبوع أيضًا: بفتح الميم،
وغالب الظن أنه سبق قلم، صوابه: بضم الميم.
وهكذا انقطع الكلام بعد قوله ((الصَّفَوي)). والصفوي: هو قطب الدين أبو الخير
عيسى بن محمد الإيجي، المولود سنة ٩٠٠، والمتوفى سنة ٩٥٣. قال عنه ابن العماد
في ((الشذرات)) ٨: ٢٩٧: العلامة المحقق المدقق .. وكان من أعاجيب الزمان، وذكر
حاجي خليفة شرحه على ((الشفا)) في ((كشف الظنون)).
أما الحمُّي: فهكذا رُسِمت هنا في النسخ، وبقلم ابن العجمي، وبقلم
الذهبي في ((المشتبه)) كما أفاده ابن ناصر الدين في ((التوضيح)) ٣: ٣٢٥، وأوضحُ
الضابطين لها - فيما رأيت -: الإمامُ ابن رُشَيد رحمه الله تعالى، فإنه قال في ((إفادة
النصيح)) ص٣١: ((وجرت عادة المحدثين أن يقولوا في النسب إليه: الحَمُّوْنِيْ: بياء
خفيفة، وأخرى ساكنة، يَنْوُون الوقف)). فالياء الأولى خفيفة: أي غير مشدّدة،
=

٣٦٨
الأول : الصحيح
[ش]
عنه (١)، وعدَّ كلَّ بابٍ منه، ثم جَمَع الجملة(٢)، وقلَّده كلَّ من جاء بعده، نظرًاً
إلى أنه راوي الكتاب، وله به العناية التامة.
قال: ولقد عددتُها وحرَّرتُها فبلغتْ بالمكررة سوى المعلّقات والمتابعات:
سبعة آلافٍ وثلاث مئة وسبعةً وتسعين حديثاً، وبدون المكررة: ألفين وخمس
[ب]
-
لكنها مكسورة لمناسبة الياء التي بعدها، والثانية ساكنة لا تشدّد - مع أنها ياء
النسبة - لئلا تتوالى ثلاث ياءات، ويحمل ذلك منهم على نية الوقف، والوقف لا
يكون إلا على ساكن.
والحَمُّوْنِيْ هذا: هو أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حَمُّوْيَهْ السَّرُّخَّسي، ولد سنة
٢٩٣، وسمع ((صحيح)) البخاري من الفربري سنة ٣١٦، وامتدت حياته فتوفي لليلتين
بقيتا من عام ٣٨١، كما في ((التقييد)) لابن نقطة ٢: ٦٣، و((الأنساب)) ٢: ٢٦٨،
و ((السير)» ١٦ : ٤٩٢، و((إفادة النصيح)) ص٢٩ فما بعدها. ووثقوه.
وأفاد ابن رُشَيد فائدة نادرة، قال: ((وكثيراً ما ينسبه الإمام أبو الفرج ابن الجوزي
إلى جده الأعلى: أَعْيَن)). فإذا رأيت في كلام ابن الجوزي: فلان الأَعْيَني، فاعلم أنه
هو، إلا إذا دلَّت القرينة على غيره.
(١) یرید: کتب ((صحیح)) البخاري عن الفربري.
(٢) فكان العدد الذي تقدم قريباً (٧٢٧٥)، وطُبع الجزء الذي فيه هذا باسم
«عدد جمیع حديث الجامع الصحيح للبخاري))، طبعه الدكتور أحمد فارس السلّوم،
وعلّق عليه باستدراكات ابن حجر والعيني، ومنه أيضاً.
ومن الممكن أن يستفاد - أو يستعان به - في هذه المهمة: الفهرس الذي في آخر
كتاب ((كشف النقاب)) للإمام العلائي.

٣٦٩
الأول : الصحيح
[ش]
مئة وثلاثةَ عَشَرَ حديثًا (١)، وفيه من التعاليق ألفٌ وثلاث مئة وأحدٌ وأربعون،
وأكثرها مخرَّج في أصول متونه، والذي لم يُخْرِجه مئة وستون(٢)، وفيه من
المتابعات والتنبيه على اختلاف الروايات ثلاثُ مئة وأربعةٌ وثمانون(٣). هكذا
وقع في ((شرح البخاري))، ونَقَل عنه ما يخالف هذا يسيراً.
قال: وهذا خارج عن الموقوفات والمقاطيع (٤).
[ب] -
(١) [الذي في ((مقدمة الفتح)) - ص ٤٧٧-، ونقله السخاوي - ١ : ٥٩ -، وشيخ
الإسلام زكريا - ((فتح الباقي)) ص ٦١ - في شرحَي الألفية: أنها ألفان وست مئة
حدیث وحدیثان.].
وانظر ما تقدم ص٣٦٣ فما بعدها.
(٢) هكذا قال الحافظ في ((فتح الباري)) ١٣: ٥٤٣، و ((مقدمته)) ص٤٦٩. ثم قال
ص٤٧٧: (( .. المتون المعلّقة المرفوعة التي لم يُوصلها في موضع آخر من الجامع
المذكور: مئة وتسعة وخمسون حديثًا)). وقد اعتمد الحافظ السخاوي في ((فتح
المغيث)) ١: ٥٩ هذا الرقم، ولم يُشِرْ إلى الثاني. وعلى كلٌّ فليحرَّر الصواب، وإذا
يسَّر الله تعالى إخراج كتاب الحافظ ((التوفيق))، تبيَّن الصواب إن شاء الله. وانظر
ص٤٣١.
(٣) تقدم ص٣٦٣ النقل عن ((مقدمة الفتح)) ص٤٦٩ أنها: ((ثلاث مئة وواحد
وأربعون حديثًا)).
(٤) تخريج هذه الأرقام مفصلاً ومرتبًا حسب ذكر الشارح لها : - الرقم (٧٣٩٧):
من ((مقدمة الفتح)) ص ٤٦٨ . - الرقم (٢٥١٣): من آخر ((الفتح)) ٥٤٣:١٣، لكنه في
((مقدمة الفتح)) ص ٤٧٧ قال (٢٦٠٢) . - الرقم (١٣٤١): من ((المقدمة)) ص ٤٦٩،
لكنه قال ص ٤٧٧ عن عدد المتون التي لم يُوصلها في موضع آخر من ((صحيحه))
=

٣٧٠
الأول : الصحيح
[ش]
فائدتان :
الأولى:
ساق المصنف هذا الكلام مَسَاق فائدة زائدة.
قال شيخ الإسلام(١): وليس ذلك مرادَ ابن الصلاح، بل هو تتمةُ قَدْحه في
كلام ابن الأخرم، أي: أن البخاريَّ قال: أحفظُ مئة ألف حدیث صحیح، ولیس
في كتابه إلا هذا القَدْر، وهو بالنسبة إلى المئة ألفٍ يسير (٢).
[ٹ)
(١٥٩) . - الرقم (٣٨٤): لم أجد هذا الرقم في ((الفتح)) ولا في ((مقدمته))، والذي في
((المقدمة)) ص ٤٦٩: (٣٤١)، نعم جاء مثله (٣٨٤) عند البقاعي ١: ١٣٢، والشارح
ينقل منه.
وأما قوله: ((وهذا خارج عن الموقوفات والمقاطيع)): فهذا في آخر ص ٤٦٩ من
(المقدمة))، وهو عند البقاعي ١ : ١٣٢.
وأما قوله: ((ونَقَل عنه ما يخالف هذا يسيرًا)): فهذا تعريض منه بالبقاعي، ففيه
بدل (٢٥١٣): (٢٥٢٣)، کما قدمته قبل قلیل ص ٣٦٤.
(١) من ((النكت الوفية)) للبقاعي ١: ١٣٠. والتفسير في قوله ((أي: أن
البخاري .. )): خلاصة تفسير البقاعي لكلام شيخه ابن حجر.
(٢) [قوله (بالنسبة إلى المئة ألف)): في ((الهَمْع)) ومَتْنِهِ: أن أل تدخل في ثاني
المضاف دون أوله، نحو: ثلاثة الأثواب، ومئة الدرهم، وألف الدينار. وجوَّز
الكوفيةُ دخولَها في جزئي المضاف، نحو: الثلاثة الأثواب. ولا تدخل على أول
المضاف مع تجرُّد ثانيه بإجماع. انتهى.].
((هَمْع الهَوَامع)) ومتنه ((جمع الجوامع)) كلاهما للشارح السيوطي رحمه الله ٢:
=

٣٧١
الأول : الصحيح
ومسلمٍ بإسقاط المكرر نحوُ أربعة آلاف.
[ش]
الثانية :
وافقَ مسلمٌ البخاريَّ على تخريج ما فيه إلا ثمانَ مئةٍ وعشرين حديثًا (١).
(و) جملة ما في صحيح (مسلم بإسقاط المكرر نحو أربعة آلاف) هذا مزيد
على ابن الصلاح.
قال العراقي (٢): وهو يزيدُ على البخاري بالمكرَّر لكثرة طُرُقه.
قال: وقد رأيتُ عن أبي الفضل أحمد بن سلمة أنه اثنا عشرَ ألفَ حديث.
[ب] -
-
١٥٠ - ١٥١، أي: إن هذا الاستعمال: المئة ألف، غير صحيح بإجماع أهل البصرة
والكوفة، وأقول: اتفقت النسخ التي بين أيدينا على كتابة هذه الكلمة كما أثبتُّها، مع
أنها جاءت على الجادة عند البقاعي ١: ١٣٠: المئة الألف، مرتين.
وأقول أيضًا: إن العبرة والعمدة على نصوص العلماء وأحكامهم ونقولاتهم، لا
على استعمالاتهم، نبّه إليه شيخنا رحمه الله في مقدمة (بلغة الأريب)) ص ١٧٤، فلا
يُحتجّ باستعماله (المئة ألف) على جواز هذا التعبير، بل الحجة نصّه على عدم صحته
إجماعاً في (همع الهوامع)).
(١) في ج، د، و، ز: ثلاث مئة وعشرين حديثًا، وهو تحريف، والصواب ما
أثبتُّه من باقي النسخ، وحاشية و، وأشار إلى أنها نسخة، ومصدره من ((الفتح))
١٣ :٥٤٣ أعلى الصفحة.
(٢) في ((التقييد والإيضاح)) ١: ٢٤٠. وقول أبي الفضل أحمد بن سلمة البزار
النيسابوري - رفيق مسلم - ذكره الذهبي في ((التذكرة)) ٢: ٥٨٩، و((السَِّر)) ١٢ :
٥٦٦، ولم أَرَه في مصدر أقدم منه، حتى إن الحافظ في ((النكت)) ١: ٢٩٦ لما
ذكره نقله عن شيخه العراقي في ((شرح الألفية))، وهو سَبْق ذهن عن ((التقييد
والإيضاح)).

٣٧٢
الأول : الصحيح
ثم، إن الزيادة في الصحيح تُعْرَف من السنن المعتمدة : كسنن أبي داود،
والترمذي، والنسائي، وابن خزيمة، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي،
وغيرِها، منصوصًا على صحته، ولا يكفي وجودُهُ فيها إلا في كتابٍ مَنْ شرط
الاقتصارَ على الصحيح.
[ش]
وقال المَيَانجي: ثمانية آلاف (١). والله أعلم.
قال ابن حجر (٢): وعندي في هذا نظر.
(ثم إن الزيادة في الصحيح) عليهما (تُعْرَف من) كتب (السنن المعتمدة:
كسنن أبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن خزيمة، والدارقطني، والحاكم،
والبيهقي، وغيرها، منصوصًا على صحته) فيها، (ولا يكفي وجودُه فيها إلا في
كتابٍ مَنْ شرط الاقتصار على الصحيح) كابن خزيمة، وأصحاب المستخرَجات.
قال العراقي (٣): وكذا لو نصَّ على صحته أحدٌ منهم (٤)، ونُقِل عنه ذلك
[ب] -
(١) في ((ما لا يَسَعُ المحدثَ جهلُه)) ص٢٦٩.
(٢) هذه المقولة ليست في ك. وقد ذكرها الحافظ ابن حجر في ((النكت)) ١ :
٢٩٦، لكن اسم الإشارة في كلام الحافظ يعود على ما ذكره النووي في المتن
/ ٤٠٠٠/، والذي نقله العراقي عن أحمد بن سلمة / ١٢٠٠٠/، لا إلى العدد الذي
في كلام الميانجي، فظهر صواب حذف مقولة ابن حجر من نسخة ك.
هذا، وعدد أحاديث صحيح مسلم في ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي
رحمه الله تعالى (٣٠٣٣)، وفيه خلل كبير، سببه تعامله مع جماعة المستشرقين
أصحاب ((المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي))، فهم الذين أسَّسوا له منهج
ترقيم الأحاديث، على غير بصيرة منهم.
(٣) في ((التقييد والإيضاح)) ١: ٢٤٢.
(٤) ((منهم)): من أئمة الحديث، لا الأئمة السابق ذكرهم.

٣٧٣
الأول : الصحيح
واعتنی الحاکم بضبطِ الزائدِ علیھما،
[ش]
بإسناد صحيح، كما في ((سؤالات)) أحمد بن حنبل، و((سؤالات)) ابن معين
وغيرهما.
قال: وإنما أهمله ابن الصلاح بناءً على اختياره أنه ليس لأحد أن يصحُّح
في هذه الأعصار، فلا يكفي وجودُ التصحيح بإسناد صحيح، كما لا يكفي
وجود أصلِ الحديثِ بإسناد صحيح(١).
(واعتنى) الحافظ أبو عبد الله (الحاكم) في ((المستدرك)) (بضبطِ الزائدِ
عليهما) مما هو على شرطهما، أو شرط أحدهما، أو صحيحٌ وإن لم يوجد
شرط أحدهما، معبِّرًا عن الأول بقوله: هذا حديث صحيح على شرط
الشيخين، أو على شرط البخاري، أو مسلم(٢)، وعن الثاني بقوله: هذا حديث
[ب] -
(١) السبب الذي صلُح أن يكون فارقًا - في نظر ابن الصلاح - بين تصحيح أبي
داود والترمذي - ونحوهما -، وتصحيح أحمد وابن معين - هنا -، هو: أن كتابي أبي
داود والترمذي متواتران عن مؤلفيهما، لا أنّا نحن الذين صححنا إسناديهما إليهما،
أما كتابا أحمد وابن معين - ونحوهما - فلم يتواترا عن مؤلفيهما، إنما نحن نظرنا في
السند الذي نقل إلينا به الكتاب وصححناه، فنتج عنه تصحيح أحكامِ كلِّ ما في
الکتاب. والله أعلم.
على أن أصل المسألة التي بنى عليها العراقي حكمه هذا، فيه نظر طويل، سيأتي
بیانه إن شاء الله تعالی ص٥٥٤.
(٢) [في ترجمة ابن حجر للسخاوي - ٢: ٨٩٥ - عن الصلاح العلائي ما نصُّه:
مراد الحاكم بقوله ((على شرط فلان)): أن رجال ذلك السند يكون من نُسب إليه
الشرط أخرج لكلِّ منهم احتجاجًا، هذا هو الأصل، وقد يتسامح الحاكم فَيُغْضي عمن
يتفق أنه وقع في السند ممن هو في مرتبة من أخرج له، وإن لم یکن عينه، وذلك قليل
=

٣٧٤
الأول : الصحيح
[ب]
بالنسبة إلى المِثْل. وتراه ينوِّع العبارة، فتارة يقول: على شرطهما، أو أحدهما،
وذلك حيث يتفرَّد أحدهما بالتخريج لراوٍ من ذلك السند، كعكرمة بالنسبة للبخاري،
وحماد بن سلمة بالنسبة لمسلم، ففي الأول يقول: على شرط البخاري، وفي الثاني
يقول: على شرط مسلم، كما لو اتفق أنهما أخرجا للجميع، فيقول: على شرطهما.
ومتى كان أكثر السند ممن لم يُخرجا له: قال: صحيح الإسناد، ولا ينسبه إلى
شرط واحد منهما.
وربما أورد الخبر ولا يتكلَّم عليه، فكأنه أراد تحصيله، وأخَّر التنقيب عنه
فعُوجل بالموت من قبل أن يُتقن ذلك. انتهى - بل انظر ص ٣٣٨، ٣٤٤ -.
قال الحافظ ابن حجر: وهذا الكلام في غاية الإتقان بحيث لا مزيد عليه في
الحُسن. انتهى.].
وينظر ص٦٧٢ من المجموع الخطي الذي صوَّرَتْه دار الحديث الكتانية، وفيه
((عشرة كتب في الرجال وعلوم الحديث)) بخط الحافظ البوصيري، فقد نقل فصلاً عن
خط الحافظ ابن حجر فيه هذا المبحث، وصدَّره الحافظ بقوله: ((فصل رائق ذكره
الإمام العلائي، نقلته من كلامه مختصراً)).
ومقولة الحافظ في استحسان الكلام جاءت أول النص، وقول العلائي عن
الحاكم: يقول على شرطهما فيمن رويا له احتجاجًا، وأن هذا هو الأصل:
أقول: هذا يتمشى مع ما تقدم عن ابن الصلاح ص ٣٢٨، من نقل ابن العجمي،
وسيأتي ص ٤٨٤ من نقل الشارح، وقلت هناك ص ٣٣١: إن العلماء تلقوا هذا من
ابن الصلاح، لكن لا يتفق - والله أعلم - مع ما عليه الحاكم، وكأن الخطيب البغدادي
معه؟، فانظر ما تقدم، وما يأتي.
وأقول أيضًا: إنني في كل ما كتبت سابقًا ولاحقًا كنت متابعًا لهذا الذي اشتهر
وتُلقي بالقبول، ثم ظهر لي ما قدمته، وتركت كل كتابة على ما هي عليه، وأكتفي
بهذا التنبيه.
=

٣٧٥
الأول : الصحيح
[ش]
صحيح الإسناد.
وربما أورد فيه ما هو في الصحيحين أو أحدهما سهواً (١).
[ب] -
ثم إن ها هنا أمرًا لا بدّ من بيانه، وإن طال الكلام:
إن هذا النقل بطوله - وله تتمة هناك - جاء جوابًا عن أسئلة رفعت إلى الحافظ
حول ((مستدرك)) الحاكم، منها: ما مراده بقوله: صحيح على شرط فلان، فقال ما
ملخصه: وقفت على كلام للعلائي في غاية الإتقان، بحيث لا مزيد عليه في الحسن،
ثم قال: والذي اختاره رجحان القول بأن مراد الحاكم بقوله: على شرط فلان ... ، إلى
آخر ما نقله ابن العجمي.
فلما كان الكلام مصدَّرًا بذكر الإمام العلائي صار الناظر يظنّ أن الكلام الآتي له،
وليس كذلك، بل الكلام كله للحافظ ابن حجر يدل على ذلك كلامه الذي لم ينقله
ابن العجمي، وسيأتي قريبًا جدًّا في كلام الشارح ص ٣٧٥، وفيه: أن الحافظ وقف
على نسخة من ((المستدرك)) من ستِّ مجلدات، وفي نحوِ نصفِ المجلدِ الثاني ما
نصه: إلى هنا انتهى إملاء الحاكم. وهذا الكلام ليس للعلائي، إنما هو لابن حجر نقله
عنه صراحة تلميذه البقاعي في ((النكت الوفية)) ١ :١٤٢.
ثم إن هذا الكلام الطويل الذي صدّر به الحافظُ النقلَ عن العلائي، صدَّره
الحافظ بما يميّز به كلامه، عن العزو إلى العلائي بقوله: والذي أختاره رجحان القول
... ، ووَصْفُهُ لمخطوطة ((المستدرك)) آخر كلامه يؤكد هذا الضبط: والذي أختارُهُ،
ولولا ذلك لاحتُمِل قراءة هذه الكلمة هكذا: والذي اختارَهُ، بهمزة الوصل، أي:
اختاره العلائي، لكن - كما قلت -: إن آخر كلامه لا يساعد على ذلك، فإنه من كلام
الحافظ، كما جاء صريحًا في ((النكت الوفية)). والله أعلم.
(١) انظر مثالاً على ذلك فيما تقدم ص٢٦٨، وقد ساق الزركشي رحمه الله في
=

٣٧٦
الأول : الصحيح
وهو متساهِل،
[ش]
وربما أورد فيه ما لم يصحَّ عنده، منبِّهَا على ذلك(١).
(وهو متساهِل) في التصحيح (٢).
(النكت)) ٢٠٣:٢ - ٢١٢ (٥٠) عشرة أحاديث على سبيل المثال على هذا السهو من
الحاكم، عاشرها المثال المتقدِّم، وما أراد الاستقصاء، وعبارة الشارح في ((البحر)) ٢ :
٨٣٦ تشعر أن الزركشي أراد ذلك!، ونقلها عنه، وقد ساق أكثرَ منها بكثير الأخ
العلامة الفاضل الدكتور الشيخ محمود ميرة حفظه الله، في أطروحته ((الحاكم
النيسابوري وکتابه المستدرك على الصحيحين)) ص٣٧٣ - ٣٨٨.
(١) من ذلك حديث ابن عمر: تَيَممنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم،
فضربْنا بأيدينا من المرفق إلى الكف .. ، أخرجه (٦٣٥)، وقال: «هذا حديث مفسِّر،
وإنما ذكرته شاهدًا، لأن سليمان بن أرقم ليس من شرط هذا الكتاب، وقد اشترطنا
إخراج مثله في الشواهد))، ومثله في الحديث الذي بعده (٦٣٦).
وروى (٧٧٠٦) من طريق مصادف بن زياد المديني، و(٧٧٠٧) من طريق أبي
المقدام هشام بن زياد: قصة دخول محمد بن كعب القُرَظي على عمر بن عبد العزيز
أيام إمرة المدينة المنورة، ثم أيام خلافته على المسلمين وقد تغيَّرت حاله جدًّا، وقال:
((هذا حديث قد اتفق هشام بن زياد النصري ومصادف بن زياد المديني على روايته
عن محمد بن كعب القرظي - والله أعلم - ولم أَستَجِزْ إخلاء هذا الموضع منه، فقد
جمع آدابًا كثيرة))، فأشار إلى أنه ليس في مقام الحجية عنده، كما أشار إلى المسوِّغ له
لإخراجه، ومع ذلك علَّق عليه الذهبي فقال: ((هشام متروك، ومحمد بن معاوية كذبه
الدارقطني، فبطل الحديث)).
إلى أساليب أخرى ينبِّه بها على ضعف الحديث عنده.
(٢) قال الشارح رحمه الله في مقدمة كتابه ((النكت البديعات على الموضوعات)):
=

٣٧٧
الأول : الصحيح
[ش]
قال المصنف في ((شرح المهذَّب))(١): اتفق الحفاظ على أن تلميذَه البيهقيَّ
أشدُّ تحرِّیًا منه.
وقد لخَّص الذهبيُّ ((مستدركه))، وتعقَّب كثيرًاً منه بالضعف والنكارة،
وجَمَعَ جزءًا فيه الأحاديث التي فيه وهي موضوعة، فذكر نحوَ مئةٍ حديث(٢).
[ب] -
((قال شيخ الإسلام ابن حجر: إن تساهلَه - أي ابن الجوزي - وتساهلَ الحاكم في
((المستدرك)) أعدم النفع بكتابيهما، إذْ ما من حديث فيهما إلا ويُمكن أنه مما وقع فيه
التساهل، فلذلك وجب على الناقل الاعتناء بما ينقله منهما من غير تقليد لهما)).
وقال الحافظ أيضًا في أجوبته عن أحاديث ((مصابيح السنة)) للبغوي، الملحقة
بآخر («مشكاة المصابيح)) ٣: ١٧٨٢: (إن الحاكم مشهور بالتساهل في التصحيح، وابن
الجوزي مشهور بالتساهل في دعوى الوضع)). وانظر ما يأتي بعد صفحتين.
(١) ((المجموع)) ٣٥:٥، ولفظه: ((البيهقي أتقن من شيخه الحاكم وأشد تحريًّا)).
وقال أيضًا ١: ٢٦٨: ((الحاكم معروف عندهم بالتساهل في التصحيح .. ،
والبيهقي أتقن في هذا الفن من شيخه الحاكم)).
وأقول: إن كانت المفاضلة بين كُتُبهما فنعم، الأمر الذي عرض للحاكم، أما بين
الرجلين: فینظر.
(٢) جاء هذا التقدير لعدد الموضوعات التي في ((المستدرك)) في كلام الذهبي
نفسه، في ترجمة الحاكم من ((سير أعلام النبلاء)) ١٧ : ١٧٥.
لكن قال فضيلة الدكتور الشيخ محمود ميرة حفظه الله تعالى، في كتابه المذكور
((الحاكم النيسابوري)) ص١١٩ تعليقًا: («أحصيتُ الأحاديث التي حكم عليها الذهبي
بالوضع، فبلغت أربعةً وخمسین حديثًا». ثم فصَّل ما في کل کتاب وجزء في ص٣٤٥
فما بعدها، وذكر أن في كتاب معرفة الصحابة ٢٨ حديثًا، يعني: أن نصفها في هذا
=

٣٧٨
الأول : الصحيح
[ش]
وقال أبو سَعْد المَالِيني: طالعتُ ((المستدرك)) الذي صنَّفه الحاكم من أوله
إلى آخره، فلم أَرَ فيه حديثًا على شرطهما(١).
الكتاب الواحد من كتاب المستدرك، وسبب ذلك - والله أعلم - أن الحاكم قال أول
كتاب المعرفة ٣: ٦٤: ((لم أستغنٍ عن ذكر محمد بن عمر الواقدي وأقرانه في
المعرفة)). وعدد أحاديث كتاب المعرفة ٢٧١٥ حديثًا.
وينظر ما يأتي بعد تعليقة واحدة عن الذهبي وعن الشارح.
(١) هو «الإمام المحدث الصادق الزاهد الجوّال أبو سعد أحمد بن محمد بن
أحمد الأنصاري الهَرَوي الماليني الصوفي)»، كما قاله الذهبي أول ترجمته من ((السير)»
١٧: ٣٠١، وأرخ وفاته سنة ٤١٢. وكنية هذا الرجل تتحرَّف كثيراً في الكتب إلى: أبو
سعید، فليصحح حيثما وجد، وقد ذكره الذهبي في ((المقتنی) (٢٥٣٥) فیمن کنیته:
أبو سعد.
والكلمة المذكورة عنه نقلها الذهبي في ((السير)) ١٧: ١٧٥ بواسطة ابن طاهر
المقدسي في ((منتخب المنثور)) ص٣٥٥ - ٣٥٦، عن المظفر بن حمزة الجرجاني،
عن أبي سعد. ويبدو أن ابن طاهر كان منحرفًا جدًّا عن الحاكم، فراقتْ له هذه
الكلمة، فنقلها، مع أن عالمًا لم يرضَها، وقد تعقبها الذهبي نفسه فقال: ((هذه مكابرة
وغلوّ، وليست رتبة أبي سعد أن يحكم بهذا .. )). ثم ذكر تقدير ما فيه مما هو على
شرطهما أو شرط أحدهما، وما فيه من حسن وجيد ...
ونحوُ كلمة أبي سعد في الغرابة والنكارة: كلمةٌ نُقِلت عن الحافظ عبد الغني
المقدسي، فيها أنه لم يجد في ((المستدرك)) حديثًا على شرط الشيخين سوى ثلاثة
أحاديث !! نقلها الحافظ في ((النكت)) ١: ٣١٣ وجادةً عن خط بعض الأئمة، وذكر
الأحاديث الثلاثة - مع أن الأول منها ليس في المستدرك - ثم نقل ردّ الذهبي لكلمة
=

٣٧٩
الأول : الصحيح
[ش]
قال الذهبي(١): وهذا إسرافٌ وغلوٌّ من الماليني، وإلا ففيه جملةٌ وافرةٌ على
شرطهما، وجملة كبيرة على شرط أحدهما، لعل مجموعَ ذلك نحوُ نصف
الكتاب، وفيه نحو الربع مما صحَّ سنده وفيه بعض الشيء، أو له علةٌ، وما بقي
- وهو نحو الربع - فهو مناكيرُ وواهياتٌ لا تصحُّ، وفي بعض ذلك موضوعات.
قال شيخ الإسلام(٢): وإنما وَقَعَ للحاكم التساهلُ لأنه سوَّد الكتابَ لينقِّحه
[ب] -
-
الماليني، ثم أفاض رحمه الله في دراسة كل قسم من أقسام أحاديث ((المستدرك)).
(١) في ((تاريخ الإسلام)) ٩: ٩٨ أواخر ترجمة الحاكم، ونحوه في ((السير)) ١٧:
١٧٥، وفيه: (( .. وفي غضون ذلك أحاديث نحو المئة يشهد القلب ببطلانها، كنت قد
أفردت منها جزءًا)). مع أن لفظ الشارح في مقدمة ((النكت البديعات على
الموضوعات)) له: ((وقد اعتنى الحافظ الذهبي بـ ((بالمستدرك))، فاختصره معلِّقًا
أسانيده، .. ، وجرَّد بعضُ الحفاظ منه مئة حديث موضوعة في جزء»، فأفاد أن ثمة
عملاً وخدمة لـ((لمستدرك)) من هذه الناحية، غيرَ خدمة الذهبي.
(٢) من ((النكت الوفية)) للبقاعي ١: ١٤١، ولفظه: ((إنما وقع للحاكم التساهل
إما لأنه سوَّد الكتاب لينقُّحه فأعجلتْه المنية، أو لغير ذلك. قال: ومما يؤيد الأول أني
وجدت في .. ))، فحذف الشارح تطريق الاحتمال لكون الحافظ ذكره مؤيِّدًا للأول،
فاعتبره ترجيحًا له.
وقوله ((لا يوجد عنه إلا .. )): رسمت في مخطوطة ((النكت الوفية)): لا يوجد: لتحتمل
قراءُها لـ: لا يوجد، و: لا يؤخذ، فأثبتُّها كما ترى لرجحانها عندي من حيث المعنى،
وهي كذلك في نسخة ج، ط من نسخ التدريب، أما باقي النسخ ففيها: لا يؤخذ.
وأقول: إن في وصف ابن الصلاح والنووي وابن حجر وغيرهم، الحاكمَ
بالتساهل: نظراً فيما يبدو لي. والله أعلم بصوابه، يؤخذ من آخر كلام ابن حجر هذا،
=

٣٨٠
الأول : الصحيح
فإنه قال: ((التساهل في القدر المملَى قليل جدًّا بالنسبة إلى ما بعده))، فإذا كان في
الربع الأول من كتابه قليلَ التساهل جدًّا - وهو القسم الذي بيَّضه وأعاد النظر فيه
وأتقنه ــ فنكون إذا وصفناه بالتساهل: قد آخذناه فيما لم يُعِد النظر فيه، وهذا لا
يصلح.
ويتفرَّع عن وصفهم له بالتساهل: أنه متساهل في ((المستدرك)) وغيره، في حين
أنه يتفرَّع عما أقوله: أن أحكامه في ((المستدرك)) فقط هي التي تحتاج إلى تأمّل، أما
في غيره: فلا.
دراسة أحكام الحاكم في ((المستدرك)) :
وما دام البحث متوجِّهاً نحو أحكام الإمام الحاكم في ((مستدركه))، فينبغي أن
تقسم أحاديث كتابه إلى ثلاثة أقسام، أولها - وهو جلّها -: ما كانت صحته مقيَّدة
بشرط الشيخين أو أحدهما، ثانيها: ما كانت صحته مطلقة، وهو التي يقول فيها:
صحيح الإسناد، وثالثها: ما يسكت عليه دون حكم، وهذا نادر من حيثُ نسبتُه إلى
عدد ما تكلم عليه، وقد سكت الحاكم عن أول حديث أخرجه، وهو قوله صلى الله
عليه وسلم: ((أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خُلُقًا))، فقال عليه الذهبي: ((لم يتكلم عليه
المؤلف، وهو صحيح، ولذا لم أره يتكلم على أحاديث جمَّة، بعضها جيد، وبعضها
واهِ)).
وشروط الصحة المقيدة عنده بشرطهما أو شرط أحدهما: أن تكون رجال حديثه
قد روى لهم الشيخان أو أحدهما على أي كانت الرواية عنهم: احتجاجاً وأصولاً، أو
على أيّ وجه كان، كما تقدم ص ٣٣١ فما بعدها.
أما شروط الصحة المطلقة عنده: فهو لا يخرج عن دائرة العلماء الآخرين،
وأهم شيء في هذا الصدد هو ما عبّر عنه في ((معرفة علوم الحديث)) ص٢٢٦ أول
النوع الثامن عشر بقوله: ((وأصل عدالة المحدث: أن يكون مسلماً، لا يدعو إلى
بدعة، ولا يعلن من أنواع المعاصي ما تسقط به عدالته، فإن كان مع ذلك حافظًا
=