النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
الأول : الصحيح
ولم يستوعبا الصحيحَ، ولا التزماه.
[ش]
(ولم يستوعبا الصحيح) في كتابيهما، (ولا التزماه) أي: استيعابَه(١)، فقد
[ب] -
-
أما الشق الثاني من الجواب: فهو أننا ننزّل فهمنا على حكم غيرنا، فننزل فهمنا
لشرط البخاري أو مسلم على حكم الحاكم أن الحديث على شرط البخاري أو مسلم،
اعتقادًا منا أنه يريد ما نريد، وأنه قد اتّحد فهمنا وفهمه، أَمَا وقد تبيَّنَتْ وقفة في فهمنا
لکلامه علی ما کان، فسوف یقع الاختلاف بین حکمنا وحکمه، وهذا الاختلاف لیس
في حكم واحد أو اثنين، بل في آلاف من الأحاديث، وعلى صور مختلفة، كالأمثلة
التي تجدها في كلام ابن عبد الهادي المنقول في ((نصب الراية)) ٣٤٢:١، وعلى نحوه
جاء كلام ابن حجر في ((النكت على ابن الصلاح)) ٣١٤:١.
٣- وسؤال ثالث: هل يفرِّق الإمام الحاكم بين أحاديث الأصول والمتابعات
والشواهد التي في الصحيحين، أوْ لا؟.
والجواب: أنه يفرق، وانظر ما قدمته ص ٣٣٧ نقلاً من الباب الثامن والتاسع من
كتابه ((المدخل))، ولكن تتمة السؤال: لَمَ لَمْ يفرق بينهما هنا، بل أطلق؟ ولا جواب
عندي الآن. والله أعلم به.
ورأيت ابن منده (٣١٠ - ٣٩٥) عصريَّ الحاكم قال كلمة فيها إشارة إلى التفرقة
بين الإخراج بمعنى الاحتجاج، وبين الاستشهاد، قالها في ((شروط الأئمة)) ص٧١،
فيمن يروي له الشيخان أو أحدهما، قال: ((أو أَخْرج عنه واحد منهما، واستشهد به
الآخر)) ففرَّق بين اللفظين.
(١) كأن سبب تنبيه ابن الصلاح ومَن بعده إلى عدمِ استيعاب الشيخين كلّ
الأحاديث الصحيحة، بل: عدم التزامهما ذلك: هو ما جاء في كلام الإمام الحاكم أول
((مستدركه)): (لم يَحكما - أي البخاري ومسلم - ولا واحدٌ منهما أنه لم يصح من
الحديث غيرُ ما أخرجه، وقد نبغ - أي ظهر - في عصرنا هذا جماعة من المبتدعة
=

٣٤٢
الأول : الصحيح
[ش]
قال البخاري(١): ما أدخلتُ في كتاب ((الجامع)) إلا ما صحَّ، وتركتُ من
[ب]
يشمتون برواة الآثار بأن جميع ما يصح عندكم من الحديث لا يبلغ عشرة آلاف
حديث، وهذه الأسانيد المجموعة المشتملة على ألف جزء أو أقل أو أكثر منه كلّها
سقیمة غیر صحیحة)).
وثمة كلمات عابرة لبعض أئمتنا من أهل السنة قد يتشبّث بها مغرِض، منها: قول
الإمام الخطابي رحمه الله تعالى في مقدمة شرحه ((أعلام الحديث)) ١: ١٠٢ : ((غرض
صاحب هذا الكتاب - أي: ((صحيح)) البخاري - إنما هو ذكر ما صح عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم من حديثٍ في جليل من العلم أو دقيق، ولذلك أدخل فيه كلَّ ما
صح عنده في تفسير القرآن وذكر التوحيد والصفات، ودلائل النبوة، ومبدأ الوحي
وشأن المبعث، وأيام رسول الله صلى الله عليه وسلم وحروبه ومغازيه، وأخبار
القيامة .. إلى ما أودعه بعدُ من الأحاديث في الفقه والأحكام .. )).
ومنها: قول الإمام ابن عبد البر رحمه الله تعالى في ((التمهيد)) ١٦: ٢١٨: ((سأل
أبو عيسى الترمذي محمد بن إسماعيل البخاري عن حديث مالك هذا - یرید: حديث
البحر («هو الطَّهور ماؤه)) - عن صفوان بن سُلَیم؟ فقال: هو حديث صحيح .. ، قال أبو
عمر - هو ابن عبد البر -: لا أدري ما هذا من البخاري رحمه الله!، ولو كان عنده
صحيحًا لأخرجه في مصنفه الصحيح عنده، ولم يفعل)).
وتعقبه الحافظ في ((التلخيص الحبير)) ١: ١٠ فقال: ((هذا مردود، لأنه - يريد
البخاريَّ - لم يلتزم الاستيعاب))، ويقال مثل هذا في التعقب على الخطابي.
فكأن هذه الكلماتِ وأمثالَها - إنْ وجد - هي السببُ الباعث لهذا التنبيه. والله
أعلم.
(١) أسنده إليه الخطيب في ((تاريخه)) ٢: ٣٢٧.

٣٤٣
الأول : الصحيح
[ش]
الصحاح لحال الطُّول.
وقال مسلم(١): ليس كلّ شيء عندي صحيح وضعتُه هاهنا، إنما وضعتُ
هاهنا ما أجمعوا عليه. يريد: ما وُجِد عنده فيها شرائطُ الصحيح المجمع عليه،
وإن لم يظهرْ اجتماعُها في بعضِها عند بعضهم، قاله ابن الصلاح(٢)، ورجَّح أن
المراد ما لم تختلف الثقاتُ فيه في نفس الحديث متنا وإسنادًا، لا ما لم يُختلف
في توثيق رواته(٣).
قال: ودليلُ ذلك أنه سُئل عن حديث أبي هريرة: ((فإذا قرأ فأَنْصِتوا)): هل
هو صحيحٌ؟ فقال: هو عندي صحيح، فقيل: لمَ لمْ تَضَعْه هنا؟ فأجاب بذلك.
قال: ومع هذا فقد اشتمل كتابه على أحاديثَ اختلفوا في متنها أو إسنادها،
[ب] -
(١) ((صحيح)) مسلم: كتاب الصلاة ١: ٣٠٤ (٦٣).
(٢) في ((مقدمته)) ص٢٠، واقتصر عليه، ثم زاد عليه في ((شرحه على مسلم))
ص٧٥ الجواب الثاني، وجمع النووي في مقدمة شرحه ١ : ١٦ بين الجوابين.
(٣) هذه نقلة إلى جواب آخر عن ظاهر قول مسلم: ((ما أجمعوا عليه)).
وهكذا في ب، ج، د، و، ح، ي، وهو الصواب، وترجيح ابن الصلاح لهذا
الوجه الثاني في تأويل كلام مسلم: جاء منه في شرحه على مسلم ص٧٥، وفي أ،
هـ، ز، ط، ك: ((ورجَّح المصنف في شرح مسلم))، والمراد بـ: ((المصنف)) في هذا
المقام هو النووي، والواقع أن النووي نقل في مقدمة شرحه ١ : ١٦ كلام ابن الصلاح
وترجيحه ووافقه عليه بسكوته، لكن لاينبغي نسبته إليه، فهو ناقل موافق، لا قائل،
وانظر التعليق على شرح ابن الصلاح ص ٧٥.

٣٤٤
الأول : الصحيح
[ش]
وفي ذلك ذهولٌ منه عن هذا الشرط، أو سببٌ آخر(١).
[ب]
(١) حاصل قول مسلم هذا: أنه صرح بعدم استيعابه الأحاديث الصحاح في
كتابه، لكنه زاد في الإفادة: لمَ لمْ يستوعب الأحاديث الصحاح؟ فقال: إنه اقتصر في
کتابه علی «ما أجمعوا علیه)).
وهذا الجواب يحتاج إلى شرح ((ما))، وشرح واو الجمع في قوله: ((أجمعوا)).
فـ((ما)) اسم موصول يعود على ما في الكتاب كله من رجال ومتون، والواو
ضمير الفاعل يعود على علماء عصره والسابقين عليه عامة.
والجواب عن الأمر الأول: أن الواقع يشهد بخلافه من وجهين، من جهة ما في
كتابه نفسه من أحاديث اختلفت رواياتها، هو أشار إلى اختلافها، ومن جهة مخالفة
رواياته لما في روايات الآخرين في كتبهم.
وقد أجاب ابن الصلاح بما نقله عنه الشارح بأنه حصل للإمام مسلم ذهول عن
هذا الشرط الذي شرطه على نفسه: أن لا يذكر إلا ما أجمعوا عليه. وهذا جواب
بعيد، إذ الأحاديث التي تخرج عن شرطه كثيرة، يصعب مع كثرتها ادعاء الذهول
الکثیر علی الإمام مسلم.
وأجاب النووي في ((شرحه)) ١٢٣:٤ بأنها ((عند مسلم بصفة المجمع عليه، ولا
يلزم - مسلمًا - تقليدُ غيره في ذلك))، وهذا أقرب من جواب ابن الصلاح، ومع ذلك
فإنه يُلزم مسلمًا بالمخالفات الكثيرة لغيره.
والجواب عن الأمر الثاني: أنه لا يتصوَّر من الإمام مسلم أن يدعي إجماع علماء
الحديث لتلك الفترة الزمنية على رجال أسانيده ورواياتهم، كما أن الواقع كان خلافه
بعد ما فرغ مسلم من تأليف كتابه، فقد انتقده أبو زرعة في روايته عن فلان وفلان،
و کذلك زمیله إبراهيم بن أبي طالب.
=

٣٤٥
الأول : الصحيح
هذا ما يتعلق بـ: المجمعين. أما المجمع عليه: فهو الضوابط العامة لصحة
السند، ولصحة المتن.
وتلخيص آخر لجوابَيْ ابن الصلاح: الجواب الأول: معنى قول مسلم ((ما أجمعوا
عليه)): من الشروط والضوابط للحديث الصحيح. والجواب الثاني: هو ما اتفق الثقات
علی روايته ولم يختلفوا فيه.
والأقرب تفسير (واو الجمع) بجمع خاص لا بجمع عام، وهو إجماع الأئمة
الأربعة الآتي ذكرهم. والله أعلم، ويبقى للإمام مسلم احتمال حرية خروجه عن
بعضهم، فيترجح له موافقة البعض ومخالفة البعض الآخر، أو حرية الخروج عن
جمیعھم أحيانًا.
وللإمام مسلم أسوة حسنة بشيخه الإمام البخاري رضي الله عنهما، وعن علماء
الإسلام أجمعين. فقد حكى الحافظ في ((هدي الساري)) ص ٧، ٤٨٩ عن الإمام
العقيلي صاحب ((الضعفاء)) قوله: ((لما ألّف البخاري كتابه ((الصحيح))، عرضه على
أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي ابن المديني، وغيرهم، فاستحسنوا وشهدوا
له بالصحة إلا في أربعة أحاديث، قال العقيلي: ((والقول فيها قول البخاري، وهي
صحیحة)).
وهذا يفيد فائدة عامة: عَرْض البخاري عمله على شيوخه. ويفيد فائدة خاصة:
أنه أبقى لنفسه حرية الاختيار والنظر، فقد خالفوه في أربعة أحاديث، ولم يعمل
بمخالفتهم وقولهم، وكذلك نقول في صنيع الإمام مسلم، ألف، وعَرَض، فاستفاد
وحرَّر وأخذ بقولهم في كثير مما أبدوه له من ملاحظات، وترك لنفسه - مع ذلك -
حرية الاختيار والبقاء على ما كتب، كما حصل للبخاري في هذه الأحاديث الأربعة.
والله أعلم.
وينقدح لي جواب آخر. والله أعلم بصوابه، هو: أنه يريد بقوله ((وضعت ها هنا))
أي: في أصول الأبواب، وبعبارة أخرى: إنه يدعي الاتفاق والإجماع لأحاديثه التي
=

٣٤٦
الأول : الصحيح
[ش]
وقال البُلقيني(١): قيل: أراد مسلم إجماع أربعة(٢): أحمد بن حنبل، وابن
[ب]
يرويها أصولاً واحتجاجًا، لا ما هو في المتابعات والشواهد، أو ما يسوقه هو لبيان
اختلاف الرواية - أو الرواة - فيه، ثم يختم الباب بما يرتضيه، ولئن وجد شيء من
الاختلاف فيما هو أصل وحجيَّة فقليل، ولا بدَّ من الاختلاف في الأمور الاجتهادية.
(١) ((محاسن الاصطلاح)) ص١٦٢، ومعلوم أن البلقيني - على إمامته - يستمد
في كتابه هذا من ((إصلاح كتاب ابن الصلاح)) للإمام مغلطاي، ولا يسميه، ولفظ
مغلطاي في كتابه المذكور ٢: ٦٦: ((رأيت في بعض التواريخ الحديثية، ولا يحضرني
الآن ذكره: أنه أراد إجماع أربعة من الحفاظ: أحمد بن حنبل، ويحيى بن يحيى
النيسابوري، وعثمان بن أبي شيبة، وسعيد بن منصور الخراساني))، فاختلف معه
البلقيني في یحیی : ابن معين، أو النيسابوري.
ثم رأيت البقاعي ١: ١٢٨ نقل كلام البلقيني كما هو عند مغلطاي تمامًا، فينظر
كيف حصل الخلل !.
أما الزركشي فذكر ١٧٩:٢ - ١٨٠ (٤١): الأربعة على نَسَق مغلطاي، لكنه أيضًا
لم يَنسب ذلك إلى قائل. وذكر الأربعةَ - كما ذكرهم الشارح عن البلقيني - العلامةُ
شبير أحمد العثماني رحمه الله في مقدمة شرحه ((فتح الملهم)) ١: ١٢٢، ثم سها فذكر
في ٣: ٢١٤ أبا حاتم وأبا زرعة بدل: عثمان بن أبي شيبة، وسعيد بن منصور.
(٢) [وقال صاحب ((المفهم)): مراده إجماع مَن لقيه مِن أهل النقل والعلم
بالحديث. وقال المَيَانجي في ((إيضاح ما لا يَسَع المحدِّثَ جهلُه)) - ص٢٦٧ -: مراده
إجماع أئمة الحديث : كمالك، والثوري، وشعبة، وأحمد بن حنبل، وابن مهدي،
وغيرهم. ((شرح ألفيته)) . - ٢: ٥٧٠ _].
وصاحب ((المفهم)): هو أبو العباس القرطبي، الذي تقدمت ترجمته قريبًا صفحة
٣١٧، ولم أر هذا الكلام في مقدمة ((تلخيص صحيح مسلم)) له، ولا في شرحه
=

٣٤٧
الأول : الصحيح
[ش]
معين، وعثمان بن أبي شيبة، وسعيد بن منصور الخراساني.
قال المصنف في ((شرح مسلم))(١): وقد أَلْزمهما الدارقطني وغيرُهُ إخراجَ
أحاديثَ على شرطهما لم يُخْرِجاها، وليس بلازمٍ لهما، لعدمِ التزامِهما ذلك.
قال: وكذلك قال البيهقي: قد اتفقا على أحاديثَ من صحيفة هَمَّام، وانفرد
كلُّ واحدٍ منهما بأحاديثَ منها، مع أن الإسناد واحد.
قال المصنف(٢): لكنْ إذا كان الحديثُ الذي تركاه أو أحدُهما مع صحة
[ب] -
المسمى بـ((المفهم)) ١: ٩٨ فما بعدها، و٢: ٣٩.
ودعوى إجماع أئمة الحديث: مالك ومن ذُكر: لا تصح بحال، ويستغرب من
الزرکشي نقلها ٢: ١٧٩ (٤١) وسكوته عليها.
(١) ((شرح مسلم)) ١: ٢٤، وكذلك النقل التالي.
أما قوله («وغيره)): فهذا (الغير) يدخل تحته: أبو ذر عَبْدُ بن أحمد الهَرَوي، ذكره
النووي أيضًا أثناء كلامه هناك، وذكره الزركشي ١٧٦:٢ (٤٠)، قال بعد أن وصف
جزء الدارقطني بأنه ((صغير)): ((وخرَّجها أبو ذر بأسانيدها من روايته عن شيوخه في
أربعة أجزاء)). وهو من مسموعات أبي العباس أحمد بن محمد ابن أبي عَزَفة اللخمي،
على ابن زَرْقون، كما في ((برنامج شيوخ الرُّعَيني)) ص٤٥.
(٢) في مقدمة ((شرح مسلم)) ١: ٢٤، وهذه الاحتمالات الثلاثة تُضْعف ما
استظهره المصنف - النووي -، مع توارد مَن جاء بعده على نقله، ومن المقرَّر عند
أئمة الفقه والأصول قولهم: لا يُنْسَب إلی ساکت قول. وکان أصل هذا القول - سوی
الاحتمالات الثلاثة - هو للإمام ابن عبد البر الذي حكاه الحافظ في ((النكت)) ١:
٣١٩: ((وقد بالغ ابن عبد البر فقال ما معناه: إن البخاري ومسلمًا إذا اجتمعا على ترك
=

٣٤٨
الأول : الصحيح
قيل: ولم يَقُتُّهُما منه(١) إلا القليلُ.
[ش]
إسناده في الظاهر: أصلاً في بابه، ولم يُخْرِجا له نظيرًا، ولا ما يقومُ مَقامَه:
فالظاهر أنهما اطَّلعا فيه على علة، ويَحتمِل أنهما نسياه، أو تركاه خشيةً
الإطالة، أو رأيًا أن غيره يَسدُّ مَسَدَّه.
(قيل) أي: قال الحافظ أبو عبد الله ابن الأَخْرَم: (ولم يَفْتُهُما إلا القليلُ).
إخراج أصل من الأصول فإنه لا يكون له طريق صحيحة، وإن وُجدت فهي معلولة.
وقال في موضع آخر - في ((التمهيد)) ١٠: ٢٧٨ - وهذا الأصل لم يُخرج البخاري
ومسلم منه شيئًا، وحسبك بذلك ضعفًا))، قال الحافظ: ((وهذا - وإن كان لا يُقبل منه -
فإنه يعضد قول ابن الأخرم. والله أعلم)). ولعل في كلام الحافظ ابن عبد الهادي الآتي
ص ٣٨٤ مثالاً على ذلك.
(١) حرف ((منه)) زيادة من نسخ المتن الثلاثة.
ولفظ ابن الأخرم كما نقله عنه سماعاً تلميذه ابن منده في ((شروط الأئمة))
ص٧٣: ((قلّ ما يفوت البخاريَّ ومسلماً مما يثبت من الحديث))، وسياق كلامه هناك
يؤيد أن مراده: لم يفتهما في كتابيهما إلا القليل مما يثبت من الحديث، وهذا يتفق
تماماً مع قول ابن الصلاح ص١٦، قال: ((يعني: في كتابيهما))، وهو محتمل لِما في
كتابيهما: مما هو على شرطهما احتجاجاً، أو لما هو صالح إخراجُه في كتابيهما:
احتجاجاً، ومتابعة، ومقروناً .. ، أما ابن حجر في ((النكت على ابن الصلاح)) ١ :
٢٩٨، فجعله فيما ((يبلغ شرطهما)) - ومثله ما يأتي ص٣٥٧ من كلام الشارح - ونقل
عنه البقاعي في ((النكت الوفية)) ١: ١٢٦ تفسيرين، هذا أحدهما، ويمكن تقريبه من
قول ابن الصلاح، والثاني: أنه أراد: لم يفتهما معرفته والعلم به، واستظهره ابن
حجر، مع أنه بعید من سياق كلام ابن منده، والله أعلم.

٣٤٩
الأول : الصحيح
وأَنْكِرَ هذا، والصوابُ: أنه لم يَفُت الأصولَ الخمسةَ إلا اليسيرُ،
أعني الصحيحين، وسننَ أبي داود، والترمذيِّ، والنسائي.
[ش]
(وأُنْكِرَ هذا)، لقولِ البخاري - فيما نَقَلَه الحازمي(١) والإسماعيلي -: وما
تركتُ من الصحاح أكثَرُ.
قال ابن الصلاح(٢): و((المستدرك)) للحاكم كتابٌ كبيرٌ يشتملُ مما فاتهما
على شيء كثير، وإنْ يكنْ عليه في بعضه مقالٌ، فإنه يَصفو له منه صحیحٌ
کثیر.
قال المصنف زيادة عليه: (والصوابُ(٣): أنه لم يَقُت الأصولَ الخمسةَ إلا
اليسيرُ، أعني الصحيحين، وسننَ أبي داود، والترمذي، والنسائي).
قال العراقي(٤): في هذا الكلام نظر،
[ب] -
(١) في ((شروط الأئمة الخمسة)) ص ١٦٠.
(٢) المقدمة ص ١٦.
(٣) عبارة النووي في ((الإرشاد)) ص٦٠: ((قلت: والصواب قول من قال .. ))،
فأفاد أنه ناقل متابع، لا أنه قائل منشئ، خلاف ما اشتهر من خلال كلام العراقي في
((شرح ألفيته)) ص١٥، وابن حجر في ((النكت)) ١ : ٢٩٨. وقد تنبَّه السخاوي لهذا في
((فتح المغيث)) ١: ٥٥، ٥٦، فنقل لفظ ((الإرشاد))، وقال: ((وكأنما أراد بالقائل
الحافظَ أبا أحمد ابنَ الفرضي .. ))، ويؤكده ما يأتي ص٣٩٧، وما في ((فهرست)) ابن
خیر ص١٢٥.
(٤) في ((شرح ألفيته)) ص ١٥، إلا أن القول الثاني - ولعل البخاري: أراد .. -
نقله عن ابن الصلاح، وهو في ((المقدمة)) بنحوه ص١٦. وقد تقدم صفحة ٦٧ - ٦٨
=

٣٥٠
الأول : الصحيح
[ش]
لقول البخاري(١): أحفظُ مئةَ ألفِ حديثٍ صحيحٍ، ومئتي ألفِ حديثٍ غيرِ
صحيح.
قال: ولعل البخاريَّ أراد: بالأحاديث المكررةِ الأسانيد، والموقوفاتِ،
فربما عَدَّ الحديثَ الواحدَ المرويَّ بإسنادين: حدیثیْنِ.
زاد ابن جماعة في ((المَنْهلِ الرَّوي)) (٢): أو أراد المبالغةَ في الكثرة، قال:
والأول أولى.
قيل(٣): ويؤيِّد أن هذا هو المراد: أن الأحاديثَ الصحاحَ التي بين أظهرنا(٤)
نقل أقوال عدد من الأئمة في الجزم بأن هذه الأعداد الكبيرة في محفوظات الأئمة
المتقدمين محمولة على تعدد أسانيد الحديث الواحد، وعلى إدخال الموقوفات
والمقطوعات فيها.
(١) رواه الخطيب في ((تاريخه)) ٢: ٣٤٦ بهذا اللفظ، لكن قال الزركشي في
((النكت)) ١٩١:٢ (٤٤): ((قال الشيخ قطب الدين الحلبي: جاء في بعض الطرق عنه:
((وأعرف مئتي ألف))، بلفظ ((أعرف)) بدل: أحفظ، وكأن هذه الرواية أحسن))،
والمعرفة يدخل تحتها: ما هو محفوظ تمام الحفظ، وما يشبهه ويقاربه، کالذي كانوا
يوردونه أثناء المذاكرة، ويقولون في كتب التراجم: فلان يحفظ مئتي ألف حديث،
ويذاكر بمئة ألف أخرى، فالثلاث مئة ألف معروفة لدیه.
(٢) كلام ابن جماعة هذا كأنه في الورقة الساقطة من الأصل الذي نُشِرِ عنه
الکتاب. انظر التعليق على ص٣٣ منه.
(٣) هذا من كلام الحافظ ابن حجر في ((النكت الوفية)) ١: ١٢٩.
(٤) في ((النكت)) زيادة بعدها: ((بل وغير الصحاح))، وهذه زيادة ثابتة في ب،
=

٣٥١
الأول : الصحيح
[ش]
لو تُتُبِّعَتْ من المسانيد، والجوامع، والسنن، والأجزاء وغيرها، لما بَلَغَتْ مئةَ
ألفٍ بلا تكرار (١)، بل ولا خمسينَ ألفًا، ويبعُد كلَّ الْبُعْد أن يكونَ رجلٌ واحدٌ
حفظ ما فات الأمةَ جَمْعُهُ (٢)، فإنه إنما حفظه من أصولِ مشايخه، وهي
موجودة(٣).
وقال ابن الجوزي(٤): حَصْر الأحاديث يبعُد إمكانُه، غير أن جماعةٌ بالغوا
في تتبُّعها وحَصَروها، قال الإمام أحمد: صحَّ سبعُ مئةِ ألفٍ وكَسْرٌ، وقال:
جمعتُ في ((المسند)) أحاديثَ انتخبتُها من أكثرَ من سبع مئة ألف وخمسين ألفًا.
قال شيخ الإسلام(٥): ولقد كان استيعابُ الأحاديث سهلاً لو أراد الله تعالى
[ب] -
ج، و، ح، ك. وتقدم في مقدمة التحقيق أن النسخ: أ، د، هـ، ز، ط، ي تُمثِّل
الصياغة الأخيرة للكتاب عند الشارح، فيكون حذفه لهذه الجملة متعمدًا، وهو
كذلك، فقد صرَّح آخر كلامه الآتي ص٣٥٧: (( .. وكتب الحديث الموجودة سواها
كثيرة جدًّا، وفيها الزوائد، فبلوغُها العددَ السابقَ لا يبعُد)).
(١) أي: لَمَا بلغت متونها مئة ألف، وكلامه هذا أقرب إلى الواقع من كلام
الشارح الآتي، بل هو هو الواقع.
(٢) من مخطوطة ((النكت الوفية)) مع الضبط، وفي نسخ ((التدريب)): جميعه.
(٣) في ((النكت الوفية)) زيادة كلمة: ((أو أكثرها))، وكأن الشارح حذفها عمداً
أيضًا، مع أن الكلام ينطبق على الواقع بثبوتها، أکثر من حذفها.
(٤) ((تلقيح فهوم أهل الأثر)) ص٣٦١، وانظر ما تقدم ص ٦٧.
(٥) من ((النكت الوفية)) ١: ١٢٧، ونقله الشارح في ((البحر)) أيضًاً ٢: ٧٦٠،
وعقَّب عليه بقوله: «لو صنع المتقدمون هذا لفات ما هو أحسنُ منه وأجلُّ، من جهة
=

٣٥٢
الأول : الصحيح
[ش]
ذلك، بأن يَجمعَ الأولُ منهم ما وصل إليه، ثم يذكرَ مَنْ بعده ما اطّلع عليه مما
فاته من حديثٍ مستقلٍ، أو زيادةٍ في الأحاديث التي ذكرها، فيكون كالذيل
عليه، وكذا مَنْ بعده، فلا يمضي كثيرٌ من الزمان إلا وقد استُوعبتْ وصارتْ
كالمصنّف الواحد، ولَعَمري لقد كان هذا في غاية الحسن.
[ب] -
أن الحديث الذي يخرجه الأول قد يكون وقع له من طريق غريبة لا ينتهض بها
الحجة، فلو لم يخرجه مَن بعده لأدَّى الحال إلى ردِّه، فلما تواردت الأئمة على
إخراج الحديث: وقع في ذلك من الفوائد كثرة الطرق، وقد يكون فيها طريق صحيح
بمفرده، وقد لا يكون، فيقتضي تعددُ طرقه قبولَه وارتفاعَه إلى درجة الصحة أو
الحسن، أو أن له أصلاً في الجملة، بخلاف ما لم يوقف عليه إلا عند مخرج واحد
من طريق واحدة. وإذا كان الصحيحان اللذان لا يحتاجان إلى عاضد، حصل
بالمستخرجات عليهما فوائد جمة، فما ظنك بغيرهما؟! نعم بعد أن استقرت الجوامع
93
والمسانيد واستوفيت الطرق حَسُن من المتأخرين أن يصنعوا ذلك))، وهذا تعقّب
جيد، لكن قد يقال: إن مراد الحافظ رحمه الله: لو فعل المتأخرون هذا بعد تدوين
الكتب والدواوين الحديثية. والله أعلم.
ثم قال الشارح ٢: ٧٦٥ بعد ما عَرَض لكتب الزوائد الآتية بعد أسطر: ((وقد صَنَع
الفَرْضَ الذي ذكره الحافظ ابن حجر من المتقدمين الإمامُ البيهقي، فإنه قصد جمع
الأحاديث كلها في تصانيفه ولم يكرر فيها شيئًا في الغالب، فصارت كالمصنّف
الواحد)) واستعرضها كتابًا كتابًا، ثم قال: ((فلم يَفُتْ كتبَه منها إلا القليل))، قال: ((وقد
حَذَوتُ فيما أَلَّفتُ حذوه)» وذكر بعضها، وقال: ((ومؤلفاتٌ أُخَر مختصرة استوفت
الأحاديث إلا أحاديث الأحكام .. )).

٣٥٣
الأول : الصحيح
[ش]
قلت: قد صنع المتأخرون ما يَقْرُبُ من ذلك، فجمع بعض المحدِّثين(١)
ممن كان في عصر شيخ الإسلام زوائد ((سنن)) ابن ماجه على الأصول الخمسة.
وجَمع الحافظ أبو الحسن الهيثمي زوائد ((مسند)) أحمد على الكتب الستة
المذكورة في مجلدین، وزوائد ((مسند)) البزار في مجلد ضخم، وزوائد ((معجم
الطبراني الكبير)) في ثلاثة، وزوائد المعجمين الأوسط والصغير في مجلدين،
[ب] -
(١) كتب الناسخ على الحاشية اليسرى: [هو الشهاب البوصيري].
وكتب ابن العجمي حاشية أخرى على اليمين: [وجمع الشهاب أحمد بن أبي
بكر الكِناني البوصيري زوائد المسانيد العشرة: الطيالسي، والحميدي، ومسدّد، وابن
أبي عمر، وإسحاق بن راهويه، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن منيع، وعبد بن
حميد، والحارث بن أبي أسامة، وأبي يعلى الموصلي.].
قلت: لا أدري لمَ أبهم الشارح اسم البوصيري هنا وصرَّح به في ((شرح ألفيته))
٢: ٧٦٣ - ٧٦٤، وكانت وفاته سنة ٨٤٠ عن ثمان وسبعين سنة رحمه الله تعالى.
وزوائد سنن ابن ماجه سماها («مصباح الزجاجة في زوائد سنن ابن ماجه))، وقد
طبع أكثر من مرة.
وأما زوائد المسانيد العشرة: فهو الذي سماه («إتحاف الخيرة المهرة بزوائد
المسانيد العشرة))، واختصره نفسه رحمه الله، وطبع الأصل، والمختصر.
ومما يفيد التنبيه إليه بشأن الحافظ البوصيري: أنه من المتلطّفين في النقد، وهذا
ما يشير إليه العلامة الكوثري رحمه الله في آخر مقدمته لشروط الأئمة الستة، وهو
يترجم لابن ماجه ويتحدَّث عن ((مصباح الزجاجة)): ((ونصُّه - أي البوصيري - على
الضعف الشديد في حديثٍ ما كافٍ في سقوطه من مقام الاحتجاج به، سواء أنطق
بالوضع أم لم ینطق به».

٣٥٤
الأول : الصحيح
[ش]
وزوائد ((مسند)) أبي يعلى(١) في مجلد، ثم جَمَعَ هذه الزوائد كلِّها في كتابٍ
محذوف الأسانيد(٢)، وتكلّم على الأحاديث، ویوجد فیھا صحیحٌ کثیر.
وجَمَعَ زوائد ((الحِلْية)) لأبي نُعيم في مجلد ضخم (٣)، وزوائد ((فوائد))
-
(ت)
(١) [أبو يعلى المَوْصِلي: هو الحافظ أحمد بن علي، من الطبقة العاشرة، مات
سنة ست وثلاث مئة.].
كذا قال الشيخ ابن العجمي، والمشهور أنه توفي سنة ٣٠٧، كما قال تلميذه ابن
حبان في ((الثقات)) ٨: ٥٥ وغيره، وكان مولده سنة ٢١٠، وقوله ((من الطبقة العاشرة))
يوهم أن الترجمة من ((تقريب التهذيب))، وليس كذلك، إنما هو - والله أعلم - تقليد
لابن حجر في تقريب زمن المترجَم، ومع ذلك فلا يصح، إن كان أراد ذلك، إذ إن
هذا التاريخ لرجال الطبقة الثانية عشرة.
ومما ينبغي التنبيه إليه - وقد أصبح مشهورًا -: أن لأبي يعلى مسندين: الكبير،
وهو الذي اعتمد تجريدَ زوائده الحافظُ ابن حجر في ((المطالب العالية)) الآتي ذكره،
والبوصيري في («إتحاف السادة الخِيَرة))، والصغير، وهو الذي اعتمد زوائده الهيثمي
في ((المقصد العلي))، ثم في ((مجمع الزوائد)).
لكنه في ((المقصد العليّ)) جاء في أوله بمسانيد العشرة المبشرين رضي الله عنهم،
من ((المسند الكبير))، ورمز لحديثهم أوله بحرف (ك).
(٢) وهو الذي اشتهر وعمَّ خيره ونفعُه: ((مجمع الزوائد ومنبع الفوائد)) الذي
طبعه أستاذنا الفاضل حسام الدين القدسي رحمه الله تعالى أول مرة في عام ١٣٥٢ -
١٣٥٣ في عشر مجلدات، رحمه الله تعالى، ثم تعددت طبعاته.
(٣) كذا يقول الشارح، والذي في ((الضوء اللامع)) ٥: ٢٠١: ((رتّب أحاديث
((الحلية)) لأبي نعيم على الأبواب، ومات عنه مسوّدة، فبيَّضه وأكمله شيخنا - ابن
=

٣٥٥
الأول : الصحيح
[ش]
تَمَّم(١)، وغير ذلك(٢).
وجمع شيخ الإسلام زوائد مسانيد: إسحاق، وابن أبي عمر، ومسدد،
وابن أبي شيبة، والحميدي، وعبد بن حُمَيد، وأحمد بن مَنيع، والطيالسي، في
(٣)
مجلدین(٣).
-
حجر - في مجلدين))، ونحوه في ((لحظ الألحاظ)) لابن فهد ص٢٤٠، فهو ترتيب، لا
زوائد، وقد تبيَّن صحة ذلك بصدور طبعته السقيمة في ثلاث مجلدات.
(١) كلام الحافظ السخاوي صريح أيضاً في أن الهيثمي رئَّب ((فوائد)) تمام
ترتيبًا، فإنه قال - كما قدَّمته -: ((رتَّب أحاديث ((الحلية)) .. وأحاديث ((الغيلانيات))،
و(الخِلَعيات))، و((فوائد)) تمام، و((الأفراد)) للدارقطني أيضًا على الأبواب)).
(٢) [کزوائد صحيح ابن حبان، كما سيأتي.].
انظر صفحة ٣٩٥، وهو المطبوع أكثر من مرة باسم ((موارد الظمآن)). وللهيثمي
رحمه الله أيضًا: ((بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث)) ابن أبي أسامة، طبع في
مجلدین.
(٣) وهو المطبوع باسم ((المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية)). والمذكور هنا
ثمانية، إلا أن ((مسند)) إسحاق بن راهويه لم يكن مقصودًا أصالة، إنما المقصود بدلاً
عنه: ((مسند)) الحارث بن أبي أسامة، ثم ارتأى الحافظ رحمه الله أن يضيف إليها
((مسند)) إسحاق، و((مسند)) أبي يعلى الرواية الكبيرة، فتمّ العدد عشرة مسانيد، كما
قال في مقدمته.
وقد رتَّبه رحمه الله على الأبواب الفقهية، وطريقته أنه یسوق الحدیث بإسناد
مخرجه، وقد يعلِّق عليه بشيء من عنده، ثم إنه جُرِّد من الأسانيد، وقد طُبع الأصل
والمختصر.
=

٣٥٦
الأول : الصحيح
[ش]
وزوائد («مسند الفردوس)» في مجلد(١).
وجمع صاحبنا الشيخُ زين الدين قاسم الحنفي (٢) زوائد ((سنن))
[ب]
هذا، وإن بين عمل الهيثمي في ((مجمع الزوائد))، والبوصيري في («إتحاف
الخيرة))، وابن حجر في ((المطالب العالية)) اتفاقًا في بعض الوجوه، وافتراقًا في بعضها
الآخر، وتوجد أحاديث مشتركة كثيرة جدًّا في الكتب الثلاثة، كما توجد أحاديث في
كل واحد ليست في الآخر، لهذا نقل الشيخ ابن العجمي عن الشارح قوله في ((البحر
الذي زَخَر)) ٧٦٥:٢ :
[غير أنه يقع فيه التداخل مع زوائد الهيثمي، فجرَّدتُ زوائد المسانيد المذكورة
على كتاب الهيثمي، ليكون ذيلاً له في كتاب سميته ((بغية الرائد في الذيل على مجمع
الزوائد)). وكذا جمعت زوائد سعيد بن منصور في تأليف، وزوائد ((شُعَب الإيمان))
في آخر، ولم يكمُلا.].
وللشارح أيضًا ((زوائد نوادر الأصول))، ذكره في ((حسن المحاضرة)) ١: ٣٤٢.
(١) على حاشية ك: بلغ.
(٢) [قاسم الحنفي: هو ابن قُطْلُوبُغا، وهي لفظة تركية مركبة من: قطلو
- ومعناه : المبارك - وبُغا - ومعناه: الولد -. ].
هو الحافظ الأصولي الفقيه الإمام قاسم بن قطلوبغا، المتوفّى سنة ٨٧٩ رحمه الله
تعالى، فهو من طبقة كبار وأجلاء شيوخ الشارح، كالكافِيَجي المتوفّى في العام نفسه،
ففي قوله ((جمع صاحبنا)): تجوُّز في حقّ شيخه الإمام قاسم، رحمهما الله تعالى.
وأفاد السخاوي رحمه الله في ((الضوء اللامع)) ٦: ١٨٦ أن قاسمًا أفرد هذه
الزوائد عن ظهر قلب دون مراجعة لأصولها! وهذا يدل على استحضارٍ زائد، لكن في
قول الشارح هنا: جمع زوائد سنن الدارقطني: جزم فيما شك فيه السخاوي: هل هي
زوائد متونه، أو رجاله؟.

٣٥٧
الأول : الصحيح
[ش]
الدارقطني في مجلد.
وجمعتُ زوائد ((شُعَب الإيمان)» للبيهقي في مجلد.
وكتبُ الحديثِ الموجودةُ سواها كثيرة جدًّا، وفيها الزوائد بكثرةٍ، فبلوغُها
العددَ السابقَ لا يَبْعُد. والله أعلم (١).
تنبيهات :
أحدها:
ذكر الحاكم في ((المدخل)) (٢): أن الصحيح عشرة(٣) أقسام، وسيأتي نقلُها
عنه (٤)، وذكر منها في القسم الأول الذي هو الدرجة الأولى، واختيار الشيخين:
أن يرويَه الصحابيُّ المشهورُ بالرواية، ولهُ راویانِ ثقتانٍ، إلى آخر كلامه الآتي
عنه، ثم قال: والأحاديثُ المرويَّةُ بهذه الشريطة لا يبلُغ عددُها عشرةَ آلاف
حدیث. انتھی.
وحينئذ يُعرفُ من هذا: الجوابُ عن قولِ ابنِ الأخرم، فكأنه أراد: لم
يَفُتْهما من أصحِّ الصحيح الذي هو الدرجة الأولى، وبهذا الشرط، إلا
(١) نعم، وأذكِّر القارئ والباحث في كتب الزوائد، ونحوُها كتبُ العلل: إلى
ضرورة استحضار الملاحظات التي قدمتُها ص ٢٣: من أن هذه الكتب تعطي الناظر
فيها حكمًا خاصًا على الحديث، لا حكمًا عامًا.
(٢) صفحة ٧٣، ٧٨. وسيأتي نقل كلام الحاكم بتمامه وتعليق ابن حجر عليه.
(٣) ((عشرة)): شُطب عليها في ك، وهي صحيحة.
(٤) صفحة ٥٢٦ فما بعدها.

٣٥٨
الأول : الصحيح
[ش]
القليل، والأمرُ كذلك(١).
الثاني :
لم يُدْخِل المصنفُ ((سنن)) ابن ماجه في الأصول (٢)، وقد اشتهر في عصرٍ
المصنفِ وبعدَه جَعْلُ الأصولِ ستةً، بإدخالهِ فيها.
قيل: وأولُ مَنْ ضَمَّه إليها ابنُ طاهر المَقْدِسي(٣)، فتابعه أصحاب الأطراف
[ب]
(١) ينظر ما تقدم ص ٣٤٨.
لكن لم يسلِّموا للحاكم دعواه هذه على الشيخين، فما انبنى عليها غير مسلَّم أيضًا.
(٢) وذلك في قوله السابق ص٣٤٩: ((والصواب: أنه لم يَقُت الأصولَ
الخمسةَ .. ))، وممن كان في عصر المصنف الإمام النووي واعتبر كتاب ابن ماجه
سادساً: ابن خلكان (ت٦٨١)، فإنه قال في ترجمة ابن ماجه ٤: ٢٧٩: ((كتابه في
الحديث أحد الصحاح الستة))، فزاد وصفها بـ: الصحاح، وسأنقله في نوع الحديث
الحسن ٣: ٣٤.
(٣) المتوفّى سنة ٥٠٧، وذلك في جزئه («شروط الأئمة الستة)) المطبوع مع
((شروط الأئمة الخمسة)) للحازمي، كلاهما بتحقيق وتعليق العلامة الكوثري رحمه الله
تعالى، طُبعا سنة ١٣٥٧، ثم أعاد طباعتهما مع التعليق السابق وزيادةٍ شيخنا العلامة
الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله، وطبعا سنة ١٤١٧.
وينبّه إلى حكاية الشارح لهذه الأولية بصيغة التمريض (قيل)) مع جزم الحافظ بذلك
في ((النكت)) لابن حجر ١: ٤٨٧: ((حكى ابن عساكر أن أول من أضاف كتاب ابن ماجه
إلى الأصول أبو الفضل ابن طاهر، وهو كما قال، فإنه عمل أطرافه معها، وصنَّف جزءًا
آخر في شروط الأئمة الستة فعدَّه معهم، ثم عمل الحافظ عبد الغني المقدسي كتاب
«الكمال في أسماء الرجال»، فذكره فيهم»، إلى آخر كلامه رحمه الله، وفيه فوائد.

٣٥٩
الأول : الصحيح
[ش]
والرجال والناس(١).
وقال المِزِّيُّ: كلَّ ما انفرد به عن الخمسة فهو ضعيف. قال الحسيني: يعني
من الأحاديث. وتعقَبه شيخ الإسلام بأنه انفردَ بأحاديثَ كثيرةٍ وهي صحيحة.
قال: فالأَوْلَى حَمْلُه على الرجال(٢).
الثالث:
((سنن)) النسائي الذي هو أحد الكتب الستة أو الخمسة، هي: الصغرى،
[ب]
(١) يريد: الإمام المزي - مثلاً - في ((تحفة الأشراف))، و((تهذيب الكمال))، ومن
تبعه، والناس: أي العلماء الذين يعزون الحديث إلى الستة مثلاً، أو: إلى السنن
الأربعة، فابن ماجه معهم.
(٢) كلمة المزي حكاها عنه تلميذه الحسيني في كتابه ((التذكرة بمعرفة رجال
الكتب العشرة)) في ترجمة ابن ماجه ١٦١٧:٣، وعلّق عليها بما تراه، ونقل ذلك
الحافظ في ((التهذيب)) ٥٣١:٩، وعلَّق عليه بما تراه أيضًا.
ويقال عليه أيضًا: إنه انفرد بالرواية عن رجال ثقات، سرد طائفة منهم شيخنا
محمد عبد الرشيد النعماني رحمه الله في کتابه «الإمام ابن ماجه)) ص١٩١.
وقد قال الكوثري رحمه الله في آخر مقدمته لشروط الأئمة: ((وقد اشتهر أن
الرجال الذين انفرد بهم ابن ماجه ضعاف، وإن كان بين الأحاديث التي انفرد بها
صحاح)). وذكر ابن طاهر في جزئه المذكور ص١٠١ كلامًا لأبي زرعة في مدح ((سنن))
ابن ماجه، أنكره الإمام ابن دقيق العيد في ((شرح الإلمام)) ١: ١٤٤، ١٤٥، والذهبي
في ((السير)) ١٣: ٢٧٨، وابن حجر في ((النكت على ابن الصلاح)) ١: ٤٨٦.

٣٦٠
الأول : الصحيح
[ش]
دون الكبرى، صرَّح بذلك التاج ابن السُّبكي(١) قال: ((وهي التي يخرِّجون عليها
الأطراف والرجال))، وإن كان شيخُه المِزِّي ضم إليها الكبرى، وصرح ابن
الملقِّن بأنها الکبری، وفيه نظر.
ورأيت بخط الحافظ أبي الفضل العراقي(٢): أن النسائيَّ لما صنّف الكبرى
(ت)
(١) ((رفع الحاجب)) للتاج السبكي ٧٨:٣، لكن: [تعقّبه الحافظ ابن حجر في
((تخريج أحاديث المختصر)) - ((موافقة الخُبْر)) ١: ٤٨١ - فقال: هذا حصر مردود،
فهذا شيخه المزي قد خرَّج الأطراف والأسماء على السنن الكبرى، مضافًا إلى
الصغرى. انتهى.].
ومراده بأطراف المزي: ((تحفة الأشراف))، ومراده بـ((الأسماء)): ((تهذيب
الكمال)». يعني: أن المزي اعتمد في كتابيه هذين على ((السنن الكبرى)) للنسائي مع
الصغرى.
وهذا الاستدراك من الشيخ ابن العجمي رحمه الله على التاج ابن السبكي مذكور
مستفاد من كلام الشارح بقوله ((وإن كان شيخه المزي ضمَّ إليها الكبرى)).
(٢) نحو هذه القصة في مقدمة ((جامع الأصول)) ترجمة الإمام النسائي ١: ١١٦،
وابن الأثير أسبق وفاةً من العراقي بمئتي سنة، وهي في كلام أبي علي الغسّاني الجياني
الآتي آخر هذه التعليقة، وكانت وفاته قبل ابن الأثير بأكثر من مئة سنة.
ولا يلزم من هذا الخبر أن كل ما في ((السنن الصغرى)) صحيح، فهو نفسه يعلِّل
أحاديث كثيرة فيها، ويذكر اختلاف الرواة على بعضهم.
وأنت ترى أن ابن الأثير لم ينفرد بهذا الخبر الذي فيه التصريح بأن للنسائي
كتابين في السنن: الكبرى والصغرى، بل قال به إمام المتأخرين وعمدتهم الحافظ
العراقي، وهو صریح کلام أئمة کثیرین.
=