النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
الأول : الصحيح
[ب]
(٩٦) من رواية الأقران، فليس من المستبعد أن يقال: لم يطلع أبو زرعة على كتاب
البخاري، أما كتاب مسلم فاطلع عليه، وانتقد روايته عن أحمد بن عيسى، وأسباط
ابن نصر، وقَطَن بن نُسَير، لكن مسلمًا أجاب عن ذلك، وبيَّن أنه ما روى عنهم إلا ما
علا إسنادهم فيه، وقال: ((أصل الحديث معروف من رواية الثقات))، فذكر وبيَّن
المسوِّغ له، وظهر بهذا البيان أن أصول أحاديثه كلها صحيحة.
وإذا كُنا نسوِّغ حلف أبي زرعة على ((الموطأ))، وفيه عبد الكريم أبو أمية، وعطاء
الخراساني، فكذلك نُسوِّغ حلف من حلَف على البخاري وفيه إسماعيل بن أبي
أويس، وأَسيد بن زيد الجمّال، وحلف من حلَف على مسلم وفيه هؤلاء الثلاثة.
وأعود إلى إتمام القول في أولية ((الموطأ)) فأقول:
وفي ((ترتيب المدارك)) أيضًا ١: ١٥٠ عن الإمام سفيان بن عيينة أنه قال: ((كان
مالك لا يُبْلِغُ من الحديث إلا صحيحًا، ولا يُحدِّث إلا عن ثقة))، أي: لا يقول في
حدیثٍ ما ((بلغني)) إلا إذا كان صحيحًا عنده، وسفيان: سفيان !.
وجاء في رسالة الإمام البيهقي إلى الإمام أبي محمد الجويني والد إمام الحرمين
- كما في ((طبقات)) السبكي ٥: ٨٠ - وقد ذكر البيهقي الإمام مالكًا وكتابه، قال:
((مشهور بين الحفاظ أنه لم يُودعه رواية من يُرْغَب عنه إلا روايةَ عبد الكريم أبي أمية،
وعطاءِ الخراساني، فقد رغب عنهما غيره)).
قلت: حديث عبد الكريم في ((الموطأ)) ١: ١٥٨ (٤٦) قال: ((من كلام النبوة: إذا
لم تستحي فافعل ما شئتَ، ووضعُ اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة، وتعجيل
الفطر، والاستِيناءُ بالسَّحور)) أي: تأخيره.
وتكلم عليه ابن عبد البر في ((التمهيد)» ٢٠: ٦٧ طويلاً، ومما قاله: ((لم يُخرج
عنه حكمًا في ((موطئه))، وإنما ذكر فيه ترغيبًا وفضلاً)) ثم قال: ((أما الأحاديث التي ذَكَر
عنه مالك فصحاح مشهورة جاءت من طرق ثابتة)) ثم ذكر بعضها.
وأما عطاء الخراساني: ففي ((الموطأ)) ١: ١٤٩ (١٨): ((مالك، عن عطاء
=

٢٨٢
الأول : الصحيح
[ب]
الخراساني: أنه سمع سعيد بن المسيَّب قال: من أجمعَ إقامةً أربع ليال وهو مسافر: أتمّ
الصلاة)). روى له هذا النقلَ عن سعيد فقط، وأيَّده مالك بقوله: ((وذلك أحبُّ ما
سمعتُ إليّ).
وذكر ابن عبد البر فى ((الاستذكار)) ٦: ١٠١، ١٠٢ رواية قتادة لذلك عن سعيد
ابن المسيب، وقال: «هو عندي أثبتُ ما روي في ذلك عن سعيد بن المسيب .. ))، ثم
ذكر أن لسعيد أقوالاً أخرى.
إذا علمتَ هذا فاعلم أن هذا الاستثناء من الإمام البيهقي لا يؤثر على إطلاق
الصحة على ((الموطأ))، ولهذا قال الشارح في مقدمة ((تنوير الحوالك)» ص٨
((الصواب: إطلاق أن ((الموطأ)) صحيح لا يُستثنى منه شيءٍ)).
بل في ((النكت الوفية)) ١٢٣:١: ((إن من كتَب الصحيح، وضم إليه قليلاً من
غيره، كما فعل مالك لا يخرج عن كونه صنف في الصحيح، أو في جمع الصحيح)).
فالصواب أن اعتراض مغلطاي بـ((الموطأ)) صحيح سليم، ودفاع الحافظ عن
أولية البخاري - هذا والآتي في كلام الشارح ص٢٨٤ - دفاع مَن يحمل لواء الدفاع
عن البخاري دائمًا. والله أعلم.
وبناءً على هذا: فإنه يمكن إلحاقُ غير ((الموطأ)) بالاعتراض. من ذلك: كتاب
((الآثار)) للإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
ففي ((تبييض الصحيفة بمناقب الإمام أبي حنيفة)) للشارح السيوطي رحمه الله
تعالى ص١٢٩: «قال بعض من جمع مسند أبي حنيفة: من مناقب أبي حنيفة التي انفرد
بها: أنه أول من دوَّن علم الشريعة، ورَّبه أبوابًا، ثم تابعه مالك بن أنس في ترتيب
((الموطأ))، ولم يَسْبِق أبا حنيفة أحد)). ونحوه في ((الوسائل في مسامرة الأوائل))
للسيوطي أيضًا ص١٠٢ (٧٤٦)، و((عقود الجمان)) للصالحي الشافعي ص١٨٤.
والتدوين آنذاك لم يكن فيه إلا جَمْعُ «ما في الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم
والصحابة والتابعين، وهذه هي كانت كتب الفقه والعلم والأصول والفروع بعد
=

٢٨٣
الأول : الصحيح
القرآن))، كما قال ابن تيمية رحمه الله في ((مجموع الفتاوى)) ٢٠: ٣٢٢.
وتدوين أبي حنيفة في مجال السنة هو كتاب ((الآثار)) الذي رواه عنه أربعة من
كبار أصحابه: أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وزُفَر بن الهُذَیل، والحسن بن زياد،
وفي رواية كل واحد ما ليس عند الآخر. ورواية أبي يوسف ومحمد مشهورتان، وقد
اعتمد الثانيةَ ابنُ حجر، فقال في مقدمة ((تعجيل المنفعة)) ١: ٢٣: ((الموجود من
حديث أبي حنيفة مفردًا إنما هو كتاب ((الآثار))، التي رواها محمد بن الحسن عنه،
ويوجد في تصانيف محمد بن الحسن - وأبي يوسف قبله - من حديث أبي حنيفة أشياء
أخرى».
ومشهور عمل الحافظ لكتاب ((الإيثار في معرفة رجال الآثار))، بناء على طلب
تلميذه العلامة قاسم بن قُطْلُوبُغا ذلك منه.
وأما رواية زفر بن الهذيل: فقد ذكرها أبو نصر ابن ماكولا في كتابه ((الإكمال)) ٣:
٣٩ فقال: ((الجَصِّيني ... هو أحمد بن بكر بن سيف أبو بكر الجَصِّيني، ثقة، يميل إلى
أهل النظر، روى عن أبي وهب، عن زفر بن الهذيل، عن أبي حنيفة كتاب
((الآثار)) .. )).
وأما رواية الحسن بن زياد: فذكرها الدارقطني في ((المؤتلف والمختلف)) ٢:
٦٨٩، قال: ((محمد بن إبراهيم بن حُبَيش البغوي، حدث عن محمد بن شجاع
الثلجي، عن الحسن بن زياد، عن أبي حنيفة بكتاب ((الآثار)). [و]عن عباس الدوري
وغيرِهِ، لم يكن بالقوي)). وكانت وفاة ابن حُبَيش هذا سنة ٣٣٨، كما في ((لسان
الميزان)) (٦٣٤٤).
لكن أعاد الحافظ ترجمة هذا الرجل بعد (٦٣٥٣)، وجعل بین الحسن بن زياد
وأبي حنيفة واسطة، هو محمد بن الحسن، مع أنه لا واسطة بينهما.
والخلاصة: أن الإمام أبا حنيفة شارك في أسبقية التدوين، كما جاء في كلام
الذهبي في («تاريخ الإسلام)» ٧٧٦:٣، ذكر فيه الإمامَ مع الأئمة الآخرين السالف
=

٢٨٤
الأول : الصحيح
[ش]
حنبل، وتلاه الدارمي.
قال العراقي(١): والجواب أن مالكًا لم يُفْرِد الصحيح، بل أدخلَ فيه
المرسَل، والمنقطع، والبلاغات، ومن بلاغاته أحاديثُ لا تُعرَف، كما ذكره
ابن عبد البر(٢)، فلم يُفْرِد الصحيح إذًا.
وقال مُغْلَطاي: لا يحسُن هذا جوابًا، لوجودِ مثلٍ ذلك في كتاب
البخاري(٣).
وقال شيخ الإسلام(٤): كتاب مالك صحيح عنده وعند من يُقُلِّدُه، على ما
اقتضاه نَظَره من الاحتجاج بالمرسل والمنقطع وغيرهما، لا على الشرط الذي
(ت)
ذكرهم: ابن جريج، وابن أبي عروبة، والثوري ... ، فينظر، وقد نقلت أوله ص
٢٧٠. والله أعلم.
وينظر أيضًا كتاب شيخنا العلامة الشيخ محمد عبد الرشيد النعماني رحمه الله
تعالی «الإمام ابن ماجه و کتابه السنن)) صفحة ٥٨.
(١) في ((التقييد والإيضاح)) ١: ٢٣٤، وانظر ما نقلته قريبًا ص ٢٧٢ عن ((النكت
الوفية)) ١٢٣:١.
(٢) في ((تجريد التمهيد)) أو ما يسمى ((التقصِّي)) ص٢٤٩، ٢٥٣ - ٢٥٤، وهي
أربعة أحاديث، وسيذكرها الشارح في الحديث المعضل، تحت عنوان: فائدة ٣:
١٩٤، وانظر كلمة ابن عيينة السابقة ص٢٨١.
(٣) (إصلاح كتاب ابن الصلاح)) ٢: ٦٢ - ٦٣.
(٤) النقل عن ((النكت الكبرى)) والله أعلم، ومعناه في ((النكت)) له ١: ٢٧٨،
وفي ((النكت الوفية)) للبقاعي ١: ١١٠.

٢٨٥
الأول : الصحيح
[ش]
تقدَّم التعريفُ به(١).
قال: والفرقُ بين ما فيه من المنقطع، وبين ما في البخاري: أن الذي في
((الموطأ)) هو كذلك مسموعٌ لمالك غالبًا(٢)، وهو حجةٌ عنده، والذي في
(١) ولمُغْلطاي - ومن يوافقه - أن يقول: وما هو المسوِّغ العلمي للإلزام
بالتعريف المتقدم، إنما المطلوب الصحة، ولا كلام.
(٢) قلت: في هذه الدعوى من الحافظ على الإمام مالك نظر طويل، وخلاصة
الدعوى: أن غير المتصل عند مالك سمعه هكذا غيرَ متصل، وغيرُ المتصل عند
البخاري هو متصل عنده، ذكره غير متصل تخفيفاً واختصاراً.
وبيان النظر في هذه الدعوى على مالك من كلام إمامين كبيرين متعاصرين،
الأول ابن حبان في ((صحيحه)) ٩: ٥٩١ (٥١٨٥) - من ((الإحسان)) عقب حديث:
((الشُّفْعة فيما لم يُقْسَم)) - قال: ((رفع هذا الحديثَ عن مالك أربعة أنفس: الماجشون،
وأبو عاصم، ويحيى بن أبي قتيلة، وأشهب بن عبد العزيز، وأرسله عن مالك سائر
أصحابه، وهذه كانت عادةً لمالك، يرفع في الأحايين الأخبار، ويوقفها مراراً،
ويرسلها مرة، ويسندها أخرى، حسب نشاطه، فالحكم أبداً لمن رفع عنه وأسند،
بعد أن يكون ثقة حافظاً متقناً».
والثاني: الدارقطني، قال في ((العلل)) ٦ (٩٨٠) في حديث رواه الليث بن سعد،
من طريق ابن المسيب، عن معاذ، ورواه مالك عن سعيد بن المسيب من قوله، لم
يذكر معاذاً، قال الدارقطني: ((من عادة مالك إرسال الأحاديث وإسقاط رجل))، ومن
لازم قوله ((إسقاط رجل)): أن يكون هذا الرجل معلوماً عند مالك، وإلا فكيف يَنْسُب
إليه إسقاطَه؟ !.
ومن أمثلة ذلك: ما يأتي في أول النوع الحادي عشر: المعضل ٣: ١٩٢، وأواخر
=

٢٨٦
الأول : الصحيح
ثم مسلم،
[ش]
البخاري قد حذفَ إسناده عمدًا لقصد التخفيف، إن كان ذَكَره في موضع آخر
موصولاً، أو لقصد التنويع، إن كان على غير شرطه، ليُخْرِجَه عن موضوع
كتابه، وإنما يذكر ما يذكر من ذلك تنبيهًا واستشهادًا واستئناسًا وتفسيراً لبعضٍ
آياتٍ، وغير ذلك مما سيأتي عند الكلام على التعليق، فظهر بهذا أن الذي في
البخاري لا يُخْرِجه عن كونه جَرَّد فيه الصحيح، بخلاف ((الموطأ)).
وأما ما يتعلَّق بـ((مسند)) أحمد والدارمي: فسيأتي الكلام فيه في نوع الحسن
عند ذكر المسانيد(١).
(ثم) تلا البخاريَّ في تصنيف الصحيح (مسلم) بنُ الحجَّاج تلميذُه.
[ب] -
النوع الثامن عشر: المعلل ٣: ٣٧٢: رواية مالك في ((موطئه)) ٢: ٩٨٠ (٤٠) بلفظ:
((مالك: أنه بلغه: أن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((للمملوك
طعامه وكسوته بالمعروف))، ونقل الشارح عن العراقي في ((التقييد والإيضاح)) ١ :
٤١٥ أن مالكاً وصله خارج ((الموطأ)) عن محمد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي
هريرة، فكون مالك ذكره بلاغاً في ((الموطأ)) لا يعني أن الحديث عنده كذلك معضلاً،
كما يقوله الحافظ في كلامه المذكور. والله أعلم.
وقد نبّه إلى هذه العادة من الإمام مالك من المتأخرين: البلقيني، قال في
((محاسن الاصطلاح)) ص٣٩٩: ((وأما حذف زيادة مشكوك فيها: فهذا شائع، كان
مالك يفعله كثيراً، تورُّعاً، بل كان يقطع إسناد الحديث إذا شك في وصله)). والمثال
الذي قدَّمته لا علاقة له بالشك. والله أعلم، والغالب أن علاقته بالتخفّف والاختصار،
وسينقل الشارح قول البلقيني في النوع السادس والعشرين آخر الفرع الخامس ٤: ٤٥٣.
(١) ٣ : ٥٤.

٢٨٧
الأول : الصحيح
وهما أصحُّ الكتب بعد القرآن،
[ش]
قال العراقي(١): وقد اعتُرِض هذا بقول أبي الفضل أحمدَ بنِ سَلَمة(٢): كنتُ
مع مسلم بن الحجاج في تأليف هذا الكتاب سنةً خمسٍ ومئتين! وهذا
تصحيفٌ، إنما هو ((خمسين)) بزيادة الياء والنون، لأن في سنة خمس كان عُمُرُ
مسلمٍ سنةً، بل لم يكن البخاريُّ صنف إذ ذاك، فإن مولده سنة أربع وتسعين
ومئة.
(وهما أصحُّ الكتب بعد القرآن) العزيز. قال ابن الصلاح (٣): وأما ما رُوِيناه
(١) في ((التقييد والإيضاح)) ٢٣٥:١.
(٢) هو أبو الفضل أحمد بن سلمة بن عبد الله البزاز النيسابوري، كان رفيق
مسلم في الرحلة، وفي تأليف ((صحيحه)) مدة خمس عشرة سنة، وله ((مستخرج على
صحيح مسلم))، وشارك مسلمًا في جُلٌّ وجلَّة شيوخه، وتوفي سنة ٢٨٦.
وكأن مسلمًا صنف ((الصحيح)) من أجله، قال الخطيب أول ترجمته في ((تاريخ
بغداد)» ٥: ٣٠٢: ((جمع له مسلم الصحيح على كتابه))، فإياه يعني مسلم بقوله في
مقدمة ((صحيحه)): ((أما بعدُ فإنك - يرحمك الله بتوفيق خالقك - ذكرتَ أنك هممتَ
بالفحص عن تعرُّف جملة الأخبار المأثورة .. )».
وإياه ومسلمًا يعني أبو عَوَانة بقوله في مواضع كثيرة في ((مستخرجه على صحيح
مسلم)): ((من هنا لم يخرجاه))، كما سيأتي نقله عن الحافظ ابن حجر عند الكلام على
المستخرجات صفحة ٤١٣.
(٣) ((المقدمة)) ص١٤، وذكر اللفظ الأول فقط، وأشار إلى لفظ آخر، ثم أملاه
على طَلَبته، ولفظُه كما ذكره الشارح، لأن الأول لا يفيد المطلوب، قال في ((النكت
الوفية)) ١: ١١١: ((لأن أكثرية الصواب يمكن أن تحمل على استنباط الفقه أو غير ذلك
مما لا يرجع إلى صحة جميع ما ساقه من الحديث))، ولذلك أملى اللفظ الثاني، وجاء
=

٢٨٨
الأول : الصحيح
[ب]
به الشارح، واقتصر عليه العراقي في ((شرح ألفيته)) ص١٤، والسخاوي في ((فتح
المغيث)) ١ : ٤٦، فلم يذكرا اللفظ الذي ذكره ابن الصلاح أولاً.
وأقول: للشافعي رحمه الله أربع كلمات في ((الموطأ))، ثنتان منها رواهما عنه
يونس بن عبد الأعلى، وثنتان رواهما عنه هارون بن سعيد الأَيْلي، انظرها في
((التمهيد)) ١: ٧٦ - ٧٩، وللإمام عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله كلمة خامسة،
أسندها إليه ابن عبد البر في ((التمهيد)) ١: ٧٨، وفي ((الاستذكار)) ١: ١٦٦، وكلها
يطرأ عليها الاحتمال الذي نقلته عن ((النكت الوفية)).
أما التصريح بالأصحية في كلام الإمام الشافعي: فرأيته في ((مناقب الشافعي))
للبيهقي ١: ٥٠٧، و((ترتيب المدارك)) للقاضي عياض ١: ١٩١، بالإضافة إلى ألفاظ
أخرى عن الإمام نفسه، ورأيت ابن حبان أسند إلى الإمام عبد الرحمن بن مهدي في
مقدمة ((المجروحين)) ١: ٤٢ قوله: ((ما نعرف كتابًا في الإسلام بعد كتاب الله عز وجل
أصح من ((موطأ)) مالك، ولا تعارض بين قوله هذا، وأقواله التي أشرت إليها قبل
قليل، بل تحمل على التعدد.
وقد فسَّر ابن تيمية رحمه الله تعالى في ((مجموع الفتاوى)) ٢٠: ٣٢٢ كلمة
الشافعي الأولى بأن ترجيحه لكتاب مالك، إنما هو ترجيح له على الكتب الأخرى
المصنفة في عصره وقبله بقليل، فإنه ذكر مصنفات ابن جريج، وابن أبي عروبة،
وحماد بن سلمة، ومعمر، وابن المبارك، وابن وهب، ووكيع .. ، قال: ((وغير
هؤلاء، فهذه الكتب التي كانوا يعدُّونها في ذلك الزمان هي التي أشار إليها الشافعي
رحمه الله فقال: ليس بعد القرآن كتابٌ أكثرَ صوابًا من ((موطأ)) مالك، فإن حديثه أصح
من حدیث نظرائه .. )).
وكذلك قال ابن حجر في ((مقدمة الفتح)) ص١٠: ((إن الشافعي أطلق على
((الموطأ)) أفضلية الصحة بالنسبة إلى الجوامع الموجودة في زمنه، كـ((جامع سفيان
الثوري)) و((مصنف حماد بن سلمة)) وغير ذلك))، وتقدم نحو هذا عنه ص٢٧٩.

٢٨٩
الأول : الصحيح
والبخاريُّ أصحُّهما وأكثَرُهما فوائدَ، وقيل: مسلمٌ أصحُ. والصوابُ الأولُ.
[ش]
عن الشافعي - من أنه قال: ما أعلمُ في الأرض كتابًا أكثرَ صوابًا من كتاب
مالك، وفي لفظٍ عنه: ما بعد كتابِ الله أصحُّ من ((موطأ)» مالك -: فذلك قبل
وجود الکتابین(١).
(والبخاريُّ أصحُّهما) أي: المتصلُ فيه دون التعليقِ والتراجِمِ(٢) (وأكثَرُهما
فوائدَ) لما فيه من الاستنباطات الفقهية، والنُّكَت الحُكْمية، وغير ذلك.
(وقيل: مسلمٌ أصحٌ(٣). والصوابُ الأولُ) وعليه الجمهور (٤)، لأنه أشدُّ
[ب] -
(١) هذا الجواب قاله ابن الصلاح، وتُوبع عليه كثيراً، وفيه نظر، فإنه جزمٌ في
أمر مغيَّب، فما يدرينا لو أن الشافعي رأى الصحيحين: هل يرجّحهما على ((الموطأ))،
أو يبقى على ترجيح ((الموطأ)»؟.
(٢) وذلك لأنه سمى كتابه - كما سيأتي تعليقاً صفحة ٤٥٠ -: ((الجامع المسند
الصحیح المختصر من أمور رسول الله صلی الله عليه وسلم وسننه وأيامه))، فأشار إلى
صحة المسانيد لا التعاليق والتراجم.
(٣) سيأتي قريبا انتقاد ابن حجر هذا الإطلاقَ والاختصارَ المخلّ في حكاية قول
أبي علي النيسابوري.
(٤) بل عليه الجماهير، بل عليه الإجماع، على مقتضى البحث الطويل الذي
سينقله الشارح ص ٢٩٦ عن ابن حجر في معنى كلمة أبي علي النيسابوري، لكن على
معنى: ترجيح ما في ((صحيح)) البخاري على ما في ((صحيح)) مسلم من حيثُ الجملة،
لا ترجیح کل حدیث حدیثٍ في ((صحیح) البخاري علی کل حديثٍ حديثٍ في
((صحيح)) مسلم، كما سيأتي التنبيه إليه في كلام الشارح صفحة ٤٦٤، وأصله
للزركشي ٢٦١:٢ (٦٥).

٢٩٠
الأول : الصحيح
[ش]
اتصالاً وأتقنُ رجالاً. وبيان ذلك من وجوه (١):
أحدها : أن الذين انفرد البخاريُّ بالإخراج لهم دون مسلم أربعُ مئةٍ وبضعةٌ
وثلاثون(٢) رجلاً، المتكلّم فيهم بالضعف منهم ثمانون رجلاً، والذين انفرد مسلم
بالإخراج لهم دون البخاري ستُّ مئةٍ وعشرون(٣)، المتكلّم فيهم بالضعف
[ب] -
(١) من هنا إلى آخر الوجه السادس من وجوه ترجيح البخاري على مسلم: كله
من كلام الحافظ في ((مقدمة الفتح)) ص١١ - ١٢ - مع شيء من الاختصار - و((النكت))
له ١ : ٢٨٦ - ٢٨٩، و((شرح النخبة )) ص٥٩.
(٢) هكذا في أ، د، هـ، و، ز، ط، وفي غيرها: وثمانون، وجاء على حاشية
و: ((قال السخاوي: خمسة وثلاثون. اهـ)). وأثبتُّ الأول لاتفاقه مع المصادر، فكذلك
جاء في ((مقدمة الفتح)) ص١١، و((النكت)) له ١: ٢٨٦، ومقدمة ((شرح مسلم)) لابن
الصلاح ص٧٤، ومقدمة النووي على مسلم ١: ١٦، و((المنهل الروي)) ص٣٥، نقلاً
عن الحاكم، وزادوا تحديد (البضع) بأنه أربع وثلاثون، وفي ((النكت)): خمسة
وثلاثون، وفي ((مقدمة الفتح)) كما هنا: بضع وثلاثون.
وأصل هذه الجملة للحاكم في ((المدخل إلى المستدرك))، كما قاله ابن الصلاح
والنووي، وانظر الحاشية التالية.
(٣) هكذا جاء عند ابن حجر في كتابيه المذكورين، وأما ابن الصلاح والنووي
وابن جماعة فعندهم: ست مئة وخمسة وعشرون رجلاً.
ولم أجد سابقًا لابن الصلاح في هذه الأعداد، وعمدته كلام الحاكم في كتابه
المذكور: ((المدخل إلى الصحيح))، وقد ذكر فيه رواة الصحيحين - سوى الصحابة -
مرتَبين على حروف الهجاء، مميِّزًا من اتفقا على الرواية له، ومن انفرد به كل منهما
عن صاحبه، فبلغ عددهم جملة / ٢١٢٥ / رجلاً وامرأة.
=

٢٩١
الأول : الصحيح
[ش]
منهم مئةٌ وستون، ولا شك أن التخريجَ عمن لم يُتكلّم فيه أصلاً، أولى من
التخريج عمن نُكُلُّم فیه، وإن لم یکن ذلك الكلام قادحًا.
ثانيها : أن الذين انفرد بهم البخاريُّ ممن تُكُلِّم فيه لم يُكْثِرِ من تخريج
أحاديثهم، وليس لواحدٍ منهم نسخةٌ كبيرة أخرجها كلَّها أو أكثرَها إلا ترجمةَ
عكرمةَ، عن ابن عباس، بخلاف مسلم، فإنه أخرجَ أكثرَ تلك النسخِ، كأبي
الزبير، عن جابر. وسُهَيل، عن أبيه. والعلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه. وحماد
ابن سلمة، عن ثابت، وغير ذلك.
ثالثها : أن الذين انفرد بهم البخاري ممن تُكُلُّم فيه، أكثرُهم من شيوخه
الذين لقيَهم وجالسهم، وعرف أحوالهم، واطّلع على أحاديثهم، وعرف جيِّدَها
من غيره، بخلاف مسلم فإن أكثر مَن تفرَّد بتخريجِ حديثه ممن تُكُلُّم فيه، ممن
تقدم عن عصره، من التابعين فمن بعدهم، ولا شك أن المحدِّثَ أعرفُ
بحدیث شیوخه ممن تقدّم عنهم.
واتفقا على الرواية لـ /٩٤٤/ راو.
وانفرد البخاري بـ /٤١٩/ راو.
وانفرد مسلم بـ /٧٤٨/ راوٍ.
ثم عرض الحاكم لمن روى لهم البخاري متابعة واستشهادًا من ٢١:٤ - ٤٥،
فبلغ عددهم / ٧٣/ راویًا.
وفي ٩٥:٤ - ١٨٢ ذكر من عِيْب على مسلم الرواية عنه، فبلغ عددهم /٩٨/
راويًا. وفي ١٨٧:٤ - ٢٠٧ ذكر من روى لهم البخاري ونسبوا إلى الجرح، فبلغ
عددهم /٣٥/ راويًا. والله أعلم.

٢٩٢
الأول : الصحيح
[ش]
رابعها : أن البخاري يُخْرِج عن الطبقةِ الأولى البالغةِ في الحفظ والإتقان،
ويُخرِج عن طبقةٍ تليها في التثُّت وطولِ الملازمة انتقاءً وتعليقًا، ومسلمٌ يخرج
عن هذه الطبقة أصولاً، كما قرَّره الحازمي(١).
خامسها : أن مسلمًا يرى أن للمعنعَن حكمَ الاتصالِ إذا تعاصرا وإن لم
يثبتِ اللُّقِيُ(٢)، والبخاري لا يَرَى ذلك حتى يثبت، كما سيأتي، وربما أخرج
(ت)
(١) في ((شروط الأئمة الخمسة)) ص١٥٥، وأول كلامه ص١٥١.
(٢) شريطة أن يكون اللقاء بينهما ممكنًا، ولا بدّ، واقتصر الحافظ في ((مقدمة
الفتح))، و((النكت))، و((شرح النخبة)) ص٥٩ على أن شرط مسلم هو المعاصرة بين
الراويين، ومن قبله الذهبي في ((السِّير)» ١٢: ٥٧٣، والنووي في مقدمة شرح مسلم
١: ١٤، وابن الصلاح في ((المقدمة)) ص٦٠، وتَبِعهم الشارح، وهو اقتصار مخلّ،
سلم منه ابن الصلاح في مقدمة ((شرح مسلم)) له ص٧٠، والذهبي نفسه في ((الموقظة))
ص٤٤.
وأغربُ من كلام هؤلاء كلامُ الزركشي في ((النكت)) ١٦٨:٢ (٣٩)، قال
رحمه الله - ولم يُصِب ـ: ((ومسلم يكتفي بمجرد إمكان المعاصرة))! مع أن تمام كلامه
يخالفه، وأكاد أجزم أن كلمة ((المعاصرة)) سبق قلم وذهن منه، صوابها: إمكان
اللقيّ، فمسلم يشترط مع المعاصرة إمكانَ اللقيِّ بينهما، ولا بدَّ، أما إذا لم تتوفر إلا
المعاصرة وعُلِم عدمُ إمكان اللقاء: فمسلم يعتبره منقطعًا، صرَّح بذلك في مقدمة
((صحیحه)).
وهذا لفظه رحمه الله تعالى ١: ٢٩ قال: ((إن القول الشائع المتفق عليه بين أهل
العلم بالأخبار والروايات قديمًا وحديثًا: أن کل رجل ثقة روی عن مثله حديثًا، وجائزٌ
=

٢٩٣
الأول : الصحيح
[ب]
ممكن له لقاؤه والسماع منه، لكونهما جميعًا كانا في عصر واحد، وإن لم يأتِ في
خبر قطُّ أنهما اجتمعا ولا تشافها بكلام: فالرواية ثابتة والحجة بها لازمة، إلا أن يكون
هناك دلالة بيِّنة أن هذا الراوي لم يَلْقَ من روى عنه، أو لم يسمع منه شيئًا، فأما والأمرُ
مبهم على الإمكان الذي فسَّرنا: فالرواية على السماع أبدًا حتى تكون الدلالة التي
بیَّنا».
وقد رجح الإمام المزي بقوة مذهب مسلم في (تهذيب الكمال)) ٤٣٣:٤،
وكذلك الكمال ابن الهمام في ((فتح القدير)) ٣٧٠:١ أول باب الوتر، وأما قول
الذهبي في ((السير)) ٥٧٣:١٢ عن مذهب البخاري وابن المديني ((هو الأصوب
الأقوى)): فهذا ما لا خلاف فيه: هو أصوب وأقوى لأنه أحوط، لکنه قول لا يلزم
منه تضعيف مذهب مسلم، بل هو دال على اعتماده، إذْ مفاده: هذا صواب
وقوي، وذاك أصوب وأقوى.
وعلى هذا التوجّه جاء قول الحافظ في ((هدي الساري)» ص ١٢ آخر الوجه
الخامس: ((لا يخفى أن شرط البخاري أوضح في الاتصال)»، وكرر ذلك بالحرف في
((النكت على ابن الصلاح)) ٢٨٩:١.
وقد أفردتُ هذه المسألة بمقالة يجدها القارئ الكريم ضمن ((مجموع رسائل في
علم الحديث دراية))، خلصتُ فيها إلى أن الإمامين - ومن يُذكر معهما في هذه
المسألة - إنما يتطلَّبون للحكم على الحديث بالاتصال قرينة دالة عليه، فمسلم يكتفي
بقرينة (متوسطة) الدلالة، والأئمة الآخرون يطلبون دلالة (قوية)، فسماع زيد من
عمرو حديثاً واحداً قرينة قوية كافية للحكم على عشرات الأحاديث الأخرى التي
یرویها زید بالعنعنة عن عمرو، ما دام غیر مدلس.
والمثال الواقع على ذلك سماع شعيب - والد عَمْرو - حديثاً واحداً من جده
عبد الله بن عمرو، وبناء عليه حكموا على هذه الجمهرة الكبيرة من أحاديثه عن جده
بالاتصال.
=

٢٩٤
الأول : الصحيح
[ش]
الحديثَ الذي لا تعلُّق له بالباب أصلاً، إلا ليبيِّن سماعَ راوٍ من شيخه، لكونه
أخرج له قبل ذلك معنعنًا.
سادسها : أن الأحاديث التي انْتُقِدتْ عليهما نحوُ(١) مئتي حديثٍ وعشرةِ
أحاديثَ، كما سيأتي أيضًا، اختَصَّ البخاري منها بأقلّ من ثمانين، ولا شك أن
ما قلَّ الانتقادُ فيه أرجحُ مما كَثُر.
[ب]
وكذلك سماع سعيد بن المسيب عمر بن الخطاب، ينعى على المنبر النعمان بن
مقرِّن رضي الله عنهم، بَنَوْا عليه صحة مرويات سعيد عن عمر، أحاديث وآثاراً
وأقضية كثيرة جداً.
وأثبتُّ هناك اعتماد جمهرة من الأئمة على القرائن، صححوا بها أحاديث، لولا
القرائن لكانت منقطعة، ومنهم الإمام مسلم نفسه الذي ناضل عن الاكتفاء بإمكان
اللقاء، لمّا كانت القرينة عنده ضعيفة: حكم بالانقطاع.
لكن الذي لا بدّ من التنبيه إليه هنا: أن مسلماً ما أراد البخاري وابن المديني في
كلامه الشديد اللاذع، الذي قاله في مقدمة كتابه، والله وليّ السداد والرشاد.
(١) كذا قال، ولا وجود لكلمة ((نحو)) في كلام ابن حجر. وعددُ الأحاديث
المنتقدة عليهما حدَّده الحافظ في موضع آخر من ((مقدمة الفتح))، فقال أول الفصل
الثامن ص٣٤٦: ((وعدَّة ما اجتمع لنا من ذلك مما في كتاب البخاري - وإن شاركه
مسلم في بعضه - مئة وعشرة أحاديث، منها ما وافقه مسلم على تخريجه، وهو اثنان
وثلاثون حديثًا، ومنها ما انفرد بتخريجه وهو ثمانية وسبعون حديثًا)).
وأشير هنا إلى أن هذا العدد يزيد أو ينقص بملاحظة أن من عادة الشيخين أن
يشيرا إشارة إلى حديث يرويانه ويُعِلّانه، فلا ينبغي استدراكه عليهما ويحسب مع هذا
العدد / ٢١٠ /. وتفصيل هذا يكون في البحث المفرد إن شاء الله مع المسائل السبعة.

٢٩٥
الأول : الصحيح
[ش]
وقال المصنف في ((شرح البخاري)) (١): مِن أَخَصِّ ما يرجَّح به كتابُ
البخاري: اتفاقُ العلماء على أن البخاري أجلٌّ من مسلمٍ وأصدقُ بمعرفة
الحديث ودقائقه، وقد انتخبَ علمه ولخّص ما ارتضاه في هذا الكتاب.
وقال شيخ الإسلام(٢): اتفق العلماء على أن البخاريَّ أجلُّ من مسلم في
العلوم، وأعرفُ بصناعة الحديث، وأن مسلمًا تلميذُهُ وخِرِّيجُه، ولم يزلْ
[ٹ)
(١) ((التلخيص شرح الجامع الصحيح)) ١: ٢١٥.
(٢) في ((شرح النخبة)) ص٦٠. وكلمة الدارقطني هذه رواها الخطيب في
((تاريخه)) في ترجمة مسلم ١٢٤:١٥ عن عبيدالله بن أحمد الصيرفي، عن الدار قطني،
بلفظ: ((لولا البخاري لما ذهب مسلم ولا جاء)».
قلت: كلمة الدارقطني هذه، وكلمة ابن حجر التي في الشرح: تُوهمان طول مدة
اتصالٍ مسلم وتلمذته على البخاري، وليس كذلك، بل تفسيرهما بما قاله الخطيب في
((تاريخه)) ١٢٤:١٥: ((إنما قَفَا مسلم طريق البخاري، ونظر في علمه، وحذا حَذْوه)»،
فاستفادة مسلم العظمى من البخاري كانت من كتب البخاري، لا من طول الصحبة.
ودليل ذلك: أن البخاري قدم نيسابور سنة ٢٥٠، وفيها لقيه مسلم، ووصف
مسلم احتفال علمائها وولاتها بمقدم البخاري، وفيها سأله عن حديث كفارة
المجلس، وكان مسلم حينئذٍ قد فرغ من تصنيف ((صحيحه))، وبلغ درجة الإمامة،
ولم يَطُل مقام البخاري فيها، بل جرى له ما جرى مع الذهلي، فترك البلد وخرج.
ينظر ص ٤٩٠ من ((هدي الساري)). والله أعلم.
وعلى هذا: فإن غالب الظن أن مسلمًا انتهج منهجه في ((صحيحه)) - وهو التزام
الصحة فيه - من معرفته بكتاب البخاري قبل أن يلقاه، وكذلك حذا حَذْوه في كتابه
(الکنی))، وغيرهما.

٢٩٦
الأول : الصحيح
[ش]
يستفيد منه ويتبع آثاره، حتى قال الدار قطني: لولا البخاريُّ ما راحَ مسلمٌ ولا
جاء !.
تنبيه :
عبارة ابن الصلاح(١): ورُوِّينا عن أبي علي النيسابوريِّ شيخ الحاكم أنه قال:
ما تحت أديمِ السماءِ(٢) كتابٌ أصحُّ من كتاب مسلم، فهذا، وقولُ مَن فضَّل مِن
شيوخِ المغربِ كتابَ مسلم على كتاب البخاري، إن كان المرادُ به أن كتابَ
مسلم يترجَّح بأنه لم يُمَازِجْه غيرُ الصحيح - فإنه ليس فيه بعد خُطبته إلا
[ب] -
(١) ((المقدمة)) ص١٨ - ١٩. وأبو علي النيسابوري: هو الإمام الحسين بن علي
ابن يزيد النيسابوري، أحد النقاد، ولد سنة ٢٧٧، وتوفي سنة ٣٤٩ رحمه الله، وبه
تخرَّج الحاكم صاحب ((المستدرك))، وقال فيه: لم أر مثله. وقال: هو واحد عصره في
الحفظ والإتقان والورع والمذاكرة. انظر ترجمته في ((سير أعلام النبلاء)) ١٦: ٥١.
وكلمته المذكورة جاءت باللفظ المذكور في جزء ابن منده الذي يُعرف باسم
(شروط الأئمة)) ص ٧١ - ٧٢، لكن رواها الخطيب في ((تاريخه)) ١٥: ١٢٣ عن أبي
القاسم السُّوذَرجاني، عن ابن منده، عن أبي علي، بلفظ: ((ما تحت أديم السماء أصحُّ
من كتاب مسلم بن الحجاج في علم الحديث))، وانظر ما يأتي ص٣٠٣.
ثم رأيت الآن الزركشيَّ في ((النكت)) ١٧٠:٢ (٣٩) يجعلُ ابنَ منده قائلاً ثانيًا
لهذه الكلمة، وأعتقد أنه حصل سَقَط في نسخة الزركشيِّ من ((تاريخ بغداد)»، سَقَط
اسم أبي علي في نهاية السند، فصارت الكلمة منسوبة إلى ابن منده راويها عن أبي
علي، ومثل هذا في ((توضيح الأفكار)) ١: ٤٥ - ٤٦، فكأنه ينقل عنه؟ والله أعلم.
(٢) [الأديم من السماء والأرض: ما ظَهَر. ق ــ ((القاموس)): أدم -. ].

٢٩٧
الأول : الصحيح
[ش]
الحديثُ الصحيح مسرودًا غيرَ ممزوج بمثلٍ ما في كتاب البخاري -: فهذا لا
بأس به، ولا يلزمُ منه أن كتابَ مسلمٍ أرجحُ فيما يَرجع إلى نفس الصحيح. وإن
كان المرادُ أن كتاب مسلم أصحُّ صحيحًا: فهو مردود على مَنْ يقوله. انتهى.
قال شيخ الإسلام ابن حجر(١): قولُ أبي علي: ليس فيه ما يقتضي تصريحَه
بأن كتابَ مسلمٍ أصحُّ من كتاب البخاري، خلافَ ما يقتضيه إطلاقُ الشيخ
محيي الدين في ((مختصره))، وفي مقدمة ((شرح البخاري)) له(٢)، وإنما يقتضي
نفيَ الأصحيّة عن غيرِ كتابِ مسلمٍ عليه، أما إثباتُها له: فلا، لأن إطلاقَه يَحتملُ
أن يريد ذلك، ويَحتمل أن يريد المساواةَ(٣)، كما في حديث: ((ما أظلَّت
[ب] -
(١) في ((مقدمة الفتح)) ص١٢، و((النكت الوفية)) ١: ١١٣ وما بعدها،
و((النكت)) له على ابن الصلاح ١: ٢٨١ فما بعدها، وهذا النقل ينتهي ص ٣١٣
بانتهاء كلام مسلمة القرطبي. وحكاه الحافظ في ((النكت على ابن الصلاح)) ١: ٢٨٤
عن البدر ابن جماعة، والتبريزي، أما النقل عن ابن جماعة فهو في الورقة الساقطة من
أصل النسخة المطبوعة، وهو في كلام ابن العجمي الآتي ص٢٩٩. وأما التبريزي فهو
في ((الكافي)) ص ١٣٢.
وممن فهم من كلمة أبي علي ترجيحه ((صحيح)) مسلم: الشهاب أبو محمود
أحمد بن محمد المقدسي ، (٧١٤ - ٧٦٥) رحمه الله، من تلامذة الذهبي، وترجمه
في ((المعجم المختص)) ص٣٣، وتعقّبه الحافظ بشدة، انظر كلامه في ((الجواهر
والدرر)) للسخاوي ١: ٣٨٧. وانظر ما يأتي آخر ص ٣٠٠.
(٢) مختصره: يريد به: ((إرشاد طلاب الحقائق)) ص ٥٩، و((مقدمة شرح البخاري))
الذي طبع باسم ((التلخيص)): ٢١٣:١، ومثله في مقدمة ((شرح مسلم)) ١٤:١.
(٣) في ك: ((لأن إطلاقه يحتمل ذلك أن يريد المساواة)).

٢٩٨
الأول : الصحيح
الخَضْراء
[ش]
ولا أقلَّت الغَبْراء أصدقَ لهجةً من أبي ذر)»(١)، فهذا لا يقتضي أنه أصدقُ من
جميع الصحابة ومن الصديق(٢)، بل نَفى أن يكون فيهم أصدقُ منه، فيكون
[ت)
(١) الحديث رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٢٩٣١ - ٣٢٩٣٣)، من
حديث عبد الله بن عمرو بن العاص نفسه، وأبي الدرداء، وأبي هريرة رضي الله
عنهم، وينظر تخريجها هناك، ويزاد: رواية أبي ذر، وعليّ رضي الله عنهما.
فحديث أبي ذر: رواه الترمذي أيضًا (٣٨٠٢) وقال: حسن غريب، أي لذاته،
وأحمد ٢: ١٦٣، وابن حبان (٧١٣٢)، والحاكم ٣: ٣٤٢ وقال: صحيح على شرط
مسلم، ووافقه الذهبي، كلهم من طريق مالك بن مَرثد بن عبد الله الذَّماري، عن أبيه
- وليسا من رجال مسلم - عن أبي ذر، ومالك: وثّقه العجلي (١٦٧٦)، وابن حبان
٧: ٤٦٠، وأبوه: كذلك وثقه العجلي (١٧٠١)، وابن حبان ٥: ٤٤٠.
وحديث عليّ: أشار إليه الحاكم ٣: ٣٤٤، ثم رواه ٤: ٤٨٠ وقال: على شرط
مسلم، ووافقه الذهبي، مع أن فيه شريكًا، وفيه أيضًا حلام بن جَذْل الغفاري، ذكره
ابن أبي حاتم ٣ (١٣٧٠) وسكت عنه، ورواه أبو نعيم في «الحلية)) ٤: ١٧٢ وفي
إسناده بشر - أو بشير - بن مهران الحذّاء الخصّاف، عن شريك، وبشير ذكره ابن أبي
حاتم ٢ (١٤٧٠) وقال: ((سمع منه أبي، وترك حديثه وأمرني أن لا أقرأ عليه حديثه))
ومع ذلك ذكره ابن حبان في ((الثقات)) ٨: ١٤٠ وقال: ((روى عنه البصريون الغرائب)).
فالحدیث بهذه الطرق صحيح لغيره.
(٢) ومثل هذا في ((بيان مشكل الآثار)) للطحاوي ٢: ١٢، قال: ((الذي في هذا
الحديث إثبات أعلى مراتب الصدق لأبي ذر رضي الله عنه، وليس فيه نفي غيره من
تلك المرتبة، إنما فيه نفي غيره أن يكون في مرتبةٍ من مراتب الصدق أعلى منها))،
=

٢٩٩
الأول : الصحيح
[ش]
فيهم من يساويه(١).
[ب ] -
وينظر أيضًا قول ابن حبان في ((الإحسان)) ١٦ : ٧٧.
(١) [وبعبارة أخرى نقلها عنه الغَزِّي - في حاشيته على ((شرح الألفية)) للعراقي
١١/ ب - وهي أوضح، وهي: ((أن المنفي إنما هو ما تقتضيه صيغة ((أفعل)) من زيادة
صحةٍ في كتابٍ يشارك كتاب مسلم في الصحة يمتاز بتلك الزيادة عليه، ولم ينفٍ
المساواة. انتهى. قال الغَزي: وهو بناء على مقتضى أصل اللغة، لكن الشائع في
العرف في استعمال مثل هذا الكلام إنما هو إثبات أفضلية المذكور، (كما فهمه
الشارح هنا تبعًا لابن الصلاح والنووي وغيرهما).
((قال التفتازاني في ((شرح المقاصد)) - ٢٩٣:٥ -: والسرُّ في ذلك: أن الغالب
من حال كل اثنين هو التفاضل دون التساوي، فإذا نفي أفضلية أحدهما [لآخر] ثبتت
أفضلیة الآخر). انتھی.
((قال البدر في ((منهله)): ومن ثَم تَم الاستدلال على أفضلية أبي بكر لِمَا ذُكِر في
بعض الكتب الكلامية من قوله عليه السلام: ((والله ما طلعت الشمس ولا غربت بعد
النبيين والمرسلين على أحد أفضلَ من أبي بكر))، هذا مع أن ظاهره نفي أفضلية غير
أبي بكر من الأمم، وهو لا يستلزم نفي المماثلة لغة، لكنْ نفيها مستفاد من جهة
العرف. انتهى.
((وقال البقاعي - ١١٧:١ -: الحقُّ أن صيغة ((أفعل)) تارةً تُستعمل على مقتضى
أصل اللغة فتنفي الزيادة فقط، وتارة على مقتضى ما شاع في العرف فتنفي المساواة.
انتھی .
(وفي ((شرح الألفية)) للسخاوي - ٤٩:١ -: قال ابن القطاع في ((شرح ديوان
المتنبي)): ذهب مَن لا يعرف معاني الكلام إلى أن مثل قوله: ((ما أقلَّت الغبراء .. ))
=

٣٠٠
الأول : الصحيح
[ب]
الحديثَ: مقتضاه: أن يكون أبو ذر أصدقَ العالم أجمع. قال: وليس المعنى
كذلك، وإنما نفى أن يكون أحدٌ أعلى مرتبةً في الصدق منه، ولم ينفِ أن يكون في
الناس مثلُه في الصدق، ولو أراد ما ذهبوا إليه لقال: أبو ذر أصدق مِن كل مَن أقلَّتْ.
((والحاصل: أن قول القائل: فلان أعلم أهل البلد بفنِّ كذا، ليس كقوله: ما في
البلد أعلم من فلان بفن كذا، لأنه في الأول: أثبت له الأعلمية، وفي الثاني : نفى أن
يكون في البلد أحدٌ أعلم منه، فيجوز أن يكون فيها مَن يساويه فيه. قال: وإذا كان
لفظ أبي علي محتمِلاً لكلّ من الأمرين لم يَحسُن أن ينسب إليه الجزم بالأصحية.
انتھی .].
((البدر في ((منهله)): هو البدر ابن جماعة في ((المنهل الروي)): وكأنه - إن صح -
فهو في الورقة التي سقطت من الأصل الذي اعتمده محققه، انظر منه ص٣٣ تعليقًا.
لكني في شك كبير من عزو هذا الكلام إلى البدر ابن جماعة، فإن السخاوي
نسب معناه في ((فتح المغيث)) ١: ٥٠ إلى العز ابن جماعة، الذي تقدمت ترجمته ص
٢٠، و((المنهل الروي)) مختصر جداً لا يدخل في مثل هذه المناقشات.
وحديث («ما طلعت الشمس ولا غربت .. )): في ((منتخب مسند عبد بن حميد))
(٢١٢)، و((فضائل الصحابة)) لأحمد (١٣٥، ١٣٧، ٥٠٨)، و((كتاب السنة)) لابن أبي
عاصم، بلفظه، وبنحوه، (١٢٢٤). وفيه ضعف.
والفقرة الأخيرة من قوله ((والحاصل)) إلى آخرها: أصلها لشيخه ابن حجر - مع
تصرف فيه - في ((النكت على ابن الصلاح)) ١: ٢٨٤.
وأقول: إن كلام الحافظ هذا لبيان ما في نقل النووي وابن جماعة والتبريزي عن
أبي علي من خلل وتصرفٍ غيرِ دقيق، لا أنه مسلُّم بتساوي الكتابين، فاعتراض
الصنعاني في ((توضيح الأفكار)) ٤٨:١ على هذا البحث الطويل من ابن حجر: اعتراض
في غير محلّه.