النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
مقدمة المؤلف
أما بعد :
[ش]
(أما بعد) أَتَى بها لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان إذا خَطَب قال: أما
بعد، رواه الطبراني(١). وذِكْرُها في خُطَبه صلى الله عليه وسلم مشهورٌ في
الصحيحين(٢) وغيرهما.
[ب]
(٨٠٠٢). ونسب ابن الجوزي في ((زاد المسير)) ١: ١٢٦ هذا القول إلى ابن عباس.
وأما إسناد ابن جرير إلى قتادة - وهو واحد في الموضعين أيضًا - ففيه سعيد بن
أبي عروبة، وهو وإن كان كثير التدليس، لكنه من أثبت الناس في قتادة، على أن
عبد الرزاق رواه عن معمر، عن قتادة، فسلم الخبر.
وقد ذكر الإمام الشافعي رضي الله عنه في ((الرسالة)) (٢٤٥ - ٢٥١) سبع آيات
اقترنت فيها الحكمة بالكتاب وبالآيات، ثم قال: ((سمعت مَنْ أَرْضَى من أهل العلم
بالقرآن يقول: الحكمة سنة رسول الله .. فلم يَجُزْ - والله أعلم - أن يقال (الحكمة)
هاهنا إلا سنةُ رسول الله)) صلى الله عليه وسلم.
(١) في ((المعجم الصغير)) (٥٧١) من حديث عمرو بن تَغْلِب رضي الله عنه: أن
النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خطب قال: ((أما بعد))، وفيه صالح بن رستم
الخزاز، وهو ضعيف لكثرة خطئه. ونقل الحافظ في ((فتح الباري)) ٢: ٤٠٦ (٩٢٦)
عن ((الأربعين المتباينة)) للحافظ عبد القادر الرُّهاوي: أن المِسْور بن مَخْرمة رضي الله
عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب خطبة قال: أما بعد. قال الحافظ:
((ورجاله ثقات، وظاهره المواظبة على ذلك))، بناء على أن ((كان)) تفيد الدوام.
(٢) أورد الإمامُ البخاريُّ في ((صحيحه)) كتاب الجمعة ستةَ أحاديث (٩٢٢ -
٩٢٧) فيها كلِّها ((أما بعد))، ومسلم كتاب الجمعة ٢: ٥٩٢ (٤٣، ٤٤)، وليس فيها
كلِّها أن ذلك حصل في خطبة الجمعة إلا الرواية الثانية عند مسلم، وجاءت في أول
حديثٍ غديرِ خُمّ عند مسلم ٤: ١٨٧٣ (٣٦).
=

١٢٢
مقدمة المؤلف
[ش]
وفي حديثٍ: إنها فَصْل الخطاب الذي أُوتيه داود. رواه الديلمي في ((مسند
الفردوس)) من حديث أبي موسى الأشعري(١).
[ب] -
واستعملها النبي صلى الله عليه وسلم في كتبه، ينظر ((صحيح)) البخاري (٧)،
ومسلم ٣: ١٣٩٣ (٧٤). وينظر لزامًاً ((مصنف)) ابن أبي شيبة خاصة (٢٦٣٦٨).
(١) مرفوعًا، كما هو مقتضى عبارته هنا، وكما صرَّح به الشارح في كتابه الآخر
((الوسائل في مسامرة الأوائل)) (١١٧م)، وهو في ((الأوائل)) للطبراني (١٠٧١)
كذلك، وينظر ((الفردوس)) المطبوع؟.
وكذا صرَّح برفعه من رواية أبي موسى: الحافظُ ابن حجر في ((الفتح)) ٢: ٤٠٤،
وعزاه إلى الطبراني وتلطّف في تضعيفه، فقال هنا: ((في إسناده ضعف))، وقال
٢٢١:٨: ((فإن ثبت))، مع أنه من رواية عبد العزيز بن أبي ثابت، قال في ((التقريب))
(٤١١٤): متروك شديد الغلط!، وفيه التصريح بأن داود عليه السلام أول من قالها،
وإطلاقُه العزوَ إلى الطبراني مشعر بأنه في ((المعجم الكبير))، وليس في القسم المطبوع
منه، ولا هو في المعجمین الآخرین.
لكن عبارة الشارح في ((الدر المنثور)» ٥: ٣٠٠ صریحة بوقفه، وزاد عزوه إلى ابن
أبي حاتم، وهو بسنده ومتنه عند ابن كثير، صريحاً بوقفه على أبي موسى.
وانظر الأقوال في أول من قالها في ((الفتح)) الموضعين المذكورين، و((الوسائل))
أيضًا للشارح.
وفي الموضع الأول من ((الفتح)) آخر الصفحة تحريف من: بسندٍ واه، إلى: بسند
رواه، فيصحح.
ومن طُرف العلم ونوادره: ما كتبه العلامة الموسوعي الشيخ محمد موسى
الروحاني من علماء باكستان، المتوفى سنة ١٤١٩، في كتابه ((النجم السعد في
=

١٢٣
مقدمة المؤلف
فإن علم الحديث من أفضل القُرَب إلی ربِّ العالمين، و کیف لا یکون
وهو بيانُ طريقٍ خير الخلق، وأكرم الأولين والآخرين.
وهذا كتاب اختصرته من كتاب ((الإرشاد)) الذي اختصرتُه من ((علوم
الحديث)) للشيخ الإمام الحافظ المتقن المحقق.
[ش]
(فإن علم الحديث من أفضل القُرَب) جمع قُربة، أي: ما يُتَقَرَّب به (إلى
ربِّ العالمين، وكيف لا يكون) كذلك (وهو بيانُ طريقٍ خير الخلق، وأكرم
الأولين والآخِرِين)، والشيءٌ يَشْرُفُ بِشَرَف متعلَّقه.
وهو أيضًا وسيلة إلى كلِّ علم شرعي (١). أما الفقه: فواضحٌ، وأما التفسير:
فلأن أَولَى ما فُسِّر به كلامُ الله ما ثَبَتَ عن نبيِّه صلى الله عليه وسلم وأصحابه،
وذلك يَتَوَقَّف على معرفته.
(وهذا كتاب) في علوم الحديث (اختصرته من كتاب الإرشاد الذي
اختصرتُه من) كتاب ((علوم الحديث)) للشيخ الإمام الحافظ المتقن المحقق)
[ب] -
مباحث أما بعد))، فقد تكلم على هذه الكلمة ((أما بعد)) من مختلف العلوم، من مليون
وثلاث مئة وتسعة وثلاثين ألفاً وسبع مئة وأربعين وجهاً (١,٣٣٩,٧٤٠) !! في
/ ١٨٠/ صفحة، أصغر من صفحات هذا الكتاب، وكان عمره ثلاثین سنة، تغمده الله
تعالی برحمته.
(١) قال الإمام ابن الصلاح رحمه الله تعالى في فاتحة مقدمته: ((هو من أكثر
العلوم تَوَلُّجاً في فنونها، لا سيما الفقهُ الذي هو إنسان عيونها)). قال الحافظ ابن حجر
في ((النكت)) عليه ١: ٢٢٧: ((المراد بالعلوم هنا: الشرعية، وهي: التفسير،
والحديث، والفقه .. ))، وانظره. على أن الحديث يدخل في علوم كثيرة غير هذه
الثلاثة، كما هو معلوم.

١٢٤
مقدمة المؤلف
أبي عمرو عثمانَ بنِ عبد الرحمن.
[ش]
تقي الدين (أبي عمرو عثمانَ بنِ عبد الرحمن) الشَّهْرُزُوري(١) ثم الدمشقي (٢)
(س)
(١) ((الشَّهْرُزُوري)): [بفتح الشين المعجمة، وسكون الهاء، وضم الراء الأولى
والزاي، نسبة إلى شَهْرُزُور بلدٍ بين المَوْصِل وهَمَذان - بفتحات وذالُه معجمة - بناها
زُور بن الضحاك، فقيل: شهرزور، ومعناها: مدينة زور. كذا في ((اللباب))
-٢١٦:٢ -. وقال قاضي القضاة مجد الدين إسماعيل الحنفي في ((مختصر أنساب
الرُّشاطي)) بعد ضبطه بضم الراء : وفي الأصل - أي: أصلِ الرُّشاطي - بفتحها. قال :
ويقال: شارَزُوري، بالألف بدل الهاء. ويؤيِّد فتح الراء: أن التركيب وإن كان في
الأصل إضافيًّا، لكن العرب متى استعملتْه في النسبة أو غيرها ركَّبتْه تركيبَ مَزْج،
والمطَّرد فيه: فتح آخر الجزء الأول إذا كان حرفًا صحيحًا. ثم إن أكثر [ثلاث كلمات
غير واضحة] في هذا وفي نحو شَهْرَستان بأن قاعدة الفارسية تقديم المضاف على
المضاف إليه، والصفة على الموصوف. وأُجيب بأن ذلك قاعدة التركية، وأما
الفارسية فموافقة في ذلك للعرب. انتهى ملخصًا من ((الشذى)) [؟].].
وضُبط مطبعيًّا في ((القاموس المحيط)) بفتح الراء الأولى، وبه صرح شارحه
الزبيدي ١٢: ٢٦٨، وهو كذلك في ((معجم البلدان)) ٣: ٣٧٥ عمدة صاحب
((القاموس))، كما هو معلوم.
و((أنساب الرُّشَاطي)): هو ((اقتباس الأنوار)) لأبي محمد عبد الله بن علي اللَّخْمي
المتوفَّی سنة ٥٤٢.
وأما مختَصِرُه: فهو إسماعيل بن إبراهيم البِلْبِيسي المتوفّى سنة ٨٠٢، واسم
مختصره ((قَبَس الأنوار))، وقد ضَمَّ إلى ((أنساب)) الرُّشاطي ما عند ابن الأثير من
زياداتٍ على ((أنساب)) السمعاني، والأصل والمختصر لم يطبعا.
(٢) [دِمَشق بفتح الميم، وتكسر : قاعدة الشام. قال ابن الجَوَاليقي - ص٣٠٦ -:
أعجمي معرَّب. انتهى. فهو ممنوعُ الصرفِ حتمًا. ((ترتيب)) [؟].].

١٢٥
مقدمة المؤلف
المعروف بابن الصلاح رضي الله عنه، أُبالغُ فيه في الاختصار إن شاء الله
تعالى، من غيرِ إخلالٍ بالمقصود، وأَحرِصُ على إيضاح العبارة، وعلى الله
الكريم الاعتمادُ، وإليه التفويض والاستنادُ.
الحدیث :
[ش]
(المعروف بابن الصلاح) وهو لقبُ أبيه (١)، (رضي الله عنه(٢)، أُبالغُ فيه في
الاختصار إن شاء الله تعالى، من غيرِ إخلالٍ بالمقصود (٣)، وأَحرِصُ على إيضاح
العبارة، وعلى الله الكريم الاعتماد، وإليه التفويض والاستناد)(٤).
(الحديث) فيما قال الخطابي في ((معالم السنن)) (٥)، وتَبِعه ابن الصلاح: ينقسم
(ت)
(١) تقدمت كلمة موجزة في ترجمته صفحة ٨١.
(٢) ((ابن الصلاحِ)) [توفي سنة ٦٤١]. هكذا كتب تاريخ وفاة ابن الصلاح، وهو
غريب لا يعرف، فكلّ من ترجم للإمام ابن الصلاح رحمه الله تعالى أرَّخ وفاته سنة
٦٤٣. وابن الصلاح: أجلّ من أن يترجم له في سطر أو سطور تعليقةً في كتاب! إنما
هو إمام يستأهل الدراسة الجادّة القوية الواسعة.
(٣) تقدم صفحة ٨٢ أن الاختصار: إتيان بالمقصود كلَّه بلفظ أقل، وهذا يفيد
أنه ليس فيه إخلال ونقص. فقول الإمام النووي رحمه الله ((أبالغ في الاختصار من غير
إخلال بالمقصود)): هو من باب التأكید لا التأسيس.
(٤) كتب على حاشية ك: ((الحمد لله. بلغ صاحبه الشيخ رضي الدين عبد الجبار
قراءةً عليَّ. كتبه مؤلفه عفا الله عنه)). وعبد الجبار هذا هو القارئ.
(٥) مقدمة ((معالم السنن)) ١ : ١١، وابن الصلاح ص١١، وانظر تعليق العراقي
عليه في ((التقييد والإيضاح)) ٢١٦:١ - ٢١٧، وسيأتي نقله بعد أسطر. ولفظ الخطابي:
((حدیث صحیح، وحديث حسن، وحديث سقيم)) بدل قوله: وضعيف، وهذه مغايرة
مهمة، من أجل قول الشارح بعد قليل: ((وإنما لم يذكُر الموضوع، لأنه ليس في
=

١٢٦
مقدمة المؤلف
صحیح، وحسن، وضعيف.
[ش]
عند أهله على ثلاثة أقسام: (صحيح، وحسن، وضعيف)، لأنه إما مقبول أو مردود،
والمقبولُ إما أن يشتملَ مِن صفات القبول على أعلاها، أَوْ لا. والأول: الصحيح،
والثاني: الحسن، والمردود لا حاجة إلى تقسيمه، لأنه لا ترجيح بين أفراده(١).
واعتُرِضَ: بأن مراتبه أيضًا متفاوتة، فمنه ما يصلُح للاعتبار، وما لا
يصلح، كما سيأتي، فكان ينبغي الاهتمام بتمييز الأول من غيره.
وأجيب: بأن الصالح للاعتبار داخل في قسم المقبول، لأنه من قسم
الحسن لغيره، وإنْ نُظِر إليه باعتبار ذاته فهو أعلى مراتب الضعيف.
وقد تفاوتَتْ مراتب الصحيح أيضًا، ولم تُنَوَّع أنواعًا.
وإنما لم يَذكُر الموضوعَ لأنه ليس في الحقيقة بحديث اصطلاحًا، بل
الحقيقة بحديث اصطلاحًا))، فيقال عليه: بل: هو مندرج تحت (السقيم) كاندراج
المتروك والمضطرب والمعلل ونحوها.
والواقع أن ((الموضوع شر الأحاديث الضعيفة)) كما قال ابن الصلاح أول النوع
الحادي والعشرين، فهو من الضعيف، لكنه أدنى دَركاته، على أن السخاوي رحمه الله
قال في ((فتح المغيث)) ١: ٢٢ معلّقًا على التقسيم الثلاثي: ((أُدرج الضعيف في السنن
تغليبًا، وإلا فهو لا يُسمى سنة)). وقد يستدل لتسويغ تسميته حديثاً بما رواه مسلم في
مقدمة ((صحیحه)): «من حدّث عني بحدیث یری أنه كذب فهو أحد الكاذبين)).
(١) بل قال الخطابي عقب ما تقدم: ((فأما السقيم منه: فعلى طبقات، شرُّها:
الموضوع، ثم المقلوب، أعني ما قُلب إسناده، ثم المجهول)). وسيأتي قول
المصنف في النوع الثالث ٣: ٨٤: ((ويتفاوت ضعفه، كصحة الصحيح)). وانظر
لزامًا كلام الشارح في التنبيه الثالث والرابع من تنبيهات: الحديث المقلوب ٣:
٥١٠ فما بعدها.

١٢٧
مقدمة المؤلف
[ش]
(١)
بزعم واضعه ١١.
وقيل: الحديث صحيح وضعيف فقط، والحسن مُنْدرج في أنواع
(٢)
الصحيح (٢).
قال العراقي في ((نُكَته))(٣): ولم أَرَ من سبق الخطابيَّ إلى تقسيمه المذكور،
[ب ] -
(١) نعم، ولكن يشهد لجواز هذه التسمية قولُه صلى الله عليه وسلم الذي رواه
مسلم في مقدمة ((صحيحه)) ١: ٩ (قبل رقم ١) عن سمرة بن جندِّ والمغيرة بن شعبة
رضي الله عنهما، فرَّقهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من حدَّث عني
بحديث يُرَى أنه كذب فهو أحد الكاذبَیْنِ) فسماه حديثًا.
(٢) قد قال الإمام ابن الصلاح أول التنبيه التاسع من تنبيهات الحديث الحسن
ص٤٠: ((مِن أهل الحديث مَن لا يُفرِد نوع الحسن ويجعله مندرجاً في أنواع
الصحيح .. وهو الظاهر من كلام الحاكم أبي عبد الله في تصرُّفاته))، ثم ذكر أن
الحاكم، ثم الخطيب، ثم السِّلَفي أطلقوا الصحة على غير الصحيحين.
وعلَّق الحافظ في ((النكت)) ١: ٤٧٩ فما بعدها على هذه الجملة من ابن الصلاح
كلامًا، ونَسَب فيه إلى الحاكم وابن حبان وابن خزيمة إدراجهم الحسن ضمن
الصحيح.
وكأن ابن الصلاح يومئ بقوله: ((وهو الظاهر من كلام الحاكم في تصرُّفاته)) إلى
إهمال الحاكم الحديثَ عن (نوع الحديث الحسن) في كتابه ((معرفة علوم الحديث))،
وهذا كالصريح منه في أن الحديث الحسن عنده مندرج في الحديث الصحيح.
وأما ابن حبان وابن خزيمة: فذلك مستنبط استنباطًا من صنيعهما في صحيحيهما.
والله أعلم.
(٣) ((التقييد والإيضاح)) ١: ٢١٧.

١٢٨
مقدمة المؤلف
[ش]
وإن كان في كلام المتقدمين ذِكْر الحسن، وهو موجود في كلام الشافعي
والبخاري وجماعة، ولكن الخطابي نَقَلَ التقسيم عن أهل الحديث، وهو إمام
ثقة، فتبعه ابن الصلاح(١).
قال شيخ الإسلام ابن حجر (٢): والظاهر أن قوله ((عند أهل الحديث)) من
العامِّ الذي أُريد به الخصوص، أي الأكثر، أو الأعظم، أو الذي استقرَّ اتفاقهم
[ب]
(١) ولا يلزم من عبارة الخطابي ومتابعة ابن الصلاح له: أن يكون الخطابي ناقلاً
عمن قبله أن تقسيم الحديث ثلاثي: صحيح، وحسن، وضعيف، فقد يكون الخطابي
جمع هذه الأقسام من متفرِّق أحكامهم وأقوالهم، ولا حَرَج عليه في ذلك، فغالبُ
الأمور لها حدٌّ أعلى، وأدنى، ووسط بينهما.
وانظر كلام بعض المتقدمين الذين وَرَد في كلامهم ذِكْر الحسن - على المعنى
الاصطلاحيِّ - في التعليق على ((قواعد في علوم الحديث)) للتهانَوي رحمه الله
ص١٠١ فما بعدها.
نعم، يؤخذ على العراقي أنه نَسَب إلى الإمام الشافعي رحمهما الله تعالى
استعمال الحسن، وهو كذلك من حيثُ اللفظُ، أعني: أنه أطلق على بعض الأحاديث
لفظ (حسن) وهي مواضع قليلة جدًا، إلا أنه لم يُرِدْ المعنى الاصطلاحيَّ له.
قال الحافظ السخاوي في «فتح المغيث)) ١: ١٢٨ : ((ووُجد للشافعي إطلاقُه في
المتفق على صحته)). أو يقال: بعضُ ما أَطْلَق عليه الحسن هو من المتفق عليه - كما
قال السخاوي -، وبعضُه الآخر مما ينطبق عليه الحسن الاصطلاحي، كما قال
العراقي.
(٢) لا شيء في ((النكت)) المطبوعة، ولا ((النكت الوفية))، وهذا - كغيره - مما لا
نجده في هذين الكتابين، فإنا نُحيله على ((النكت الكبرى)). والله أعلم ..

١٢٩
مقدمة المؤلف
[ش]
عليه بعد الاختلاف المتقدِّم(١).
تنبيه :
قال ابن كثير: هذا التقسيم إنْ كان بالنسبة إلى ما في نفس الأمر: فليس إلا
صحيح وكذب، أو إلى اصطلاح المحدثين: فهو ينقسِم عندهم إلى أكثرَ من
ذلك(٢).
[س).
(١) واقتصر السخاوي في ((فتح المغيث)) ١: ٢١ على هذا الاحتمال الأخير.
(٢) ((اختصار علوم الحديث)) ص٢٢. ونحوه كلام البُلْقيني في ((محاسن
الاصطلاح)) ص ١٥١، ولفظه مع جوابه الذي ارتضاه: ((اصطلاح المحدثين في
التسمية يزيد على ذلك، كما سبق - يريد الأنواع التي عدَّدها وسَرَدها ابن الصلاح
أول ((مقدمته)) - وفي نفس الأمر: ليس إلا صحيحٌ ومقابلُه. ولعل المرادَ بالانقسام
المذكور: الاصطلاحيُّ بالنسبة إلى المراتب في الاحتجاج وعدمه في الجملة، وما يأتي
بعد ذلك تفصيل لهذه الجملة. وسيأتي في نوع الحسن أن طائفة دَرَجَتْه مع الصحيح،
وذِكْر العدالةِ والضبطِ يُخْرِجه)».
وخلاصة جوابه: أن التقسيم الثلاثي - صحيح وحسن وضعيف - تقسيم لمراتب
المقبول والمردود، وهو تقسيم إجمالي، وأما التقسيمات الأخرى فتقسيمات تفريعية
لهذا الإجمال.
وهو يتفق مع جواب الزركشي الذي نقله عنه ابن العجمي بواسطة الشارح من
((شرح ألفيته)) ((البحر الذي زَخَرَ)) ١: ٣٠٧، قال:
[قال الشارح في ((شرح ألفيته)) عقِب ذلك ما نصُّه: والتحقيق - كما قال
الزركشي - أن له أقسامًا نوعية، وأقسامًا صنْفيَّة، فتقسيمُهُ إلى صحيح، وحسن،
وضعيف : نوعيٌّ، وتقسيمه إلى مرفوع، وموقوف، وكذا، وكذا: صنفيٌّ. انتهى.].
=

١٣٠
مقدمة المؤلف
[ب]
وأقول: أصل هذا الكلام مذكور في ((النكت)) العالية، للإمام البدر الزركشي
رحمه الله ٩٣:٢ (١٤)، وقد أشار إليه الشارح إشارة في ((البحر الذي زخر)) ١: ٣٠٧
وقال: ((والتحقيق ــ كما قال الزركشي -: أن للحديث أقسامًا نوعية، وأقسامًا صنفية))،
فارتضاه ووصفه بأنه قولٌ محقَّق، لكنه وهم رحمه الله إذْ نَسَبه إلى الزركشي، إنما
الزركشي ناقل لا قائل، وأنا أنقله بتمامه ليستفاد، وليفهم.
قال رحمه الله بعد أن أورد الاعتراض بنحو ما قال ابن كثير والبُلْقيني:
(«حاول الإمام أبو يزيد عبد الصمد الديلمي في ((غاية الوصول إلى أحاديث
الرسول)) صلى الله عليه وسلم دَفْعَ هذا السؤال فقسم أقسامه - أي أقسام الحديث -
إلى قسمين: نوعية وصنفية. قال: فالنوعية ثلاثة: الصحيح، والحسن، والضعيف.
والصنفية: المسند، المتصل، المرفوع، الموقوف، المقطوع، المنقطع، إلى آخره.
قال: وابن الصلاح جعل الكل أنواعًا، ولا شك أن تقسيم الحديث إلى صحيح
وحسن وضعيف هو القسم الأول، وهو نوعيّ، وتقسيم الحديث إلى المرسَل والشاذّ
والمعلَّل وغيرها تقسيم ثانٍ، فهو القسم الصنفي.
كما إذا قلتَ: العبادة إما بدنية، أو مالية، فالبدنية: كالصلاة والصوم، والمالية:
كالزكاة، وكل واحد من البدنية والمالية ينقسم إلى أقسام أخرى، مثل: انقسام الصلاة
والصوم إلى فرض ونفل. وكذلك المالية إلى زكاة الفرض والتطوع، وإلى زكاة المال
وزكاة الفطر، وكذلك انقسام الزكاة إلى كونه من النقدين أو المواشي أو الحيوان.
فالتقسيم الأول نوعي، والثاني والثالث صنفيّ.
والتحقيق في هذه المسألة: أن نأخذ الشيءَ العامَّ الذي لا يتصوَّر فوقه أعمُّ منه،
ثم نقسمه إلى الأقسام التي تُحتَمل بالقسمة الأولية، كما نعمِد إلى الممكن ونقول:
الممكن إما جوهر أو عرض، لأنه لا يخلو من أن يكون وجوده تابعًا لمحلِّ منه أوْ لا ،
فإن كان الأول: فهو العَرَض، وإن لم يكن وجوده تابعًا لمحل: فإما أن لا يكون في
محل أصلاً: کالمجرَّدات، أو یکون في محل لیس وجوده تابعًا لمحلُّه کالجسمانيات،
=

١٣١
مقدمة المؤلف
وجوابه: أن المراد الثاني، والكلّ راجع إلى هذه الثلاثة.
ءِ
[ش]
[ب] -
کالسماء والأرض.
والأرضيات: تنقسم إلى الجماد والنبات والحيوان، وكل واحد من الجماد
والنبات والحيوان من أقسام الأرضيات.
والحيوان ينقسم إلى الإنسان والفَرَس وغيرها. فهذه كلها أقسام الأقسام.
فالقسم الأول يسمى أقسامًا نوعية، والباقي تسمى أقسامًا صنفية)). انتهى.
وبه يتضح أن الجواب للإمامِ أبي يزيد عبد الصمد الديلمي، المغمورِ الذي لم
أعثر له على ترجمة، نقله عنه الزركشي. ويتضح أيضًا مقصودهم بالنوع والصنف،
وأن النوع أعمُّ من الصنف، كما أن الجنس أعمّ من النوع، عند المناطقة.
وانظر له ((كليات)) أبي البقاء الكَفَوي ص ٨٨، ٣٣٩، ٨٨٧، وتعريف ((النوع
الإضافي)) من ((تعريفات)) السيد الشريف.
ومع ذلك فقد قال السخاوي في ((فتح المغيث)) ١: ٢١: القسم ((والنوع والصنف
والضَّرْب: معانيها متقاربة، وربما تستعمل بمعنى واحد))، وسبقه إلى هذا ابن ناصر
الدين الدمشقي في ((مجالسه)) ص٣٤١ أول المجلس ١٦، ولا يخفى أن التمييز بين
الكلمات - ولا سيما الاصطلاحية - أدقُّ وأولی.

١٣٢
الأول : الصحيح
الأول : الصّحيح
وفيه مسائل :
الأولى: في حدِّه، وهو: ما اتَّصل سنده.
[ش]
(الأول: الصحيح(١))
وهو فَعِيل، بمعنى فاعل، من الصحَّة، وهي حقيقةً في الأجسام،
واستعمالُها هنا مجاز، أو استعارة تَبَعيَّة(٢). (وفيه مسائل).
(الأولى: في حدِّه، وهو: ما اتَّصل سنده(٣)) عَدَلَ عن قول ابن الصلاح:
(١) [قال في ((شرح ألفيته)) - ((البحر)) ١: ٣١٠ -: جمعه صِحاح، بكسر أوله،
كظريف وظِراف، وكريم وكِرام، وأما صَحاح، بفتح أوله، فمفرد يُنعت به،
كصحيح، ومثله : بريء، وبَراء. انتهى.].
أصل الكلام لأبي زكريا الخطيب التِّبريزي، نقله الشارح نفسه في كتابه ((المزهر
في علوم اللغة وأنواعها)) ١: ٩٧.
(٢) إذا كان المشبّه به مشتقًا غير جامد، فاشتققنا منه كلمة واستعملناها على
سبيل المجاز: سميت هذه الاستعارة: تَبَعيَّة، وإذا كان المشبّه به جامداً واستعير لفظه
مجازًا: كانت الاستعارة أصلية.
(٣) [قال البِرْماوي - في شرح ألفيته ١ : ٧٣/أ -: أصل السند في اللغة: ما
يُستند إليه، أو: ما ارتفع من الأرض. وأخذ الاصطلاحي، وهو - کالإسناد - :
الإخبار عن المتن قولاً كان أو فعلاً، أو راجعًا إلى أحدهما أكثر مناسبة، فلذلك قال
ابن طَرِيف: أسندتُ الحديث رفعته إلى المحدِّث، فَيَحتمل أنه اسم مصدر من : أسند
يسند، أُطلق على المسند إليه، وأن يكون موضوعًا لما يُستند إليه.].
=

١٣٣
الأول : الصحيح
[ش]
((المسند: الذي يتَّصلُ إسناده))، لأنه أَخْصَرُ وأشملُ للمرفوع والموقوف(١)
[ب] -
البِرْماوي: هو شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الدائم البِرْماوي الشافعي،
نسبة إلى بِرْما من الغربية بمصر، ولد سنة ٧٦٣، وتوفي ٨٣١ رحمه الله، ترجمته في
((الضوء اللامع)) ٧: ٢٨٠ وغيره. وانظر التعليقة الآتية.
أما ابن طَريف: فهو عبد الملك بن طريف الأندلسي القرطبي المتوفَّى نحو سنة
٤٠٠، أخذ عن أبي بكر ابن القُوطِيَّة، ثم هذَّب كتابه في ((الأفعال))، كما في ((إنباه
الرواة)) للجمال القفطي ٢: ٢٠٨ و٤: ١٩٤ وغيره.
وقوله ((وأخذ الاصطلاحي)): وضع تحت الكلمة الأولى رقم (٣) علامة على
توقُّف الشيخ ابن العجمي في معنى الكلمة وصوابها، ولعلها تستقيم إذا قدَّرنا
صوابها: ومنه أُخذ الاصطلاحي، أي: من المعنى اللغوي أُخذ المعنى الاصطلاحي.
وقوله ((وهو - كالإسناد -: الإخبار عن المتن)): هكذا قال، وفيه تقدير، وتمام
الكلام: الإخبار عن طريق المتن، وهذا ذَهابٌ منه إلى أن السند والإسناد بمعنى
واحد، وقد تقدم هذا في التعاريف التي قدَّمها الشارح ص٣١ - ٣٧.
(١) ذلك أن (المسند) كلمة اصطلاحیة، يُراد بها أحدُ ثلاثة معانٍ تقدمت ص٣٢
- ٣٤، منها: ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسنادٍ ظاهره الاتصال،
وتخصيصُ ذلك بالنبي صلى الله عليه وسلم: مشعر بإخراج ما كان عن غيره من
الصحابة والتابعين.
وهذا اعتراض وجيه على عبارة ابن الصلاح لو سُلُّم أن المسند خاص بالمرفوع،
لكن قدَّم ابنُ الصلاح رحمه الله في كلامه على الحديث المسند - وهو النوع الرابع
٣: ٩٠ - تعريفَ الخطيب له بأنه: ((الذي اتصل إسناده من راويه إلى منتهاه، وأكثر ما
يُستعمل ذلك فيما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، دون ما جاء عن الصحابة
=

١٣٤
الأول : الصحيح
بالعدول الضابطين
[ش]
(بالعدول الضابطين) جمع باعتبار سلسلة السند، أي: بنقل العدل(١) الضابط،
عن العدل الضابط إلى منتهاه، كما عبّر به ابن الصلاح، وهو أوضح من عبارة
[ب]
وغيرهم)). وهو معنى ما في ((الكفاية)) للخطيب ص٢١.
ثم ذَكَر قول ابن عبد البر، والحاكم، وقال: «فهذه أقوالٌ ثلاثة مختلفة، والقول
الأول أعدل وأولى)). وهذه الجملة الأخيرة التي فيها ترجيحه القول الأول ثبتت في
طبعة ((مقدمة ابن الصلاح)) التي حققتها الدكتورة عائشة عبد الرحمن، وطَبَعَتْ معها
((محاسن الاصطلاح)) للبُلْقيني ص ١٩١، وأفادتْ أنها ثبتت في النسخة الخطية
المغربية (غ)، وهي أصل قديم جيد تاريخه سنة ٦٦١، منقول عن أصل قرئ على
مؤلفه الإمام ابن الصلاح، وفي آخره خطه.
فإذا كان ابن الصلاح يرى أن (المسند) يُطلَق على كل قول يُسنَد إلى قائله، فلا
داعي للاعتراض عليه بمثل هذا التغيير لعبارته، بل يحمل على أنه زيادة إيضاح
للمقصود من الإمام النووي رحمه الله.
(١) [المراد: عدل الرواية، لا عدل الشهادة، فلا يختصُّ بالذَّكرِ الحرِّ البالغ.
قال البرماوي في ((شرح الألفية)) - ١: ٨١ / أ -ب -: والعدالة في الشرع: ملكة مانعة
من اقتراف كبيرة، وإصرار على صغيرة. ثم قال: وتفسيرها بما سبق يتضمَّن اعتبار
البلوغ والعقل والإسلام فيمن يتصف بها، وكذا عدم المفسِّق. ثم قال: والجمهور
على عدم قبول المميِّز في الرواية والشهادة. إلخ، فليراجع. وسيأتي في النوع الثالث
والعشرين إيضاح ذلك.].
وسيأتي أول النوع الثالث والعشرين ٤: ١٣ قول الشارح رحمه الله تعالى: ((قيل:
يُقبل المميِّز إن لم يُجَرَّب عليه الكذب))، فمن خالف الجمهور وقَبِل حديث المميِّز:
إنما قبِله بشرط أنه لم يجرَّب عليه الكذب.

١٣٥
الأول : الصحيح
من غير شذوذ ولا علّة.
[ش]
المصنف، إذْ تُوهِمُ أنْ يرويَه جماعةٌ ضابطون عن جماعة ضابطين! وليس
مرادًا(١).
قيل: وكان الأخصر أن يقول: بنقل الثقة، لأنه مَنْ جَمَعَ العدالةَ والضبطَ،
والتعاريفُ تُصَان عن الإسهاب(٢).
(من غير شذوذ ولا علَّة).
فَخَرَج بالقيد الأول: المنقطع، والمُعْضَل، والمرسَلُ على رأي مَنْ لا يقبلُه.
وبالثاني: ما نَقَلَه مجهول عينًا أو حالاً، أو معروفٌ بالضعف. وبالثالث: ما نَقَلَه
مغفَّلٌ كثيرُ الخطأ. وبالرابع والخامس: الشاذَّ والمعلَّل(٣).
تنبيهات :
الأول :
حَدّ الخطابيّ(٤) الصحيحَ بأنه: ما اتَّصَل سنده وعُدَّلَتْ نَقَلَتُه. قال
[ب] -
(١) لو أن المصنف النووي قال: اتصل سنده بالعدول الضابطين، عن العدول
الضابطين: لحصل الإيهام.
(٢) على حاشية ك: ((الإسهاب: الإطناب)). ثم إن هذا كلام الزركشي في
((النكت)) له ٢: ١٠١ (١٧). لكن يبقى التعريف حينئذ بحاجة إلى تعريف (الثقة)، وأن
نقول: والثقة: هو العدل الضابط، فلا إسهاب إذًا.
(٣) [المراد بالشاذ: ما يخالف الراوي فيه من هو أكثرُ أو أرجحُ منه، لا مطلقُ
تفرُّدِ الثقة. وللمخالفة شرط يأتي. والمعلَّل: ما فيه علَّة خفيَّة قادحة. وسيأتيان.].
انظر النوع الثالث عشر ٣: ٢٧٢، والثامن عشر ٣: ٣٤٤.
(٤) [((الخطابي)): سيجيء - ٥: ٦٧ - بهامش نوع (غريب الحديث) ضبطُه
=

١٣٦
الأول : الصحيح
(س)
وترجمتُه، وأنه أبو سليمان حَمْد، بفتح الحاء وسكون الميم.].
وكلامه هذا جاء أول كتابه ((معالم السنن)) ١ : ٦. والشارح يحرص - من خلال
نقوله الآتية عمن قبله - على جعل تعريف الخطابي للصحيح تعريفًا وافيًا: جامعًا
مانعًا، مع أنه لا غَضاضة إذا لم يجئ تعريفه كذلك، إذْ مِن شأن اللاحقين أن يسدِّدوا
ويستوفوا ما يتمِّم عمل السابقين، وأقرب مثال على ذلك: تعريف الإمام البخاري
للصحابي بقوله: ((من رأى النبي صلى الله عليه وسلم))، فرجّحوا أن يقال: من لقي ...
والذي يبدو لي - والله أعلم - أنه لا حاجة إلى هذه المحاولات، فالظاهر أنه عَقَد
تعريفه على مذهب الفقهاء، لا على مذهب المحدثين، وينظر كلام الإمام ابن دقيق
العید الآتي بعد قليل.
هذا شيء، وشيء آخر يتصل بقوله ((عدِّلت نقلته))، هو: أن المراد من ((عُدِّلت
نَقَلته)) أي: نصَّ الأئمة على عدالة الراوي الناقل، وفي هذا الشرط حَيْدة عن كلام
الأئمة المتقدمين على الإمام الخطابي (٣١٩ - ٣٨٨) رحمه الله، منهم: الإمام محمد
ابن يحيىُ الذُّهْلي (١٧٢ - ٢٥٨)، فقد نقل الخطيب عنه في ((الكفاية)) ص٢٠ قوله:
((لا يجوز الاحتجاج إلا بالحديث الموصول غير المنقطع، الذي ليس فيه رجل
مجهول، ولا رجل مجروح))، هكذا أكَّد على: أن لا يكون مجروحًا.
ثم جاء ابن حبان (بعد ٢٧٠ - ٣٥٤) فقال في مقدمة ((الثقات)) ١: ١٣: ((إن
العدل: مَن لم يُعرف منه الجرح)).
وجاء بعده تلميذه الحاكم (٣٢١ - ٤٠٥) فقال في ((معرفة علوم الحديث))
ص٢٢٦: ((أصل عدالة المحدث: أن يكون مسلماً، لا يدعو إلى بدعة، ولا يُعلن من
أنواع المعاصي ما تسقط به عدالته))، ولم يشترط النصّ على التعديل، وصحح في
((مستدركه)) (١٦٤٥) حديث أبي صفوان مولى قريش وقال عنه: ((لم يعرف بجرح))،
وهو في ((ثقات)) ابن حبان ٥: ٤٤٢، وغيره وغيره.
والكلام طويل، وينظر ما كتبته في مقدمة ((مصنف)) ابن أبي شيبة ٧٧:١، أو
=

١٣٧
الأول : الصحيح
[ش]
العراقي(١): ((فلم يشترط ضبطَ الراوي، ولا السلامةَ من الشذوذِ والعلةِ)). قال:
-
(دراسات الكاشف)) ص ٦٠ حول توثيق ابن حبان للراوي، وكيف تعرف العدالة
عنده.
(١) في ((شرح ألفيته)) ص٧. وكلامه متصل ببعضه لم يُسقط الشارح منه شيئًا
ليفصل بـ(قال)، لكنه أسقط من آخره جملة متممة لغرض العراقي، وهي قوله: ((وإن
كان عدلاً)) بعد قوله: ((استحقَّ الترك))، وكأنه تعمَّد ذلك، فإن في كلامه الآتي بعد
سطر ردًّا عليه.
وخالف العراقيَّ تلميذُه ابنُ حجر رحمهما الله تعالى، فإنه لم يَرَ في كلام
الخطابي إهمالاً لشرط الضبط، بل إنه مضمَّن في قوله ((وعُدِّلت نقلته))، كما سيأتي في
نقل الشارح ص١٤١.
ونقل الشارح عنه أيضاً في ((البحر)) ١: ٣٢١ - ٣٢٢، كلاماً آخر حاصله: أن
الحافظ ابن حجر يفسِّر قوله ((عُدِّلت نقلته)) بـ: وتُّقت نَقَلته، وكأن ذلك لأنه لم يُعهد
منهم في عباراتهم إلا قولهم: فلان ثقة، ومن وُثُق فهو عدل ضابط، وهذا لفظ
الشارح، قال: (( .. ونظير ذلك ما أشار إليه الحافظ أيضًا: أن قول الخطابي ((الصحيح:
ما اتصل سنده وعدِّلت نقلته)): مُغْنٍ عن التصريح باشتراط ضبط الراوي، لأن المعدَّل
من عدَّله النقاد، أي: وثقوه، وإنما يوثقون من اجتمع فيه العدالة والضبط معًا،
بخلاف من قال: (المعدَّل) بَدَل: العَدْل، فإنه يحتاج إلى زيادة وصف الضبط)).
ومراده بمن قال ((المعدّل)»: الخطابي، فإنه قال: ((عُدِّلت نَقَلته))، ومراده بمن قال
((العدل)): هو ابن الصلاح ومن تبعه.
وقول الحافظ: ((إن المعدَّل من عدّله النقاد، أي: وثقوه)): سيأتي في الصفحة
التالية قول ابن قاسم الغزي: إن العدالة لا تستلزم الضبط، وانظر ما يأتي.
=

١٣٨
الأول : الصحيح
[ب]
-
وفي ((النكت الوفية)) ١ : ٨١ - من كلام الحافظ أيضًا - ما نصه: ((اعتراضُه على
الخطابي بأنه لم يذكر الضبط في الحدِّ: غيرُ وارد، لأن الحيثية مرعيَّة، فالمراد بعدل
الرواية عدلٌ يضبط مرويَّه، كما أن عدل الشهادة يُشترط فيه مع العدالة أن يكون
ضابطًا لما يَشهد به، فالمغفَّل متوقَّف فيه روايةً وشهادةً، وإن كان عدلاً في الدين،
فمن يكون كثيرَ الخطأ فاحشَ الغلط: لا يكون عدلاً في شهادةٍ ولا في رواية،
فالاقتصار على العدالة حينئذ كافٍ عن التقييد بالضبط، ولذا لم يعترضْه ابن دقيق
العيد)).
وقوله: ((لا يكون عدلاً في شهادة ... )): أي: بل يكون متوقّفًا في عدالته، لا أنه
مجروح العدالة، على أن هذا القول من الحافظ رحمه الله يشكل عليه قوله نفسِه مراتٍ
ومرات في كتابه ((التقريب)): فلان صدوق كثير الخطأ، فاحش الغلط، ونحوها، وهذه
الكلمات معناها: أن الرجل عدلٌ في دينه وروايته، لا متوقَّفٌ فیه.
وقوله: ((لم يعترضه ابن دقيق العيد)): أقول: نعم، لم يعترضه ابن دقيق العيد بلفظ
صريح، لكنه اقتفى أَثَره، فافتتح كلامه على الحديث الصحيح بقوله في ((الاقتراح))
ص١٨٦: ((اللفظ الأول: الصحيح، ومداره بمقتضى أصول الفقهاء والأصوليين على
عدالة الراوي العدالةَ المشترَطة في قبول الشهادة، على ما قُرِّر في الفقه)).
ثم قال عقبه دون فصل بأيّ كلمة: ((فمن لم يقبل المرسل منهم زاد في ذلك أن
یکون مسنداً».
ثم قال عقبه دون فاصل أيضًا: ((وزاد أصحاب الحديث أن لا يكون شاذًا ولا
معلَّلاً، وفي هذين الشرطين نظر على مقتضى نظر الفقهاء)). فتراه ذكر العدالةَ، ثم
الاتصال، ثم عدمَ الشذوذِ والعلةِ، ولم يتعرض للضبط، لكنه ذكر العدالة المقرَّرة عند
الفقهاء في كتاب الشهادات، وقد تقدم أعلى الصفحة نقلُ البقاعي عن ابن حجر قوله:
((المغفَّل متوقَّف فيه روايةً وشهادةً وإن كان عدلاً في الدين .. )).
فالخطابي (٣١٩ - ٣٨٨) رحمه الله، يمشي على سَنَن المتقدمين من أئمة هذا
=

١٣٩
الأول : الصحيح
[ش]
((ولا شك أن ضبطَه لا بدَّ منه، لأن مَنْ كَثُر الخطأُ في حديثه وفَحُش: استحقَّ
التَّرْك)».
قلت: الذي يظهر لي أن ذلك داخل في عبارته، وأن بين قولنا ((العدل))
و ((عدَّلوه)»: فرقًا، لأن المغفَّل المستحِقَّ للترك لا يصحُّ أن يقال في حقه: عدَّله
أصحاب الحديث وإنْ كان عدلاً في دينه(١)، فتأمَّلْ.
(ت)
الفن، وتحميلُ تعريفه للحديث الصحيح الشروطَ التي ذكرها المتأخرون تحميل لما لا
يريده، ونتج عن هذا التحميل تحويل لمفهوم العدالة، ولشروط الحديث الصحيح عن
خط الفقهاء والأصوليين المتقدمين عامة، إلى مفهومٍ مذهبي واحد، هو مذهب الإمام
الشافعي، رضي الله عنهم جميعًا، حسبما تكلم عليه في ((رسالته)) (١٠٠١).
ولا بد من الإشارة إلى أن ابن قاسم الغَزِّي نقل في ((حاشيته على شرح العراقي
على ألفيته)) ٦/آ - وسيأتي تعريف وجيز بها ص ١٤٧ - كلامَ ابن حجر الذي نقلته من
((النكت الوفية)) في الصفحة السابقة، دون تسمية له، وتعقّبه بقوله: ((فيه نظر، لأن
العدالة لا تستلزم الضبط)».
وأرى أن لا تعارض بين كلاميهما، فالتلازم الذي يريده الغزي يقتضي الاطراد،
وسيأتي ص ١٤٣ أن البقاعي لا يريد الاطراد، وذَكَر مثالين على ذلك.
(١) [فإنهم لا يعدِّلون إلا من اجتمع فيه العدالة والضبط. قال في ((شرح النخبة))
- ص٥٥ -: والمراد بالعدل: مَنْ له ملَكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة.
والمراد بالتقوى: اجتناب الأعمال السيئة من شرك أو فسق أو بدعة. انتهى.
والمروءة: بضم المَدِّيَّة، وبالهمزٍ، وتركِه مع إبدالها واوًا. (والعدالة): ملَكة
نفسانية مانعة عن اقتراف الكبائر، والصغائر الخسيسة، والرذائل المباحة، كسرقة
لقمة، وكالبول في الطريق. والمراد بالملَكة: الهيئة الراسخة في النفس، وتلك الملكة
=

١٤٠
الأول : الصحيح
هي العدالة، فإن لم تكن راسخة في النفس سُمِّيتْ: حالاً.].
قوله «بضم المدّیّة»: أي: بضم حرف الواو.
وهاهنا أمران، أولهما في قول الشيخ ابن العجمي رحمه الله: لا يعدِّلون إلا من
اجتمع فيه العدالة والضبط، فإنه إن کان یرید: لا يعدلون، أي: لا یوثقون، فصحیح،
إذْ ركنا الوثاقة هما: العدالة والضبط، لكنه يكون قد خرج عن دائرة البحث، وإن كان
يريد ظاهرَ لفظه: لا يعدلون، أي: إذا قالوا فلان عدل، فمرادهم: عدل ضابط: ففيه
نظر، فالعدل شيء، والضابط شيء آخر.
وثانيهما: في إطلاق الحافظ رحمه الله هنا (البدعة) ضمن ما يُجتنب من الأعمال
السيئة: مقيّد بقوله هناك في ((شرح النخبة)) ص ١٠٠ : ((والتحقيق: أنه لا يُرَدُّ كل مكفَّر
ببدعته، لأن كل طائفة تدَّعي أن مخالفيها مبتدعة، وقد تُبالغ فتكفِّر مخالفيها، فلو
أخذ ذلك على الإطلاق لاستلزم تكفير جميع الطوائف .. ))، إلى آخر كلامِه حيث
أشرتُ، وكلامه هناك ص١٣٦ أيضًا.
وملاحظٌ فیه قید آخر معهود معروف، هو أن لا يكون صاحبها داعية إلى بدعته،
وقد صرّح به عليّ القاري ص٢٤٨. وسيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى في
أوائل النوع الثالث والعشرين ٤: ١٢١.
وكلمة ((والعدالة)): زدتُها أخذًا من آخر كلامه الآتي، لئلا يُتُوهَّم أن قوله ((ملكة
نفسانية مانعة .. )) تعريف للمروءة، واعتمادًا على مصدره الذي ينقل منه، وهو التاج
السبكي في ((جمع الجوامع)) ٢: ١٧٤ بالحرف تقريبًا، وهو إنما يعرِّف العدالة لا
المروءة، ولفظه: ((وشَرْط الراوي: العدالة، وهي مَلَكة تمنع عن اقترافِ الكبائر،
وصغائرِ الخِسَّة، كسرقةِ لقمة، والرذائلِ المباحة، كالبول في الطريق)).
ومما يذكر ليستفاد: أنهم عرَّفوا الملكة بأنها هيئة راسخة في النفس، لكن قال
ابن قاسم العبَّادي في حاشيته ((الآيات البينات)) ٣٤٣:٣: إن ((المأخوذ من كلام الفقهاء
أن المدار على عدم ارتكاب ما ذُكر، وإن لم يكن عنده ملكة، بل بمجاهدة النفس)).