النص المفهرس
صفحات 81-100
٨ مقدمة المؤلف إلى أنْ جاء الحافظ الإمام تقيُّ الدين أبو عَمروٍ عثمانُ ابن الصلاح(١) الشَّهْرَ زُورِي (٢) نزيلُ دمشق، فجمع لما وَلِي تدريس الحديثِ بالمدرسة الأشرفية(٣) كتابَه [ب] - كلمة ((حاشية)) وإن شاع استعمال ((هامش))، ثم رأيت الحافظ العراقي استعملها في ((شرح ألفيته)) ص٦ فتعقبه البقاعي في ((النكت الوفية)) ١ : ٧٢ بكلام صاحب «القاموس)» المذكور. (١) ((ابن الصلاح)) [مخفف، من اسم والده صلاح الدين.]. يريد بـ ((مخفَّف)) مقطوعًا عن الإضافة، كما يقولون: ابن الهمام، مقطوعًا عن الإضافة، وأصله: ابن همام الدين. وصلاح الدين - والد ابن الصلاح - هو: عبد الرحمن بن موسى الشَّهْرزوريُّ الأصل، الحلبيُّ الوفاة، وكان مدرسًا بها في المدرسة الأسدية بباب قِّسْرين. قال ابن قاضي شُهْبة في ((طبقات الشافعية)) ١: ٣٨٥: ((ولد قبل الأربعين وخمس مئة .. وتوفي في حلب في ذي القعدة سنة ثماني عشرة وست مئة)) رحمه الله. ونحوه عند التاج السبكي في ((الطبقات)) ٨: ١٧٥ دون ذكر تاريخ الولادة. وهو مترجَم في ((إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء)) للأستاذ الشيخ محمد راغب الطباخ رحمه الله ٤: ٣٢٣. وأما ابنه أبو عمرو ابن الصلاح: فكانت ولادته سنة ٥٧٧ في قرية من قرى شَهرزور، واسمها شَرْخان، من توابع مدينة إربل شمالي العراق، ووفاته بدمشق سنة ٦٤٣ رحمه الله تعالی. (٢) ((الشَّهْرَزُورِيّ)) [سيجيء ضبطها بالهامش قريبًا - ص ١٢٤ -]. (٣) المدرسة الأشرفية بدمشق، موقعها في درب ابن أبي عصرون المتفرِّع ضمن سوق الحميدية، في الطريق إلى الجامع الأموي، وهي قبل دار الحديث النورية، تُنسب إلى الملكِ الأشرف مظفر الدين موسى بن الملك العادل، أحدٍ ملوك الدولة الأيوبية، افتتحها سنة ٦٣٠، وأسند مشيختها إلى الإمام أبي عمرو ابن الصلاح، فأملى بها الحديث الشريف، ومقدمته الشهيرة، وبقي في مشيختها ثلاث عشرة سنة إلى أن توفي رحمه الله تعالى، كما يُستخلص من ((الدارس)) للتُّعَيمي ١: ١٩. = ٨٢ مقدمة المؤلف المشهور(١)، فهذَّب فنونه، وأملاه شيئًا فشيئًا، واعتنى بتصانيفِ الخطيبِ المفرَّقَةِ، فجمع شَتَات مقاصدِها، وضمَّ إليها من غيرها نُخَبَ فوائدَ، فاجتمع في كتابه ما تفرَّق في غيره، فلهذا عكف الناسُ عليه، فلا يُحصَى كم (٢) ناظم له، ومختصر(٣)، ومستدرك علیه، ومقتصِرٍ، ومعارِضٍ له ومنتصِرٍ. قال(٤): إلا أنه لم يحصُل ترتيبه على الوضع المتناسب: بأنْ يذكُر ما يتعلَّق بالمتن وحده، وما يتعلَّق بالسند وحده، وما يشترِكان معًا، وما يختصُّ بكيفية التحمُّل والأداء وحدَه، وما يختصُّ بصفات الرواة وحدَه، لأنه جَمَعَ متفرِّقات هذا الفن من كتب مطوّلة في هذا الحجم اللطيف، ورأى أن تحصيله وإلقاءَه إلى وكان بين الإمام ابن الصلاح، والملك الأشرف اتفاق في رأي علميّ جمع بينهما، هو تحريم الاشتغال بعلم المنطق. (١) باسم ((مقدمة ابن الصلاح))، أو ((علوم الحديث))، واسمه الذي سماه به مؤلفه الإمام: ((معرفة أنواع علم الحديث)) كما هو في مقدمته، وكما حقَّقَه محقِّقْه العلامة الدكتور الشيخ نور الدين عتر حفظه الله تعالى، في مقدمة الطبعة الثالثة ص٤١. (٢) [قد تقرَّر أن ((كم)) بقسميها إنشائية، فلا بدَّ من انسلاخها عنه، وكونها لمجرد الكثرة، لَيَعمل فيها الفعلُ الملفوظُ به مع التقدُّم عليها، كما تنسلخ أسماء الاستفهامِ عنه، فيعملُ فيها ما قبلها إن استغنى المقام عن حقيقة الاستفهام، ويجوزُ أن يكون من باب التعليق، على قول يونس، فإنه يرى جواز تعليق سائر الأفعال.]. مذهب يونس في ((همع الهوامع)) ١: ٤٩٧، وينظر منه ٢: ٥٠١. (٣) قال عليٌّ القاري رحمه الله في ((شرحه)) ص١٤٧: ((الاختصار: الإتيان بالمقصود كلِّه بلفظِ أقلّ من الأول، والاقتصار: هو الإتيان ببعض المقاصد)). وانظر ((النكت الوفية)) ١ : ٦٧ وما بعدها لزيادة الفائدة. (٤) أي: الحافظ ابن حجر رحمه الله. وكلامه الآتي في ((النكت على ابن الصلاح)) ١: ٢٣٢، مع مغايرة لفظية يسيرة، وفيه بعض تحريفات تصحح من هنا، وله تتمة مفيدة تنظر هناك. ٨٣ مقدمة المؤلف طالبيه أهمُّ من تأخير ذلك، إلى أن تحصل العناية التامة بحسن ترتيبه. وقد تَبِعِه على هذا الترتيب جماعةٌ، منهم: المصنف، وابن كثير، والعراقي، والبُلْقيني، وغيَّه جماعةٌ: كابن جماعة، والتِبريزي، والطِيي، والزَّرْكَشي(١). (ت) - (١) هذا من كلام الشارح رحمه الله وفوائده. والمصنفُ الإمام النووي رحمه الله: تبع ابنَ الصلاح على ترتيبه في كتابيه: ((إرشاد طلاب الحقائق))، وهذا ((التقريب))، وابنُ كثير: في ((اختصار علوم الحديث))، والعراقيُّ: في ((ألفيته))، و((شرحها))، و((النكت))، والبُلْقيني: في ((محاسن الاصطلاح))، وابن التُّركماني: في ((المنتخب في علوم الحديث)، وغيرهم کثیر. والذين غيَّروا ترتيب ابن الصلاح: ابن جماعة: في ((المنهل الروي))، والطيبي: في ((الخلاصة)). أما التبريزي: ففي تلخيصه كتابَ ابن الصلاح الذي سماه («الكافي»، وهو تاج الدين علي بن عبد الله الأَرْدُبيلي - بضم الدال لا بفتحها - التبريزي (٦٦٧ - ٧٤٦)، ترجمه السبكي في ((الطبقات الكبرى)) ١٠: ١٣٧، وابن حجر في ((الدرر الكامنة)) ٣: ٧٢، وكان اشتغاله بالحديث متأخرًا: سنة ٧٢٠، وفي سنة ٧٢٢ قرأ ((المنهل الروي)) على مؤلفه الإمام ابن جماعة، كما هو واضح في مخطوطة ((المنهل))، ومن الصورة التي التقطها الأستاذ الزِّرِكْلي من المخطوطة نفسها في ((الأعلام)) ٤: ٣٠٦. وأما الزركشي: فهو بدر الدين الزركشيُّ الإمام الحافظ الفقيه الأصولي، صاحب ((النكت على ابن الصلاح))، و((البرهان في علوم القرآن))، و((البحر المحيط)) في أصول الفقه، وغيرها. والذي يبدو أن للزركشي ثلاثة أعمال اصطلاحية: المشهور منها: ((النكت على مقدمة ابن الصلاح)) وهو المطبوع. والثاني: مختصر كتاب ابن الصلاح، وهو الذي ينقل عنه الشارح في مواطن: = ٨٤ مقدمة المؤلف الرابعة: اعلمْ أن أنواعَ علومِ الحديث كثيرة لا تُعَدُّ. قال الحازميُّ في كتاب (العُجَالة)) (١): علم الحديث يشتملُ على أنواع كثيرة تبلغ مئةً، كلَّ نوعٍ منها علمٌ مستقلّ، لو أنفق الطالبُ فيه عُمُره لما أدرك نهايته. وقد ذكر ابن الصلاح منها - وتَبِعه المصنف - خمسةً وستين، وقال(٢): وليس ذلك بآخِرِ الممكِن في ذلك، فإنه قابلٌ للتنويع إلى ما لا يُحصى، إذْ لا تُحْصَى أحوالُ رواةِ الحديث، وصفاتُهم، ولا أحوالُ متونِ الحديث، وصفاتُها، وما من حالةٍ منها ولا صفةٍ إلا وهي بصددٍ أن تُفْرَد بالذِّكْر وأهلُها، فإذا هي نوعٌ [ب] - ص ٨٣، ٣: ١١٧، ٤٠٣، ٤٣٠، ٤٣٦، ٥١٢، ٥٢٤، ٥٣٢. وكأنه هو الذي يعنيه الشارح هنا بقوله: ((وغيَّره جماعة، كالزركشي))، فالنكت المطبوعة متمشِّية مع ترتيب ابن الصلاح. الثالث: النكت على هذا المختصر، وهو الذي نقل عنه الشارح في كتابه الآخر ((تحذير الخواص)) ص ١٣٥. وسيأتي في كلام الشيخ ابن العجمي ٣: ٤٣٠ نقل عن الزركشي يقول عنه: ((مثَّل الزركشي في حاشية الأصل))، فهذا يفيد ويميِّز حاشية الزركشي على الأصل - أي: على مقدمة ابن الصلاح -، عن حاشيته على مختصره لابن الصلاح. والله أعلم. (١) ((عُجَالة المبتدي)) للحازمي ص٣ ولفظه: (( .. كثيرة تقرب من مئة)). (٢) في ((مقدمته)) ص ٥ - ١٠. ويعجبني في هذه المناسبة بيتان لأبي جعفر محمد بن عبد العزیز الهاشمي الإدريسي (٥٦٨ - ٦٤٩) رحمه الله، ذکرهما ابن حجر في ترجمته في ((لسان الميزان)» (٧٠٩٨)، وهما: تَطُول، إذا عدَّدَتَهنَّ، وتكثُرُ ولم أَرَ علمًا کالحديث، فنونُه ونَفْلُ شَرَوْرَى منه عنديَ أَيْسَرُ ويحسَبُ قوم أنه النقلُ وحده وشَرَوْرَى: اسم جبل معروف بين مكة والكوفة، كما قاله أبو عبيد البكري في «معجم ما استعجم)) ٣: ٧٩٤. ٨٥ مقدمة المؤلف علی حیاله. انتهى. قال شيخ الإسلام(١): وقد أخلَّ بأنواعٍ مستعملة عند أهل الحديث: منها: القويُّ، والجيِّدُ، والمعروف، والمحفوظ، والمجوَّد، والثابت، والصالح(٢). ومنها في صفات الرواة أشياءُ كثيرةٌ، كـ: مَن اتفق اسم شيخه والراوي عنه(٣)، وكـ: من اتفق اسمه واسم شيخِه وشيخ شيخِه، أو اسمه واسم أبيه وجده، أو اتفق اسمه و کنیته، وغير ذلك. واستدرك البُلْقيني في ((محاسن الاصطلاح)) خمسةَ أنواعٍ أُخَرَ غير ما ذُكِرِ (٤). [ب] - (١) بعض هذا الكلام موجود في ((النكت)) له ١: ٢٣٤، ٤٩٠، وكأن الشارح ينقل من ((النكت الكبرى)) لابن حجر. والمهم من هذه الأنواع السبعة: معرفة المعروف، والمحفوظ، وبما أنه سوّى بين الشاذ والمنكر، فلا مؤاخذة عليه في عدم ذكره لهما، وأما الأنواع الخمسة الأخرى، فليست أنواعاً أساسية ولا كثيرة الدوران في كلام من قبله، ولولا استعمال أبي داود لكلمة (صالح) لما كان لها شهرة. (٢) وسيأتي الكلام على هذه الألقاب آخر نوع الحديث الحسن إن شاء الله ٣: ٧٧. (٣) هكذا سماه في ((النخبة)) وشرحها ص ١٣٩، وسماه في ((الفتح)) ٢٠٤:٦ (٣٠٩٤): ((تشابه الطرفين)). (٤) وهي: رواية الصحابة بعضهم عن بعض، ورواية التابعين بعضهم عن بعض، ومن اشترك من رجال الإسناد في فقه أو بلد أو إقليم أو علم، وأسباب ورود الحديث، والتاريخ المتعلق بالمتون. وقد تكلم عليها وأسهب في بعضها، رحمه الله، وجاء ذلك آخر (محاسن الاصطلاح))، من ص ٦٨٠ - ٧٤٠. أما تلميذه البدر الزركشي رحمه الله - وهو الذي عناه الحافظ في ((النكت)) آخر الفقرة ١٥ -: فتكلم على الزوائد على ابن الصلاح أول ((النكت)) له ٢: ٥٨ (١٢)، = ٨٦ مقدمة المؤلف [ب] فذكر ثلاثة عشر نوعًا، منها: هذه الخمسة، وواحد أدرجه البلقيني تحت ((التاريخ المتعلق بالمتون))، وهو معرفة الأوائل والأواخر، فهذه ستة، السابع: من لم يرو إلا عن شخص واحد، ثم رواية الصحابة عن التابعين، ثم معرفةُ تفاوتِ الرواة كقولهم: فلان دون فلان، ثم معرفة الأصح، ثم الجمع بين معنى الحديث ومعنى القرآن، ثم الكلمات المفردة التي اخترعها النبي صلى الله عليه وسلم كقوله: حَمِي الوَطِيس، ثم معرفة الأماكن واختلافها وضبط أسمائها. وزاد الحافظ ابن ناصر الدين رحمه الله في ((مجالسه في تفسير قوله تعالى: ﴿لقد منَّ الله على المؤمنين))) ص ٢٨٦، ٤٢٢، ٤٤٣ نوعين آخرين: ذِكْر مَن له نسب، يستقيم إذا انقلب، مثل: أبو نصر عمر بن محمد بن عمر أبي نصر الفارسي. وذكر له أمثلة، و: الأنباء المسيّرة في الأسماء المغيّرة، مثل: عبد الله بن عمرو بن العاص، كان اسمه: العاص بن عبد الله بن العاص، فغيّر النبي صلى الله عليه وسلم اسمه إلى عبد الله. وقد استقرأ الشارح رحمه الله زيادات ابن حجر في ((النخبة))، وأضافها - مع إضافات أخرى - بعد النوع الخامس والستين، فتنظر هناك. كما أنه توجد إيماضات لطيفة في ((الموقظة)) للذهبي، أهمها نوع الحديث المطروح، وهو في ((النخبة)) عند ابن حجر: الحديث المتروك، وقد ألحقه الشارح هنا أواخر الحديث المقلوب ٣: ٥١٠. والله أعلم. ومما تتعيَّن زيادته على هذه الأنواع: الحديث القدسي، ويستغرب كيف فاتهم ذكره! مع كثرة مؤلفاتهم فيه، ودورانه في الكتب كلها من: الجوامع، والسنن، والمسانيد، إلى آخر ما هنالك. وكنت جمعت مئة حديث قدسي: ((من صحاح الأحاديث القدسية))، وشرحتها، وطبعت ذلك للمرة الأولى سنة ١٤١١، في مجلد، وقدمت له مقدمة فيها: ١ - تعريف الحديث القدسي. = ٨٧ مقدمة المؤلف وسيأتي إلحاقُ كلِّ ذلك إن شاء الله تعالى. وقد ذَكَر ابن الصلاح أيضًا أحكامَ أنواعٍ في ضمنِ نوعٍ مع إمكانِ إفرادِها بالذِّكْر، كذِكْره في نوع المعضَل أحكامَ المعلِّق والمعنعَن، وهما نوعان مستقلان أَفْرَدَهما ابنُ جماعة (١)، وذكر الغريب والعزيز والمشهور والمتواتر في نوع واحد، وهي أربعة. ووقع له عكسُ ذلك، وهو تعدُّد أنواعٍ وهي متحدة، والمصنفُ تابعٌ له في كل ذلك، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وهذا حين الشروع في المقصود، بعون الملك المعبود. فأقول: [ب] - - ٢ - وشرحت مسألتين تتعلقان به: الأولى: هل يشترط في کونه قدسیًا أن یکون کله منسوبًا إلى الله تعالى، کحديث: ((أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأتْ، ولا أُذُن سمعت ... ))؟ أو يكفي لتسميته قدسیًا أن یکون فيه جملة أو جملتان منسوبتین إلی الله تعالى؟ کحديث: «ينزل ربنا کل ليلة إلى سماء الدنيا فيقول ... ))؟. الثانية: هل الحديث القدسي: لفظه ومعناه من الله تعالى؟ أو معناه فقط؟ وأذكر هنا خلاصة موجزة جدًّاً لما هو مفصّل هناك. أما تعريفه فهو: كل قول صريح يروبه النبي صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل، وتنظر هناك محترزاته. وأما المسألة الأولى: فنعم، يكفي لتسمية الحديث حديثًا قدسيا أن ينسب فيه جملة فأكثر إلی الله تعالى، لا كلّه. وأما المسألة الثانية: فالتحقيق فيها أن لفظ الحديث القدسي ومعناه من الله تعالى، وهو في هذا الاعتبار كالكتب السماوية: التوراة والإنجيل والزبور، قبل التحريف، وتنظر هناك المناقشة والأدلة. (١) انظر النوع الحادي عشر عند ابن الصلاح ص٦٥، وص ٤٨، ٤٩ من «المنهل الروي)). ٨٨ مقدمة المؤلف بسمالله الرحمن الرحيم [ش] أخبرني شيخُنا شيخُ الإسلام والمسلمين قاضي القضاة علمُ الدين صالحُ ابنُ شيخ الإسلامِ سراج الدين عمرَ بنِ رَسْلانَ البُلْقينيُ(١)، وغيرُ واحد، إجازةً [س). (١) ((البُلْقيني)) [سيجيء ضبطه بالهامش قريبًا . - ص٢٢٤ -. ]. وهنا ذَكَر ابنَ البلقيني، وهناك سيذكر أباه. أما عَلَمُ الدين هذا: فقد نَعَتَه الشارح في ((حسن المحاضرة)) ١: ٤٤٥ بقوله: ((تفرَّد بالفقه، وأخذ عنه الجمُّ الغفير، وألحق الأصاغر بالأكابر، والأحفاد بالأجداد .. ، قرأت عليه الفقه، وأجازني بالتدريس، وحضر تصديري، وأفردت ترجمته بالتأليف، مات يوم الأربعاء خامس رجب سنة ثمان وستين وثمان مئة))، وأَرَّخ ولادته أولاً سنة إحدى وتسعين وسبع مئة. وتراه يقول: قرأتُ عليه الفقه، فلذلك قال هنا: أخبرني إجازة، فكأنه لم يقرأ عليه علوم الحديث. وإنما اختار الشارح هذا الإسناد لعلوِّ، فالبلقيني توفي سنة ٨٦٨، وشيخه أبو إسحاق التنوخي ولد سنة ٧٠٩، وتوفي سنة ٨٠٠، كما في ((الدرر الكامنة)) ١: ١١، و((طبقات القراء)) لابن الجزري ١: ٧. وأما أبو الحسن ابن العطار: فهو علي بن إبراهيم، المولود سنة ٦٥٤، والمتوفَّى سنة ٧٢٤، وهو الذي رب (فتاوى)) شيخه الإمام النووي، کما هو مشهور. فيكون عُمُرُ الشارح سنة وفاة شيخه البُلْقيني ١٩ سنة كاملة، لأن ولادته كانت مستهلَّ شهر رجب، من عام ٨٤٩، وعُمُرُ البلقيني سنة وفاة شيخه التنوخي ٩ سنوات = ٨٩ مقدمة المؤلف [ش] منهم، كلَّهم عن أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد التّنُوخِيِّ، أن أبا الحسن ابن العطار الدمشقيَّ أخبره قال: أخبرني شيخ الإسلام الحافظ أبو زكريا النواوي قال: (بسم الله الرحمن الرحيم) أي: أبدأُ، امتثالاً لقوله صلى الله عليه وسلم: ((كلُّ أمرٍ ذي بالٍ لا يُبدأُ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطعُ)، رواه الرُّهاويُّ في ((الأربعين)) من حديث أبي هريرة(١)، وتصديرُ النبيِّ صلى الله عليه أو دونها بسنة. وعُمُر التنوخي سنة وفاة شيخه ابن العطار نحو ١٥ سنة، وعُمُرُ ابنٍ العطار سنة وفاة شيخه النووي ٢٢ سنة. ولذلك اختار الشارح هذا الإسناد، فقد كان بين وفاته سنة ٩١١، ووفاة النووي سنة ٦٧٦: ثلاث وسائط، لفترة زمنية طويلة: ٢٣٥ سنة. رحم الله الجميع. (١) من أ، د، هـ، و، ز، ط، ي، وفي ب، ج، ح، ك: رواه ابن حبان من حديث أبي هريرة، وهو غير صحيح، فحديث أبي هريرة رضي الله عنه، الذي عند ابن حبان أولَ ((صحيحه) (١، ٢) إنما هو في الحمدلة لا البسملة، كما سيأتي ص١٠١ - ١٠٣. وأما الرُّهاوي: فهو الحافظ عبد القادر بن عبد الله الرُّهاوي (٥٣٦ - ٦١٢) رحمه الله، وكتابه هو ((الأربعون المتباينة الإسناد))، كما في ((تذكرة الحفاظ)) للذهبي رحمه الله ٤: ١٣٨٧. والحديث رواه الخطيب في ((الجامع)) (١٢٣٢)، وفيه شیخ شيخه أحمد بن محمد ابن عمران ابن الجندي، ترجم له الخطیب نفسه في ((تاریخ بغداد)) ٦: ٢٤٤ - ٢٤٥، ونَقَل فيه عن أبي القاسم الأزهري - تلميذ الجُنْدي - أنه قال فيه: ((ليس بشيء))، وأنه كان يُسَمِّع لنفسه على كُتُب ليس له فيها سماع !! ، وعَزْوه في التعليق على ((جامع)) الخطيب إلى أبي داود: خطأ فادح، فالذي فيه (٤٨٠٧) حديث الحمدلة. = ٩٠ مقدمة المؤلف [ش] وسلم كُتُبه بها مشهورٌ في الصحيحين وغيرهما (١). [ب] والرُّهاوي إنما رواه في ((أربعينه)) من طريق الخطيب هذه، كما صرَّح به المناوي في أول كتابه ((الفتح السماوي)) ١: ٩٧، وكما هو مستفاد من إسناد التاج السبكي الذي ساقه أول ((طبقاته)) ١: ١٢، هذا إلى ما في هذه الطريق من مخالفة لسائر أصحاب الزهري والأوزاعي الذين رووه بلفظ: ((كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله : أقطع)). فمما يُستغرب قول الشارح في ((الدر المنثور)) ١: ١٠ - ونحوه في ((حاشيته على تفسير البيضاوي)) ١: ٩٠ - ٩٢ -: ((أخرج الحافظ عبد القادر الرهاوي بسند حسن عن أبي هريرة)» وذكره. کما یستغرب من التاج السبکي سکوته عنه، بل ظاهر كلامه ص١٢ اعتماده له، وهو من رواية مبشر بن إسماعيل، عن الأوزاعي، عن الزهري، وساقه في الصفحة التي قبلها من رواية خارجة بن مصعب، عن الأوزاعي، وهذا لا يفيد شيئًا، لأن خارجة متروك، بل نقل ابن عدي ٣٨٧:٣ (٦١٢) عن الدوري، عن ابن معين: أنه كذبه، وليست لفظة ((كذاب)) في مطبوعة الدوري (٢٠٤٩). وحاصل ما هنا وما سيأتي: أن روايةَ البدءِ بالبسملة تالفة من حيث الإسناد، ومن حيثُ العمل صحيحة ولا ريب، كما سيأتي، وروايةَ البدءِ بالحمدلة ثابتة. وقال شيخ شيوخنا السيد محمد بن جعفر الكتاني في ((الأقاويل المفصّلة لبيان حال حديث الابتداء بالبسملة)) بعد أن أسهب وأفاد، ص٦٢: ((رواية البسملة هذه منكرة جدًّا، لتفرد راويها وضعفه الضعفَ الذي لا يحتمل .. )). وقد أفرد عدد من العلماء هذا الحديث برواياته بالتأليف، منهم الشارح، كما تراه في ((دليل مخطوطات السيوطي)) رقم ١٧٠. (١) جاء ذلك في صدر كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هِرَقل، وهو في = ٩١ مقدمة المؤلف [ش] وروى الحاكم في ((المستدرك))، وابن أبي حاتم في ((تفسيره)) من طريق جعفر بن مُسافر، عن زيد بن المبارك الصَّنْعاني، عن سلاَّم بن وهب الجَنَديِّ، عن أبيه، عن طاوس، عن ابن عباس: أن عثمان بن عفان سأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن: بسم الله الرحمن الرحيم؟ فقال: ((هو اسم من أسماء الله، وما بينه وبين اسم الله الأكبر إلا كما بين سَوَادِ العين وبياضِها من القُرْب))(١). قال الحاكم: صحيح الإسناد(٢). [ب] - الصحيحين، رواه البخاري في أوائل ((صحيحه)) (٧)، ومسلم ٣: ١٣٩٣ (٧٤). وينظر لذلك أيضًا الجزء الثاني من كتاب ((المصباح المضي)) لابن حُدَيدة الأنصاري، وكذا ((إعلام السائلين عن كتب سيد المرسلين)) صلى الله عليه وسلم لابن طُولُون الشامي رحمهما الله تعالی. (١) ((القرب)): هكذا في نسخنا الخطية جميعها - سوى أ ــ وكذا كافة المصادر التي ذكرتُها في تخريج الخبر، ويزاد عليها ((تفسير)) ابن كثير: أول سورة الفاتحة ١ : ١٤٤، و((الدر المنثور)) ١: ٨. وجاءت في أ: الغَرْب، فكتب الشيخ ابن العجمي رحمه الله تعالى تفسيراً لها فقال: [الغَرْب - بفتح الغين المعجمة -: مُقْدِم العين ومُؤْخِرها. كذا في ((القاموس)) - غ رب ـ.]. وهذا التفسير مبنيٌّ على ما جاء في نسخته أ، وهو تحريف عن: القرب. والله أعلم، ولا بدَّ مع كل تحريف على عالم: من تأويل يُسوِّغه له. (٢) ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) ١: ١٢ (٥)، و((علل الحديث)) له (٢٠٢٩) ونقل عن أبيه قوله فيه: حديث منكر، والعقيلي في ترجمة سلام بن وهب ٢ (٦٧٠) وقال: لا يتابع على حديثه، ولا يعرف إلا به،، والحاكم في ((المستدرك)) (٢٠٢٧) = ٩٢ مقدمة المؤلف [ش] وروى ابن مَرْدُويَةَ(١) في ((تفسيره)) من طريق عبد الكبير بن المُعَافى بن عِمْران، عن أبيه، عن عمر بن ذَرّ، عن عطاء بن أبي رَبَاح، عن جابر بن عبد الله قال: لما نزلتْ ((بسم الله الرحمن الرحيم)) هَرَبَ الغيم إلى المشرق، وسكنت الرياح، وهاج البحر، وأَصْغَت البهائم بآذانها، ورُجِمت الشياطين، وحَلَفَ الله بعزته وجلاله أن لا يُسَمَّى اسمه على شيء إلا بارك فيه (٢). وصححه، وعنه - وعن غيره - البيهقي في ((الشعب)) (٢١٢٣)، والخطيب في «تاریخہ» ٢٧٤:٨ - ٢٧٥. وموافقةُ الذهبيِّ الحاكمَ على تصحيحه تُستغرب، فإنه قال عنه في ((الميزان)) (٣٢٠٥): ((خبر منكر، بل كذب))، ونقل كلامَه الحافظُ في ((اللسان)) (٣٥٣٦) ووافقه. واضطربت الأسانيد في المصادر المذكورة، ففي بعضها: سلام بن وهب، عن أبيه - وأبوه لا يعرف ولا يذكر - عن طاوس - كما هنا -، وفي بعضها: سلام، عن ابن طاوس، عن أبيه. (١) ((مَرْدُوْيَةَ)): هكذا في ك هنا وفيما يأتي بعد أسطر، مع الضبط التام، وانظر ص٢٠٩، وسيصرح الشارح ٤: ١٦٩ أن الهاء ساكنة. (٢) ذكره ابن كثير في ((تفسيره)) ١ : ١٤٤ بهذا الجزء من السند، وبهذا اللفظ من المتن، ورجاله المذكورون كلهم ثقات. فعبد الكبير بن المعافى بن عمران: ذكره ابن أبي حاتم في ((الجرح)) ٦ (٣٣٣) وقال: ((سمع عنه أبي بالمِصِّيصة وروى عنه وقال : .. كان ثقةً رضا، كان يعدُّ من الأبدال)). وأبوه المعافى: كان يسميه شيخه الإمام الثوري: الياقوتة! وذكروا في ترجمته من الثناء عليه العَجَبَ الكثير. وكذا حالُ من بعده. لكن يُنظَر حالُ من دونهم ولا بدّ، ففي بعض ألفاظه ما يتوقّف فيه، لا سيما الزيادة التي في آخر رواية الثعلبي: ((ومن قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، دخل الجنة)). = ٩٣ مقدمة المؤلف [ش] وروى ابن جرير، وابن مردويَهْ في تفسيرهما، وأبو نعيم في ((الحِلْية))(١) من طريق إسماعيل بن عياش، عن إسماعيل بن يحيى، عن مِسعر، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا: ((إن عيسى ابن مريم أَسْلَمَتْه أمه إلى الكُتَّاب ليعلِّمه، فقال له المعلّم: اكتبْ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال له عيسى: وما بسم الله؟ قال المعلِّم: لا أدري، فقال له عيسى: الباءَ بهاءَ الله، والسين سناؤه، والميم مملكته. واللهُ: إله الآلهة، والرحمن: رحمن الدنيا والآخرة، والرحيم: رحيم الآخرة))(٢). والموقوف من هذه الأخبار له حكم المرفوع، لا سيما أن جابرًا رضي الله عنه لم يُعرف برواية الإسرائيليات. والله أعلم. ورواه الثعلبي في تفسيره ((الكشف والبيان)) ١ : ٩١ من وجه آخر إلى عمر بن ذرّ، به، و کذلك ینظر فیمن هو قبل عمر بن ذر. وذكر الغافقي هذا الخبر من رواية ابن عباس، في ((لمحات الأنوار)) ١ (٦٠٦)، وفيه: لما نزلت ((بسم الله الرحمن الرحيم)) التي في سورة النمل، فقيَّد البسملة بالسورة. (١) ((تفسير)) ابن جرير ١: ٥٣، ٥٤، ٥٦، و((الحلية)) ٧: ٢٥١، وإسماعيل بن يحيى هو أبو يحيى التيمي، ترجم له الذهبي في ((الميزان)) (٩١٣) ونَقَل تكذيبه عن عدد من الأئمة ثم قال: ((قلت: مجمع على تركه))، وذكر له هذا الحديث، ومثلُه في ((لسان الميزان)) (١٢٥٩). وذكره ابن الجوزي في ((الموضوعات)) (٤١٤)، ووافقه الذهبي في ((ترتيب الموضوعات)) (١٠٣)، والشارح في ((اللآلئ)) ١٧٢:١، وابن عراق في ((تنزيه الشريعة)) ٢٣١:١. (٢) [ذكر المؤلف في ((حاشية البيضاوي)) - ((نواهد الأبكار)) ١ : ١٤٩ - ما حاصلُه: أنه نُقِل: يا رحمن الدنيا والآخرة، ورحيم الآخرة. وقيل : يا رحمن الدنيا = ٩٤ مقدمة المؤلف [ش] وهذا حديث غريب جدًّا(١). ورحيم الآخرة. وأن هذين الأثرين قال البلقيني: لا يعرفان، وأن الوارد : ((رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما)). أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) مرفوعًا . - (١٨٩٨) - انتهى.]. ((المستدرك)) من طريق الحكم بن عبد الله الأيلي وقال: ((حديث صحيح غير أنهما لم يحتجا بالحكم))، وتعقّبه الذهبي بأن ((الحكم ليس بثقة))، وكُذِّب، انظر ترجمته من «الميزان» (٢٠٨٣). وقول الحاكم عن الشيخين: لم يحتجا بالحكم: يريد لم يرويا له، ولا يريد بالاحتجاج المعنى المعروف، كما سيأتي بيانه إن شاء الله بالتفصيل ص ٣٣١ فما بعدها. نعم، روى الطبراني محل الشاهد منه في ((معجمه الصغير)) (٥٥٨) عن أنس، وفيه: ((رحمن الدنيا والآخرة)) فقط، وإسناده قابل للتحسين، بل قال عنه الهيثمي في ((المجمع)) ١٠: ١٨٦: رجاله ثقات، وقال المنذري في ((الترغيب)) ٢: ٦١٤: إسناده جيد، وينظر ((مجالس ابن ناصر الدين)) ص ٢١٥ - ٢١٦ من الطبعة الثانية. وقول البلقيني عن الأثرين ((لا يعرفان)): إن كان مراده نفيَ الثبوت: فصحيح مسلَّم. أما الأول: فهو طرف من الحديث الذي ذكره الشارح وعزاه إلى ابن جرير وأبي نُعيم، وتقدم تخريجه عنهما، وأن فيه أبا يحيى التيمي كُذُّب أيضًا، فليس حديث ((المستدرك)) الذي أراد الاعتماد عليه بأحسن حالاً منه !. وأما الأثر الثاني: فلم أره في ((تفسير)) ابن جرير، ولا ((تفسير)) ابن كثير، ولا ((الدر المنثور)). والله أعلم. (١) هذا قول ابن كثير وحكمه في ((تفسيره)) ١: ١٤٤، ونحوه قول الشارح: [في ((الدر المنثور)): بسند ضعيف جدًّاً.]. ((الدر المنثور)) ١: ٨، وتقدم أن ابن الجوزي والذهبي والشارح وابن عراق = ٩٥ مقدمة المؤلف [ش] قال ابن كثير: وقد يكون صحيحًا موقوفًا، أو من الإسرائيليات لا من المرفوعات(١). وروى ابن جرير(٢) من طريق بِشْر بن عُمَارة، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: الله ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين(٣)، والرحمن: الفَعْلان، من الرحمة، و(الرحمن) الرحيم: الرقيقُ الرفيقُ(٤) بمن أحبَّ أن يرحمه، والبعيدُ الشديدُ على من أحبَّ أن يُضْعِفَ عليه العذاب. وبِشْر: ضعيف، والضحاك: لم يسمع من ابن عباس. [ب] حکموا بوضعه. (١) في ((تفسيره)) ١: ١٤٤ بتصرُّف. (٢) في ((تفسيره)) ١: ٥٤، ٥٧ - وابن أبي حاتم ١ : ١٢ (٤) -، وما بين الهلالين زيادة منه، وحال هذا الأثر كما قال الشارح. ونَقَل البيهقي في ((الأسماء والصفات)) ص٥١، عن الحسين بن الفضل البجلي - وله ترجمة عالية في ((السير)) ١٣: ٤١٤ - قوله: ((هذا وهم من الراوي، لأن الرقة ليست من صفات الله عز وجل في شيء، إنما هما اسمان رفيقان، أحدهما أرفق من الآخر، والرفق من صفات الله تعالى))، وهذا أقوى من تسويغ ابن جرير المتقدم، لاسیما أن الأمر یتصل بإثبات صفة لله عز وجل. (٣) كتب ابن علان على حاشية نسخته د: ((أي: كونهم عبيداً له)). (٤) قوله: ((الرحمن الرحيم: الرقيق الرفيق)): هذا الذي يسمونه: باللفَّ والنشر المرتَّب، فالرقيق: تفسير للرحمن، والرفيق: تفسير للرحيم، قال ابن جرير ٥٧:١: ((جعل - ابن عباس - معنى الرحمن بمعنى الرقيق، على من رقَّ عليه، ومعنى الرحيم بمعنى الرفيق، بمن رَفَق به))، ومع ذلك فأرى أن هذا تسويغ، وانظر ما يأتي. ٩٦ مقدمة المؤلف [ش] وأسند ابن جرير(١) عن العَرْزَمي قال: الرحمن لجميع الخلق، الرحيم بالمؤمنین. وأسند ابن أبي حاتم (٢) عن جابر بن زيد قال: الله هو الاسم الأعظم. وروى البيهقيُّ وغيره(٣)، عن ابن عباسٍ في قوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ له سَمِيًّا﴾ [سورة مريم: ٦٥] قال: لا أحدَ يُسَمَّى ((الله)). [ب] (١) في ((تفسيره)) ١: ٥٥. والعَرْزَمي رجلان: عبد الملك بن أبي سليمان، وهو المشهور، وهو صدوق، وكانت وفاته سنة ١٤٥، وابن أخيه محمد بن عبيد الله، وهو ضعيف متروك، وكانت وفاته سنة ١٥٧، وكانت وفاة الراوي عن العَرْزَمي - وهو عثمان بن زُفَر - سنة ٢١٨، فالأقرب من حيث الطبقة أن يكون العرزمي هو الثاني، ولم أر مرجحًا إلا اعتبار الطبقة. والله أعلم. ثم قال ابن جرير ١ : ٥٦ ملخّصًا ما قيل في الفرق بين هذين الاسمين الكريمين: ((فربُّنا جل ثناؤه: رحمنُ جميع خلقه في الدنيا والآخرة، ورحيمُ المؤمنين خاصة في الدنيا والآخرة)). ثم فصَّل ذلك واستدلَّ له، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وكان بالمؤمنين رحيمًا﴾ سورة الأحزاب: ٤٣. (٢) في ((تفسيره)) ١: ١١، وهو في ((التاريخ الكبير)) للبخاري ١ (٦٥٨)، كلّ من طریقٍ. (٣) لم أجده بهذا اللفظ، إنما روى الحاكم في ((المستدرك)) (٣٤٢٠) وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي في ((شُعَب الإيمان)) (١٢٢)، وفي ((الأسماء والصفات)) ص٥٢، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس موقوفًا: ((ليس أحدٌ يُسمَّى الرحمنَ غيرُه)»، ورواية سماك عن عكرمة: ضعيفة مضطربة. ٩٧ مقدمة المؤلف الحمد لله، [ش] وأسند ابن جرير(١) عن الحسن البصري قال: الرحمن اسم ممنوع، أي: لا يستطيعُ أحد أن يَتَسمَّى به. وأسند ابن أبي حاتم(٣) عن الحسن أيضًا قال: الرحيم اسم لا يستطيعُ الناسُ أن يَنْتَحلوه، تسمَّی به تبارك وتعالى. وبهذه الآثار عُرفتْ مناسبةُ جَمْع هذه الأسماء الثلاثة في البسملة. (الحمد لله) رَوَى الخطابيُّ في ((غريبه))، والبيهقي في ((الأدب))(٣)، والديلمي في ((مسند الفردوس)) بسندٍ رجاله ثقات، لكنه منقطع(٤)، عن ابن (١) في ((تفسيره)) ١: ٥٩. (٢) في ((تفسيره)) ١: ١٣. وفي إسناده زيد بن الحباب، وهو يخطئ في حديث الثوري، وهذا ليس عنه، لكن لا أُبعد أن يكون هذا منها، إذْ سَبْق اللسان قريب جدّاً من ((الرحمن)) إلى ((الرحيم))، ويؤيد ذلك اللفظُ السابق عن الحسن نفسه. وقد قال ابن جرير رحمه الله في ((تفسيره)): (للهِ جلَّ ذكره أسماءٌ قد حرَّم على خلقه أن يتسمَّوا بها، خصَّ بها نفسه دونهم، وذلك مثل: الله، الرحمن، الخالق، وأسماءٌ أباح لهم أن يسمي بعضهم بعضًا بها، وذلك كالرحيم، والسميع، والبصير، والكريم، وما أشبه ذلك من الأسماء)»، وبنحو هذا علَّق ابن علان على حاشية نسخته د. (٣) ((والبيهقي في ((الأدب)) .. )): من أ، د، و، ز، ح، وسقطت من النسخ الأخرى، كما سقطت - والله أعلم - من نسخة المناوي من ((التدريب))، فإنه لم يَعْزُه إليه في ((فيض القدير)) ٣: ٤١٨. (٤) [الانقطاع بين قتادة وابن عَمْرو، كما نقله المُنَاوي - ((الفتح السماوي)) ١ : ١٠٠، و((فيض القدير)) الموضع السابق - عن ((حاشية)) المصنف على البيضاوي . - ١: ١٦٠ -. ]. والحديث في ((مصنف)) عبد الرزاق (١٩٥٧٤)، ومن طريقه: الحكيم الترمذي = ٩٨ مقدمة المؤلف [ش] عَمْرو: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((الحمد رأس الشكر، ما شكر اللهَ عبدٌ لا يَحْمَدُ))(١). ورَوَى الطبراني في ((الأوسط)) (٢) بسند ضعيف، عن النوَّاس بن سَمعان قال: سُرِقت ناقةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم الجذعاءُ (٣)، فقال رسول الله في ((نوادر الأصول)) آخر الأصل ١٥٢، ومن طريق الترمذي: الثعلبي في ((تفسيره)) ١ : ١٠٩. ورواه الخطابي في ((غريب الحديث)) ١: ٣٤٥ - ٣٤٦، والبيهقي في ((الشُّعَب)) (٤٠٨٥)، و((الآداب)) (١٠٢٩)، كلاهما من طريق عبد الرزاق أيضًا، ونَّه البيهقي إلى الانقطاع فيه، وهو في ((الفردوس)) للديلمي (٢٧٨٤). وقول الشارح ((رجاله ثقات)): صحيح، إلا أن معمراً - مع كونه ثقة ثبتًا - سيءُ الحفظ لحديث قتادة، قاله الدارقطني في ((العلل)) ١٢: ٢٢١ (٢٦٤٢)، فهذه علة أخرى غير الانقطاع. (١) الحمد يكون باللسان وحده، وأما الشكر فيكون باللسان، وبالقلب، وبالجوارح، فالحمد بهذا الاعتبار هو رأس الشكر، لأن رأس الشيء بعضُهُ، وليس معناه: الحمد رأس الشكر، أي: أعلاه وأوله وأفضله. وينظر: ((فيض القدير)). (٢) ((الأوسط)) (١٠٧١)، وعزاه الهيثمي في ((المجمع)) ٤: ١٨٧: إلى الطبراني في ((الكبير)) وليس في القسم المطبوع منه، وقال: ((فيه عمرو بن واقد القرشي، وقد وثقه محمد بن المبارك الصوري، ورُدَّ عليه، وقد ضعَّفه الأئمة وتُرِك حديثه))، وقال فيه بعد قليل ٤: ٢١٥: ((كذاب)). وهو في ((الميزان)) (٦١١١)، و((تهذيب التهذيب)) ٨: ١١٥، فقول الشارح: بسند ضعيف، فيه تسامح. (٣) في ب، ج، ك: ((الجذعاء))، وهي بالمهملة في رواية البخاري (٤٠٩٣) في حديث الهجرة كما صرَّح به القسطلاني ٦: ٣١٧، وتكررت مرات في ((نور النبراس)) ٩: ١٢٨ فما بعدها بالمعجمة. ٩٩ مقدمة المؤلف [ش] صلى الله عليه وسلم: ((لئن ردَّها الله عليَّ لأشكرنَّ ربي))، فَرُدَّتْ، فقال: ((الحمد لله))، فانتظَروا هل يُحدِثُ صومًا أو صلاةً؟ فظنوا أنه نسيَ، فقالوا له؟ قال: ((ألم أَقُلْ: الحمد لله؟)). وروى ابن جرير (١) بسند ضعيف عن الحكم بن عُمَیر - وكانت له صحبة - قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا قلتَ: الحمد لله رب العالمين، فقد شكرت الله فزادك)). وأسند(٢) من طريق الضحاك، عن ابن عباس قال: الحمد لله هو الشكر لله، [ب] (١) في ((تفسيره)) ١: ٦٠، وفيه عيسى بن إبراهيم الهاشمي، متروك منكر الحديث - ترجمته في («الميزان)» (٦١٩١) - عن عمه موسى بن أبي حبيب، وهو ضعيف أيضًا، ((الميزان)) (٨٣٥٧). وقوله عن الحكم بن عمير ((كانت له صحبة)): هكذا جاء في الرواية، وهو جزم بما فيه نظر، انظر ترجمته في القسم الأول من ((الإصابة)). وأما ما جاء في ((سنن)) الدار قطني (١١٨٥) عن موسى هذا ((عن الحكم بن عمير - وكان بدريًّا - قال: صليتُ خلف .. )): فقد قاله ابن عبد البر في ((الاستيعاب)) ٣٦٠:١ - وسماه الحكم بن عَمْرو -، لكن قال بعده: ((رویتْ عنه أحاديث مناكير من أحاديث أهل الشام، لا تصح))، ونحوه في ((الميزان)) (٨٣٥٧)، و((اللسان)) (٧٩٨٩)، وبهذا لا تثبت صحبته. (٢) ((تفسير)) ابن جرير ١: ٦٠ أيضًا، وابن أبي حاتم (٩)، كلاهما من طريق بِشْر بن عُمارة، عن الضحاك. وتقدم ص ٩٥ قول الشارح ((بِشْر: ضعيف، والضحاك: لم يسمع من ابن عباس)). والاستخذاء لله: الخضوع له والتذلل له. وهكذا في النسخ - إلا ك ففيها بالحاء = ١٠٠ مقدمة المؤلف [ش] الاستخْذَاء لله، والإقرار بنعمته، وهدايته، وابتدائه، وغير ذلك. وأسند ابن أبي حاتم(١) من طريقٍ أحسنَ منه عن ابن عباس قال: الحمد لله كلمة الشكر، وإذا قال العبد: الحمد لله، قال: شكرني عبدي. وفي ((صحيح)) مسلم(٢) من حديث أبي مالك الأشعري مرفوعًا: ((الحمد لله تملأ الميزان». وأخرجه الترمذي(٣) من حديث ابنٍ عَمرو، ورجلٍ من بني سُلَيم. وفي ((صحيح)) ابن حِبَّان، والترمذي من حديث جابر بن عبد الله (٤): [ب] - المهملة - و(تفسير)) ابن جرير، وفي ((تفسير)) ابن أبي حاتم: الاستجداء الله، بالجيم والدال المهملة، يقال: استجديتُه: إذا سألتَه، وله وجه هنا، وفسَّرها على حاشية ك: ((طلب الحِذْيا. أحذيتُه: أعطيتَه)). (١) في ((تفسيره)) ١: ١٣ (٨) بإسناد قابل للتحسين، بل هو حسن، من طريق علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، وانظر ما علقته على ترجمتهما في ((الكاشف)) (٣٩١٦، ٦٤٥٣). (٢) ١ : ٢٠٣ أول حديث من كتاب الطهارة. (٣) (٣٥١٨) من حديث ابن عمرو، وقال: ليس إسناده بالقوي، و(٣٥١٩) من حديث رجل من بني سُليم، وقال: حديث حسن، ولفظه فيهما: ((والحمد يملؤه)). أي: يملأ الميزان. (٤) ((الإحسان)) (٨٤٦)، والترمذي (٣٣٨٣) وقال: غريب، لكن عند المزي في ((التحفة)) (٢٢٨٦): حسن غريب. وممن رواه غيرهما: النسائي (١٠٦٦٧)، وابن ماجه (٣٨٠٠)، والحاكم (١٨٥٢) وصححه، ووافقه الذهبي.