النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
مقدمة المؤلف
فقال(١): ما يقول سيدي في الحدِّ الذي إذا بَلَغه الطالب في هذا الزمان استَحَقَّ
أن يُسمَّى حافظًا؟ وهل يُتَسامَح بنقصِ بعضِ الأوصافِ التي ذكرها المزيُّ وأبو
الفتح في ذلك، لنقصٍ زمانه أم لا؟.
فأجاب: ((الاجتهاد في ذلك يختلف باختلاف غلبة الظن في وقتٍ، ببلوغٍ
بعضهم للحفظ، وغلبته في وقتٍ آخَرَ (٢)، وباختلافِ مَن يكون كثيرَ المخالطة
للذي يصفه بذلك، [أو قليل المخالطة]، وكلامُ المِزِي فيه ضِيقٌ، بحيثُ لم
يسمِّ ممن رآه بهذا الوصف إلا الدمياطيَّ، وأما كلامُ أبي الفتح فهو أسهلُ، بأنْ
ینشطَ بعد معرفة شيوخه إلی شیوخ شیوخه، وما فوق.
((ولا شك أن جماعةً من الحفاظ المتقدِّمين كان شيوخُهم التابعين أو أتباعَ
التابعين، وشيوعُ شيوخهم الصحابةَ أو التابعين، فكان الأمر في ذلك الزمان
أسهلَ باعتبار تأخُّر الزمان، فإن اكتُفِيَ بكون الحافظ يعرف شيوخَه وشيوخَ
شيوخه، أو طبقةً أخرى، فهو أسهل(٣) لمن جَعَلَ فنَّه ذلك دون غيره: من حفظ
(١) السؤال والجواب جاءا في ((المجموع الخطي)) ص٦٧١ الذي تقدم ذكره
قريباً ص ٥٨ في التعليق على ضبط المِزي، وأنه كلّه بخط الحافظ البوصيري، وهو
السؤال الخامس من ستة أسئلة رفعها الحافظ إلى شيخه العراقي.
وهو أيضاً في المجموع الذي طبع بعنوان ((أجوبة الحافظ العراقي على أسئلة
تلميذه الحافظ ابن حجر العسقلاني)) ص١٣٧ - ١٤٤ باختصار وبعض مغايرة، وما
بين المعقوفين من المخطوط والمطبوع، وذكر الوليّ العراقي هذا الجواب في
((الأجوبة المرضية)) ص٧٠، وصدَّره بقوله: ((وسئل والدي رحمه الله تعالى .. ))، ولم
یذکر السائل، وفي مطبوعته خلل وتحريف.
(٢) نقل السخاوي في ((الجواهر)) ٨٣:١ هذا الجواب، وفسَّر هذه الغلبة من
عنده بقوله: (وغلبتِهِ ۔ یعني بنقصه - في وقت آخر)).
(٣) من ج، د، هـ، و، وفي غيرها: فهو سهل.

٦٢
مقدمة المؤلف
المتون والأسانيد، ومعرفة أنواع علوم الحديث كلُّها، ومعرفةِ الصحيح من
السقيم، والمعمول به من غيره، واختلافِ العلماء واستنباط الأحكام، فهو أمر
ممكنٌ، بخلاف ما ذُكِر من جميعٍ(١) ما ذكر، فإنه يَحتاج إلى فراغ وطولِ عُمُر،
وانتفاءِ الموانع.
((وقد رُوي عن الزهري أنه قال: ((لا يُولَد الحافظُ إلا في كلِّ أربعين سنة))،
فإن صحّ(٢) كان المرادُ رتبةَ الكمال في الحفظ والإتقان، وإن وُجد في زمانه من
(ت)
(١) في أ، ك: جَمْع.
(٢) وليس بصحيح، لما سيأتي.
[وفي ((الجواهر)) أيضًا - ١: ٨٤ - عن الزهري، عن عكرمة، عن ابن عباس قال :
((إنه يُولد في كل سبعين سنة من يحفظ كل شيء)). انتهى.].
ذكر ذلك في قصة لأبي محلّم محمد بن هشام بن عوف الشيباني المتوفى سنة
٢٤٥، مع سفيان بن عيينة، ظهر فيها لسفيان حافظة عجيبة من أبي محلِّم، فذكر له
هذا الأثر وقال في آخره: ((أراك صاحب السبعين))، ومصدره فيها المرزُباني، وكأنه في
القسم الذي لم يطبع من كتابه ((معجم الشعراء))؟، وذكرها عن المرزباني الشارح في
((بغية الوعاة)) أيضًاً ١: ٢٥٧.
وفي ((لسان الميزان)) (٣٨٤٢) في ترجمة صاعد بن الحسن الرَّبَعي الأديب
الأندلسي المشهور، قصة تشبه هذه القصة، وفي آخرها هذا القول المنسوب إلى
الزهري - كلّ أربعين سنة -، على أنه مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأعقبها
الحافظ بقوله: ((هذا الحديث لا أصل له، وإنما ذكره ابن أبي حاتم في ((الجرح
والتعديل)) - ٩ (٣٩) - من كلام الزهري، ولم يصح أيضًا عن الزهري، فإنه ذكره في
ترجمة الوليد بن عبيدالله فقال: روى عثمان بن رجاء، عن محمد بن بشير بن (عطاء
ابن) مروان الكندي، عن الوليد بن عبيدالله .. ، ومحمد بن بشير المذكور ضعيف)».
وما بين الهلالين من ((الجرح والتعديل))، وانظر منه أيضًا ٧ (١١٧٢).
ولذا ترى الحافظ العراقي قال: فإن صحَّ، والذهبي قد نقل تضعيفه في ((الميزان))
=

٦٣
مقدمة المؤلف
يُوصَف بالحفظ، وكم من حافظٍ وغيرُه أحفظُ منه)). انتهى(١).
ومن ألفاظ الناس في معنى الحفظ: قال ابن مَهدي: الحفظُ: الإتقانُ (٢).
وقال أبو زرعة: الإتقان أكثر من حفظ السَّرْد(٣). وقال غيره: الحفظُ: المعرفةُ.
قال عبد المؤمن بن خلف النَّسَفي(٤): سألت أبا علي صالحَ بنَ محمد قلت:
يحيى بن معين هل يحفظ؟ قال: لا، إنما كان عنده معرفة، قلت: فعليُّ ابن
المديني كان يحفظ؟ قال: نعم، ويَعرِف.
(٦٨٧٤) وصدَّره بقوله ((تُكُلُّم فيه))، ونقل فيه الجرح فقط. أما ابن حجر في ((اللسان))
(٦٥٤٩) فزاد قولَ البغوي: كان صدوقًا.
وعلى كل: فإنَّ توقّف الحافظ العراقي هو السديد. والله أعلم.
(١) ((أجوبة الحافظ العراقي على أسئلة تلميذه الحافظ ابن حجر)) ص١٤٣. كما
نقل هذا السؤال وجوابه أيضًا الحافظ السخاوي في ((الجواهر)) ١: ٨٢ - ٨٣، ونَقَل
من عنده تأييدًا لكون شرط ابن سيد الناس أسهلَ من شرط المزي: كلامًا وحوارًا بين
الإمام المنذري وشيخه أبي الحسن المقدسي، وهو الذي نقلته باختصار فيما سبق
تعليقا ١ : ٤٩.
(٢) أسنده إليه ابن أبي حاتم في ((الجرح)) ٢: ٣٥ - ٣٦، وهو في ((المحدث
الفاصل)) (٨٩)، و((المدخل إلى علم السنن)) للبيهقي (١٧١٧)، و((حلية الأولياء)) لأبي
نعيم ٩: ٤، و((التمهيد)) لابن عبد البر ١: ٦٤، ثم رأيته في ((التاريخ الكبير)) ١
(١٣٦٠).
(٣) ((تهذيب الكمال)) ٢٦٧:٣٢ في ترجمة يزيد بن هارون.
(٤) الخبر في ((تاريخ بغداد)) ١٣: ٤٢٩، ترجمة علي ابن المديني، وانظر شطره
الآخر في ترجمة يحيى بن معين ١٦: ٢٦٩، وانظر ثناء علي ابن المديني على يحيى
ابن معين من رواية صالح بن محمد هذا وغيره ١٦ :٢٦٦ - ٢٦٧.

٦٤
مقدمة المؤلف
ومما رُوي في قَدْرِ حفظِ الحفاظ(١): قال أحمد بن حنبل(٢): انتقيت
((المسند) من سبع مئة ألفِ حديثٍ(٣) وخمسين ألفَ حديث.
وقال أبو زرعة الرازي(٤): كان أحمد بن حنبلٍ يحفظ ألفَ ألفِ حديث،
قيل له: وما يُدريك؟ قال: ذاكرتُه فأخذتُ عليه الأبواب.
وقال يحيى بن معين(٥): كتبتُ بيدي ألفَ ألفِ حديث.
(١) جُلُّ هذا الفصل مستمَدٌّ من جزء الإمام أبي الفرج ابن الجوزي رحمه الله:
((الحثُّ على حفظ العلم)). وكتبُ التراجم كفيلة بأضعاف هذه الأخبار، وبالأعاجيب،
ورحم الله علماء الإسلام الذين أكرمهم الله تعالى بالخوارق، نتيجة إخلاصهم في
خدمة الدين.
(٢) أسنده إليه الحافظ أبو موسى المديني في جزئه ((خصائص المسند)) ص٩ من
طبعة العلامة الكوثري، والمطبوع أول ((المسند)) طبعة الأستاذ أحمد شاکر ص٢١،
وذكرها الذهبي في ((السِّير)) ١١: ١٨٧ وقال: ((هذه حكاية صحيحة في سعة علم أبي
عبد الله))، ثم قال في تفسیر کثرة هذا العدد نحو كلام البيهقي الآتي قريباً جداً ص ٦٦.
(٣) كلمة ((حديث)) من أ.
(٤) ((تاريخ بغداد)) ١٠٠:٦.
(٥) ذكره المزي في ((تهذيب الكمال)) ٣١: ٥٤٨، والذهبي في ((تذكرة الحفاظ))
١: ٤٣٠. وفي ((تاريخ بغداد)) ٢٧٠:١٦ - ٢٧١: قال ((أحمد بن عقبة: سألت يحيى بن
معین: کم کتبت من الحدیث يا أبا زكريا؟ قال: قد كتبت بيدي هذه ست مئة ألف
حديث. قال أحمد - بن عقبة -: وإني أظن أن المحدثين قد كتبوا له بأيديهم ست مئة
ألف، وست مئة ألف!)).
وذكر أبو موسى المديني في ((خصائص المسند)» ص٢٢ عقب قولِ الإمام أحمد
السابقٍ، عن عبد الله بن أحمد أنه قال: ((كتب أبي عشرة آلافِ ألفِ حديث، ولم
يكتب سوادًا في بياض إلا قد حفظه)). فإنْ صح هذا الرقم كان هذا أكبر عدد ذُكِر
الإمامٍ، إذ معناه أن الإمام أحمد کتب وحفظ عشرة ملایین حدیث !!.
=

٦٥
مقدمة المؤلف
وقال البخاري(١): أحفظُ مئةَ ألفِ حديثٍ صحيح، ومئتي ألفٍ حديثٍ غيرِ
(٢)
صحيح (٢).
مع أن عليَّ ابن المديني يقول - كما في ((تاريخ بغداد)) ١٦: ٢٧٠ -: ((لا نعلم
أحدًا من لدن آدم كتب من الحديث ما كتب يحيى بن معين!)). ومع ذلك فغاية ما
كَتَب وكُتِب له ١٫٨٠٠٫٠٠٠ حديث!، فأين العشرة الملايين !!.
وبالمناسبة: إن علي ابن المديني يريد بكلمته هذه عن ابن معين إفادة المخاطَبين
بعظم ما كتب ابن معين من السنَّة، ويعظم الجهد الذي بذله في تحصيلها، فلا حاجة
للاستدراك عليه بأنْ يقال عليه: إن كلامنا عن حديث نبينا محمد صلى الله عليه
وسلم، لا عن حديث آدم عليه الصلاة والسلام فمن بعده! وابن المديني هو الإمام
الجِهِْذ، بل جِهْذ الجهابذة.
(١) ((تاريخ بغداد)) ٢: ٣٤٦. ورَوَى عنه قبلُ ٢: ٣٢٧: ((أخرجتُ هذا الكتاب،
یعني الصحیح، من زهاء ست مئة ألف حدیث))، وروی أيضًا نحوه من طريق أخرى
٢: ٣٣٣، وانظر ما يأتي تعليقاً صفحة ٣٥٠.
(٢) [قال في ((فتح الإله)): هذا باعتبار كثرة طرقها مع عدّ المكرر والموقوف
وآثار الصحابة والتابعين وغيرهم وفتاويهم مما كان السلف يُطلقون على كلِّ حديثًا،
وحينئذ يسهُل الخَطْب، فربَّ حديثٍ له مئةُ طريق فأكثر، ولولا ذلك لشهد الوجود
بخلاف هذه الدعوى، فإن الموجود في الكتب الحديثية: الكتب الستة وغيرِها
صحیحها وغیرِه لا يبلُغ نصف هذا العدد، بل ولا ثلثَه. انتهى.
وهذا مأخوذ من كلام القَمُولي والزَّرْكَشي - ١٨٣:٢ (٤٣) -، فيما نقله عنهما
الشارح في ((شرح ألفيته)) فراجعه - ٢ :٧٤٤ -، كما سيأتي نقل نحو ذلك عن
العراقي.].
((فتح الإله)): هو شرح الإمام ابن حجر الهيتمي المكي الشافعي، المتوفّى سنة
٩٧٤ رحمه الله، على ((المشكاة)).
والقَمُولي - بتخفيف الميم المضمومة -: هو نجم الدين أبو العباس أحمد بن
=

٦٦
مقدمة المؤلف
وقال مسلم (١): صنفتُ هذا ((المسند الصحيح)) من ثلاث مئة ألفِ حديثٍ
صحيح مسموعة.
وقال أبو داود: كتبتُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس مئة ألفِ
حديث، انتخبت منها ما ضَمَّنْتُه كتاب ((السنن))(٢).
(ت)
محمد القَمُولي الشافعي المتوفّى سنة ٧٢٧ رحمه الله، له ترجمة عند السبكيِّ ٩: ٣٠،
وغيره.
وكلام الزركشي في ((النكت)) طويل، وكلام الشارح ونقوله هذه جلَّها من عنده.
ولفظ الزركشي هنا: «قلت: قيل: إنه أراد المبالغة في الكثرة، وهذا ضعيف، بل أراد
التحديد، وقد نُقِل عن غيره من الحفاظ ما هو أكثر من ذلك. وعلى هذا ففیه وجهان،
أحدهما: أنه أراد به تعدد الطرق والأسانيد، والثاني: أن مراده بـ(الأحاديث) ما هو
أعمُّ من المرفوع والموقوفِ وأقاويلِ السلف. وعلى هذا حَمَل البيهقي في ((مناقب
أحمد)) قول أحمد ((صح من الحديث سبع مئة ألف حديث))، على أنه أراد أحاديث
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقاويل الصحابة والتابعين)).
وأنت ترى أن جواب البيهقي إنما هو الوجه الثاني فقط، بخلاف كلام الآخرين:
ابن الصلاح، والقمولي، والذهبي، وابن حجر الهيتمي، وغيرهم، كلَّهم تواردوا
على تفسير هذه الأعداد الكبيرة بالجمع بين الوجهين، ولولا ذلك لكان الواقع لا يبلغ
عُشْر معشارها، كما قال الذهبي في ((السير)) ١١: ١٨٧. وفي كلام القَمُولي نقول عن
الأئمة المتقدمين يتعين الوقوف عليها لتأييد كلام الذهبي هذا.
ثم إن الزركشي أورد سؤالاً على قول البخاري: ((وأحفظ مئتي ألف حديث غير
صحيح))، فقال: ((فإن قلت: فما فائدة حفظه لذلك؟ قلت: التمييز بينها .. ))، ثم نقل
کلام ابن راهويه الآتي ص٧١.
(١) ((تاريخ بغداد)) ١٥: ١٢٢ دون لفظة ((صحيح)) الأخيرة. وحذفها هو الظاهر
صوابه. والله أعلم.
(٢) ((تاريخ بغداد)) ٧٨:١٠.

٦٧
مقدمة المؤلف
وقال الحاكم في ((المدخَل)): كان الواحد من الحفّاظ يحفظُ خمس مئة ألفِ
حديث، سمعت أبا جعفر الرازيّ(١) يقول: سمعت أبا عبد الله ابن وَارَهْ يقول:
كنت عند إسحاقَ بنِ إبراهيم بنيسابورَ، فقال رجل من أهل العراق: سمعت
أحمد بن حنبلٍ يقول: صحَّ من الحديث سبعُ مئةِ ألفٍ وكَسْرٍ، وهذا الفتى
- يعني أبا زرعةَ - قد حفظ ست مئة ألفٍ (٢).
[ب] -
(١) هو محمد بن أحمد بن سعيد الرازي، ترجمه في ((الميزان)) (٦٧٥٧) وقال:
لا أعرفه، لكن أتى بخبر باطل، هو آفته، وزاد عليه الحافظ في ((اللسان)) (٦٣٨٠)
تضعيف الدارقطني له، وذكر الذهبي أيضًا هذا الخبر في ((السير)) ٦٩:١٣ في ترجمة
أبي زرعة، وعلَّق عليه بقوله ١٣: ٧٠: أبو جعفر ليس بثقة.
قلت: جزمه في أبي جعفر ((ليس بثقة)): فيه شيء من المبالغة، ومع ذلك فانظر ما
تقدم تعليقًا ص ٥٠ على كلمة ابن أبي شيبة.
(٢) ((المدخل إلى معرفة كتاب الإكليل)) (١٧). ورواه الخطيب ٤١:١٢ بتمامه
من طريق الحاكم نفسه، وبهذا اللفظ عند ابن الجوزي في ((تلقيح فهوم أهل الأثر))
ص٣٦١، وكلمة ((صحَّ من الحديث ... )): لا بدّ لها من تأويل كما أوّلوا هذه الأعداد
الضخمة، وقد تقدم قريباً ص ٦٤ ذكر قول الإمام أحمد لهذا الرقم بلفظ: ((انتقيت
المسند)»، دون كلمة: ((صَحَ))، وتنظر الصفحة الآتية.
ونقل في ((السير)) ١١: ١٨٧ عن الإمام أحمد قوله: «نحن كتَبْنا الحديث من ستة
وجوه وسبعة لم نضبطه، فكيف يضبطه مَن كتبه من وجه واحد؟!)).
وفي ((الجامع)) للخطيب (١٧٠٠) عن الإمام أحمد أيضًا: ((الحديث إذا لم تَجمع
طرقَه لم تَفْهَمه، والحدیث یفسِّرِ بعضه بعضًا».
وروى قبله عن ابن معين قوله: ((لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجهًا ما
عقلناه)). وهو في (تاريخ الدوري)) ٢: ٦٥٨ (٤٣٣٠)، ومن طريقه: ابن حبان في
((المجروحين)) ١: ٣٣، والحاكم في ((المدخل)) ص١٤.
=

٦٨
مقدمة المؤلف
قال البيهقيُّ: أراد ما صحَّ من الأحاديث وأقاويل الصحابة والتابعين(١).
[ب]
-
وفي ((الجامع)) أيضًا (١٦٩٨) عن ابن معين: ((اكتب الحديث خمسين مرة، فإن
له آفات کثیرة».
بل في ((السير)) ١١ : ٩٢: ((عن مجاهد بن موسى قال: كان يحيى بن معين يكتب
الحديث نيفًا وخمسين مرة)). وانظر ((تذكرة الحفاظ)) ٢: ٤٣٠.
وسيأتي في الفصل الثاني من النوع الثامن والعشرين ٤: ٥٥٩: عن أبي حاتم
الرازي أنه قال: «لو لم نكتب الحديثَ من ستين وجهًا ما عَقَلناه)).
وفي («تاريخ بغداد)) ٦: ٦١٩: أن رجلاً سأل («إبراهيم بن سعيد الجوهري عن
حديث لأبي بكر الصديق، فقال لجاريته: أَخرِجي إليَّ (الجزء) الثالث والعشرين من
حديث أبي بكر! فقلت له: لا يصح لأبي بكر خمسون حديثًا، من أين: ثلاثةً وعشرين
جزءًا؟! فقال: كل حديث لم يكن عندي من مئة وجه فأنا فيه يتيم!)). فمن هنا كثرت
الأحاديث وذُكِر في حفظ الحفاظ الأئمة هذه الأرقام الضخمة !.
وأعود إلى أول هذه الحاشية، إذ قلت هناك: رواه الخطيب بتمامه من طريق
الحاكم نفسه، وأزيد هنا في البيان والفائدة: سُمِّي الحاكم في الرواية: محمد بن
عبد الله بن محمد بن حمدويه الحافظ، فقول الحافظ ابن حجر في ((لسان الميزان))
(بعد ٧٥٠٢) إن الخطيب يسمي الحاكم: محمد بن نُعيم الضبي، صحيح أيضًا،
والأدقُّ أن يقال: إنه يذكره بالاسم الذي يسميه به شيخُ الخطيب الراوي عن الحاكم.
والذي خَبَرته ــ دون تتبُّع - أن ما كان من رواية محمد بن يوسف النيسابوري،
عنه - كما هنا وكما سيأتي ص٧١ -: سماه محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه
الحافظ، أو: محمد بن عبد الله الضبي، وما كان من رواية محمد بن أحمد بن
يعقوب، عنه: سماه محمد بن نعيم، كما تجده في مواطن كثيرة من ((التاريخ))،
و((الجامع))، و((الكفاية)).
(١) نسبه الزركشي في ((النكت)) ١٨١:٢ (٤٢) إلى ((مناقب أحمد)) للبيهقي،
وتفسير البيهقي لمراد الأئمة من هذه الأعداد الكبيرة للأحاديث: تُلُقِّيَ بالقبول من
=

٦٩
مقدمة المؤلف
وقال غيره(١): سُئل أبو زرعةَ عن رجل حَلَف بالطلاق أن أبا زرعة يحفظ
مئتي ألفِ حديثٍ، هل حنِث؟ قال: ((٢)، ثم قال: أَحفظُ مئة ألف حديث كما
يحفظ الإنسانُ سورة ﴿قل هو الله أحد﴾، وفي المذاكرة ثلاث مئة ألفٍ حديث.
العلماء، وهو الذي لا محيد عنه، وتقدم ص٦٥ - ٦٦ في كلام للزركشي أن قول
البيهقي هذا في كتابه ((مناقب الإمام أحمد)).
قال الإمام الذهبي في ((السِّير)) في ترجمة الإمام مسلم رحمهما الله ١٢ : ٥٦٦:
((إذا قال - مسلم -: حدثنا قتيبة، وأخبرنا ابن رمح: يُعَدَّان حديثين، اتفق لفظهما، أو
اختلف في کلمة)).
وقال ابن الجوزي في ((تلقيح فهوم أهل الأثر)) ص٣٦٢ بعدما نقل كلام الإمام
أحمد السابق، وغيره: ((فإن قيل: أين السبع مئة ألف؟! فالجواب: أن المراد بهذا
العدد الطرق لا المتون)).
(١) أسنده في ((تاريخ بغداد)) ١٢: ٤٤ إلى أبي العباس ابن حَمكويه الرازي،
وفيه كما أثبتُّه، لكن في النسخ: أحفظ مئة ألف، وهو كذلك في ((تهذيب الكمال))
١٩ : ٩٨، وكأن الشارح ينقل منه.
(٢) أذكرني هذا الخبر بخبر آخر، ينبغي عليّ لزامًا أن أذكره، ليعلم القارئ*
الكريم أن فضل الله تعالى لم ينقطع، ولن ينقطع.
تذاكر اثنان من تلامذة سيدي العلامة الحجة الحافظ الشيخ عبد الله سراج الدين
رحمه الله تعالى، في مقدار محفوظات الشيخ، إلى أنْ وصل الأمر بأحدهما أنْ قدَّرها
بمئة ألف حديث، وحلف على ذلك بالطلاق! فاضطرا للرجوع إلى الشيخ ليفتي
الحالف، فجاءا صبيحة اليوم الثاني إلى مدرسته التي أسسها بحلب عالم ١٣٧٩ :
مدرسة التعليم الشرعي (الشعبانية)، وقصًّاً عليه الأمر، فقال للحالف بعد سكْتة
وتأنّ، على عادته رحمه الله: ما حنثتَ، واحفظ لسانك عن الطلاق الحرام، تغمده الله
برضوانه، وجبر الله مصاب المسلمين بفقد علمائهم وصلحائهم.

٧٠
مقدمة المؤلف
وقال أبو بكر محمد بن عمر الرازي الحافظ(١): كان أبو زرعةً يحفظ سبع مئة
ألف حديث، وكان يحفظ مئة وأربعين ألفًا في التفسير والقراءات.
قال الحاكم: وسمعت أبا بكر بنَ أبي دارمِ الحافظَ بالكوفة يقول: سمعت أبا
العباس أحمد بن محمد بن سعيد(٢) يقول: أحفظُ لأهل البيت ثلاث مئة ألفٍ
حديث. قال: وسمعت أبا بكر يقول: كتبتُ بأصابعي عن مُطَيِّن مئةَ ألفِ حديث(٣).
وسمعت أبا بكر المزكِّي يقول: سمعت ابن خزيمة يقول: سمعت علي بن خَشْرَمٍ
يقول: كان إسحاقُ بنُ إبراهيم ابنُ راهويه يُملي سبعين ألفَ حديثٍ حفظًا(٤).
وأسند ابن عدي(٥) عن ابن شُبْرُمة، عن الشعبيِّ قال: ما كتبتُ سوداءَ في
بيضاءَ إلى يومي هذا، ولا حدَّثني رجل بحديثٍ قطَّ إلا حفظتُه، [ولا أحببت أن
[ب] -
(١) ((تهذيب الكمال)) ١٩: ٩٨.
(٢) أبو العباس أحمد: هو ابن عُقدة الحافظ الكوفي الشيعي المشهور. والخبر
في ((المدخل)) للحاكم ص١٩، ورواه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) ٦: ١٥١ عن محمد
ابن يوسف النيسابوري، عن الحاكم، وسماه: محمد بن عبد الله بن محمد بن
حمدويه الحافظ. وانظر الصفحة السابقة.
(٣) ((بن إبراهيم)): من أ، والخبر في ((المدخل)) أيضًا (٢١)، ومن طريقه
الخطيب في ((الجامع)) (١٥٩٠).
(٤) ((المدخل)) (١٨)، ورواه الخطيب في ((الجامع)) (١٨٣٣) عن محمد بن
يوسف النيسابوري، عن الحاكم.
(٥) ((الكامل)) ١٩٣:١ - ١٩٤، وعنه الخطيب في ((تاريخه)) ٣٧١:٧، ومن طريق
آخر في «جامعه» (١٨٣٢)، وما بين المعقوفين منها، وقائل ((فحدثت)): هو علي بن
خشرم راوي الخبر.
وقد ذُكر للبخاري نحو هذا عن ابن راهويه فقال البخاري: ((أَوَتعجبُ من هذا؟!
لعل في هذا الزمان من ينظر إلى مئتي ألفِ حديثٍ من كتابه)) يريد نفسه، كما في
ترجمة البخاري من «تاریخ بغداد)) ٢: ٣٤٦.

٧١
مقدمة المؤلف
يعيده عليَّ!]، فحدثتُ بهذا الحديث إسحاق بن راهويه فقال: تَعجبُ من هذا؟
قلت: نعم، قال: ما كنتُ لأسمعَ شيئًا إلا حفظتُه، وكأني أنظر إلى سبعين ألفَ
حدیثٍ - أو قال: أكثر من سبعين ألف حدیث - في كتبي.
وأسند(١) عن أبي داود الخَفَّاف قال: سمعت إسحاق بن راهويه يقول:
كأني أنظر إلى مئة ألف حديث في كتبي، وثلاثين ألفًا أَسْرُدُها.
وأسند الخطيب(٢) عن محمد بن يحيى بن خالد قال: سمعت إسحاق بن
راهويه يقول: أعرفُ مكانَ مئة ألفِ حديثٍ كأني أنظر إليها، وأحفظُ سبعينَ
ألفَ حديث عن ظهر قلبي (صحيحة)، وأحفظ أربعةَ آلافِ حديثٍ مزوَّرةً.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل(٣): قال أبي لداودَ بن عَمروِ الضبيِّ - وأنا
[ب] -
(١) المصادر السابقة. فرضي الله عنهم ما أرعاهم لسنة النبي صلى الله عليه
وسلم وأحوطَهم في الحفاظ عليها !.
(٢) في ((التاريخ)) ٧: ٣٧٢، و((الجامع لأخلاق الراوي)) (١٨٣٤)، وما بين
الهلالين زيادة من ((الجامع))، وفيهما زيادة: أنه ((قيل لإسحاق: ما معنى حفظ
المزوَّرة؟ قال: إذا مرَّ بي منها حديث في الأحاديث الصحيحة، فَلَيْتُه منها فَلْيًا)».
ونحو هذا جواب ابن معین لأحمد بن حنبل حین اعترض علیه أحمد: «کیف تکتب
صحيفة معمر، عن أبان، عن أنس، وتعلم أنها موضوعة، فلو قال لك قائل: أنت تتكلم
في أبان ثم تكتب حديثه على الوجه؟!)) أي بتمامه، فأجاب يحيى: ((رحمك الله يا أبا
عبد الله، أكتبُ هذه الصحيفة عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أبان، عن أنس، وأحفظها
كلَّها، وأعلم أنها موضوعة، حتى لا يجيء إنسان فيجعل بدل (أبان): ثابتًا - أي البُناني -
ويرويها عن معمر، عن ثابت، عن أنس، فأقول له: كذبتَ، إنما هي: أبان، لا ثابت))،
كما في ((المجروحين)) ١: ٣١، والحاكم في ((المدخل)) ص١٥.
(٣) ((تاريخ بغداد)) ١٩٠:٧ - ١٩١.

٧٢
مقدمة المؤلف
أسمع -: كان يحدِّثُكُم إسماعيل بن عيَّاش هذه الأحاديثَ بحفظه؟ قال: نعم، ما
رأيتُ معه كتابًا قط، قال له: لقد كان حافظًا! كم كان يحفظ؟ قال: شيئًا كثيرًا،
قال: أكان يحفظ عشرة آلاف؟ قال: عشرةَ آلافٍ، وعشرة آلافٍ، وعشرةَ آلاف.
فقال أبي: هذا كان مثلَ وكيع.
وقال يزيد بن هارون(١): أحفظُ خمسةً وعشرين ألفَ حديثٍ بإسناده ولا
فخر، وأحفظ للشاميين عشرين ألفَ حديث(٢).
وقال يعقوبُ الدَّوْرَقي: كان عند هُشَيم عشرون ألفَ حديث(٣).
وقال الآجُرِّي(٤): [سمعت أبا داود يقول:] كان عبيدالله بن معاذ العَنْبَريُّ
یحفظ عشرة آلاف حدیث.
الفائدة الثالثة:
قال شيخ الإسلام(٥): مِنْ(٦) أولِ مَنْ صنف في الاصطلاح: القاضي أبو
--
(١) ((تاريخ بغداد)) ٤٩٦:١٦ ولفظه: «أحفظ خمسةً وعشرين ألفَ إسنادٍ ولا
فخر، وأنا سید من روی عن حماد بن سلمة ولا فخر)).
(٢) رواه الخطيب من وجه آخر غير الذي قبله - الموضع السابق -، وزاد آخره:
((ولا أسأل عنها)).
(٣) «تاريخ بغداد)) ١٣٥:١٦.
(٤) ((سؤالات أبي عبيد الآجري)) (١١٠٥)، وما بين المعقوفين زيادة منه.
(٥) [في ((شرح نخبته))]. ((شرح النخبة)) ص٣٤، وينتهي النقل عنه ص٧٧ عند
قوله: ((ومعارض له ومنتصر)).
(٦) لفظة ((مِن)): أثبتُّها من ب، ج، ح، ط، ي، ويؤيد عدمَها بالنسبة للشارح عبارته
في كتابه ((إتمام الدراية لقراء النقاية)) ص٤٦: ((إن أول من صنف .. ))، وكذا كلامه في ((الوسائل
في مسامرة الأوائل)) (٧٣٨). فهذا ما استقر عليه رأي الشارح. والله أعلم، وتبعه على هذا
=

٧٣
مقدمة المؤلف
[ب]
تلميذه القسطلاني في ((إرشاد الساري)) ١: ٧، ثم المناوي في ((اليواقيت والدرر)) ١: ٢٠٧.
ويؤيد إثباتها في كلام ابن حجر: ورودها كذلك في نسخ ((شرح النخبة))، ففي
النسخة التي أنقل عنها وعزوتُ إليها: ((فمِن أول مَنْ))، وكذلك في ((شرح الشارح))
للعلامة عليّ القاري ص١٣٧، وكذلك الطبعة التي مع حاشية (لَقْط الدُّرر)) للسَّمين
العدوي ص٢٢.
وقد فسَّر الإمام عليّ القاري قول الحافظ ابن حجر رحمهما الله على تقدير ثبوت
((مِن)): أنه يعني: أول من صنف في علوم الحديث جماعة في عصر واحد، ولم يتبيَّن
لابن حجر أولُهم بالضبط. وهذا مسلَّم إذا لاحظنا مصنفات الإمام ابن حبان المتوفَّى
سنة ٣٥٤، وهي فترة وفاة الرامَهُرْمُزي سنة ٣٦٠، فهما متعاصران، وقد عدَّد
مصنفاتِه في هذا الفن: الخطيب آخر كتابه ((الجامع)) فانظرها.
لكن إذا لاحظنا أسبقيَّة الإمام عليّ ابن المديني المتوفّى سنة ٢٣٤ - وقد سَرَدها
الخطيب هناك أيضًا، وقبله الحاكم في ((معرفة علوم الحديث)) ص٢٦١ - ٢٦٢ - فإنه
يتعيَّن إثبات لفظة ((مِن)) حينئذ، ولذلك أثبتُّها.
ومما ينفي عن ابن حجر جزمُه بأولية الرامهرمزي: ما نقله عنه صاحب ((كشف
الظنون)) ٢: ١٦١٢: ((هو أول كتاب صُنِّف في علوم الحديث، في غالب الظن)).
ولا بدَّ من التنُّه والتنبيه إلی فرقٍ بین هذا الكتاب و کتب ابن المدیني وابن حبان،
ذلك أن الرامهرمزي جمع عددًا من أنواع علوم الحديث بين دفتيه، أما تلك فكل
كتاب منها مفرد في مسألة، أو في نوع.
ثم وقفت على مصدر صاحب «كشف الظنون» وأصل كلام ابن حجر، وذلك هو
قوله في ((المجمع المؤسّس)) ١ : ١٨٦ لما ترجم شيخه إبراهيم بن أحمد التنوخي وما
قرأ عليه، قال: ((قرأت عليه ((المحدِّث الفاصل)) .. وهو أول كتاب صُنِّف في علوم
الحديث في غالب الظن، وإن كان يوجد قبله مصنفاتٌ مفردة في أشياءَ من فنونه،
لكنْ هذا أجمع ما جُمع في ذلك في زمانه، ثم توسعوا في ذلك .. ))، وذکر کتابَ
=

٧٤
مقدمة المؤلف
محمد الرَّامَهُرْمُزي(١)،
[ب] -
الحاكم، ومستخرجَ أبي نعيم عليه، وكتابَيْ الخطيب. فللرامَهُرمزي الأولية الجامعة
لعدّة أنواع من علوم الحديث.
ثم رأيت تقييدًا نحو هذا التقييد في كلام الحافظ العلائي رحمه الله في ((إثارة
الفوائد المجموعة)) ١٦٦:١، قال: ((هو أول شيء وقفت عليه مصنَّفًا في علوم
الحدیث، وهو کتاب نفیس جدًا».
ومع هذا: فإن كتاب الرامهرمزي - مع زيادته وملاحظة هذا الاعتبار - فإنه لم
يأت في كتابه إلا على أبواب يسيرة استقر الأمر على اعتبارها من علوم الحديث، ولم
يأت بشيء من الأنواع التي يمكن أن نسميها بالعمود الفِقَري من علوم الحديث، إنما
الذي جاء بها هو الحاكم في كتابه ((معرفة علوم الحديث)) فهو الجدير بأن يُعطى
وصف الأولية، وقد أنصفه ابن خلدون فقال في ((مقدمته)) الشهيرة ص٢٤١: ((أَلَّف
الناس في علوم الحديث وأكثروا، ومن فحول علمائه وأئمتهم: أبو عبد الله الحاكم،
وتآليفه فيه مشهورة، وهو الذي هذَّبه وأظهر محاسنه)). ورحم الله الجميع.
وأشار إلى هذا المعنى إشارة لطيفة ابن خلكان، فإنه قال في ((وَفَياته)) ٤: ٢٨٠
في ترجمة الحاكم: ((وأما ما تفرد بإخراجه في ((معرفة علوم الحديث)) .. )).
(١) [بفتح الميم الأولى، وضم الهاءِ والميمِ الثانية، وسكون الراء بينهما،
وزاي، إلى رامَهُرْمُزْ، كُورةٍ بالأهواز. والكُورة - بالضم -: المدينة والصُّفْع، أي :
الناحية. وقال ياقوت - ١٩:٣ -: معنى (رام) بالفارسية: المراد والمقصود، وهرمز:
أحد الأكاسرة. وكأن هذه اللفظة مركبة، ومعناها : مقصود هرمز، ومراد هرمز. وقال
حمزة: رامهرمز اسم مختصر من رامهرمز أزدشير، والعامة يسمونها: رامز،
اختصارًا.].
الضبط من ((لب اللباب)) (١٧٣٢)، ومعنى ((الكورة)) منقول من ((القاموس)) مادة:
(ك و ر، ص قع).
[اعلم أن في النَّسَب إلى المَزْجيّ خمسةَ أوجه، أحدها: الاقتصار على الصدر،
=

٧٥
مقدمة المؤلف
فعمل كتابه ((المحدِّث الفاصل)) (١)، لكنه لم يَسْتوعِبْ، والحاكم (٢) أبو عبد الله
وهو مَقيس اتفاقًا، فيقال في بعلبك، ورامهرمز : بَعْلِيٌّ، وراميٌّ. الثاني: أن ينسب إلى
عَجُزه، فيقال: بكيٌّ، وهُرْ مُزِيٌّ. الثالث: أن ينسب إليهما معًا مُزالاً تركيبهما، فيقال:
بَعليٌّ بَكيٌّ، وراميٌّ هُرْمُزِيٌّ. الرابع: أن ينسب إلى جميع المركَّب فيقال: بعلبكّيّ،
ورامهرمزي. الخامس : أن يُبْنَى من جزئي المركَّب اسم على فَعْلَل، وينسب إليه،
قالوا في النسب إلى حضرموت : حَضْرَميّ.].
(١) [((المحدِّث)): بكسر الدال المهملة، ((الفاصل)) بصاد مهملة.].
واسمه تامًّا: ((المحدِّث الفاصل بين الراوي والواعي))، وقد طبع بتحقيق الدكتور
الفاضل محمد عجاج الخطیب جزاه الله خيراً، والکتاب نادر في بابه وتحقیقٍ غرض
مؤلِّفه رحمه الله تعالى.
(٢) [قوله ((والحاكم)): هو من أحاط بجميع الأحاديث متنًا وإسنادًا، وجرحًا
وتعديلاً وتاريخًا. ويليه: الحجة، وهو من أحاط بثلاث مئة ألف حديث. ويليه :
الحافظ. وسيأتي.].
قلت: هكذا قيل، ولا يصح شيء من هذا أبدًا. فـ((الحاكم)): لقب وظيفي قدیم
يُطلق على من ولي وظيفة الحكم والقضاء بين الناس، وقد أُطلق لقب الحاكم على
من ليس له كبير اشتغال بالحديث. و((الحجة)): لقبُ دراية، وكلمةٌ تطلق على من كان
له مرتبة عالية في الوَثَاقة، فيقولون: فلان ثقة حجة، وليس هو لقب رواية، ليطلق
على من يحفظ عددًا معلومًا من الأحاديث.
أما الحافظ: فنعم، وقد تقدم كلامهم فيه من صفحة ٣٨ الفائدة الثانية فما
بعدها، على أن المعتمد ليس له عدد معلوم.
ولعل أقدم من قال هذا الكلام في الحاكم والحجة: العلامة عليّ القاري في
مقدمة ((شرح الشرح)) ص١٢١، و((شرحه على الشمائل للترمذي)) ١: ٦، وكذا
عصريُّه القريبُ منه وفاةً: المناوي في ((شرحه على الشمائل)) ١ : ٦، وتبعهما الباجوري
کذلك ص١٧ .
=

٧٦
مقدمة المؤلف
النيسابوري(١)، لكنه لم يُهَذّب ولم يُرَقِّب. وتلاه أبو نُعَيم الأَصْبَهانيّ، فعمِل على
كتابه ((مستخرَجًا))(٢) وأبقى فيه أشياءَ للمتعقّب.
ثم جاء بعدَهم الخطيبُ البغداديُّ فعمِل في قوانين الرواية كتابًا سماه
((الكفاية))(٣)، وفي آدابها كتابًا سماه
[ب] -
وأول من نفى هذه الدعوى شيخنا الحافظ الشيخ عبد الله الصديق الغماري رحمه
الله تعالى، في مقدَّمته لكتابه ((الكنز الثمين)) ص٤، ومقدمته لرسالة الخطابي في
((إعجاز القرآن)). ثم أمعن في تأكيده وزاده بيانًا شيخنا في تعليقاته على ((قواعد في
علوم الحديث)) ص٢٨، وفي جزئه ((أمراء المؤمنين في الحديث)) ص١٠٣، ١٢٦.
(١) ((النيسابوري)): [بالفتح، إلى نيسابور، أشهر مدن خُراسان. ((لبّ))
- (٤١٠٦) -. ].
(٢) للمستخرَج معنى اصطلاحيٌّ يأتي عند المسألة الثالثة من مسائل الصحيح
ص٤٠٥ إن شاء الله تعالى، أما مراد أبي نعيم بـ ((مستخرجه)) هذا فقريب من المعنى
الاصطلاحي، إذ واقعه - والله أعلم - أشبه ما يكون بواقع علمائنا أصحاب الحواشي،
أو بواقعنا نحن في تعليقاتنا على الكتاب، ذلك أنا نعلّق على كل نصٌّ فيه بما يراه
محققه من تأیید وتأكید، أو تنبيه وتسديد، وغير ذلك، وأبو نعيم كان كذلك شأنه.
والله أعلم، يُتْبع كل قول للحاكم في كتابه بما يراه تأكيداً أو توضيحاً أو تصحيحاً.
وكنت رأيت الحافظ رحمه الله نقل عن هذا الكتاب ثلاث مرات في ((النكت على
المقدمة)) ١: ٤٩٥، ٢: ٦٢٢، ٧٢٥، وكأنها تفيد ما ذكرت.
والملاحظات التي أبداها الحافظ على الكتب الثلاثة السابقة: لا تغضُّ من
مقامها، فهذا شأن الكتب الرائدة، بل شأن كل سابق إلى أمر ما، حتى التعاريف التي
يصوغها المتقدمون، يَستدرك عليهم المتأخرون ما يتمم المراد منها، فتعريف ابن
الصلاح - مثلاً - للحديث الصحيح أوفى من تعريف الخطابي له.
(٣) وتمام اسمه: ((الكفاية في علم الرواية)). وقد طبع طبعة متقنة التصحيح
=

٧٧
مقدمة المؤلف
((الجامع، لآداب الشيخ والسامع))(١)، وقلَّ فنٌّ مِن فنون الحديث إلا وقد صنَّف
فيه كتابًا مفرَدًا (٢)، فكان - كما قال الحافظ أبو بكرٍ ابنُ نُقْطة (٣) -: كلُّ مَن أنصفَ
(س)
بحيدر آباد الدكن - الهند - سنة ١٣٥٧، وقام بتصحيحه - بل بتحقيقه - جماعة من
العلماء الأفاضل العاملين فيها، منهم العلامة المعلِّمي، رحمهم الله جميعًا. ثم طبع
طبعات أخرى دون هذه.
وينظر ما يتعلق بمعناه فيما تقدم ص١٦ فما بعدها.
(١) طُبع الكتاب أكثر من مرة باسم: ((الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع)).
وهو كتاب نفيس فيما ينبغي أن يكون عليه العالم، وطالب العلم، وفيه عجائب
وغرائب، تحتاج إلى دراسةِ وتطبيقِ النظريات التربوية الحديثة على ما فيه من نظريات،
من كاتب قدير جامع بين الثقافتين الإسلامية المتخصصة، والتربوية الحديثة.
(٢) وبهذا يكون الإمام الخطيب قد جمع في تأليفه الاصطلاحية بين منهج الإمام
ابن المديني وغيره ممن أفرد كثيرًا من مسائل هذا العلم وأبوابه في مؤلّف، ومنهج
الحاكم الجامع لأنواعه كلها أو جُلُّها في مؤلف.
(٣) هو الإمام أبو بكر محمد بن عبد الغني البغدادي الحنبلي المتوفى سنة ٦٢٩
عن أقل من ستين سنة، بل كان في سن الكهولة، في قول المنذري في ((التكملة)) ٣:
٣٠١، تنظر ترجمته في ((السير)) للذهبي ٢٢: ٣٤٧ مع مصادرها في التعليق عليهما.
[نقطة: قال السُّنباطي في ((شرح نُقَايته)): بفتح النون. انتهى. والذي في
(القاموس)): ونُقطة - بالضم - عَلَمٌ. فَيَحتمِل أنه غير الأول.
هذا، واعلم أنه إذا وقع الموصوف بـ(ابن) مضافًا: فالذي جزم به الراعي،
واختاره الصَّفَدي في ((تاريخه)) - ((الوافي)) ١ : ٣٧ - بعد نقل الخلاف: وجوبَ تنوينِ
المضاف إليه، وكتابةٍ ألف ابن، فيقال: قام أبو محمدٍ ابن زيد، إلا أن يكون نعتًا
للمضاف إليه. وأما المضاف إليه ابنُ: ففي اشتراط عدم إضافته خلاف أيضًا، واختار
الراعي فيه عدمَ الاشتراط، والصفديُّ الاشتراطَ. وكلامُ ابنٍ خروف في ((شرح الكتاب))
صريحٌ في عدم الاشتراط فيهما، حيث قال: إذا وقع الابن مفردًا، غيرَ مصغّر، بين
=

٧٨
مقدمة المؤلف
علمين، أو كنيتين، أو لقبين، أو علم وكنية، أو كنية ولقب، وكان الابن صفةً للأول
منهما: حُذف تنوينُهُ من اللفظ، والألفُ من الخطِّ. انتهى. سَرِيّ.].
السُّنْباطي: هو شهاب الدين أحمد بن أحمد بن عبد الحق السنباطي المتوفى سنة
٩٩٠، أو ٩٩٥ رحمه الله تعالى. و(نُقايته)) هو: منظومة له سماها ((نقاية العلوم)) نظم
فيها ((النقاية)) للسيوطي رحمه الله، التي تكلم فيها على أربعة عشر علمًا، وزاد في
منظومته الكلام على أربعة علوم أخرى، هي: الحساب، والعروض، والقوافي،
والمنطق، ثم شرحها في ((روضة الفهوم)) وهو شرح كبير، جاء في مجلدين. انظر
(كشف الظنون)) ٢: ١٩٧٠، و((الأعلام)) ١: ٩٢.
وجاء ذكر ابن نقطة في كتاب السيوطي أثناء حديثه عن علم الحديث، ومؤلفات
الخطيب فيه، وذَكَر كلمة ابن نقطة التي وردتْ هنا.
والمشهور في ضبطه: ضم النون، كما هو في ((القاموس)) مادة (ن ق ط)،
والعمدةُ في ذلك تصريح الإمام الحافظ المنذري رحمه الله تعالى في ((التكملة لوَفَيَات
النقلة)) ٣: ٣٠١، وهو صديقُ ابنِ نقطة، وتدبَّجا في الأخذ عن بعضهما.
و((نقطة)): اسم جاريةٍ رَبَّتْ جدَّ أبيه، واسمه شجاع، كما في ((السِّير)) ٢٢: ٣٤٩،
لا كما قال الإمام علي القاري في ((شرح الشرح)) ص١٤٠: ((جارية ربَّت جدته أمَّ
أبيه))، وتبعه العدوي في (لَقْط الدرر)) ص٢٣. ولا احتمال أن يكونا اثنين.
والراعي: هو أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد الأندلسي الأصل،
القاهري، (٧٨٢ تقريبًا - ٨٥٣) رحمه الله، ترجمه السخاوي في ((الضوء اللامع))
٢٠٣:٩، وذكر انتفاع الناس به في علوم العربية، وأنه شرح ((الألفية))، و((الآجرومية)).
وأما (سريّ): فتقدم التعريف به مختصراً ص ٢٥.
وكلمة ابن نقطة التي نقلها الشارح - بواسطة ابن حجر -: هي في كتابه ((التقييد))
١: ١٧٠ أثناء ترجمته للخطيب، وفي ((تكملة الإكمال)) له ١: ١٠٣ وهو يترجم
الخطيب باختصار، ولفظه: ((وله مصنَّفات في علوم الحديث لم يُسبق إلى مثلها، ولا
=

٧٩
مقدمة المؤلف
عَلِم أن المحدثین بعده عیالٌ علی کُبه.
ثم جمعَ ممن تأخَّر عنه: القاضي عياضٌ كتابه ((الإلماع)»(١)، وأبو حفص
الميانجي(٢) جزءَ ((ما لا يَسَعُ المحدِّثَ جهلُهُ)). وغيرُ ذلك.
-
[ب] -
شبهةَ عند كل لبيب أن المتأخرين من أصحاب الحديث عيال على أبي بكر الخطيب)).
ومع هذا الإعجاب والمديح منه للخطيب فإن ذلك لم يمنعه أن يصنَّف كتابًا
سماه: ((الملتقط مما في كتب الخطيب وغيره من الغلط))، كما في ((السير)) أيضًا.
(١) تمام اسم كتاب القاضي عياض رحمه الله تعالى: ((الإلماع إلى معرفة أصول
الرواية وتقييد السماع)) طبع أكثر من مرة، وهو يتصل بالنوع الرابع والعشرين والنوعين
بعده، واسمه دالّ على أنه كتاب مفرد في نوع من أنواع علوم الحديث، وهو كتاب
نفيس في مضمونه، يدلّ - مع كونه (إلماعًا) - على دقة أئمتنا في العلم تحملاً وأداءً،
وتقييدًا ورواية، والأئمةُ المغاربة رحمهم الله تعالى خاصةً مُجَلُّون في هذه الحَلْبة.
وإذا نال هذا الكتاب إعجاب علماء المسلمين: فلا عجب، لكنه نال إعجاب
رجل غير مسلم، كان يتطلّع إلى نموذج من هذه المؤلفات، ليكتب على نَسَقه في علم
التاريخ، فعثر عليه، فكتب كتابًا لطيف الحجم، وسماه ((مصطلح التاریخ)) وطبعه،
وهو الدكتور أسد رستم اللبناني المتوفى سنة ١٣٨٥ =١٩٦٥.
(٢) [((المَيَانَجي)): بفتح النون، كما سيأتي بالهامش بعد ثلاث ورقات -
ص١٧١ -٠].
وهذا الجزء ((ما لا يَسَعُ المحدِّثَ جهلُه) هزيل في بابه، بعيد عن الصنعة الحديثية
جدًّا، وسيأتي في الموضع المذكور رأي غريب له، مما يدلِّل على نفسه - دون حاجة
إلى استدلال غيره ـ على ما أقول.
وقد تكلّم عليه باستيفاء شيخنا رحمه الله تعالى في ص٣٧ من تعليقاته على ((قَفْو
الأثر)) لابن الحنبلي، ثم في مقدمته التي كتبها للجزء نفسه الذي طبعه ضمن ((خمس
رسائل في علوم الحديث))، وعَتَب على الحافظ ابن حجر كيف ذكر هذا الجزء الصغير
الهزيل عقب كتب الخطيب، وكتاب القاضي عياض، وقبل كتاب ابن الصلاح،
=

٨٠
مقدمة المؤلف
فتوسط بذكره كتبَ الأئمة القدوة في هذا الفن !! وهو على صغره مليء بأحاديث
واهية موضوعة! وأغفل - أعني ابن حجر - ذِكْر مقدمة ابن عبد البر في ((تمهيدہ))،
وهي مصدر أصيل لابن الصلاح، لكنه رحمه الله ورضي عنه غير غافل عن حال
الرجل وكتابه، وانظر قوله فيه الذي سينقله الشارح عنه ص ١٧٢ الآتية.
ولا يَسْلَم المتابعون لابن حجر في سرد هذه المصنفات، وذِكر هذا الجزء بينها،
من مؤاخذة علمية، كالشارحٍ: هنا، وفي ((البحر الذي زخر))، وغيرِه في غيرهما.
وينبغي أن يستدرك عليه وعليهم مقدمة ابن الأثير في ((جامع الأصول))، وقد
استوعبتْ معه ١ : ٦٨ - ١٩٧، وهي مقدمة حافلة، عمدته فيها ((المعرفة)) للحاكم،
لكن تتجلّى فيها عقلية ابن الأثير التنظيمية.
وزيادة في بيان حال الإمام الميَّانجي رحمه الله، حديثيًّا، أقول: قال التقي الفاسي
في ((العقد الثمين)) ٦: ٣٣٥: ((روى في كتابه ((المجالس المكية)) أحاديث باطلة
وسكت عليها، لشهرة رواتها بالكذب)). وهذا اعتذار جيد لو ساعد عليه موقفه في
کتابه الذي أتحدث عنه، لكنه لا يساعد أبداً.
ومما ينبغي ذكره: أن الذهبي وصفه في ((السير)) ١٥٧:٢١ بـ: ((محدث مكة))،
وفي ((النكت الوفية)) ٨٣:١: ((الحافظ))، فإن كان له مؤلفات أخرى تدل على هذا،
فنعم، وإلا فلا. والله أعلم.
وهكذا جاء في النسخ وبخط ابن العجمي: الميانجي، بالجيم، وهو رسم شائع
لاسم هذا الإمام، وفي بعض المصادر: الميَّانِشي، بالشين المعجمة، وهكذا جاء في
((السيرِ)) للذهبيِّ ٢١: ١٥٧، و((تاريخ الإسلام)) ١٢: ٧٣٦، و((العقد الثمين)) للفاسي
٦: ٣٣٤ وانظر منه ص٣٣٦، فإنه سوَّغ الوجهین، وغيرهم، وینظر ص ٢٢٩ - ٢٣٠
من طبعة شيخنا لهذا الجزء.
هذا، ويلاحظ على الشيخ ابن العجمي استعماله كلمة ((هامش)) وتكراره
لها، وفي ((القاموس)): ((الهامش: حاشية الكتاب، مولَّد))، فالصواب استعمال
=