النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
مقدمة المؤلف
قال: لا يُؤْخَذ العلم عن أربعة، ويؤخَذُ عمن سواهم: لا يُؤْخَذ عن مبتدع يدعو
إلى بدعته، ولا عن سفيهٍ يُعلنُ بالسَّفَه، ولا عمَّن يكذِب في أحاديثِ الناس وإن
كان يصدُّق في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عمن لا يَعرِف هذا
الشأن.
قال القاضي: فقوله ((ولا عمن لا يَعرِف هذا الشأن)): مراده به: إذا لم يكنْ
ممن يَعرف الرجال من الرواة، ولا يعرِف هل زِيدَ في الحديث شيء أو
نُقِص(١).
وقال الزَّرْكشي(٢): أما الفقهاء فاسم المحدِّث عندهم لا يُطلَق إلا على من
[ب]
المدينة - مشيخةً لهم فضل وصلاح وعبادة، يحدِّثون، ما سمعت من واحد منهم
حدیثًا قطُّ، قيل: ولم یا أبا عبد الله؟ قال: لم يكونوا يعرفون ما يحدثون)). وزاد ابن
عبد البر هذا المعنى عن الإمام مالك بنقول أخرى.
فالظاهر أن من سمى الراوي عن مالك هو عيسى بن أبان، حصل له سبق ذهن
من: معن بن عيسى، إلى: عيسى بن أبان. والله أعلم.
(١) علَّق عليه السخاوي في ((الجواهر)) ١: ٧١ بقوله: ((لكن العمل على خلاف
هذا، والاعتمادُ في هذه الأعصار غالبًا على القارئ، ولذلك أقول بامتناع قراءة كثير
من الطلبة، الذين لا ممارسة لهم بالمتون ولا الأسانيد، بل ولا معرفة لهم بشيء في
الجملة أصلاً، على مَن لا تمييز عنده مِن المُسنِدين، ولا أقل مِن أن يصحِّح حديثه
أولاً».
(٢) غالب الظن - بل اليقين - أن كلام الزركشي هذا في ((النكت على ابن
الصلاح))، لكن لم أره في المطبوع منه ٥٤:٢، ولا في المخطوطة التي أرجع إليها،
وفي هذا الموضع سَقَط أقدِّر أن يكون هذا الكلام فيه، وجاء عقبه تمامًا قوله: ((قلت:
وذكر ابن السمعاني في ((تاريخه)) .. )) فذَكَر النص الذي ذكره الشارح عقبه هنا، فأتوقع
أن يكون هذا القول للزركشي في هذا البياض.
=

٤٢
مقدمة المؤلف
حفظ متون(١) الحديث، وعَلِم عدالةَ رجاله وجرحَها، دون المقتصر على
السماع.
وأخرج ابن السمعاني في ((تاريخه))(٢) بسنده عن أبي نصر الحسين بن
عبد الواحد الشيرازي قال: العالم(٣): الذي يعرف المتن والإسناد جميعًا،
[ب] -
وسقط معه أيضًا الجملة الآتية في آخر كلام ابن سيد الناس ص٦٠، وهي قوله:
((فذلك بحسب أزمنتهم)). فإن الزركشي نقل كلام ابن سيد الناس، وهذه الجملة
خاتمته، وفيه بيان مَن هو المحدث عند أهل الحديث، فيكون قد أعقبه بمن هو
المحدث عند الفقهاء، ثم نقل كلام الشيرازي الذي فيه بيان من هو (العالم) أي:
الفقيه المحدث، ثم من هو الفقيه، ثم من هو الحافظ، ثم من هو الذي ليس بمحدث
ولا حافظ ولا فقيه. والله أعلم.
وكلام الزركشي ونقوله هنا - ابتداءً من هذه الفائدة الثانية - هي عمدة الشارحِ
هنا، والسخاويِّ في ((الجواهر والدرر)) ١ : ٦٩ فما بعدها.
(١) في النسخ، و((الجواهر والدرر)) ١: ٧٠: ((متون))، فأثبته منها، وفي ج،
وحاشية و، وفوقها إشارة نسخة: متن، أما ب، و، ففيهما: سند، والمعنى
محتمل.
(٢) المراد بابن السمعاني: الإمام تاج الإسلام أبو سعد عبد الكريم بن محمد
السمعاني (٥٠٦ - ٥٦٢) رحمه الله تعالى. وأشهر كتبه لدينا: ((كتاب الأنساب)). ومراده
بـ((تاريخه)): ((ذيله على تاريخ بغداد)). والله أعلم.
(٣) لم أقف على ترجمة أبي نصر الشيرازي قائل هذه الكلمة، لكن ذكره
السمعاني نفسه في ((الأنساب)) آخر مادة (الشيرازي)، وأنه يروي عن علي بن محمد
ابن الهيثم بمكة، وابن الهيثم هذا ذكره ياقوت في ((معجمه)) مادة (الأَسْوارية)، وأرخ
وفاته سنة ٤٣٧، فيكون أبو نصر من رجال أواسط القرن الخامس. والله أعلم.
ومرادُه بـ((العالم)): الجامعُ بين الحديث والفقه، كما هو واضح مما يأتي. وعلَّق
الزركشي على هذا القول بقوله: (لعل هذا اصطلاح خاص)).
=

٤٣
مقدمة المؤلف
والفقيهُ: الذي يعرف المتن ولا يعرف الإسناد، والحافظُ: الذي يعرف الإسناد
ولا يعرف المتن، والراوي: الذي لا يعرف المتن ولا يعرف الإسناد.
وقال الإمام الحافظ أبو شامة(١): علوم الحديث الآن ثلاثة، أشرفُها: حفظ
[ب] -
لكن يُنظر في هذا الاحتمال والتوقَّع، فلهذه التفرقة بين المحدث والفقيه أصل
في كلام ابن حبان رحمه الله، وذلك في قوله في مقدمة ((صحيحه)) ١: ١٥٩ - من
(الإحسان)) -: ((وأما زيادة الألفاظ في الروايات فإنا لا نقبل شيئًا منها إلا عمّن كان
الغالب عليه الفقه .. ، لأن أصحاب الحديث: الغالبُ عليهم حفظ الأسامي والأسانيد
دون المتون، والفقهاء: الغالب عليهم حفظ المتون وأحكامها وأداؤها بالمعنى دون
حفظ الأسانيد وأسماء المحدثين .. )) إلى آخر كلامه المتين.
ثم رأيت الحافظ رحمه الله قد استحسنه في ((النكت الوفية)) ٢: ٤٣٤، ونقله
السخاوي في ((فتح المغيث)) ٣: ٣٧٧، وسيأتي ٤: ٦١٧ آخر النوع ٢٩: معرفة العالي
والنازل.
(١) [في كتاب ((البعث)).] هكذا كتب الشيخ ابن العجمي، وصوابه:
((المبعث))، واسمه التام: ((شرح الحديث المقتفَى في مبعث النبيّ المصطفى صلى الله
عليه وسلم))، يريد: شرح حديث بدء الوحي، والكلام الآتي في مقدمته ص ٤٥ فما
بعدها.
ثم إن هذا التقسيم لعلوم الحديث أخذه من أبي شامة الحافظُ صلاح الدين
العلائي المتوفّى سنة ٧٦١، بعد أبي شامة بقرن، وذكر فحواه في آخر كتابه («بغية
الملتمِس)» ص٢١٨، لكن سَلِم كلامه من المؤاخذة التي ناقش فيها الحافظُ ابن حجر
أبا شامة.
ولا بد من ملاحظةِ قيدِ أبي شامة الذي في أولِ كلامه: «علوم الحديث الآن».
ومع ذلك فقد رأيت أبا شامة مسبوقًا بهذا التقسيم الثلاثي لعلوم الحديث، جاء
ذلك في كلام الإمام ابن منده (٣١٠ - ٣٩٥) رحمه الله في جزئه «في بيان فضل
الأخبار وشرح مذاهب أهل الآثار)) الذي طُبع بعنوان ((شروط الأئمة)) قال ما لفظه
=

٤٤
مقدمة المؤلف
متونه، ومعرفة غريبها وفقهها.
والثاني : حفظُ أسانيده ومعرفة رجالها، وتمييز صحيحها من سقيمها،
وهذا كان مهمًا، وقد كُفِيَه المشتغِلُ بالعلم، بما صُنِّف فيه وأُلُّف فيه من
الکتب، فلا فائدة إلی تحصیل ما هو حاصل.
والثالث : جمعه وكتابته، وسماعه، وتَطْريقُه، وطلبُ العلوِّ فيه، والرحلةُ
إلى البلدان، والمشتغِلُ بهذا مشتغلٌ عما هو الأهمُّ من العلوم النافعة، فضلاً عن
العمل به، الذي هو المطلوبُ الأصلي، إلا أنه لا بأس به لأهل البطالة، لِمَا فيه
من بقاء سلسلة الإسناد المتصلة بأشرف البشر.
قال: ومما يزهِّد في ذلك: أن فيه يتشاركُ الكبير والصغير، والفَدْم(١)
والفاهم، والجاهل والعالم.
وقد قال الأعمش: حديثٌ يتداولُه الفقهاء خيرٌ من حديث يتداولُه
الشيوخ(٢).
[ب]
مختصراً ص٢٩: ((طائفة منهم قصدت حفظ الأسانيد من الروايات .. ، وطائفة اشتغلت
بحفظ اختلاف أقاويل الفقهاء في الحرام والحلال، واقتصروا على ما ذكرتْ أئمة
الأمصار من المتون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن الصحابة في كتبهم،
وقَصُروا عما سبقت إليه أهل المعرفة بالمرويات - أي أهل الطائفة الأولى ... ، وطائفة
ثالثة أكثرت الجمع والكتابة غيرَ متفقهين في متن، ولا عارفين بعلة إسناد .. )).
(١) [الفَدْم: رجلٌ فَدْمٌ بَيِّن الفَدَامة والفُدومة، أي: بعيدُ الفَهْم غيرُ فطِن.
((المصباح)) . - مادة: (ف د م) -. ].
وفي ((القاموس)): ((العَبِيُّ عن الكلام في ثِقَل ورَخاوة وقلَّة فهم، والغليظُ الأحمقُ
الجافي)). وتحرفت كلمة ((الفاهم)) في مطبوعة ((البحر الذي زخر)) ١: ٢٥٤ إلى:
الباهم !.
(٢) هكذا نسب الشارح هنا القول للأعمش، ومثله في ((شرح ألفيته)) ٢٥٤:١،
=

٤٥
مقدمة المؤلف
ولامَ إنسانٌ أحمدَ في حضور مجلس الشافعي وتَرْكِه مجلسَ سفيان بن
عيينة، فقال له أحمد: اسكتْ، فإنْ فاتك حديث بعلوٍّ، تجدْه بنزول، ولا
يضرُّك، وإنْ فاتك عقلُ هذا الفتى أخاف أن لا تجده. انتهى(١).
تبعًا للزركشي في ((النكت)) ٤٢:٢، والصواب أنه قول وكيع بن الجراح، كما جاء عند
أبي شامة ص ٤٨ من كتابه السابق الذكر، وكذلك سيأتي عند الشارح نفسه آخر النوع
التاسع والعشرين ٤: ٦١٦، تبعًا للعراقي في ((شرح ألفيته)) ص٣١٦، وتنظر المصادر
القديمة لهذا الخبر: ((المحدث الفاصل)) (١٣٩)، و((المعرفة)) للحاكم ص ١٢٤
(٢٥)، و((الكفاية)) للخطيب ص ٤٣٦، و((المدخل)) للبيهقي (١٠٩٧).
وقال وكيع هذه الكلمة في مناسبة أخرى، تنظر في ((الجرح والتعديل)) ٢٥:٢،
و ((الكفاية)) ص ٤٣٦ أيضًا.
وكأن وكيعًا رحمه الله كان يستثير هِمَمَ الرواة النقلة لتحمُّل الرواية عن أهل
الدراية.
فلذا تكرر منه هذا القول، وقد نقل الذهبي في ((السير)) ١٤٦:٩ قول ابن عمار في
و کیع: «ما کان بالكوفة في زمن و کیع أفقه ولا أعلم بالحديث من وكيع)). وهو صاحب
((المصنف)) الذي تبطَّنه ابن أبي شيبة في ((مصنفه))، فروى منه سبعة آلاف أثر، وخمس
مئة أثر، وسبعة آثار. (٧٥٠٧).
(١) الخبر ذكره أبو شامة أيضًا ص ٤٩، ورواه بطوله: ابن أبي حاتم في ((آداب
الشافعي ومناقبه)) ص٥٨، وفي ((الجرح والتعديل)) ٧ (١١٣٠)، والبيهقي في ((مناقب
الشافعي)) ١: ٣٣٩، ٢: ٢٥٦، وأبو نعيم في («الحلية)) ٩: ٩٨. وراوي الخبر هو أبو
العباس محمد بن الفضل بن إسحاق بن حيان الدوري البزاز، عن أبيه الفضل بن
إسحاق بن حيان الدوري، فيكون اللائمُ المبهم هو الفضل بن إسحاق بن حیان والد
العباس الدوري، المترجَمَ عند الخطيب في ((تاريخه)) ١٤: ٣٢٥، لا الفضل بن زياد
القطان أبا العباس.

٤٦
مقدمة المؤلف
قال شيخ الإسلام(١): وفي بعضِ كلامِه نظر، لأن قوله: وهذا قد كُفِيَه
المشتغل بما صُنِّف فيه: قد أنكره العلامة أبو جعفر ابن الزبير(٢) وغيره، ويقال
عليه: إنْ كان التصنيف في الفنِّ يوجبُ الاتكالَ على ذلك وعدمَ الاشتغال به،
فالقولُ كذلك في الفن الأول، فإن فقهَ الحديث وغريبَه لا يُحصى كم صُنِّف
فيه، بل لو ادَّعى مدَّع أن التصانيف فيه أكثرُ من التصانيف في تمييز الرجال،
والصحيح من السقيم: لَمَا أَبْعَدَ، بل ذلك هو الواقع، فإنْ كان الاشتغال بالأول
مهمًّا فالاشتغال بالثاني أهمُّ، لأنه المِرْقاة إلى الأول(٣)، فمن أخلَّ به خَلَط
(١) جُلُّه في ((النكت على ابن الصلاح)) ١: ٢٢٩، وعند الشارح عبارات ليست
هناك، وهي عند السخاوي في ((الجواهر والدرر)) ١: ٧٤، ولم أر هذه المباحثة في
((النكت الوفية))، فكأنه من ((النكت الكبرى)) على ابن الصلاح؟.
(٢) هو الإمام أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير الغَرْناطي (٦٢٧ - ٧٠٨)
رحمه الله تعالى، صاحب ((ملاك التأويل)) وغيره، وصفه الذهبي في ((التذكرة))
١٤٨٤:٤ بالإمام الحافظ العلامة شيخ القراء والمحدثين بالأندلس.
(٣) [قال الشارح في ((شرح ألفيته)) - ١: ٢٥٦ -: كأن مراد أبي شامة أن الأمر
الثاني كُفيه المشتغل عن أن ينظر فيه بنفسه، ويجتهد ليميز الرجال باجتهاده، ويصحح
ويضعِّ بنقده، كما كان السلف الأول يفعلون قبل التدوين، فإن هذا أمر قد دُوِّن،
وانقطع التصحيح والتضعيف والتعديل والتجريح في هذه الأعصار، وصار الأمر مقلَّدًا
فيه الكتبُ المدوَّنة في ذلك، بخلاف الكلام في معاني الأحاديث واستنباط الأحكام
منها، والجمع بين مختلفها، وإيضاح مشكلها، فإنه بحر لا ساحل له، فلا يزال يُفتح
لعالمٍ بعدَ آخر من الاستنباطات والمعاني الدقيقة في الأحاديث ما لم يُسبق إليه، ولا
حَام طائرُ مَن قبله عليه. فتأمَّلْ. انتهى.].
قلت: ليس في كلام أبي شامة ما يساعد على هذا التأويل لكلامه. والله أعلم.

٤٧
مقدمة المؤلف
السقيم بالصحيح، والمعدَّل بالمجرَّح، وهو لا يشعر(١).
قال: فالحقُّ أن كلاً منهما في علم الحديث مهم(٢)، ولا شك أن من
جَمَعَهما حاز القِدْحِ المُعَلَّى مع قصورٍ فيه إِنْ أَخلَّ بالثالث، ومن أخلَّ بهما(٣)
(ت).
(١) زاد في ((النكت على ابن الصلاح)): ((وكفى بذلك عيبًا بالمحدث)). وهي في
((الجواهر والدرر))، وقد أضفتُها للكلام الذي سأنقله عن الحافظ أيضًا من ((الجواهر
والدرر)) بعد سطرين عن أبي الفتح نصر المقدسي، وأن ذلك ليس بعيب.
(٢) ((لارجحان لأحدهما على الآخر، نعم، لو قال: الاشتغالُ بالفن الأولِ أهمُ:
كان مسلَّمًا، مع ما فيه)). انتهى من ((النكت)) أيضًا.
(٣) زاد السخاوي في ((الجواهر)) ١: ٧٥ نقلاً عن شيخه ابن حجر فقال: ((قال
- أي ابن حجر -: وقد وجدت لي فيما ذكرته بحثًا، سَلَفًا من قول رجل من كبار أهل
العلم والزهد، وهو أبو الفتح نصر بن إبراهيم - في المطبوع: بن أحمد، خطأ - الذي
قال فيه حجة الإسلام الغزالي في ((منهاج العابدين)) - آخر ص ١٨٧ - ما قال، حيث
ذكر ما رواه الرامهرمزي في ((المحدث الفاصل)) له ... )) - (١٥٧) - ما خلاصته:
أن امرأة كانت تغسل الموتى، وربما عرضت الحاجة إلى ذلك أيام حيضها،
فجاءت تسأل عن ذلك، فصادفت مجلسًا فيه يحيى بن معين، وأبو خيثمة زهير بن
حرب، وخلف بن سالم المخرِّمي، وآخرون، يتذاكرون الأحاديث بطرقها،
فسألتهم، فجعلوا ينظرون إلى بعضهم حيرةً، وإِذْ بأبي ثور أحدِ أصحابِ الشافعي،
رضي الله عنهم جميعًا، قد أقبل، فدلّوها عليه، فسألته، فقال: نعم، تغسل الموتى،
لحديث عائشة: ((ليستْ حيضتُك في يدك))، ولقولها: كنتُ أفرُق شعر رأس رسول الله
صلى الله عليه وسلم وأنا حائض، قال أبو ثور: فإذا فرقت رأس الحيّ فالميت أولى،
فقالوا: نعم، وبدأوا يسردون طرق هذين الحديثين، فقالت لهم المرأة: فأين كنتم إلى
الآن؟ !.
والذي يهمني من هذا النقل: الأدب والإنصاف اللذان في التعليق الذي نقله
الحافظ ابن حجر عن الإمام أبي الفتح نصر المقدسي، وأشار إليه في مطلع كلامه
=

٤٨
مقدمة المؤلف
فلا حظّ له في اسم الحفاظ(١)، ومن أحرز الأول وأَخلَّ بالثاني(٢) كان بعيداً من
[ب] -
السابق، فقال: ((قال الفقيه نصر: ليس هذا الذي وقع من يحيى بن معين ورُفقته بعیب
فيهم، لأن الله تعالى قد قسم العلوم بين عباده كما قسم الأرزاق والآجال وسائر
الأحكام، فوفَّق قومًا لحفظِ أصول الشريعة، وبيانِ الصحيح من ذلك والفاسد، ووفّق
قومًا لمعرفة معاني ذلك واستنباط الأحكام منها، فكما لم نَعِبْ أبا ثور بترك ذكر
الطرق والأسانيد، كذلك لا نعيب أولئك بترك الاستنباط، إذ لكل مقام مقال، وإنما
العيب لاحقٌ بمن لم يشتغل بواحد من الطرفين، وربما اجتهد الإنسان فيهما فوُقِّق
لهما، قال الله تعالى: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينَّهم سُبُلَنا﴾ سورة العنكبوت: ٦٩،
فمن قدَّم النية لله في شيء، وجَدَّ فيه: وَجَده)). والكلام في هذا المعنى طويل،
ونسأل الله تعالى الإنصاف.
وجاء نحو هذا الاعتذار والإنصاف في آخر كلام ابن منده الذي نقلت منه
مقتطفات قبل قليل ص٤٣، قال رحمه الله ص٣١: ((وكلّ - والحمد لله - على خير
كثير، فسبحان من جعل الاختلاف من العلماء تسهيلاً على خلقه، ورحمة لعباده،
والحمد لله رب العالمين)).
(١) كذا في النسخ: ((الحفاظ))، ومثلها في ((البحر)) ١: ٢٥٦، وسيكرر الشارح
هذه اللفظة بعد فراغه من نقل كلام ابن حجر، لكن في ((الجواهر)): ((اسم الحافظ))،
وفي ((النكت)): ((اسم المحدث)). فإن صحَّ النقل عن ابن حجر أنه قال (اسم الحفاظ،
أو: الحافظ): سُلِّم للشارح استنباطه الآتي ص ٥٠ بأنه يستوي عند ابن حجر: لقب
المحدث والحافظ، وإن كان كلامه الذي هنا منقولاً عنه بالمعنى، والشارح ینقله عنه
بالواسطة: فلا يسلّم له هذا الاستنباط والإلزام.
ويبدو لي - والله أعلم - أن الحافظ ابن حجر اختار لفظ (الحفاظ) لأن العِلْم
الأول والثاني مصدَّران بلفظة: حفظ متونه، وحفظ أسانيدها، فعماد العِلْمين الحفظ،
ولا يريد رحمه الله التمييز بين لفظتين اصطلاحيتين. والله أعلم.
(٢) أي: لم يكن متوفّراً له مستوفيًا لحقُّه، وليس المراد: لا معرفة له فيه، إذ
=

٤٩
مقدمة المؤلف
اسم المحدث عُرْفًا، ومن أحرز الثاني وأَخلَّ بالأول لم يَبَعُد عنه اسم
المحدِّث، ولكنْ فيه نقصٌ بالنسبة إلى الأول، وبقي الكلام في الفن الثالث.
ولا شك أن مَن جمع ذلك مع الأوَّل(١) كان أوفرَ سهماً وأحظّ قَسمًا، ومَن
اقتصر عليه كان أخسَ(٢) حظًّا وأبعدَ حفظًا.
فمن جمع الثلاثة کان فقيهاً محدثًا كاملاً، ومن انفرد باثنین منها کان دونه،
إلا أن من اقتصر على الثاني والثالث فهو محدِّث صِرْف، لا حظّ له في اسم
الفقيه، كما أن من انفرد بالأول فلا حظًّ له في اسم المحدث، ومن انفرد
بالأول والثاني(٣) فهل یسمی محدثًا؟ فیه بحث. انتهى.
[ب]
سيأتي قوله آخر كلامه: ((كما أن من انفرد بالأول فلا حظًّ له في اسم المحدث)».
وتأكيد الحافظ في كلامه على ((المحدث)) عرفًا: يؤيده ما جاء في ((تاريخ الإسلام))
للذهبي ١٢: ١٢٢٥ ترجمة القاسم ابن الإمام الحافظ ابن عساكر رحمهما الله تعالى، وقد
حكى قصة عن القاسم جرت للمنذري مع شيخه أبي الحسن ابن المفضَّل المقدسي، تدلّ
على حفظ القاسم، وأن ابن المفضل قال: ((في بعض هذا يطلق عليه الحفظ))، فعلّق عليه
الذهبي مستدركا: ((قلت: وليس هذا هو الحفظَ العُرْفي)).
(١) من ك، ويؤيده ما عند ابن حجر ١: ٢٣٠، وفي النسخ الأخرى: الأولين.
(٢) من النسخ، إلا ز، ط، و((البحر)) للشارح ١: ٢٥٦ ففيها: أحسن، وهو
تحريف فاحش، وفي ((النكت على ابن الصلاح)) ٢٣٠:١: أنحس، وفي نسخةٍ من
نسخهِ، و((الجواهر والدرر)) ٧٥:١: أبخس، وهو أولى، للطفه.
(٣) هكذا في ب، ج، و، ح، ي، ك، وفي أ، د، هـ، ز، ط: والثالث، ومثله في
((البحر)) للشارح ١: ٢٥٧، وهو غير سديد، بل الصواب ما أثبتُّه، ويؤيده النظر في معنى
الكلام، وكذا ما في ((الجواهر والدرر)) ١: ٧٥، ولفظه: «ومن انفرد باثنین منها كان دونه -
أي دون من جمع الثلاثة - وإن كان لا بدَّ من الاقتصار على اثنين: فليكن الأول والثاني،
وهل يسمَّى محدثًا؟ فيه تردُّد)). ولم يتعرَّض لهذا الاحتمال في ((النكت)).
=

٥٠
مقدمة المؤلف
وفي غُضون كلامه ما يُشعِر باستواء المحدِّث والحافظ، حيثُ قال: ((فلا
حظَّ له في اسم الحفاظ)»، والكلامُ كلّه في المحدث(١).
وقد كان السلف يُطلقون المحدِّث والحافظ بمعنىّ، كما روى أبو سعد
السَّمعاني(٢) بسنده إلى أبي زرعة الرازي: سمعت أبا بكر بن أبي شيبة يقول: من
(ت)
وقد نقل شيخنا عبد الله الصدِّيق رحمه الله في آخر جزئه ((توجيه العناية)) كلام أبي
شامة وتعقيب ابن حجر عليه، من ((التدريب))، وعلّق على قول الحافظ: ((هل يسمى
محدثًا؟ فيه بحث)) قال: ((قلت: الظاهر أنه محدث، بل هو الواقع)).
وأقول: سيأتي بعد قليل تقسيم شيخنا للحفاظ: حفاظ فقهاء، وحفاظ محدثین،
وكأن شيخنا مال هنا إلى أن أهل هذا الصنف يسمَّون محدثين، على هذا المعنى:
محدثين على طريقة الفقهاء.
(١) على حاشية ك: بلغ. وقد نقل السخاوي في ((الجواهر)) ١: ٨٢ عن ابن حجر
قوله: ((اصطلحوا - أي المتأخرون - بعد ذلك - أي بعد عرف السلف - على أن (الحافظ)
من يعرف العلل والجرح وطرق الحديث، و(المحدث) من يعرف الأسانيد ويفرق بين
عاليها ونازلها)). فيكون كلام ابن حجر هنا - إن صح ما تقدم قريباً تعليقًا ص٤٨ - جاريًا
على عرف المتقدمين، وسيقول الشارح هذا الاصطلاح بعد جملة واحدة.
(٢) في ((أدب الإملاء والاستملاء)) (٢٨)، وهو في أول ((الجامع)) للخطيب
(٣)، وكلاهما من طريق الرامهرمزي في ((المحدِّث الفاصل)) (٣٥٩)، عن شيخه
الحسن بن عثمان النُّسْتَري، عن أبي زرعة الرازي، به، وقد اتهم ابن عدي في
((الكامل)) ١٦٤:٣ التستريَّ هذا بوضع الحديث وسرقته.
قلت: كلام الإمام ابن أبي شيبة ليس غريبًا على السلف، بل هو مألوف لهم،
وكونه مألوفًا لهم هو الذي سوَّغ لهؤلاء الأئمة الثلاثة: الرامهرمزي، والخطيب،
والسمعاني، ومِن بعدهم: الحافظ ابن حجر في كلامه هذا، وتلميذه ابن ناصر
الدين في ((شرح عقود الدرر)) ص ٣٩٦، والسخاوي في ((الجواهر)) ١: ٧٧، ٨٢،
وابن سيد الناس في كلامه الآتي ص٥٩، كل هؤلاء وغيرهم - لو تُتُبِّع النقل عن
=

٥١
مقدمة المؤلف
لم یکتب عشرين ألف حديثٍ إملاءً لم يُعَدَّ صاحبَ حدیث.
وفي ((الكامل))(١) لابن عدي من جهة النُّفَيلي، قال: سمعت هُشيما يقول:
من لم يحفظ الحديثَ فليس هو من أصحاب الحديث.
والحقُّ أن الحافظ أخصُ(٢).
[ب] -
غيرهم - لا يصح اتهامُهم بالغفلة عن سند الخبر وحال راويه، ثم التمدُّحُ بأننا
أصحاب بحث ونقد وغيرة على العلم عامة، وعلى السنة خاصة!، وفي مثل هذه
الأخبار ونحوها يقول الإمام الخطيب البغدادي في ((الجامع)) (١٧٠٥): ((الأسانيد
زينة لها، وليست شرطًا في تأديتها)).
ومما يتعين لفت النظر إليه من أساليب علمائنا رضي الله عنهم: أن الخطيب لما
ذكر هذا الخبر بسنده وفيه التستري، قدَّم قبله خبر أحمد بن العباس النسائي: أنه سأل
أحمد بن حنبل عن الرجل يكون معه مئة ألف حديث، يقال: إنه صاحب حديث؟
قال: لا، قلت: عنده مئتا ألف حديث، يقال: إنه صاحب حديث؟ قال: لا، قلت له:
ثلاث مئة ألف حديث؟ فقال بيده كما يروِّح يمنةً ويسرةً، وأومأ غسان - أحد الرواة -
بيده: كذا وكذا يقلبها.
قدَّم هذا الخبر توطئة لقبول خبر الحسن بن عثمان التستري، وهذا مألوف في
سياقة الأخبار والأحاديث في كتب علمائنا، والغفلةُ عن هذا الأسلوب في عرض
علمائنا للأحاديث والأخبار أوقعت كثيراً من الناس المتسرِّعين في أغلاط كثيرة
جسيمة.
(١) ((الكامل)) ١: ١٥٥، وهشيم: هو هُشَيم بن بشير الواسطي.
(٢) [قوله: ((والحقُّ أن الحافظ أخص)): قال الخطيب في ((الجامع))
- (١٥٦٤) -: ((الوصفُ بالحفظ على الإطلاق ينصرف إلى أهل الحديث خاصةً، وهو
نعتٌ لهم لا يتعدَّهم، ولا يُوصَف به أحدٌ من أرباب العلوم سواهم، وهو أعلى
صفات المحدثين، وأسنى درجات الناقلين، من وجدتْ فيه قُبلت أقاويله، وسُلِّم له
=

٥٢
مقدمة المؤلف
(ت)
(تصحيح) الحديث وتعليلُهُ، وأن المستحقين لها يقلُّ عددهم، ويَعزُّ، بل يتعذّر
وجودهم».
[وقال الحافظ ابن حجر في ((نكته)) - ١: ٢٦٨ -: ((للحافظ في عرف المحدثين
شروطٌ، وهي : الشهرةُ بالطلب، والأخذُ من أفواه الرجال لا من الصُّحُف، والمعرفةُ
بالتجريح والتعديل وطبقاتِ الرواة ومراتبهم، وتمييزُ الصحيح من السقيم، حتى يكون
ما يستحضره أكثرَ مما لا يستحضره، مع استحضار الكثير من المتون، فهذه الشروط
إذا اجتمعت في الراوي سُمي: حافظًا)). انتهى.].
وقول الخطيب عن لقب الحافظ (أعلى صفات المحدثين): فيه: أن لقب (أمير
المؤمنين في الحديث) أعلى رتبة، ولئِنْ وُصِف في المتقدمين عشراتٌ وعشرات بلقب
(الحافظ)، فإنه لم يوصف بـ(أمير المؤمنين) إلا عدد يسير جدًّا لا يبلغ الثلاثين، كما
تجده في رسالة شيخ شيوخنا الشيخ حبيب الله الشنقيطي رحمه الله ((هدية المغيث))
وهي مطبوعة، ورسالة شيخنا العلامة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله، وهي
مطبوعة كذلك.
ولشيخنا الحافظ عبد الله الصديق الغماري رحمه الله كلام جيد في مراتب
المحدثين، والحافظِ خاصة، في جزئه «توجيه العناية لتعريف علم الحديث رواية
ودراية))، خلاصته: أن المراتب خمسة: مسند، محدث، مفيد، حافظ، أمير
المؤمنين. لكن يحسنُ ذكر مرتبةٍ قبل المسند، هي مرتبة الراوي التي تقدم ذكرها قريباً
ص ٣٨، فتكون المراتب ستة.
وقال عن مرتبة الحافظ: ((اختلف في تعريفه بين مشدِّد ومخفِّف، وأعدل
التعريفات أنه من جمع شروطًا ثلاثة: ١ - حفظ المتون، ولا يقل محفوظه عن عشرين
ألف حديث. ٢ - حفظ أسانيدها وتمييز صحيحها من سقيمها. ٣ - معرفة طبقات
الرواة وأحوالهم، طبقة بعد طبقة، بحيثُ يكون من لا يعرفه أقلَّ ممن يعرفه)).
ثم قال: ((الحافظ نوعان: ١ - حافظ على طريقة الفقهاء، كالطحاوي والبيهقي،
=

٥٣
مقدمة المؤلف
وقال التاج السُّبكي في كتابه ((معيد النِّعَم)) (١): ((من الناس فرقة ادَّعَت
الحديث، فكان قُصارى أمرِها النظرُ في ((مشارق الأنوار)) للصاغاني، فإنْ
تَرَفَّعَت إلى ((مصابيح)) البَغَوي، ظنَّتْ أنها بهذا القَدْر تصل إلى درجة
المحدثین، وما ذلك إلا بجهلها بالحديث، فلو حفظ من ذكرناه هذین الکتابین
عن ظهر قلب، وضمَّ إليهما من المتون مثلَيْهما: لم يكنْ محدّثًا، ولا يصير
بذلك محدثًا حتى يَلِجَ الجَمَل في سَمِ الخِياط.
فإن رامتْ بلوغَ الغاية في الحديث - على زعمها -: اشتغلتْ بـ((جامع
الأصول)) لابن الأثير، فإنْ ضمتْ إليه كتاب ((علوم الحديث)) لابن الصلاح، أو
مختصرَه المسمَّى بـ((التقريب والتيسير)) للنووي ونحوَ ذلك، فحينئذ ينادَى من
انتهى إلى هذا المقام: محدثَ المحدثين! وبخاريَّ العصر! وما ناسبَ هذه
الألفاظ الكاذبةَ، فإن مَن ذكرناه لا يعدُّ محدّثًا بهذا القدر.
إنما المحدثُ: من عَرَف الأسانيدَ والعللَ، وأسماءَ الرجال، والعاليَّ
والنازل، وحفظ مع ذلك جملةً مستكثَرةً من المتون، وسمع الكتب الستة،
و((مسند)) أحمد بن حنبل، و((سنن)) البيهقي، و((معجم)) الطبراني، وضَمَّ إلى
هذا القَدْر ألفَ جزءٍ من الأجزاء الحديثية. هذا أقلّ درجاته، فإذا سمع ما
ذكرناه، وكَتَبَ الطِباق(٢)، ودار على الشيوخ، وتكلَّم في العلل والوَفَيَات
[س)
والباجي، وابن العربي المَعافِري، والقاضي عياض، والنووي، وابن تيمية، وابن
كثير. ٢ - حافظ على طريقة المحدثين، وهم معظم الحفاظ)).
وهذا التقسيم - أو التنويع - هو خلاصة كلام الحافظ ابن حجر.
(١) ((مُعيد النِّعَم ومُبيد النِّقَم)) ص ٦٦ أثناء حديثه عن المثال السادس والأربعين.
(٢) الطِّباق: جمع طبقة، والمراد هنا: ورقة يكتب فيها الشيخُ أو أحدُ أصحابه
سماعَ من سمع عليه كتابًا ما، يسميهم بأسمائهم كاملة، ويحدِّد قدر سماع من لم
يسمعه كاملاً، ثم يوقع الشيخ - إن لم يكن هو الكاتب - آخر ذلك بما يُشعِر بصحة
=

٥٤
مقدمة المؤلف
والأسانيد: كان في أول درجات المحدثين، ثم يزيد الله من يشاء ما يشاء)).
وقال في موضع آخر منه(١): ((ومن أهل العلم طائفةٌ طَلَبَت الحديثَ،
وجعلتْ دَأبها السماعَ على المشايخ، ومعرفةَ العالي من المسموع والنازلِ،
وهؤلاء هم المحدثون على الحقيقة، إلا أن كثيراً منهم يُجهِد نفسَه في تهجِّي
الأسماء والمتون، وكثرةِ السماعِ من غير فهم لما يقرؤنه، ولا تتعلَّق فكرته بأكثرَ
من أني حصَّلتُ ((جزء ابن عرفة)) عن سبعين شيخًا، ((جزء الأنصاري)) عن كذا
كذا شيخًا، ((جزء ابن الفِيل)))، ((جزء البطاقة))، ((نسخة أبي مُسْهِر))، وأنحاء
ذلك، وإنما كان السلف: يسمعون، فيقرؤُون، فيرحلون، فيفسِّرون، ويحفظون
فيعملون.
((ورأيتُ من كلام شيخنا الذهبي في وصية لبعض المحدِّثين(٢) في هذه
[ب]
الكتابة، فیقول - مثلاً -: صحیح ذلك، أو: ثبت ذلك، ثم یکتب اسمه.
(١) ((معيد النعم)) ص٧١ - ٧٢ إلى آخر الأبيات الشعرية الخمسة. وما بين
الهلالين منه، وكلمة (المقيتة) صححتها من مخطوطة الوصية التي يأتي وصفها بعد
سطر. وكلمة (قسطًا): منها ومن ((معيد النعم))، كما أن هناك كلمات أخرى ينبغي
تصحيحها.
(٢) هو الإمام محمد بن رافع السَّلّامي (٧٠٤ - ٧٧٤) رحمه الله تعالى، وهو
صاحب كتاب ((الوَفَيات)) المطبوع في مجلدین.
وكأن هذه الوصية كتبها له الإمام الذهبي أولَ ما قَدِمِ عليه ابنُ رافع سنة ٧٢٣،
فكان دون العشرين من العمر - كما في ((المعجم المختص)) ص٢٣٠ -، يدلك على
ذلك مطلعها.
وقد طُبعت هذه الوصية، والنصّ المنقول هو فيها ص ١٦ - ١٨.
هذا، وقد نقل السخاوي في ((الجواهر)) ١: ٧٢ كلامًا للذهبي نفسِهِ، فیه عتب
شديد على طلبة الحديث، نحو هذا العتب، وصدَّره السخاوي بقوله: ((بالغَ، لكنه
=

مقدمة المؤلف
الطائفة: ما حظًّ واحدٍ من هؤلاء إلا أن يسمعَ ليرويَ فقط، فلَيُعاقبنَّ بنقيضٍ
قَصْده، وليُشهِّرَنَّه الله بعد أن سَتّره مراتٍ، وليبقينَّ مُضغةً في الألسن، وعبرةً
بين المحدثين، ثم ليطبعنَّ الله على قلبه.
ثم قال: فهل يكونُ طالبٌ من طلاب السنَّة يتهاون بالصلوات، أو يَتَعانَى
تلك القاذورات؟ وأنحسُ منه: محدِّثُ يكذِب في حديثه، ويختلِقِ الفُشَارَ(١)،
فإن ترقَّتْ همته المَقِيتةُ إلى الكذب في النقل، والتزوير في الطَّباق فقد استراح،
وإن تَعانى سرقةَ الأجزاء (٢) أو كشطَ الأوقاف: فهذا لصٌّ بسَمْتِ محدثٍ، فإن
كمَّل نفسَه بتلوُّط أو قيادة، فقد تمَّتْ له الإفادة! وإن استعمل من المعلوم(٣)
(ت)
والله معذور)).
كما نقل في ((فتح المغيث)) ١: ٨١ كلامًا من هذا القبيل يقال فيه مثل هذا،
وصدَّر نقله بقوله: ((قال بعض أئمة الحديث ... ))، يريد: الإمام مغلطاي، فهو منقول
بالحرف من كتابه «إصلاح كتاب ابن الصلاح)) ٢: ٥٥، ولم ينسبه إليه !.
(١) الفُشَار: كلمة غير عربية، والعامة تستعملها بمعنى: الهَذَيان، كما يستفاد من
((القاموس)). وصاحب ((القاموس)) المتوفى سنة ٨١٧، قريبُ عهدٍ من الذهبي المتوفى
سنة ٧٤٨.
(٢) سرقة الأجزاء: أن يعمد إنسان إلى جزء حديثي من رواية غيره، أو كتاب
ليس له به سماع، فيكشط مكانًا من طبقة السماع ليُلحق فيه اسمه ويُثبت لنفسه السماع
له، أو: يكشط اسم صاحب الجزء أو الكتاب فينسبه لآخر، وقد يتجرأ أكثر فينسبه
وينتحلَه لنفسه، ليصيرَ الجزء من مروياته، فهو سارق للسماع، أو للتأليف، فهو
(كذب بالجملة) بدلاً من أن يضع لنفسه حديثاً، حديثًا.
(٣) في النسخ: العلوم، وصوَّبتها من ((الوصية)). والمعلوم: هو الراتب الذي
يتقاضاه من الوقف. وذِكْره لاستعمالهم المعلوم: توبيخ لهم على صرْف ما وَقَفه
الواقفون بقصد الخير، وجعلهم إياه في الشر.

٥٦
مقدمة المؤلف
(قسطًا)، فقد ازداد مهانةً وخَبْطًا، إلى أن قال: فهل في مثل هذا الضَّرْب خير؟
لا كثَّر الله منهم)» انتهى(١).
ولبعضهم(٢):
يجهلُ ما يَروي وما يكتبُ
إن الذي يَروي ولكنه
-
[ب]
(١) انتهى كلام الذهبي، والنقل مستمر عن ((معيد النعم)). ونَقَل السخاوي في
((الجواهر)) ١: ٧٢ عن الذهبي جُمَلاً أخرى من هذه الوصية، وليس فيها مثل هذا
الإقذاع وقال: ((ولله درّ الحافظ أبي عبد الله الذهبي حيث قال - فيما قرأته بخطه - في
حقّ هؤلاء، وإن بالغ، لكنه والله معذور، .. )).
وأزيد فأقول: إنه - ولله الحمد والفضل العظيم - لم يُكتب البقاء لأحد من هؤلاء
الموصوفين بما ذُكر، لا أثر ولا خبر، إنما الأمر كما قال الله عز وجل: ﴿فأما الزَّبَد
فيذهب جُفَاء، وأما ما ينفعُ الناس فيمكُثُ في الأرض﴾ سورة الرعد: ١٧، فلا مجال
لمُغرِض هدّام للدين أن يستشهد بمثل هذه الأقوال على دعواه فسادَ الدين بفسادِ
طلابه من تلك الحِقَب! فهي كلمات تاريخية، وليس لها في الواقع أثر ولا عين.
(٢) جاء البيتان في آخر كلام للإمام أبي حيان الأندلسي، الذي نقله الزركشي في
((النكت)) ٢: ٤٩ (١١) - وهو بمعنى كلام الذهبي والتاج السبكي -، ونسبهما أبو
حيان لمعاصرٍ له فقال: ((وقد أنشدني أبو الحسن علي بن إبراهيم السيماني لنفسه))
وذکرهما.
وسماه في ((نفح الطيب)) ٢: ٥٣٦: أبا الحسن التِّجاني، ونسبتُهما في التعليق
على ((فتح المغيث)) ٣: ٣١٧ إلى أبي حيان نفسه اعتمادًا على ((نفح الطيب)): خطأ.
أما ما جاء في التعليق على ((البحر الذي زخر)) ١: ٢٦٢ (٤): فلا ينقضي العجب
منه !!. وقد تحرَّف أولُ النقل عنده من: قال أبو حيان - وهو الإمام الأندلسي صاحب
((البحر المحيط))، كما جاء عند الزركشي ٢: ٤٤ - إلى: قال ابن حبان، وترجم لهذا
الإمام وعزا ترجمته إلى ((تذكرة الحفاظ))، و((ميزان الاعتدال))، و((لسان الميزان)) !!.

٥٧
مقدمة المؤلف
تَسقي الأراضي وهي لا تشربُ
كصخرةٍ تَنْبُع أمواهُها
وقال بعض الظُّرفاء في الواحد من هذه الطائفة(١): إنه قليل المعرفة
والمَخْبَرة، يمشي ومعه أوراق ومَحْبَرَة، معه أجزاءً يدور بها على شيخ
وعجوز، لا يَعرِف ما يجوز مما لا يجوز:
أجزاء يرويها عن الدِّمياطي
ومحدِّثٍ قد صار غاية علمه
وفلانُ يروي ذاك عن أسباط
وفلانةٌ تروي حديثًا عاليًا
وافصِحْ عن الخيَّاط والحنَّاط
والفرقُ بين غريبهم وعزيزهم (٢)
-
[ب]
(١) لعله العلامة المؤرخ الأديب الفقيه الشافعي، جعفر بن ثعلب الأُدْفُوي،
المتوفى سنة ٧٤٨، وهو صاحب ((الطالع السعيد)) المطبوع، فإن الأبيات الخمسة
الآتية هي من جملة أبيات ذكرها له الحافظ في ترجمته من ((الدرر الكامنة)) ٥٣٦:١.
والله أعلم.
(٢) قوله ((غريبهم وعزيزهم)): كذا في النسخ. وفي ((معيد النعم)): والفرق بين
عَزيرهم وعُزيرهم. وهو المناسب لكلمة ((الفرق)). وهو كذلك في كتب الرسم، ينظر
مثلاً ((المؤتلف والمختلف)) للدارقطني ٤: ١٧٤٩. وفي ((الدرر الكامنة)): غريرهم
وغزيرهم. وعلَّق عليه المعلِّمي رحمه الله: ((لعله: غريبهم وعزيزهم؟ نوعان من أنواع
الحديث)). وهو توقَّع غير سليم، فالسياق واللحاق - كما ترى - في ضبط الأعلام،
وتمييز المؤتلف والمختلف، لا في أنواع علم الحديث، على أن الفرق بين الغريب
والعزيز ليس مشكلاً ولا مما يُغرِق (الشكليون) من طلاب الحدیث فيه.
فالظاهر أن المراد التفرقة بين الأعلام المشتبهة بهذا الرسم، وهي - كما في
((الإكمال)) لابن ماكولا ٧: ٤ -: ((باب غُرِير، وعُزَير، وعَزِيز، وعُزَيز، وغَرير،
وغدير)، فمراده اثنان من هذه الأسماء أسعفه النظم على ذكرهما. والله أعلم.

٥٨
مقدمة المؤلف
بين الأنام ملقَّبٌ بسُنَاط(١)
وأبو فلانٍ: ما اسمه؟ ومَن الذي
هذا زمانٌ فيه طَيُّ بِساطي(٢)
وعلومُ دين الله نادتْ جهرةً:
وقال الشيخ تقي الدين السُّبكي(٣): إنه سأل الحافظ جمال الدين المِزِّي(٤)
عن حدِّ الحفظ الذي إذا انتهى إليه الرجل جاز أن يُطلَق عليه الحافظ؟ قال:
يُرْجَع إلى أهل العُرْف، فقلت: وأين أهلُ العُرف؟ قليل جدًّاً! قال: أقلُّ ما يكون
أن يكون الرجالُ الذين يَعرِفهم ويعرفُ تراجمهم وأحوالَهم وبلدانَهم أكثرَ من
[ت)
(١) ((سُناط)): بضم السين وكسرها، وهو الكَوْسَج الذي لا لحية له، أو لحيته في
ذقنه ولا شعر على العارضين، أو عليهما شعر خفيف. وهو لقب ((الحسن بن حسان
الشاعر الأندلسي)) كما قاله الحافظ في ((نزهة الألباب)) ١ (١٥٦١).
ولهم: السَّنوط، وهو لقب أبي العباس أحمد بن الحجاج البزار، بغدادي، توفي
سنة ٣٠٥، كما في ((الأنساب)) ٣: ٣٢٣، وغيره.
وسَنُوطَى: وهو لقب عبيد أبي الوليد المدني، المترجَم في ((التقريب)) (٤٤٠٤).
والکل بمعنی واحد.
(٢) على حاشية ك: بلغ.
(٣) هذا النقل جاء في ((البحر الذي زخر)) ١: ٢٧٩. وساق السخاويُّ في
((الجواهر)) ١: ٨١ الجواب بسنده إلى المزي، ودلَّس فيه تدليس الشيوخ. وهو في
((الأجوبة المرضية عن الأسئلة المكية)) لولي الدين العراقي ص٦٩.
(٤) [(المِزِّيّ): بالكسر والتشديد، إلى المِزَّة، قرية بد مشق. (لبّ) - (٣٧٠٧) -. ].
(لبّ اللباب)) ص٢٤٤. وهذا أشهر الوجوه في ضبط الميم، ثم: ضمها، كما
يستفاد من أول رسالة الشمس ابن طولون «المَعَزَّة في تاريخ المِزة».
ثم، إن هذا السؤال وجوابه جاءا في ص٦٧١ س٣، من ((مجموع يضم عشرة
کتب في الرجال وعلوم الحديث» کله بخط الحافظ البوصيري رحمه الله، صوَّرته دار
الحديث الكتانية.

٥٩
مقدمة المؤلف
الذين لا يعرفهم، ليكونَ الحكمُ للغالب.
فقلت له: هذا عزيز في هذا الزمان، أدركتَ أنت أحدًا كذلك؟ فقال: ما
رأينا مثلَ الشيخ شرف الدين الدِّمياطي(١).
ثم قال: وابنُ دقيقِ العيدِ كان له في هذا مشاركةٌ جيدة، ولكن أين الثريا (٢) من
الثَّرى!، فقلت: كان يَصلُّ(٣) إلى هذا الحدِّ؟ قال: ما هو إلا كان يشاركُ مشاركةً
جيدة في هذا - أعني في الأسانيد - وكان في المتون أكثرَ، لأجل الفقه والأصول.
وقال الشيخ فتح الدين ابن سيِّدِ الناس(٤): وأما المحدِّث في عصرنا فهو:
(١) [بكسر الدال المهملة، وضَبَطها بعضهم بالمعجمة . - ((لبّ)) (١٦٢٧) -. ].
وضبطُها بالذال المعجمة من زيادات الشارح رحمه الله على أصلَيْه: ((اللباب))،
و ((الأنساب)).
(٢) في أ، ك: أين السُّها !.
(٣) يريد: هل كان ينزل ابن دقيق العيد في معرفة الأسانيد إلى هذا الحدّ؟ وهل
كانت منزلتُه من الدمياطي بالنسبة لفنون الحديث منزلةَ الثرى من الثريا؟.
(٤) في ((أجوبته)) عن الأسئلة التي رفعها إليه - سنة ٧٣١ - الحافظ أبو العباس
أحمد بن أَيْبَك الدمياطي الحسامي المتوفّى سنة ٧٤٩، وجاء جوابه المذكور ١٦٥:٢.
وفي تعليقات العلامة الكوثري على ((ذيول تذكرة الحفاظ)) ص٣٣٥ نقلاً عن
الإمام الشعراني، عن الشارح السيوطي، عن الحافظ ابن حجر أنه كان يقول:
((الشروط التي اجتمعت فيَّ الآن: بها أُسَمَّى حافظًا))، وذكر الشروط الخمسة التي
تقدمت في نقل الشيخ ابن العجمي عن الحافظ صفحة ٥١ - ٥٢.
ثم رأيت الإمام سبط ابن العجمي ترجم في ((نهاية السول)) ١: ١٩٠ عَرَضًا
لشمس الدين محمد بن علي السَّرُوجي (٧١٤ - ٧٤٤)، تحت ترجمة أحمد بن
عبد الله العرعري، فقال في السَّروجي: (( .. وصار من الحفاظ: أتقن المتون وأسماء
الرجال، وطبقات الناس، والوقائع والحوادث، وضبط الوَفَيات والمواليد، والطِّباق،
=

٦٠
مقدمة المؤلف
مَن اشتغل بالحديث روايةً ودرايةً، وجَمَع رُواتَه، واطّلع على كثير من الرواة
والروايات في عصره، وتميَّز في ذلك حتى عُرِف فيه خطَّه، واشتهر فيه ضبطُه،
فإن توسَّعَ في ذلك حتى عَرَفَ شيوخَه، وشيوخَ شيوخِه، طبقةً بعد طبقة بحيثُ
يكون ما يعرفه من كل طبقةٍ أكثرَ مما يجهلُه منها فهذا هو الحافظ.
قال: وأما ما يُحكَى عن بعضِ المتقدمين(١) من قولهم: كنا لا نعدُّ صاحبَ
حديثٍ من لم يكتب عشرينَ ألفَ حديثٍ في الإملاء: فذلك بحسب أزمنتهم.
انتھی.
وسأل شيخ الإسلام أبو الفضل ابنُ حجرٍ شيخَه الحافظَ أبا الفضل العراقيَّ
وحصّل ما يرويه عن أهل عصره في البلاد التي ارتحل إليها))، فهذا تفسير منه للحافظ.
[ب] -
وهو من حيثُ الجملة يلتقي مع كلام التقي السبكي وابن سيد الناس، ويضاف
إليهم: مغلطاي - وكلهم متعاصرون - فإنه قال في ((إصلاح كتاب ابن الصلاح)) ٢ :
٥٥ : ((الذي يطلق عليه اسم المحدث في عُرف المحدثين: أن يكون كتب وقرأ،
وسمع ووعى، ورحل إلى المدائن والقرى، وحصَّل أصولاً، وعلَّق فروعًا، من كتب
المسانيد والعلل والتواريخ التي تقرب من ألف تصنيف، فإذا كان كذلك فلا يُنكر له
ذلك))، ثم نَعَی نعیًا شديدًا على من تظاهر بأنه من أهل الحديث ولم یکن كذلك، وقد
تقدمت الإشارة إلی نعیہ هذا ص ٥٥.
(١) تقدم ص ٥٠ أنه الإمام أبو بكر ابن أبي شيبة رحمه الله تعالى.
هذا، وقد كتب ابن العجمي رحمه الله على الحاشية إزاء هذا الكلام:
[فائدة: في ((جواهر)) السخاوي - ١: ٩٠ -، عن الفخر الرازي - ((مناقب
الشافعي)) ص ٣٥١ -: ((إن الحكماء يقولون: إن الفهم والحفظ لا يجتمعان على
سبيل الكمال، لأن الفهم يستدعي مزيدَ رطوبةٍ في الدماغ، والحفظ يستدعي مزيد
يبوسة، والجمع بينهما محال)). انتهى.].