النص المفهرس
صفحات 461-480
٤٦٥
كتاب الأقضية والشهادات
كِتَابُ الأَقْضِيَةِ والتَّهَادَاتِ
(وَلَ يَجُوزُ أَنْ يَلِيَ القَضَاءَ إلَّ مَنِ اسْتَكْمَلَتْ فِيهِ ثَلَاثَ عَشَرَةَ خَصْلَةً.
وَقِيلَ: خَمْسَ عَشَرَةَ(١) خَصْلَةً).
قلت: الأصل في ذلك الكتاب والسنة الإجماع. أما الكتاب فقوله
تعالى: ﴿ وَأَنِ أَعْكُمْ بَيْنَهُم بِمَآ أَنَزَلَ اَللَّهُ﴾(٢) وأما السنة فلأن النبي صلى الله
عليه/ وسلم بعث عليًّا إلى اليمن للقضاء بين الناس(٣).
١/١٠٠
[قال:](٤) (الإِسْلَامُ والبُلُوغُ والعَقْلُ والحُرِّيَةُ والذُّكُورِيَّةُ والعَدَالَةُ
وَمَعْرِفَةُ أَحْكَامِ الكِتَابِ والسُّنَّةِ وَ{مَعْرِفَةُ](٥) الإِجْمَاعِ و[مَعْرِفَةُ](٦)
الاخْتِلَافِ وَ[مَعْرِفَةُ](٧) طُرُقِ الاجْتِهَادِ وَ[مَعْرِفَةٌ](٨) طَرَفٍ مِنْ لِسَانٍ
(١) في الأصل: ((ثلاثة عشر خصلة وقيل خمسة عشر خصلة)) والمثبت هو الصواب، وكذا
جاء بالأصل، بينما في جميع نسخ المتن السبعة التي عندي جاء فيها: ((خمس عشرة
خصلة)) .
(٢) سورة المائدة، آية: ٤٩.
(٣) أخرجه أحمد (٨٣/١) وأبو داود (١١/٤ - ١٢ رقم ٣٥٨٢) وابن ماجه (٧٧٤/٢ رقم
٢٣١٠) وأبو يعلى (٢٦٨/١ رقم ٣١٦)، (٣٢٣/١ رقم ٤٠١) وعبد بن حميد في
المنتخب (١٤٣/١ رقم ٩٤) والحاكم (١٣٥/٣) وقال: هذا حديث صحيح على شرط
الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
(٤) ما بين المعكوفين سقط من الأصل.
(٥) ما بين المعكوفين ليس بالأصل، فأثبته من نسخ المتن.
(٦) ما بين المعكوفين ليس بالأصل، فأثبته من نسخ المتن.
(٧) ما بين المعكوفين ليس بالأصل، فأثبته من نسخ المتن.
(٨) ما بين المعكوفين ليس بالأصل، فأثبته من نسخ المتن.
٤٦٦
تحفة اللبيب في شرح التقريب
العَرَبِ [وَمَعْرِفَةُ تَفْسِيرٍ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى}(١) وَأَنْ يَكُونَ بَصِيراً [وَأَنْ
يَكُونَ}(٢) كَاتِباً وَأَنْ يَكُونَ سَمِيعاً [ وَأَنْ يَكُونَ مُسْتِيْقِظاً](٣)).
(٣)
قلت: أما الإسلام والبلوغ والعقل والحرية فذلك إجماع الإمة. وأما
الذكورية فالخلاف فيه مع أبي حنيفة قال: يجوز أن تكون المرأة
قاضية، فيما يجوز أن تكون شاهدة فيه. ومع من يقول: إنه مطلقاً.
وهو الطبري، مستدلاً بأنه يتأتى منها فصل القضاء وإنصاف المظلوم من
الظالم فجاز كالرجل لنا: قوله عليه السلام: ((لن يفلح قوم ولوا
أمرهم امرأة))(٤) ولأن القاضي لابد من مجالسة العلماء والشهود
والخصوم. والمرأة ممنوعة من ذلك، لما فيه من الفتنة. وأما العدالة
فلابد منها، لأن الفاسق إذا لم يجز أن یکون شاهداً فلا يجوز أن يكون
حاكماً. وأما معرفة الأحكام فلقوله عليه السلام: ((القضاة [ثلاثة](٥).
قاضيان في النار، [وقاضٍ](٦) في الجنة. رجل عرف الحق فقضى به
فهو في الجنة، ورجل عرف الحق فلم [يقضٍ](٧) به فهو في النار،
ورجل لم يعرف الحق فقضى للناس على جهل فهو في النار))(٨). ولأنا
(١) ما بين المعكوفين ليس بالأصل، فأثبته من نسخ المتن ..
. (٢) ما بين المعكوفين ليس بالأصل، فأثبته من نسخ المتن.
(٣) في الأصل: ((مقسطاً)) والمثبت من نسخ المتن ..
(٤)
أخرجه البخاري (١٢٦/٨ رقم ٤٤٢٥)، (١٣/ ٥٣ رقم ٧٠٩٩).
(٥)
في الأصل: ((ثلاث» والتصويب من مصادر التخريج.
(٦)
في الأصل: ((قاضي)» والتصويب من مصادر التخريج.
(٧)
في الأصل: ((يقضي)) والتصويب من مصادر التخريج.
(٨) أخرجه أبو داود (٥/٤ - ٦ رقم ٣٥٧٣) والترمذي (٦١٣/٣ رقم ١٣٢٢) وابن ماجه
(٧٧٦/٢ رقم ٢٣١٥) والبيهقي في السنن الكبرى (١١٧/١٠) وفي السنن الصغير =.
٤٦٧
كتاب الأقضية والشهادات
أجمعنا على أنه لا يقلد فيفتي، ولا يقلد فيقضي من باب الأولى. وأما
النظر فلأن الأعمى لا يعرف الخصوم والشهود. ولا يتأتى منه
المقصود. وأما الكتابة ففيها قولان: أحدهما: لا يشترط، لأن النبي
﴿ال# كان [مؤيداً](١) بالوحي، فذلك خاص به .
قال: (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْزِلَ القَاضِي وَسَطَ البَلَدِ).
قلت: حتى يساوي أهل البلد في القصد إليه، فلا يشق على أحد منهم
بعده .
قال: (وَيَجْلِسَ فِي مَوْضِعٍ بَارِزٍ لِلنَّاسِ لَ حَاجِبَ دُونَهُ).
قلت: لما روي أن الني وَلّ قال: ((من ولي من أمور الناس [شيئاً] (٢)
واحتجب دون حاجتهم))/ (٣) [وخلتهم وفقرهم احتجب الله عنه دون ١٠٠/ب
حاجته وخلته وفقره](٤))).
(١٣٦/٤ رقم ٤١٤٩) والحاكم (٩٠/٤) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم
=
يخرجاه. وله شاهد بإسناد صحيح على شرط مسلم. وقال أبو داود: وهذا أصح شيء
فيه. يعنى حديث بريدة: القضاة ثلاثة. وصححه الألباني في الإرواء (٢٣٥/٨ رقم
٢٦١٤) .
(١) تصحفت في الأصل إلى: ((موديا)) والمثبت هو الصواب.
(٢) في الأصل: ((شيء)» والمثبت هو الصواب.
(٣) أخرجه أبو داود (٣٥٦/٣ - ٣٥٧ رقم ٢٩٤٨) والترمذي (٦١٩/٣ - ٦٢٠ رقم
١٣٣٣،١٣٣٢) وأحمد (٤٤١/٣) وأبو يعلى (٣٦٨/١٣ رقم ٧٣٧٨) وصححه الألباني
في الصحيحة (رقم ٦٢٩).
(٤) لم يتضح بالأصل بمقدار سطر ونصف. والمثيت بين المعكوفين استدركته من سنن
أبي داود.
٤٦٨
تحفة اللبيب في شرح التقريب
قال: (وَلَا يَقْعُدُ لِلِقَضَاءِ فِي المَسْجِدِ).
قلت: لما روي أن النبي ◌َّلل سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فقال:
(«لا وجدتها أبداً؛ إنما بني المسجد لذكر الله تعالى والصلاة)) (١) ولأن
المتخاصمين يكثر بينهما [اللغط] (٢) لما روي عن الصحابة أنهم [قد
رأوا](٣) ذلك.
قال: ([وَيُسَوِّي](٤) بَيْنَ الخَصْمَيْنِ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: [فِي]
المَجْلِسِ واللَّحْظِ واللَّفْظِ).
قلت: اجتمع العلماء على ذلك، وكتب عمر رضي الله عنه إلى أبي
موسى الأشعري: سوِّ بين الناس في مجلسك ومدخلك ولفظتك(٦).
(١) أخرجه مسلم (٣٩٧/١ - ٣٩٨ رقم ٥٦٩،٥٦٨) وأبو داود (٣٢١/١ رقم ٤٧٣)
وأحمد (٣٤٩/٢).
(٢) ما بين المعكوفين ليس بالأصل فأثبته بالاجتهاد لإتمام المعنى.
(٣) ما بين المعكوفين لم يتضح في الأصل فأثبته بالاجتهاد، ولعله أقرب إلى الصواب.
فى الأصل: ((ويساوي)) والمثبت من نسخ المتن.
(٤)
(٥) ما بين المعکوفین ليس بالأصل، فأثبته من المتن.
(٦) كذا بالأصل، والذي في خطاب عمر إلى أبي موسى كما عند ابن القيم في ((أعلام
الموقعين)) (٨٥/١-٨٦) ((آس الناس في مجلسك وفي وجهك وقضائك، حتى لا
يطمع شريف في حيفك ولاييأس ضعيف من عدلك .. )) إلى آخر هذا الخطاب الجليل
الجدير بأهل القضاء الاطلاع عليه والوقوف على توجيهاته والعمل بمافيه.
أخرجه الدار قطني (١١١/٤ -١١٢ رقم ٤٤٢٥، ٤٤٢٦) وأخرج أيضاً عن أم سلمة
مرفوعاً: (١٠٩/٤ - ١/١٠ رقم ٤٤٢٠، ٤٤٢١) ((من ابتلي بالقضاء بين المسلمين
فليعدل بينهم في لحظه ولفظه وإشارته ومقعده))، ((ولا يرفعن صوته على أحد
الخصمين مالا يرفع على الآخر)) أخرجه البيهقي في الكبرى (١٣٥/١٠) وفي الستن
الصغير (١٣٣/٤ رقم ٤١٣٧) وأبو يعلى (٢٦٤/١٠ رقم ٥٨٦٧)، (٣٥٦/١٢ رقم =
٤٦٩
كتاب الأقضية والشهادات
ولو كان أحدهما [مسلماً](١) والآخر ذميًّا، هل يجوز أن يجلسه المسلم
تحته؟ [فيه](٢) وجهان: أحدهما: لا، لحديث عمر، لكن يجب
التسوية بينهما في [الإقبال] (٣) والاستماع. والثاني: نعم، لما روي أن
عليًّا عليه السلام [حاكم يهوديًّا إلى شريح، فقام شريح من مجلسه،
وأجلس عليًّا فيه. فقال علي رضي الله عنه: ](٤) [لو كان](٥) خصمي
مسلماً جلست إلى جنبه، لكني سمعت رسول الله وَليه يقول:
((لا تساووهم في المجالس]»(٦).
قال: (وَلَ يَجُوزُ أَنْ يَقْبَلَ هَدِيَّةً مِنْ أَهْلِ عَمَلِهِ).
[قلت](٧): لما روي أن النبي ◌َّلهو استعمل رجلاً على الصدقات، فقدم
فقال: هذا لكم وهذا أهدي لي. فقام رسول الله رَّر على المنبر فقال:
((ما بال العامل نبعثه على بعض أعمالنا فيقول: هذا لكم، وهذا أُهدي
لي، ألا جلس في بيت أبيه وأمه، فينظر أيهدى إليه أم لا؟ والذي نفسي
بيده لا يأخذ أحد منها شيئاً إلا جاء يوم القيامة [يحمله](٨) على
٦٩٢٤) وضعفه الألباني في إرواء الغليل (٢٣٩/٨ - ٢٤٠ رقم ٢٦١٨).
=
في الأصل: ((مسلم)) والصواب ما أثبته.
(١)
(٢)
في الأصل: ((في)).
(٣) في الأصل: ((الاقتال)).
(٤) ما بين المعكوفين مكانه في الأصل: ((جلس إلى جانب تحت شريح في الخصومة له
مع يهودي. وقال)) والمثبت من مصادر التخريج.
(٥) ما بين المعكوفين ليس بالأصل، فأثبته من مصادر التخريج.
(٦) ضعفه الألباني في الإرواء (٢٤٢/٨ رقم ١٦٢٠).
(٧) ما بين المعكوفين سقط من الأصل.
(٨) ما بين المعكوفين ليس بالأصل، فأثبته من مصادر التخريج.
-.
٤٧٠
تحفة اللبيب في شرح التقريب
رقبته))(١).
قال: (وَيَجْتَنِبُ القَضَاءَ فِي عَشَرَةٍ أَحْوَالٍ(٢) عِنْدَ الغَضَبِ والجُوعِ
والغَطَشِ وَشِدَّةِ الشَّهْوَةِ والحُزْنِ والفَرَحِ المُفْرطِ [وَعِنْدَ المَرَضِ]
م (٣)
وَمُدَافَعَةِ الأَخْبَثَيْنِ وَغَلَبَةِ (٤) النُّعَاسِ وَشِدَّةِ الحَرِّ والبَرْدِ).
قلت: الأصل في ذلك حديث مسلم أن النبي بَّ ه قال: ((لا يقضي
القاضي وهو غضبان))(٥) وهو محمول على الغضب المفرط، الذي
١/١٠١ يمنع من/ التأني وإتمام النظر، ويلحق بهذه الأشياء المذكورة، ولأنها
تمنع من إتمام الفكر والنظر. فإن حکم في ذلك نفذ حکمه، لما روى
مسلم عن عبدالله بن الزبير أن رجلاً من الأنصار خاصم الزبير في شراج
[الحَرَّة](٦) التي يسقون بها النخل، فقال الأنصاري: سَرِّحِ الماء.
فاختصما إلى رسول الله صل فقال رسول الله صلى: ((اسق يا زبير! ثم
أرسل الماء إلى جارك)). فغضب الأنصاري فقال: [للنبي](٧) وقال: أن
كان ابن عمتك. فتلون وجه رسول الله وَله فقال: ((يا زبير اسق ثم
(١) أخرجه البخاري (٢٢٠/٥ رقم ٢٥٩٧) ومسلم (١٤٦٣/٢ رقم ١٨٣٢) وباقيه: ((إن
كان بعيرًا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تَيْعَر. ثم رفع يده حتى رأينا عفرة إبطيه
- اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت. لفظ البخاري.
(٢) كذا بالأصل وفي نسخ المتن: ((مواضع)).
(٣)
ما بين المعكوفين ليس بالأصل، فأثبته من المتن.
(٤) كذا بالأصل وفي نسختين من نسخ المتن وفي الباقي ((عند)) ..
(٥) أخرجه البخاري (١٣/ ١٣٦ رقم ٧١٥٨) ومسلم (١٣٤٢/٢ - ١٣٤٣ رقم ١٧,١٧)
ولفظه: (لا یحکم أحد بين اثنين وهو غضبان))
.(٦)
في الأصل: ((الكوة) والتصويب من مصادر التخريج.
(٧)
في الأصل: ((فقال النبي ◌َِلاَ)).
٤٧١
كتاب الأقضية والشهادات
احبس الماء حتى يبلغ الماء إلى الجدار)) (١) فحكم في حال غضبه،
فكان الأول ندبه أن يسقي قدر الحاجة، ويرسل الماء إلى الجار. ثم
في الثاني حكم بإسقاط حقه، وإن زاد على قدر الحاجة عقوبة له،
حيث سخط الحق أولاً .
قال: (وَلَا يَسْأَلُ المُدَّعَى عَلَيْهِ إلَّ بَعْدٍ كَمَالٍ دَعْوَى المُدَّعِي).
قلت: لأنه وقت الحاجة إلى سؤاله، لقوله عليه السلام: ((إذا تقاضى(٢)
إليك رجلان، فلا تقض للأول حتى تسمع كلام الآخر))(٣).
قال: (وَلَا يُحَلِّفُهُ(٤) إِلَّ بَعْدَ سُؤَالِ المُذَّعِي).
قلت: استيفاء اليمين حق المدعي، فله طلبه وله إسقاطه .
قال: (وَلَا يُلَقِّن خَصْماً [حُجَّةً وَلَا يُفْهِمُهُ كَلَاماً](٥) وَلَا يَتَعَنَّتُ
[بِالشُّهَدَاءِ] (٦) ).
قلت: يجب على القاضي أن يساوي بين الخصمين، وليس له أن يلقن
(١) أخرجه البخاري (٣٤/٥ - ٣٩ رقم ٢٣٥٩ - ٢٣٦٢) ومسلم (١٨٢٩/٢ - ١٨٣٠ رقم
٢٣٥٧).
(٢) رسمت في الأصل هكذا: ((تقاضيا» والمثبت من مصادر التخريج.
أخرجه الترمذي (٦١٨/٣ رقم ١٣٣١) وأحمد (١٤٩،١٤٣،٩٦،٩٠/١) وأبو يعلى
(٣)
(٣٠٥/١ رقم ٣٧١) والبيهقي في الكبرى (١٣٧/١٠) وقال الترمذي: حديث حسن.
(٤) في الأصل: ((ولا يستحلفه)) والمثبت من ست نسخ من نسخ المتن بينما جاء في
نسخة: ((ولا يحلف)).
(٥) ما بين المعكوفين ليس بالأصل، فأثبته من المتن.
(٦) في الأصل: ((شاهدًا)) والمثبت من المتن.
٤٧٢
تحفة اللبيب في شرح التقريب
خصماً حجة، لأن ذلك يكسر حق صاحبه استيفاء حقه [إذ] (١) يعتقد أن
ذلك ميل. والتلقين أن يقول له: قل كذا. [والاستفسار] (٢) جائز، وهو
أن يدعي قتلا، فيقول الحاكم له: عمداً أو خطأً .. أو تدعي نقداً،
فیقول: كذا وكذا.
قال: (وَلَا يَقْبَلُ الشَّهَادَةَ إلَّ مِمَنْ ثَبَتَتْ عَدَاَلتُهُ).
:
[قلت](٣): ويحصل [بغلبة](٤) الظن.
قال: (وَلَا يَقْبَلُ شِهَادَةَ عَدُوٌّ عَلَى [عَدُوِّهِ](٥) [وَلَا شَهَادَةَ وُالَّدٍ لِوَلَدِهِ
وَلَا وَلَدٍ لِوَالِدِهِ](١
قلت: العداوة قسمان: عداوة [دينية](٧) كعداوة المسلمين والكفار،
وأهل الحق وأهل البدع، فذلك لا يمنع قبول الشهادة، لأنها عداوة
[دينية](٨) والذي يمنع من شهادة الزور. وقسم [ثان](٩): عداوة
١٠١/ ب دنيوية/ وهذا هو المراد بقوله: (لا يقبل شهادة عدو على عدوه)،
(١) في الأصل: ((إذا)) ولعل المثبت هو الصواب.
(٢) رسمت في الأصل هكذا: والاستيثار)) ولعل المثبت هو الصواب.
(٣) ما بين المعكوفين سقط من الأصل.
(٤)
في الأصل: ((به غلبة)) ولعل المثبت هو الصواب.
(٥)
في الأصل: ((عدو)) والمثبت من المتن.
(٦) ما بين المعكوفين ليس بالأصل، فأثبته من المتن.
في الأصل: ((بينة» والمثبت هو الصواب إن شاء الله.
(٧)
(٨)
في الأصل: ((بينة)» والمثبت هو الصواب إن شاء الله.
(٩) في الأصل: ((ثاني)) والمثبت هو الصواب إن شاء الله.
١
٤٧٣
كتاب الأقضية والشهادات
والخلاف فيه مع أبي حنيفة، ودليلنا قوله عليه السلام: ((لا تقبل شهادة
متهم ولاظنين))(١) ولأن العداوة بينهما توجب التهمة حاصلة، وأن كل
واحد منهما معرض لحاجة الآخر، كأنه يشهد لنفسه.
قال: (وَلَا يُقْبَلُ كِتَابُ [قَاضٍٍ](٢) إِلَى قَاضٍ [آخَرَ](٣) فِي الأَحْكَامِ إلَّ
بِشَاهِدَيْنِ يَشْهَدَانِ بِمَا فِيهِ).
قلت: الأصل في العمل بالكتاب ما روى الضحاك بن سفيان قال: كتب
إليَّ رسولُ اللهِ وَ [أن وَرِّث](٤) امرأة أَشْيَمَ(٥) من دية زوجها(٦). فإذا
كتب القاضي فلا يخلو: إما أن يكون فيما حكم به لينفذه أو فيما ثبت
عنده. فإن كان الأول جاز فيه قبوله في المسافة القريبة والبعيدة، لأنه
يلزم كل واحد قضاه، وإن كان الثاني لم يجز قبوله، إذا كانت مسافة
لا تقصر فيها الصلاة، لأن القاضي والكاتب فيما حمل شهود الكتاب
(١) أخرجه الترمذي (٥٤٥/٤ - ٥٤٦ رقم ٢٢٩٨) ولفظه: ((لا تجوز شهادة خائن ولا
خائنة ولا مجلود حدًّا ولا مجلودة، ولاذي غمر لأخيه ولا مجرب شهادة ولا القانع
أهل البيت لهم ولا ظنين في ولاء ولا قرابة)). وقال: هذا حديث غريب.
(٢) في الأصل: ((قاضي)) والمثبت هو الصواب.
(٣) ما بين المعكوفين ليس بالأصل فأثبته من المتن.
(٤) في الأصل: ((المورث)) وصوبت في الحاشية.
(٥)
تشبه أن تكون في الأصل: ((أسهم)) فاشتبه على الناسخ أو مصحح الأصل فكتب في
الهامش: ((لعله: سهما)). والتصويب من مصادر التخريج.
وأشيم بفتح الهمزة وسكون الشين وفتح الياء هو معاوية بن كلاب بن ربيعة بن
عامر بن صعصعة الكلابي.
(٦) أخرجه أبو داود (٣٣٩/٣ - ٣٤٠ رقم ٢٩٢٧) والترمذي (٤٢٥/٤ - ٤٢٦ رقم ٢١١٠)
وابن ماجه (٨٨٣/٢ رقم ٢٦٤٢) وأحمد (٤٥٢/٣) وقال الترمذي: حديث حسن
صحیح .
٤٧٤
تحفة اللبيب في شرح التقريب
كشاهد أصل، والشهود الذين يشهدون بما فيه: كشهود الفرع مع قرب
شهادة الأصل. وينبغي أن يشهد شاهدين عدلين، يقرأ عليهم.
الكتاب، ويشهدهم على الحكم. والاعتماد على ما شهد به الشهود،
حتى لو ضاع الكتاب وانمحى أو يشهدوا بخلاف ما فيه، وجب العمل.
بشهادتهم، وقال أبو حنيفة: لا يقبل. والله أعلم.
فَصْلٌ
(وَيَفْتَقِرُ القَاسِمُ إلَى [سبْعَةٍ](١) شَرَائِطَ: الإِسْلَامُ، والبُلُوغُ، والعَقْلُ،
والحُرِّيَّةُ، والذُّكُورِيَّةُ(٢)، والعَدَالَةُ، والحِسَابُ).
قلت: هذه الشروط أنها في القسم الذي نصبه الحاكم، لأنه الحاكم وإما
شاهد أو(٣) كلاهما، فيشترط فيه هذه الشروط ..
قال: (فَإِنْ تَرَاضَيَا (٤) [الشَّرِيكَانِ](٥) بِمَنْ يَقْسِمُ بَيْنَهُمَا لَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى
ذَلِكَ).
قلت: للملاك أن يستخروا من يقسم بينهم، كما لهم أن يقسموا.
بأنفسهم، وأن يستأجروا من يقسم بينهم، فلا يشترط هذه الشروط لأنه
(١) في الأصل: ((سبع)) والمثبت من نسخ المتن كلها.
(٢) كذا في الأصل وفي نسخة واحدة من نسخ المتن وفي الباقي: ((الذكورة)).
(٣)
في الأصل: ((و)) ولعل المثبت هو الصواب.
(٤) كذا في الأصل وفي نسخة الإقناع وفي الباقي: ((تراضى)).
(٥) في الأصل: ((الشريكين)) والتصويب من المتن.
٤٧٥
كتاب الأقضية والشهادات
وكيلهم، ويجوز التوكل مع فقد هذه الشروط.
قال: (وَإِنْ كَانَ فِي الْقِسْمَةِ تَقْوِيمٌ لَمْ يُقْتَصَرْ فِيهَا (١) عَلَى أَقَلِّ مِنْ
اثْنَيْنِ).
قلت: هذا في القاسم الذي/ نصبه الحاكم، وفيه قولان ينبنيان على أنه ١٠٢/أ
كالحاكم أو كالشاهد. فإن جعلناه كالشاهد فلابد من اثنين، وإن جعلناه
كالحاكم فيكفي الواحد فيه، والاثنان جائزان في الخارص والقائف
والمترجم.
قال: (وَإِذَا [دَعَا](٢) أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ [شَرِيكَهُ](٣) إِلَى قِسْمَةِ
مَا لَا ضَرَرَ فِي قِسْمَتِهِ لَزِمَ الَآَخَرَ إِجَابَتُهُ).
قلت: إذا [دعا] (٤) أحد الشريكين شريكه إلى قسمة الشريك،
فلا يخلو: إما أن يكون على [كل](٥) واحد منهما ضرر، أو يكون عليه
دون الآخر، فإن كان في القسمة ضرر على كل واحد منهما لا يجبر
الممتنع، لقوله عليه السلام: ((لا ضرر ولا ضرار)) (٦) وإن لم يكن على
واحد منهما ضرر أجبر الممتنع، لأن الطالب له قسمة ينتفع بها من غير
(١) كذا بالأصل وفي نسخة من نسخ المتن وأما باقي النسخ ففيها: ((فيه)».
(٢) في الأصل: ((ادعى)) والمثبت من المتن، وفي بعض النسخ ((دُعِيَّ)).
(٣) ما بين المعكوفين ليس بالأصل، فأثبته من المتن.
(٤) في الأصل: ((ادعى)) والمثبت هو الصواب.
(٥) ما بين المعكوفين ليس بالأصل، فأثبته بالاجتهاد لاستقامة الكلام.
(٦) أخرجه أحمد (٣١٣/١) وابن ماجه (٧٨٤/٢ رقم ٢٣٤١،٢٣٤٠) وصححه الألباني
في الصحيحة (رقم ٢٥٠)
i
٤٧٦
تحفة اللبيب في شرح التقريب
إضرار، فوجب إجابته، وإن كان الضرر [واقعاً] (١) بأحدهما: دون
الآخر، مثل أن يكون لأحدهما أقل نصيب بحيث لو أقسم لم ينتفع بما
يصير إليه. فلا تخلو؛ إما أن يكون الغالب للقسمة صاحب الأكثر، أو
صاحب الأقل. فإن طلب صاحب الأكثر أجبر الممتنع، لأن الاعتبار
بالطالب بدليل ما لو طولب من له الدين بيع ممكن من عليه الدين:
ليوفيه حقه، وأن يجاب إلى ذلك وإن [تضرر](٢) بالآخر كذلك هاهنا،
وإن كان الطالب صاحب الأقل الذي يستضر بالقسمة قولان: أحدهما:
وهو ظاهر النص، أنه لا يجبر، لأنه التمس ما يستضر به، فلا يجاب
إليه لنهيه ◌َلل عن إضاعة المال. والثاني: أنه يجاب، لأن القسمة ينتفع
بها بعضهم، فإذا أشبه طلب الممتنع .
فَضْلٌ
(وَإِذَا كَانَ مَعَ المُدَّعِي بَيِّنَةٌ سَمِعَهَا الحَاكِمُ وَحَكَمَ لَهُ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ
مّعَهُ بِيَّنَةٌ، فَالَقَوْلُ قَوْلُ المُذَّعَى عَلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ).
قلت: الأصل في ذلك ما روي عن النبي وَالر أنه قال: ((لو يعطى الناس
بدعواهم، لادعى قوم دماء قوم وأموالهم، لكن البينة على المدعي
واليمين على من أنكر)) (٣)
(١) في الأصل: ((واقع)) والمثبت هو الصواب إن شاء الله.
(٢) في الأصل: ((تضرب)) ولعل المثبت هو الصواب.
(٣) أخرجه البخاري (١٤٥/٥ رقم ٢٥١٤)، (٢٨٠/٥ رقم ٢٦٦٨)، (٢١٣/٨ رقم =
٠ ٠
(٤٧٧
كتاب الأقضية والشهادات
١٠٢/ب
قال: (فَإِنْ نَكَلَ عَنِ اليَمِينِ رُدَّتْ عَلَى المُدَّعِي فَيَحْلِفُ وَيَسْتَحِقُ). /
قلت: إتمام النكول بأمرين: إما أن يقول المدعى عليه للمدعي: احلف
أنت، فإني ما أحلف. أو يقول الحاكم: قضيب بالنكول بعد أن يعرض
اليمين على المدعى عليه، فإن تم النكول ردت اليمين على المدعي،
وليس للمدعى عليه بعد ذلك أن يعود إلى اليمين، لأن النكول يقوي
جانب المدعي، فتنتقل اليمين إليه، فلو رضي المدعي بيمينه فيه
وجهان: أحدهما: أنه يجوز إذا تحولا بقدومهما. والثاني: لا، لأنه
بطل حق الحلف بالقضاء، ولا يتغير بالرضا.
قال: (وَإِذَا تَدَاعَيَا شَيْئاً فِي يَدِ أَحَدِهِمَا فَالقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ اليَدِ
[بِيَمِينِهِ](١)).
قلت: اليد تقيد الترجيح، فيقوى صاحبها، فيحلف معها، ويرجح بها
بينته على بينة الخارج، خلافاً لأبي حنيفة. لنا: أنهما [إذا](٢) استويا
في البيئة، [وانفرد](٣) أحدهما باليد فقدم صاحب اليد لساح(٤)، وهل
يسمع بينة الداخل؟ فيه قولان: أحدهما: لا، إذ لا قائل لها. والثاني:
نعم، لأن اليد تقيد الملك ظاهراً. والبينة تقيد الملك صريحاً، ولهذا
=
٤٥٥٢) ومسلم (١٣٣٦/٢ رقم ١٧١١) والبيهقي في السنن الكبرى (٢٥٢/١٠)
واللفظ له .
(١) ما بين المعكوفين ليس بالأصل، فأثبته من المتن.
(٢) ما بين المعكوفين ليس بالأصل، فأثبته بالاجتهاد لاستقامة الكلام.
(٣) في الأصل: ((وانفراد)) ولعل المثبت هو الأصوب.
(٤) كذا بالأصل، ولم أقف على معناه.
٤٧٨
تحفة اللبيب في شرح التقريب
[أسقط](١) اليد بالبينة.
قال: (وَإِنْ كَانَ فِي أَيْدِيهِمَا تَحَالَفا وجُعِلَ بَيْنَهُما)(٢).
قلت: لأن كل واحد مدع في النصف ومدعى عليه في النصف، وبيد
القاضي من يراه أو بالقرعة. فإن حلفا أو نكل والدار في يد أحدهما
فيحلف كل واحد على النفي بخلاف المتبايعين. والفرق أن يمين
المدعى عليه في البيع غير ممكن، واليمين هنا ظاهر، إذ نصف الدار
يميز على النصف الآخر. ومنهم من قال: في المسألتين قولان بالنقل
والترجيح.
قال: ([وَمَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ حَلَفَ عَلَى البَتِّ والقَطْعِ. وَمَنْ
خَلَفَ عَلَى فِعْلٍ غَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ إِثْبَاتاً حَلَفَ عَلَى البَتِّ والقَطْعِ وَإِنْ
كَانَ نَفْياً حَلَفَ عَلَى نَفْي العِلْمِ](٣)).
(١) في الأصل: ((سقط)) ولعل المثبت هو الصواب.
(٢) فعن أبي موسى الأشعري أن رجلين ادَّعَيَا بعيرًا أودابة إلى النبي ◌َّ ليست لواحد
منهما بينة، فجعله النبي ◌َّ بينهما.
أخرجه أبو داود (٣٧/٤ رقم ٣٦١٥،٣٦١٣) والنسائي (٢٤٨/٨ رقم ٥٤٢١) وابن
ماجه (٧٨٠/٢ رقم ٢٣٣٠) والبيهقي (٢٥٤/١٠ - ٢٥٧) والحاكم (٩٥/٤) وقال:
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ..
وأخرج البخاري (٧٣/٥ رقم ٢٤١٧،٢٤١٦) عن الأشعت بن قيس قال: كان بيني
وبين رجل من اليهود أرض فجحدني فقدمته إلى النبي ◌َّير فقال لي رسول الله ◌َله:
ألك بينة؟ قلت: لا. قال: فقال اليهودي: احلف. قال: قلت: يارسول الله! إذن:
يحلف ويذهب بمالي. فأنزل الله تعالى ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً
قليلا﴾ إلى آخر الآية، وأخرجه أيضا مسلم (١٢٢/١ - ١٢٣ رقم ١٣٨) ..
(٣) ما بين المعكوفين ليس بالأصل، فأثبته من المتن.
٤٧٩
كتاب الأقضية والشهادات
[قلت](١): ومن حلف على فعل نفسه نفياً كان أو إثباتاً حلف على
البت، لأن عمله يحيط بحاله فعل أو لم يفعل. وكذلك ما يثبته. منسوباً
إلى غيره بخلاف النفي، فإنه لا طريق إلى القطع فيه، وليذكر مثله بين
ذلك إذا ادعى عليه ميت ديناً، فقال: لي في ذمة أبيك ألف درهم.
لا تسمع هذه الدعوى حتى يقول: وأنت تعلم/ والتركة في يدك. ١/١٠٣
ويلزمه آداؤها منها: فإذا أنكر الوارث حلف على نفي العلم: لا أعلم
أن لك في ذمة أبي كذا وكذا. فرن قال: قضاك أبي حلف على الميت،
فلو نكل حلف المدعي على البت.
فَصْلٌ
(وَلَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ إِلَّ مِمَّنْ اجْتَمَعَتْ فِيهِ خَمْسَةُ أَوْصَافٍ(٢): الإسْلَامُ
والبُلُوغُ والعَقْلُ والحُرِّيَّةُ والعَدَالَةُ).
قلت: أما الإسلام والبلوغ، فلقوله تعالى: ﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن
تِجَالِكُمٌ﴾(٣) والكافر ليس من رجالنا، وكذا الصبي ليس منهم. وأما
العقل فإنه مناط التكليف. وأما الحرية فلأنه أمر لا يتبعض، مبني على
المفاضلة، فلم يكن للعقد مدخل فيه كالميراث في ذوي الرحم،
فقوله: لا يتبعض. تحرز عن عدد المنكوحات وعدد الطلاق والعدة
(١) ما بين المعكوفين سقط من الأصل.
(٢) كذا بالأصل وفي نسخة من نسخ المتن، وفي باقي النسخ: ((خمس خصال».
(٣) سورة البقرة، آية: ٢٨٢.
٤٨٠
تحفة اللبيب في شرح التقريب
۔۔
والجلد. وقوله: مبني على المفاضلة. يعني أن شهادة الرجل بشهادة
المرأتين فيه احتراز عن القطع في السرقة. وأما العدالة فلقوله تعالى:
﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾(١).
قال: (وَلِلْعَدَالَةِ خَمْسُ شُرُوطٍ (٢): أَنْ يَكُونَ مُجْتَنِباً لِلْكَبَائِرِ غَيْرَ
مُصَرٍّ عَلَى القَلِيلِ مِنَّ الصَّغَائِرِ [سَلِيمَ السَّرِيَرَةِ، مَأْمُونَ الغَضَبِ
مُحَافِظاً عَلَى مُرُوءَةٍ مِثْلِهِ](٣)).
قلت: لقوله تعالى: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾ ومن اقتحم الكبائر، أو
[أصر](٤) على الصغائر يدل على تهاونه في دينه، فلابد أن یکون وهو
غير مرضي غير سليم السريرة غير مأمون الغضب، لأن العدالة صفة
راسخة في القلب، يحمل المتصف بها على التقوى غالباً. والمتقي
مأمون الغضب منزه نفسه عن الأدناس، ولا يستهان عند الناس. وقيل:
هو الذي يسير سيرة أشكاله من أهل عصره وزمانه ومكانه، ويضبط
ذلك بكل الخلاف عن إعظام المروة مشعر بالخروج عن التماسك وترك
المبالاة فلا يوثق بقوله، والله أعلم.
قال: (والحُقُوقُ ضَرْبَانِ: حَقُّ اللهِ تَعَالَى، وَحَقُّ الَدَمِيِّ. فَأَمَّا حُقُوقُ
١٠٣/ ب الآَدَمِييِّنَ فَثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ: ضَرْبٌ لَا يُقْبَلُ فِيهِ إلَّ شَاهِدَانِ / ذَكَرَانِ وَهْوَ
(١) سورة البقرة، آية: ٢٨٢.
(٢) كذا بالأصل، وفي نسخ المتن: ((شرائط)).
(٣) ما بين المعكوفين ليس بالأصل، فأثبته من المتن.
(٤) في الأصل: ((صر) والمثبت هو الصواب.
٤٨١
كتاب الأقضية والشهادات
مَا لَا يُقْصَدُ مِنْهُ المَالُ وَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ).
قلت: الأصل في ذلك في النكاح، قال عليه السلام: ((لا نكاح إلا بولي
وشاهدي عدل))(١) وألحق الشافعي ماليس بمال كالقصاص والجرح
والتعديل والعتق والاستيلاد والكتابة والترجمة في مجلس القضاء
وإثبات الردة في الإسلام والنسب والبلوغ والولاء والعدة والموت
والرجعة والطلاق والوصايا والوكالة بما لا يؤدي إلى المال إلا بالقول
إن كان، لكن ذلك في نفسه سلطنة وولاية وليس بمال.
قال: (وَضَرْبٌ يُقْبَلُ فِيهِ شَاهِدَانٍ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانٍ أَوْ شَاهِدٌ وَيَمِينُ
المُدَّعِي، وَهْوَ مَا كَانَ القَصْدُ مِنْهُ المَالُ).
قلت: الأموال وحقوقها وأسبابها تثبت بشهادة رجل وامرأتين، بدليل آية
الدين، فيثبت ذلك بجزم الكتابة، وفي الوجه الأخير وجهان، يتعلق
العقد به، وذلك وطىء الشبهة لإثبات مهر المثل وتمكين الزوجة
لاستحقاق النفقة. وقيل لاستحقاق سلبه، وإثبات الزوجية لاستحقاق
المهر، فثبت الأمر دون النكاح والوصية له دون الموصي به، والبيع
دون التوكيل به، والمال في السرقة دون القطع. وفي ثبوت الأجل به
وجهان بني أنه من حقوق المال أو نوع سلطنة، وفي ثبوته قولان بناءً
على أن الملك في رقبته لمن قلنا فيه فهو كالعتق فلا. وقيل: نعم، لأن
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١١١/٧، ١٢٤، ١٢٥، ١٢٦)، (١٤٨/١٠) وفي
السنن الصغير (٢٠/٣ - ٢١ رقم ٢٣٧٩، ٢٣٨٣) وصححه الألباني في صحيح الجامع
رقم (٧٥٥٧).
--
٤٨٢
تحفة اللبيب في شرح التقريب
الموقوف عليه به يثبت لنفسه منفعة العين. ولو قال للزوجة: إن
غضبت أو ولدت فأنت طالق. فثبت الغضب والولادة بشهادة النسوة
وجب المال ولحق النسب، ولم [يقع](١) الطلاق المعلق.
قال: (وَضَرْبٌ يُقْبَلُ فِيهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ وَامْرَأْتَانٍ(٢)، أَوْ أَرْبَعْ نِسْوَةٍ،
وَهْوَ مَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ).
قلت: ما لا يطلع عليه الرجال أربعة: الولادة وعيوب النساء والرضاع.
والاستهلال .
قال: (وَأَمَّا حُقُوقُ اللهِ تَعَالَى فَلاَ يُقْبَلُ فِيهَا النِّسَاءِ).
قلت: لأنها مبنية على المسامحة/ .
٩/١٠٤
ولهذا قال: ([وَهِيَ عَلَى ثَلاَثَةٍ](٣) أَضْرُبٍ: ضَرْبٌ لا يُقْبَلُ فِيهِ
أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعَةٍ، وَهْوَ الزُّنَا).
قلت: الشهادة على الزنا يشترط فيها أربعة رجال، كل واحد منهم
يقول: رأيته يدخل ذكره في فرجها كالمرود في المكحلة. وأما اشتراط
العدد، فلقوله تعالى: ﴿لَّوْلَا جَآءُو عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةٍ شُهَدَآءً﴾(٤) وأما اشتراط
(١) في الأصل: ((يقطع)) والمثبت هو الصواب إن شاء الله.
.(٢) كذا بالأصل، بينما اختلفت نسخ المتن ففى نسخة: ((رجل وامرأتان)) وفي أخرى:
(شاهدان أو رجل وامرأتان)) وفي أخرى: ((رجلان)) بدل ((شاهدان)) وسقطت هذه
العبارة من نسخة.
في الأصل: ((ثم إنهن أربعة)) والمثبت من نسخ المتن كلها.
(٣)
(٤) سورة النور، آية: ١٣
٤٨٣
كتاب الأقضية والشهادات
المشاهدة، [فلأن الشاهد الرابع](١) على المغيرة، لما قال بين يدي
عمر رضي الله عنه: رأيت نفساً يعلو وإنساناً ينبو، ورأيتهما يصرخان
تحت لحاف، ورجلان على عاتقه، كأنهما أذني حمار. فقال عمر: الله
أكبر. وجلد سائر الشهود(٢). لم [يكتف](٣) بهذا.
قال: (وَضَرْبٌ يُقْبَلُ فِيهِ اثْنَانٍ وَهْوَ مَا سِوَى الزُّنَا مِنَ الحُدُودِ).
قلت: قد تقدم دلیله .
قال: (وَضَرْبٌ يُقَبْلُ فِيهِ وَاحِدٌ وَهْوَ هِلَاَلُ شَهْرٍ رَمَضَانَ).
(١) في الأصل: ((فلأن المشاهدة ولأن المرابع)) ولعل ما أثبته بين المعكوفين هو الأقرب
للصواب ولمراد المصنف رحمه الله .
(٢) ذكر ابن العربي في أحكام القرآن (١٣٣٧/٣ - ١٣٣٩) وابن حزم في المحلى
(٢٥٩/١١) وابن قدامة في المغني (٢٠٢/٨) أن المغيرة بن شعبة وأبا بكرة كانا
متجاورين وعند أبي بكرة شبل بن معبد ونافع بن الحارث بن كلدة وزياد بن عبيد
فرأى الأربعة المغيرة فوق امرأة فاتهموه بالزنا ورفع أمره إلى أمير المؤمنين عمر
فجمعهم فشهد أبو بكرة وشبل ونافع بأن المغيرة زنا بالمرأة وقد رأوه وهو يدخله
ويخرجه. كالميل في المكحلة. ولكن زياد لم يشهد بمثل شهادتهم ولكنه قال: رأيته
جالسًا بين رجلي امرأة فرأيت قدمين مخضوبتين تخفقان واستين مكشوفتين وسمعت
حفزانا شديدًا. قال عمر: هل رأيت كالميل في المكحلة؟ قال: لا. قال عمر: هل
تعرف المرأة؟ قال: لا ولكن أشبهها. قال: تنح. وأمر بالثلاثة فجلدوا الحد. وأخرج
شهادتهم الطبراني في الكبير (٣٧٢/٧ - ٣٧٣ رقم ٧٢٢٧).
وانظر الدر المنثور للسيوطي (١٣١/٦ - ١٣٢) والبيهقي في الكبرى (١٥٢/١٠ -
١٥٣) وقال الهيثمي في المجمع (٢٨٣/٦): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
وأخرج البخاري في الشهادات من صحيحه، باب شهادة القاذف والسارق والزاني
(٢٥٤/٥ - ٢٥٥) وجلد عمر أبا بكرة وشبل بن معبد ونافعا بقذف المغيرة، ثم
استتابهم وقال: من تاب قبلت شهادته.
(٣) في الأصل: ((يكتفي)).
٤٨٤
تحفة اللبيب في شرح التقريب
قلت: فيه قولان: أحدهما: لا يثبت إلا بعدلين، قياساً على سائر
الشهور. والثاني: يثبت بواحد، لما روي عن [ابن](١) عمر رضي الله
عنه قال: [تراءى](٢) الناس الهلال، ورأيته وحدي، فصمت فصام
رسول الله ◌َ، وأمر الناس بالصوم (٣)، لأنه مسلك الأخبار المتعلقة
بالعبادة فأکتفي بالواحد کسائر الأخبار.
قال: (وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الأَعْمَى إِلَّ فِي [خَمْسَةِ](٤) مَوَاضِعَ: النَّسَّبُ
والمَوْتُ والمِلْكُ المُطْلَقُ والتَّرْجَمَةُ [وَمَا شَهِدَ بِهِ قَبْلَ العَمَىَ](٥)
وَعَلَى المَضْبُوطِ).
قلت: كل موضع يثبت بالاستفاضة، والسابع يقبل فيه شهادة العمى
كالنسب من جانب الأب، وفي جانب المرأة خلاف، والملك المطلق
والموت في أصح الطريقين، وفي النكاح [والوقف](٦) والعتق والولاء
قولان: أحدهما: إنما يثبت بالسابع، لأن ذلك تيسير، ويبقى على
الدوام، ويتعد إقامة البينة على عقد بعد مضي الزمان، فجازت الشهادة
.٠٦
(١) ما بين المعكوفين سقط من الأصل فأثبته من مصادر التخريج.
(٢) في الأصل: ((ترى)) والتصويب من مصادر التخريج.
(٣) أخرجه أبو داود (٧٥٦/٢ - ٧٥٧ رقم ٢٣٤٢) والدارمي (٣٣٧/١ رقم ١٦٩٨).
والدار قطني (١٥٦/٢ رقم ١) والبيهقي (٢١٢/٤) وابن حبان كما في الموارد (١٧٢/٣
- ١٧٣ رقم ٨٧١) والحاكم (٤٢٣/١) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.
وسكت عنه الذهبي وقال الألباني في الإرواء: (١٦/٤ رقم ٩٠٨): صحيح.
(٤) في الأصل: ((خمس)) والتصويب من المتن. وفي نسخة من نسخ المتن: ((ستة)).
(٥) ما بين المعكوفين ليس بالأصل، فأثبته من المتن.
(٦) في الأصل: ((الموقف)) ولعل المثيت هو الصواب.