النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤٥
كتاب أحكام البيوع وغيرها من المعاملات
فلم يجز مع الجهالة: كالثمن في المبيع وفي إبل الدية وجهان:
أحدهما: لا يصح، لأنه ضمان مجهول اللون والصفة. والثاني:
يجوز، لأنه مضمون السنين والعدد. يرجع/ في اللون والصفة إلى ١/٤٦
عرف البلد.
قال: (ولا يصح ضمان ما لم يجب إلَّ دَرْكَ المبيع)(١).
[قلت](٢): هو أن يقول: ما لدين فلان. فلا ضامن له، لأنه وثيقة
بحق، فلأن يسبق الحق كالشهادة، ويصح ضمان درك المبيع على
المنصوص، لأن الحاجة داعية إليه، لأن استحقاق المبيع غير مأمون،
ولا يمكنه أن يأخذ من البائع رهناً ولا ينفعه الشهادة لاحتمال أن يفلس
البائع أو يغيب فلا يبق ما يستوثق به غير الضمان، ولا يمكن أن يجعل
القدر الذي يستحق معلوماً فيعفي عن الجهالة كما عفي الجهل بأساس
الدار، ويخالف ضمان المجهول، لأنه يمكنه أن يعلم قدرالدين ثم
يضمنه، وإن ضمن الدرك فوجد بالمبيع عيباً فرده، فهل يرجع على
الضامن بالثمن؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يرجع وهوقول المزني، لأنه
زال ملكه عنه بأمر حادث، فلم يرجع عليه بالثمن، كما لو كان شقصاً
وأخذه الشفيع. والثاني: لا يرجع، لأنه رجع إليه الثمن بمعنى فارق
العقد، فيثبت له الرجوع من الضامن، كما لو خرج مستحقًّا.
(١) كذا في الأصل، تكرر قوله السابق: ((قال: ولا يصح ضمان مالم يجب إلا درك
المبيع)».
(٢) ما بين المعكوفين سقط من الأصل.

٢٤٦
تحفة اللبيب في شرح التقريب
فَصْلٌ
(والكَفَالَةُ بِالبَدَنِ جَائِزَةٌ إِذَا كَانَ عَلَى المَكْفُولِ بِهِ حَقٌّ [لَا دَمِىَّ])(١).
--
قلت: نص الشافعي رضي الله عنه على جواز الكفالة. وقال في الدعوى
والبيان: الكفالة بالبدن ضعيفة، وقيل: يصح قولاً واحداً، وقوله:
ضعيفة. أراد من جهة القياس. وقيل: فيه قولان، أحدهما: لا يصح،
لأنهما ضمان غير في الذمة بعقد فلم يصح كالسلم في ثمرة نخلة
بعينها. والثاني: يصح لما روى أبو إسحاق [السبيعي](٢) عن حارثة بن
مصرف، قال: صليت مع ابن مسعود الغداة، فلما سلم قام رجل فحمد
الله وأثنى عليه. ثم قال: أما بعد فوالله لقد بت البارحة وما في نفسي:
على أحدٍ أخبه وإني كنت استطرقت رجلاً من بني جهينة، وكان أمرني
أن آتيه بغلس، فانتهيت إلى مسجد بني حنيفة مسجد عبدالله بن النواحة
فسمعت/ مؤذنهم يشهد أن لا إله إلا الله وأن مسيلمة رسول الله.
فكذبت سمعي، وكففت فرسي حتى سمعت أهل المسجد قد تواطؤا
على ذلك، فقال عبدالله بن مسعود عليّ بعبدالله بن النواحة فحضر
واعترف. فقال له عبدالله بن مسعود: أين ما كانت تقرأ من القرآن؟
قال: أتيتكم به، فقال له: تب فأمر به فأخرج إلى السوق فحز رأسه،
٤٦/ب
(١) في الأصل: ((حق الآدمي)) والمثبت من نسخ المتن.
(٢) في الأصل: ((السبعي)) والتصويب من كتب الرجال.

٩
٢٤٧
كتاب أحكام البيوع وغيرها من المعاملات
ثم سار وأصحاب محمد وس18 في بقية القوم، فقال: عدي بن حاتم
بدلوا الكفر قد اطلع رأسه فاحسمته. قال جرير بن عبدالله والأشعث بن
قيس: استتبهم فإن تابوا كفلهم عشائرهم، فاستتابهم فتابوا وكفلهم
عشائرهم. قوله في الحديث: استطرقت أي طالب منه فلا يبريه على
فرسه .
قال: (إِذَا كَانَ عَلىَ المَكْفُولِ بِهِ حَقٌّ [لَادَمِيٌّ](١)).
قلت: تجوز الكفالة ببدن من يجب عليه الحضور في مجلس الحكم.
ولا تصح كفالة من عليه حدًّا لله تعالى، لأن الكفالة الاستيثاق، وحق
الله تعالى مبني على الدور والإسقاط فلم يجز الاستيثاق بمن عليه، وإن
كان قصاص وحد قذف ففيه وجهان: أحدهما: لا يصح، لأنه لا تصح
الكفالة بما عليه فلم تصح الكفالة بمن عليه حدود الله تعالى، والثاني :
يصح، لأنه حق الآدمي فجاز الكفالة ببدن عليه كالدين، ولا تجوز
الكفالة بدين عين لازم وقد تقدم .
فَضْلٌ
(وَالشَّرِكَةِ خَمْسُ شَرَائِطَ: أَنْ يَكُونَ عَلَى نَاضٍّ مِنَ الدَّرَاهِمِ
والدَّنَانِيرِ).
(١) هذه الفقرة تكررت في الأصل، وجاء فيها: ((حق الآدمي)) وما أثبته من المتن، كما
تقدم سابقاً.

٢٤٨
تحفة اللبيب في شرح التقريب
قلت: الأصل في جواز الشركة قوله عليه السلام عن الله تعالى: يقول:
((أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خانا خرجت من
بينهما))(١). وتجوز الشركة على الدراهم والدنانير، لأنهما أصل لكل ما
يباع ويبتاع، وبهما تعرف قيم الأموال وما يزيد فيها من الأرباح،
ولا يجوز عقد الشركة على مالا مثل له كالحيوان والثياب، لأنه قد
تزيد قيمته أحدهما دون الآخر، فإن جعلنا ربح ما زاد/ قيمته أحدهما:
.(٢) ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز عقد الشركة:
دون الآخر ؛
١/٤٧:
عليه، لأنه من غير الأثمان، فلم يجز عقد الشركة عليه، لأنه من غيرها
كالثياب والحيوان. والثاني: يجوز لأنه من ذوات الأمثال فأشبه
الأثمان .
قال: (وَأَنْ يَتَّفِقَا فِي الْجِنْسِ والنَّوْعِ).
قلت: يشترط أن يكون مال أحدهما دراهم، ومال الآخر دنانير. أو مال
أحدهما صحيحاً، ومال الآخر قراضة. أو مال أحدهما من سكة، مال.
الآخر من سكة أخرى، لم تصح الشركة، لأنهما مالان لا يختلطان،
فلم تصح الشركة عليهما كالعوض، وهل يشترط تسويتهما في القدر فيه
وجهان .
قال: (وَأَنْ يَخْلِطَا المَالَيْنِ).
(١) أخرجه أبو داود (٦٧٧/٣ رقم ٣٣٨٣) والحاكم (٥٢/٢) وقال: ((هذا حديث صحيح
الإسناد ولم يخرجاه)).
(٢) مقدار ثلاثة أسطر لم يتضح في التصوير.

٠
۔
٠
١
١
٢٤٩
كتاب أحكام البيوع وغيرها من المعاملات
قلت: لأنه قبل الاختلاط لا شركة بينهما في مال، بل ربح كل مال
يختص بمالكه .
قال: (وَأَنْ يَأْذَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ فِي النُّصَرُّفِ).
قلت: لأن كل واحد منهما وكيل الآخر في نصيبه، فلا يملك إلا
ما [يملك](١) الوكيل.
قال: (وَأَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ والخُسْرَانُ عَلَى قَدْرِ المَالَيْنِ).
قلت: لأن الربح [زيادة] (٢) بمالهما، الخسران نقصان مالهما، فكان
على قدر المالين، فإن شرطا التفاضل في الربح والخسران مع تساوي
المالين، والتساوي فيهما مع تفاضل المالين، لم يصح العقد، لأنه
شرط في مقتضى الشركة، كما لو اشترطا أن يكون الربح لأحدهما،
فإن تصرفا مع هذا الشرط صح التصرف، لأن الشرط لا يسقط الإذن
فنفذ التصرف فإن كان ربحاً أوخسراناً جعلا ذلك على قدر المالين،
ويرجع كل واحد منهما بأجرة عمله في نصيب شريكه.
قال: (وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُهَا مَتَى شَاءَ).
[قلت](٣): فلو عزل لا ينعزل الآخر، لأنهما وكيلان فلا ينعزل أحدهما
(١) تصحف في الأصل إلى: ((يمكن)).
(٢) مابين المعكوفين ليس بالأصل، فأثبته لدلالة الكلام عليه.
(٣) ما بين المعكوفين سقط من الأصل.

٢٥٠
تحفة اللبيب في شرح التقريب
٤٧/ ب بعزل الآخر، بخلاف ما لو قال/ أحدهما فسخت الشركة فإنهما
ينعز لان جميعاً، لأن الفسخ يقتضي رفع العقد من الجانبین فانعزلا
قال: (وَمَتَى مَاتَ أَخْدُهُمَا بَطَلَتِ الشَّرِكَةُ) (١).
قلت: لأنه عقد جائز فبطل بالموت: كالوديعة وكذا بالجنون والإغماء،
لخروجه عن أهلية التصرف، فلهذا ثبت الولاية عليهما والله أعلم.
فَصْلٌ
(وَكُلُّ مَا جَازَ للإنْسَانِ أَنْ يَتَصَرَّفَ (٢) فِيهِ بِنَفْسِهِ جَازَ [لَهُ](٣) أَنْ
يُوكَلَ أَنْ يَتَوَكلَ فِيهِ).
قلت: الأصل في جواز التوكيل حديث عروة بن [أبي] (٤) الجعد قال:
أعطاني رسول الله مَ ل ديناراً أشتري له به شاة أضحية(٥) .. الحديث،
وروي أن النبي ◌َله وكّل عمرو بن أمية الضمري في نكاح أم حبيبة،
(١) قوله: ((الشركة)) ليس في المتن.
(٢) كذا في الأصل: ((أن يتصرف)) والذي في المتن ((التصرف)).
(٣) مابين المعكوفين ليس بالأصل فأثبته من المتن.
.(٤) مابين المعكوفين ليس بالأصل، فأثبته من مصادر التخريج.
(٥) أخرجه البخاري (٦٣٢/٦ رقم ٣٦٤٢)، ولفظه: أن النبى تغيير أعطاه ديناراً يشتري له.
به شاة فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار، فجاء بدينار وشاة. فدعا له بالبركة
في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه - وأحمد (٣٧٦/٤) والترمذي (٥٥٩/٣
رقم ١٢٥٨) وأبو داود (٦٧٧/٣ - ٦٧٨ رقم ٣٣٨٤) وابن ماجه (٨٠٣/٢ رقم
٢٤٠٢).

. -
٢٥١
كتاب أحكام البيوع وغيرها من المعاملات
ولا يصح التوكيل إلا ممن تملك التصرف في الذي يوكل فيه بملك أو
ولاية، فأما من لا يملك التصرف في الذي يوكل فيه: كالصبي،
والمجنون، والمحجور عليه في المال، والمرأة في النكاح، والفاسق
في نكاح ابنته؛ فلا يملك التوكيل فيه، لأنه لا يملكه، فلا يجوز أن
يملك ذلك غيره. واختلفوا في غير الأب والجد من العصبات، هل
يملك التوكيل في التزويج من غير إذن المرأة؟ فمنهم من قال: يملك
لأنه يملك التزويج بالولاية من جهة الشرع. فملك التوكيل من غير إذن
كالأب والجد، ومنهم من قال: لا يملك لأنه لا يملك التزويج إلا
بإذن، فلا يملك التوكيل إلا بإذن كالوكيل والعبد والمأذون.
قال: (والوَكَالَةُ عَقْدٌ جَائِزٌ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُهُ(١) مَتَى شَاءَ).
قلت: لأنه إذن في التصرف في ماله، فجاز لكل واحد منهما إبطاله:
كالإذن في أكل طعامه، وإن عزله ولم يعلم الوكيل بالعزل، ففيه
قولان: أحدهما: لاينعزل، لأنه تصرف صح تصرفه، لأنه أمر، فلا
يسقط حكمه قبل العلم بالنهي كأمر صاحب الشرع. والثاني: ينعزل،
فإن تصرف فلم ينفذ تصرفه، لأنه قطع عقد لا يفتقر/ إلى رضاه فلم ٤٨/أ
يفتقر إلى علمه كالطلاق.
قال: (وَيَنْفَسِخُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا).
قلت: لأنه عقد جائز فانفسخ بالموت.
(١) كذا في الأصل، وفي المتن: ((ولكلّ منهما فسخها)).

٢٥٢
تحفة اللبيب في شرح التقريب
قال: (وَالوَكِيلُ أَمِينٌ [فِيمَا يَقْبِضُهُ وَفِيمَا يَصْرِفُهُ وَ](١) لَا يضْمَنُ إلَّ
بالتَّقْرِيطِ).
قلت: لأنه نائب على الموكل في اليد والتصرف، فكان الهالك في يده
كالهالك في يد الموكل فلم يضمن، فإن اختلفا في التلف فالقول قول
الوكيل، لأن التلف يتعذر إقامة البينة عليه، فجعل القول قوله وإن
اختلفا في الرد، فإن كان الوكيل بغير جعل فالقول قوله في الرد على
من ائتمنه، وإن كان بجعل فوجهان: أحدهما: لا يقبل قوله، لأنه
قبض العين لمنفعة لنفسه، فلم يقبل قوله في الرد كالمستأجر المرتهن.
والثاني: يقبل، لأن انتفاعه بالعمل في العين. فأما العين لا منفعة له
فيها، فيقبل قوله في ردها كالمودوع في الوديعة.
قال: (وَلَيَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ إِلَّ [بِثَلَاثَةٍ](٢) شَرَائِطَ: [أَنْ
يَبِيِعَ](٣) بِثَمَنِ المِثْلِ [وَأَنْ يَكُونَ}(٤) نَقْداً بِنَقْدِ البَلَدِ).
قلت: الوكيل مأمور بالنظر لموكله، وفي بيع بدون ثمن المثل إضرار
فلا يملكه الوكيل، لأن العرف في البيع ثمن المثل، فحمل لإطلاق
الإذن عليه، فإن حضر من يطلبه بزيادة على ثمن المثل لم يجز بيعه
بثمن المثل، لأنه مأمور بالنصح والنظر للموكل فلا يصح، ولا نظر
(١) ما بين المعكوفين ليس بالأصل، فأثبته من المتن.
(٢) في الأصل: ((بثلاث)) والمثبت من المتن.
(٣) ما بين المعكوفين ليس بالأصل، فأثبته من المتن.
(٤) ما بين المعكوفين ليس بالأصل، فأثبته من المتن.

١
٢٥٣
كتاب أحكام البيوع وغيرها من المعاملات
للوكيل في ترك الزيادة، ولا يجوز أن يبيع نسيئة، لأن الأصل في البيع
النقد، وإنما يدخل التأجيل لفساد أوكساد، وإذا أطلق حمل على
الأصل، فإن أذن في بيع مؤجل وقدر الأجل صح وإن أطلق الأجل
فوجهان: أحدهما: لا يصح التوكيل، لأن الآجال تختلف [فيكون](١)
الغرر فيه. والثاني: يصح ويحمل العرف في مثله، لأن مطلق الوكالة
یحمل على المتعارف، فإن لم یکن فیه عرف باع بأنفع ما يقدر عليه،
ولا يجوز أن يبيع بغير نقد البلد، ولا أن يشتري بغير نقد البلد، لأن
إطلاق البيع يقتضي نقد البلد، وبهذا لو قال: بعتك بعشرة دراهم حمل
على نقد البلد، فإن كان في البلد نقدان/ باع بالغالب منها، لأن نقد ٤٨/ ب
البلد هو الغالب، فإن استوى في المعاملة باع بالأنفع، لأنه مأمور
بالنصح له أن يبيع بالأنفع .
قال: (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ مِنْ نَفْسِهِ).
قلت: لأن العرف أن يبيع لغيره، فحملت الوكالة عليه، وهل يملك
البيع مزابنة أو مكاتبة، فيه وجهان: أحدهما: نعم، لأنه يجوز أن يبيع
منه بماله، فجاز أن يبيع من مال موكله كالأجنبي. والثاني: لا، لأنه
متهم في الميل إليهما، كما يتهم في الميل إلى نفسه، ولهذا لا يقبل
شهادة لهما، كما لا تقبل شهادته لنفسه، فإن أذن له في البيع من نفسه
ففيه وجهان: أحدهما: يجوز كما يجوز أن يوكل المرأة في طلاقها.
والثاني: لا، لأنه يجمع في عقد غرضان متضادان: الاستقضاء
(١) رسمت فى الأصل هكذا: ((فيكن)).

٢٥٤
تحفة اللبيب في شرح التقريب
للموكل، والاسترخاص لنفسه.
قال: (وَلَا يُقِرَّ عَلَى مُوَكِّلِهِ [إِلَّ بإِذْنِهِ](
(١)
قلت: إذا وكل رجلاً في الخصومة لم يملك الإقرار على الموكل،
ولا الإبراء من دينه، ولا الصلح عنه، لأن الإذن في الخصومة لا يقتضي
شيئاً من ذلك، وفي التوكل في الإقرار وجهان: أحدهما: يجوز، لأنه
إثبات مال في الذمة بقولٍ، فجاز التوكيل منه كالبيع. والثاني: لا يجوز،
لأنه توكيل في الإخبار عن حقِّ، فلم يجز كالتوكيل في الشهادة. فإن
قلنا: لا يجوز، فهل يكون توكيله [إقراراً] (٢) منه؟ فيه وجهان:
:أحدهما: نعم، لأنه لم يوكل فيه إلا بالحق. والحق [واجب](٣) عليه.
والثاني: لا يكون إقراراً، كما لا يكون التوكيل في الإبراء إبراءً.
فَصْلٌ
(والمُقَرُّ بِهِ ضَرْبَانِ: حَقُّ اللهِ تَعالَى وَحَقُّ الَآدَمِيِّ، فَحَقُّ اللّهِ تَعَالَى
يَصِحّ الرُّجُوعُ [فِيهِ](٤) عَنِ الإِقْرَارِ بِهِ [وَحَقُّ الََّدَمِيِّ لَا يَصِحُّ
الرُّجُوعُ فِيهِ عَنِ الإِقْرَارِ بِهِ](٥)).
(١) ما بين المعكوفين ليس بالأصل، فأثبته من المتن ..
(٢) في الأصل ((إقرار)) والمثبت هو الصواب.
(٣) في الأصل: ((واجباً)) والمثبت هو الصواب.
مابين المعكوفين ليس بالأصل، فأثبته من المتن.
(٤)
(٥) مابين المعكوفين ليس بالأصل، فأثبته من المتن.

1
:
٢٥٥
كتاب أحكام البيوع وغيرها من المعاملات
قلت: الأصل في وجوب الحكم بالإقرار، قوله تعالى: ﴿﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَِّمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَ أَنفُسِكُمْ﴾(١) وقوله ◌َّل: (واغد
يا أنيس إلى امرأة هذا،. فإن اعترفت فارجمها)) (٢) فإذا ثبت هذا فالعمل
بالإقرار واجب، ولا يقبل الرجوع فيه إلا في حقوق تسقط / بالشبهات ٤٩/أ
کالإقرار بالزنا وشبهه .
قال: (وَتَفْتَقِرُ صِحَّةُ الإِقْرَارِ إِلَى (ثَلَاثَةٍ شَرَائِطَ](٣): البُلُوغُ، والعَقْلُ
والاختِيَارُ).
قلت: أما الصبي والمجنون فلا يصح إقرارهما مطلقاً، لأن عدم التكليف
مانع من صحة الإقرار. فأما المكره فلا يصح قراره، لقوله عليه السلام:
((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ومااستكرهوا عليه)) (٤)، يعني المؤاخذة.
(١) سورة النساء، الآية: ١٣٥.
(٢) أخرجه البخاري (٣٠١/٥ رقم ٢٦٩٥ - ٢٦٩٦) ومسلم (١٣٢٤/٢ - ١٣٢٥ رقم
١٦٩٨). ومالك (٨٢٢/٢ رقم ٦). والحميدي (٣٥٤/٢ - ٣٥٥ رقم ٨١١). وأحمد
(٤/ ١١٥). وأبو داود (٥٩١/٤ - ٥٩٣ رقم ٤٤٤٥). والترمذي (٣٩/٤ - ٤٠ رقم
١٤٣٣). والنسائي (٢٤٠/٨، ٢٤٢ رقم ٥٤٠٧). والدارمي (٤٩٦/٢ رقم ٢٣٢٢).
(٣) في الأصل: ((ثلاث شروط)) والمثبت من المتن.
(٤) أخرجه البيهقي في ((سننه الكبرى)» (٨٤/٦) عن ابن عمر بلفظ: ((وضع)» وفي
(٣٥٧/٧) عن عقبة بن عامر. قال الهيثمي في المجمع (٢٥٣/٦) عن حديث عقبة:
رواه الطبراني في الأوسط وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه ضعف. وقال في موضع
آخر عن حديث ثوبان: رواه الطبراني وفيه يزيد بن ربيعة الرحبي وهو ضعيف. وقال
في موضع ثالث عن حديث ابن عمر: رواه الطبراني في الأوسط وفيه محمد بن مصفى
وثقه أبو حاتم وغيره وفيه كلام لايضر وبقية رجاله رجال الصحيح.
والحديث صحيحه الشيخ الألباني حفظه الله في الإرواء رقم (٨٢) وصحيح الجامع
(٣٥١٥، ٧١١٠).

٢٥٦
تحفة اللبيب في شرح التقريب
قال: (وَإِنْ كَانَ بِمَالِ اعْتُبِرَ فِيهِ شَرْطٌ رَابِعٌ وَهْوَ الرُّشْدُ).
قلت: الحجر عليه بالسفه يصح إقراره بما يوجب العقوبة عليه، لأن
لا حجر عليه في بدنه، ولا يصح إقراره بالمال، لأن الحجر عليه في
المال يمنع صحة إقراره هذا إذا حجر عليه الحاكم. وأما إن كان سفيهاً
لكن لم يحجر عليه الحاكم، فإقراره لازم كالرشيد، لأن الخلفاء
الراشدين والحكام في سائر الأعصار الماضية لم يزالوا يعملون بالإقرار
في مجلس الحكم من غير استفصال.
قال: (وَإِذَا أَقَرَّ بِمَجْهُولٍ رُجِعَ إِلَيْهِ فِي بَيَانِهِ).
قلت: المقر به كل شيء جاز المطالبة به. وقيل: هو كل شيء جاز
الانتفاع به، وما صح الإقرار صحة الدعوى به، ولا يشترط في الإقرار
أن يكون معلوماً، بل يصح الإقرار بالمجهول، ثم يطالب بتفسيره جنساً
أو صفة أو قدراً، فإن فسر ذلك صح فطولب به، ومن امتنع عن التفسير
أصلاً، فقولان: أحدهما: يجعل كالتأكد عن جواب الدعوى، فيحلف
المقر له على ما يدعيه ويستحق، وهذا بعد سؤال الحاكم عن تفسير
ما أقر به. والثاني: والقول به أنه يحبس حتى يفسر، لأنه قد صار
مقرًّا، وهو بالامتناع عن التفسير، كما منع حق عليه فيحبس حتى يبرأ
ما أقر به.
قال: (وَيَصِحُّ الاسْتِثْنَاءُ [فِي](١) الإِقْرَارِ إِذَا وَصَلَهُ بِهِ).
(١) في الأصل: ((عن)) والمثبت من المتن.

٠
٢٥٧
كتاب أحكام البيوع وغيرها من المعاملات
قلت: الاستثناء من لغة العرب، وله شروط: الأول: أن يكون متصلاً إذ
لو صح منفصلاً لما استقر عقد ولا إقرار ولا حكم بجواز وزود/ ٤٩/ ب
الاستثناء منفصلاً. والثاني: لا يكون مستغرقاً، لأن المستغرق إما مأول
أو نادم.
قال: (وَهْوَ فِي حَالِ الصِّحَّةِ والمَرَضِ سَوَاءٌ).
قلت: يعني أنه إذا أقر في حال الصحة، ثم أقر الأخذ في حال المرض،
فإن ذلك سواء، ويقسم موجوده عليها بالنسبة إن لم يتسع لفظ بهما،
وخالف أبو حنيفة في ذلك، وقال: يقدم إقرار الصحة، لأن المريض
محجور عليه، فأشبه المفلس. لنا: إن الإقرار كالبينة كما تسمع البينة
في الصحة والمرض، فكذلك الإقرار بجامع ثبوت الدين في الذمة،
والله أعلم.
فَصْلٌ
(وَكُلُّ مَا جَازَ(١) الانْتِفَاعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ(٢) جَازَتْ إِعَارَتُهُ إِذَا كَانَتْ
مَنَافِعُهُ آثَارِآَ(٣)).
(١) كذا في الأصل، والذي في المتن: ((وكل مايمكن))
(٢) في الأصل: ((مع بقائه)) وأشير بعلامة الإلحاق في الحاشية بقوله: ((عينه))، والمثبت من
المتن .
(٣) في الأصل: ((آثار)) والمثبت من المتن.

٢٫٥٨
تحفة اللبيب في شرح التقريب
قلت: الأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٣)﴾(١) قال ابن
عباس وابن مسعود: الماعون: العواري، ومن السنة: قوله عليه
السلام: ((العارية مردودة)) (٢)، ويشترط في المستعار أن يكون مما ينتفع
به مع بقاء عينه احترازاً من إعارة الطعام، وقوله: إذا كانت منافعه
آثاراً(٣)، يحترز عن إعارة الدراهم والدنانير لمنفعة النهي، والله أعلم.
وفي المذهب في ذلك خلاف، وقد قيل: يجوز لأن ذلك مما
يقصد، وقيل: لا، لأنه تأثير، وفيه قول يفرق فيه بين الإعارة
والإجارة، فتصح الإعارة، ولا تصح الإجارة.
قال: (وَتَجُوزُ [العَارِيَّةُ](٤) مُطْلَقَةً وَمُقَيَّدَةً بِمُذَّةٍ).
قلت: لأنه إباحة، فجاز مطلقاً ومقيداً بمدة، ويجوز الرجوع فيها متى
(١) سورة الماعون، آية: ٧.
(٢) أخرجه أحمد (٢٢٢/٤، ٢٦٧/٥) وأبو داود (٨٢٤/٣ - ٨٢٦ رقم ٣٥٦٥ و٣٥٦٦)
والترمذي (٥٦٥/٣ رقم ١٢٦٥).
وابن ماجة (٨٠١/٢ ـ ٨٠٢ رقم ٢٣٩٩،٢٣٩٨) وعبد الرزاق في («مصنفه)) (٤٨/٩
رقم ١٦٣٠٨) وابن أبي شيبة (١٤٥/٦ رقم ٦٠٣) والبيهقي في ((السنن الكبرى:
(٨٨/٦). والطبراني في الكبير (١٦٩/٨ رقم ٧٦٣٧) والدارقطنى (٤٠/٣ - ٤١ رقم
١٦٦) والبغوي في ((شرح السنة)) (٢٢٤/٨ - ٢٢٥ رقم ٢١٦٢) والحاكم في المستدرك
((٤٧/٢) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
وقال الترمذي: وفي الباب عن سمرة وصفوان بن أمية وأنس. وحديث أبي أمامة
حديث حسن غريب وصححه الألباني في صحيح الجامع (رقم ٤١١٥، ٤١١٦) وانظر:
الصحيحة (رقم ٦٣١) والإرواء (رقم ١٥١٣).
(٣) في الأصل: ((آثار)) وهو خطأ وما أثبته هو الصواب.
(٤) في الأصل: ((الاعارية)) والمثبت من المتن.

٢٥٩
كتاب أحكام البيوع وغيرها من المعاملات
شاء، ويجوز للمستعير ردها متى شاء، لأنه إباحة، فجاز لكل واحد
منهما ردها.
قال: (وَهِيَ مَضْمُونَةٌ عَلَى المُسْتَعِيرِ بِقِيمَتِهَا يَوْمَ تَلَفِهَا).
قلت: لقوله عليه السلام لصفوان، وقد قال له: أغصباً يا محمد؟! قال:
((بل عارية مضمونة)). ولأن أخذها لمنفعة نفسه، لا على وجه الوثيقة،
فضمنها كالمغصوب لكنه يضمنها/ بقيمتها يوم التلف بخلاف ٥٠/أ
المغصوب لأنا لو ألزمناه قيمتها التزمها ما كانت واجبنا ضمان الأجزاء
التالفة بالإذن وهذا لا يجوز وكما لو كانت العين باقية وقد نقصب
أجزاؤها بالاستعمال لم يجب ضمانها إذا تلفت، وفي المذهب قول:
إنها تضمن عند التلف بأقصى القيم كالمغصوب، والأجزاء تبعاً للعين،
فإذا ردت فلا ضمان، فإذا ضمنت الأجزاء. والمذهب الأول.
فصل
(وَمَنْ غَصَبَ مَالاً [لِأَحَدٍ لَزِمَهُ رَدُّهُ] (١) وَأَرْشُ نَقْصِهِ [وَأُجْرَةُ
مِثْلِهِ])(٢).
قلت: الأصل في تحريم الغصب: الكتاب والسنة والإجماع. أما
الكتاب فقوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَطِلِّ إِلَّ أَنْ
(١) في الأصل: ((أخذ برده)) والمثبت من المتن.
(٢) ما بين المعكوفين ليس بالأصل، فأثبته من المتن.

٢٦٠
تحفة اللبيب في شرح التقريب
تَكُونَ تِحَكَرَةً عَن تَرَاضِ مِّنْكُمْ﴾(١)، وأما السنة فيما روي أن النبي ◌ِمثل
في خطبة حجة الوداع قال: ((يا أيها الناس إن دماءكم وأموالكم عليكم
حرام، إلى أن تلقوا ربكم: كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في
بلدكم هذا، ألا هل بلغت، اللهم اشهد، من كانت عنده أمانة فليذكرها
إلى من ائتمنه عليها، أيها الناس إنما المؤمنون إخوة، فلا يحل لامریء
من مال أخيه إلا عن طيب نفس منه، ألا هل بلغت، اللهم اشهد)) (٢)
وغير ذلك من الآثار والأخبار. وتركناه لأجل الاختصار. والإجماع
منعقد على تحريم الغصب في المال المغصوب إذا ثبت هذا فمن
غصب مالاً لأحد لزمه رده لمالكه، لما روى سمرة؛ أن النبي بَل قال:
((على اليد رد ما أخذت حتى تؤديه))(٣)، فلو نقص مثل أن يكون ثوباً
فلبسه فأبلاه، ففيه وجهان: أحدهما: يلزم أكثر الأمرين من أجرة مثله
وأرش ما نقص من الأجزاء في مقابلة الأجرة ولهذا لا يضمن المستأجر
أرش الأجزاء. الثاني: وهو اختيار المصنف يلزمه أرش ما نقص وأجرة
٥٠/ ب المثل، لأن الأجرة بدل المنافع، والأرش/ بدل الأجزاء فلم يدخل
(١) سورة النساء، الآية: ٢٩.
(٢) أخرجه أحمد (٣٢٠/٣) وعبد بن حميد (رقم ١١٣٥) ومسلم (٨٨٦/١ - ٨٩٢ رقم
١٢١٨) وأبو داود (٤٥٥/٢ - ٤٦٤ رقم ١٩٠٥) وابن خزيمة (رقم ٢٧٥٤، ٢٧,٥٧،
٢٨٠٢،٢٦٨٧، ٢٨١٢، ٢٨٢٦، ٢٨٥٥، ٢٩٤٤) والدارمي (٣٧٥/١ - ١٣٧٨ رقم
١٨٥٧).
(٣) أخرجه أحمد (١٣،١٢،٨/٥) والدارمي (٥٧٦/٢ رقم ٢٥٩٩) وأبو داود (٨٢٢/٣
رقم ٣٥٦١) والترمذي (٥٦٦/٣ رقم ١٢٦٦) وابن ماجه (٨٠٢/٢ رقم ٢٤٠٠)
والحاكم (٤٧/٢) وقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح) وقال الحاكم: (هذا
حديث صحيح الإسناد على شرط البخاري ولم يخرجاه). ووافقه الذهبي.

٢٦١
كتاب أحكام البيوع وغيرها من المعاملات
أحدهما في الآخر: كالأجرة وأرش ما نقص من المستحق.
قال: (فَإِنْ تَلِفَ ضَمَنَهُ بِمِثْلِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ أَوْ بِقِيمَتِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ
مِثْلٌ [أَكْثَرَ مَا كَانَتْ مِنْ يَوْمِ الغَصْبِ إِلَى يَوْمِ الثََّفِ])(١).
قلت: المثل مما يتماثل أجزاؤه في المنفعة، والقيمة من حيث الذات،
لا من حيث الصفة كالحبوب والأدهان والدراهم، فهذا يجب عليه رد
مثله جنساً ونوعاً وصفة وقدراً، لأن مثل الشيء أخص به بدلاً من
القيمة، لأن مثله في الشرع واللغة والقيمة مثله في الشرع دون اللغة،
وكل المثل أولى، فإن لم يكن له مثل ضمنه بقيمته أكثر مما كانت من
حيث القبض إلى حين التلف، لأن قيمة الشيء تسد مسده، وذلك فيما
يختلف أجزاؤه كالنبات والحيوان. وقيل: يضمنه بمثله من جنسه في
الصورة، لما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما رأيت صانعاً
طعاماً مثل صفية، صنعت لرسول الله وَالر فبعثت به، فضربت يد الخادم
فسقطت الصحفة [فانفلقت](٢)، فقلت: يا رسول الله ما كفارة
ماصنعت؟ قال: ((إناءً مثل إنائها، وطعاماً مثل طعامها))(٣) والصحيح
الأول، لما روي أن النبي ◌َّه قال: ((من أعتق شركاً له في عبد قُوِّم عليه
باقيه))(٤)، فأوجب قيمة الحصة، ولم يجب مثل الحصة، ولأن
(١) مابين المعكوفين ليس بالأصل، فأثبته من المتن.
(٢)
في الأصل: ((فانقلبت)» والتصويب من مصادر التخريج.
(٣) أخرجه البخاري (١٢٤/٥ رقم ٢٤٨١) و(٣٢٠/٩ رقم ٥٢٢٥) وأبو داود (٨٢٦/٣ -
٨٢٧ رقم ٣٥٦٧) والترمذي (٦٤٠/٣ - ٦٤١ رقم ١٣٥٩).
(٤) أخرجه أحمد (٥٦/١)، (٢/٢، ١٥، ٥٣، ٧٧، ١٠٥، ١١٢، ١٢٢، ١٤٢، ١٥٦) =

٢٦٢
تحفة اللبيب في شرح التقريب
ما يختلف أجزاؤه متعذر قيمة المماثلة، والواجب عن خبرهم أن القيمة
مثل في الشرع، قال الله تعالى: ﴿فَجَزَّآءُ مِثْلُ مَا قَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾(١)، فأطلق
على القيمة مثل، والله أعلم.
فَصْلٌ
(والشُّفْعَةُ وَاجِبَةٌ بِالخُلْطَةِ دُون الجِوَازِ فِيمَا يَنْقَسِمُ دُونَ مَا
لا يَنْقَسِمُ).
قلت: الأصل في الشفعة قوله ◌َله: ((الشفعة فيما لم ينقسم، فإذا وقعت
الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة))(٢)، رواه البخاري وهي مشتقة/ من
الزيادة، لأن الشفيع يضم الشقص إلى ملكه، فشفعه به.
١/٥١
قال: ([وَفِي كُلِّ مَا لا يُنْقَلُ مِنَ الأَرْضِ كالعَقَارِ وَغَيْرِهِ](٣)).
قلت: الأشياء على ثلاثة أقسام: قسم ثبت فيه الشفعة مطلقاً، وهي
الأرض. وقسم لا يثبت الشفعة بيعاً، وهي البناء. والغراس أن يتبع مع
و(١٨٤/٣، ١٨٩: ١٩٦) والبخاري (١٥١/٥ رقم ٢٥٢٢). ومسلم (١٢٨٦/٢ رقم
=
١٥٠١) و(١١٣٩/٢ رقم ١٥٠١). وأبو داود (٢٥٦/٤ - ٢٥٨ رقم ٣٩٤٠ - ٣٩٤٥)
والترمذي (٦٢٩/٣ رقم ١٣٤٦). وابن ماجه (٨٤٤/٢ - ٨٤٥ رقم ٢٥٢٨).
(١) سورة المائدة، الآية: ٩٥.
(٢) أخرجه البخاري (٤٣٦/٤ رقم ٢٢٥٧) وأحمد (٢٩٦/٣، ٣٩٩) وعبد بن حميد (رقم
١٠٨٠) وأبو داود (٧٨٤/٣ - ٧٨٥ رقم ٣٥١٤) والترمذي (٦٥٢/٣ - ٦٥٣ رقم
١٣٧٠) وابن ماجه (٢/ ٨٣٥ رقم ٢٤٩٩).
(٣) في الأصل: ((من أرض أو عقار)) والمثبت من المتن.

1
1
٢٦٣
كتاب أحكام البيوع وغيرها من المعاملات
الأرض، يثبت فيه الشفعة، وإن بيع منفرداً فلا يحمل الاتفاق كل عقار
ثابت يجبر على القسمة يثبت فيه الشفعة، قولنا: عقار. يحترز به عن
المنقولات. والخلاف فيها مع مالك، قال في رواية: يثبت في
[جميعها] (١)، وقال مرة: يثبت في السفر خاصة مستدلاً بقوله عليه
السلام: ((الشفعة في كل شيء))(٢). لنا ما تقدم وهذا الخبر مرسل،
وقولنا: ثابت. يريد به البناء والغراس، وما يراد للتأبيد ويحترز به عن
الثمرة التي لا تؤثر، فإنه لا شفعة فيها مثل ما كانت مؤبرة عند العقد،
وفي الثمرة غير المؤبرة قولان: أحدهما: نعم، لأن ما يتبع العقد يتبع
في الشفعة كالأغصان. والثاني: لا، لأن الأغصان في معنى النوابت
بخلاف، وقولنا: يجبر فيه على القسمة. يحترز به عن الطاحون
الصغيرة والحمام الصغير وما أشبه ذلك بناء على أن العلة في ثبوت
الشفعة دفع مؤنة المقاسمة، وفيه قول: إنها تثبت بناء على أن العلة
دفع ضرر المشاركة فيما يتأبد ضرره.
قال: (بالثَّمَنِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ البَيْعُ).
قلت: يعني إن كان مثليًّا فمثله أو متقوماً فقيمته دفعاً للضرر، وحين
الماء، فإنه حيث لم يسلم له اشتراه، فلو اشتراه بثمن مؤجل، ففيه
(١)
في الأصل: ((جميعهما)».
(٢) أخرجه الترمذي (٦٥٤/٣ رقم ١٣٧١) والطحاوي في شرح معاني الآثار
(١٢٥/٤، ١٢٦) وقال الترمذي: ((هذا حديث لا نعرفه مثل هذا إلا من حديث أبي
حمزة السكرى وقد روى غير واحد عن عبد العزيز بن رفيع عن ابن أبي مليكة عن
النبي (وَل مرسلاً، وهذا أصح)).

٢٦٤
تحفة اللبيب في شرح التقريب
ثلاثة أحوال: أحدها يتخير الشفيع بين تعجيل الثمن وبين الصبر إلى
تحليله فيأخذ. والثاني يأخذ بثمن مؤجل كما أخذه المشتري.
٥١/ ب والثالث: يأخذه/ بغرض يساوي الثمن إلى ذلك الأجل، لأن في
التأخير أضراراً. وتکلیفه النقد إضرار وتنقيص الثمن محذور، فإنه ربا،
فهذا هو الإقرار، والصحيح هو الأول لأن المشتري قد لا يرضى بذمة
الشفيع، ولا يلزمه أحد العرض، فإنه غير الثمن المبدول.
قال: (وَهْيَ عَلَى الفَوْرِ فَإِنْ أَخَّرَهَا مَعَ القُدْرَةِ عَلَيْهَا بَطَلَتْ).
قلت: فيه أربعة أقوال، الجديد أنها على الفور، لقوله عليه السلام:
((الشفعة كحل العقال))(١)، ولأنه خيار يثبت لدفع الضرر، فكان على
الفور: كالرد بالعيب. والثاني هو القديم: أنه على التراخي، إذ
لا ضرر على المشتري، فإن المنافع له، وإن أحدث بناء أو غراساً فإنه
يأخذ قيمته. والثالث: أنه إلى ثلاثة أيام، نص عليه الشافعي في كتاب
التيسير، لأنه يحتاج إلى الراوي. والرابع: أنه على التراخي،
وللمشتري مطالبته بالأخذ والترك، ورفعه إلى الحاكم، لأنه عليه ضرر
في ملك الإثبات له.
قال: (وَإِذَا تَزَوَّجَ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ (٢) عَلَى شِقْصٍ أَخَذَهُ الشَّفِيعُ بِمَّهْرِ
(١) أخرجه ابن ماجه (٨٣٥/٢ رقم ٢٥٠٠) والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٠٨/٦) وهو
منكر فيه محمد بن عبد الرحمن البيلماني له مناكير كثيرة. وكذا فيه محمد بن الحارث
البصري وهو متروك ..
(٢) كذا بالأصل، بينما الذي في المتن: «وإذا تزوج امرأة)».