النص المفهرس
صفحات 381-400
كتاب أشراط الساعة
٩٨٧- بابُ بیانِ مُشکل ما رُوي عن رسول الله ﴾ من قوله:
((إِنَّ مِنْ أشراطِ السَّاعَةِ تَسليمَ المعرفة أو تسليمَ الخاصَّةِ»
٦٧٣٥ - حَدَّثْنَا فهدُ بنُ سليمان، قال: حَدَّثَنَا أبو نُعيم، قال:
حَدَّثَنَا بَشير بن سلمان، قال: حَدَّثَنَا سَيَّارٌ أبو الحكم، عن طارق قال:
كنّا مع عبدِ الله بن مسعود، فجاء إذنُه فقال: قد قامتِ الصلاةُ، فقام
ے
وقُمَّنَا معه، فدخلنا المسجدَ، فرأى الناسَ رُكوعاً في مقدم المسجد، فكَّر
وركعَ ومشَى، وفعلّنَا مثلَ ما فعلَ، فمرَّ رجلٌ مسرٌ، فقال: عَلَيكَ
السَّلامُ أبا عبد الرحمن، فقال: صَدَقَ الله عَزَّ وجَلَّ، وبلَّغَ رسولُه، فلمَّا
صِلَّيْنَا، رجعَ، فَوَلَجَ أهلَه، وجلسنا مكانّنًا ننتظِرُهُ حتَّى يخرجَ، فقال
بعضُنا لبعضٍ: أَيُّكُمْ يسألُه؟ فقال طارق: أنا أسألُه، فسألَه طارقٌ،
فقال: سلَّم الرجلُ عليك، فردَدْتَ عليه صدَق الله وبلَّغِ رسولُه؟ قال:
فرَوى عن النبيِّ ﴿، فقال: «مَا بَيْنَ يَدَي السَّاعةِ تُسلِيمُ الخَاصَّةِ، وَفُشُوُّ
التّجارَةِ حتَّى تُعينَ المرأةُ زَوْجَها على التِجارَةِ، وَقَطْعُ الأرحَامِ،
وظُهورُ شَهَادَةِ الزُّورِ، وكِثْمَالُ شَهَادَةِ الحَقِ)(١).
(١) ورواه الحاكم ٤٤٥/٤-٤٤٦ من طريق السري بن خزيمة، عن أبي نعيم،
به.، مع اختلاف يسير في المتن.
ورواه أحمد ٤٠٧/١-٤٠٨ و٤١٩- ٤٢٠، والبزار (٣٤٠٧) من طريقين عن
يشير بن سلمان بتحوه. وقال البزار: لا نعلمه يروى من حديث طارق عن عبد الله
إلا من هذا الوجه.
ورواه أحمد ٣٨٧/١، والطبراني في «الكبير)) (٩٤٩١) من طريق عبد الله بن نمير،
-٣٨١-
كتاب أشراط الساعة
٦٧٣٦ - حَدَّثْنَا إبراهيمُ بن أبي داود، قال: حَدَّثَنَا موسى بن
إسماعيل المِنْقَري، قال: حَدَّثَنَا خَماد بن سلمة، عن أبي حمزة، عن
إبراهيم، عن علقمةً، أنه كان مع مَسْرُوق وابنُ مسعود بينهما، فجاء
أعرابيٌّ فقال: السلام عليكم يا ابنَ أمُّ عبد، فضَحِكَ ابنُ مسعود. فقال:
مِمَّ تَضحكُ؟ فقال: سمعتُ رسول الله ﴿ يقول: ((إنَّ مِنْ أَشْراطِ
السَّاعِةِ السَّلامُ بالَمَعْرِفَةِ، وأَنْ يَمُرَّ الرَّجُلُ بالمسجدِ ثمَّ لا يُصَلّي
فیه»(١).
حَدَّثْنَا مجالد بن سعيد، عن عامر، عن الأسود بن يزيد بالقصة، ومتن الحديث
عندهما: ((إن من أشراط الساعة إذا كانت التحية على المعرفة)).
ورواه مختصراً أيضاً أحمد ٤٠٦/١ من طريق شريك القاضي، عن عياش العامري،
عن الأسود بن هلال، عن ابن مسعود. وشريك على سوء حفظه، حسنُ الحديث
عندَ المتابعة.
ورواه عبد الرزاق (٥١٣٧)، ومن طريقه الطبراني (٩٤٨٦) عن سفيان الثوري،
عن حصين، عن عبد الأعلى بن الحكم، قال: دخلت المسجد مع ابن مسعود،
فركع ... وذكر الحديث بنحو حديث الباب موقوفاً على ابن مسعود.
ورواه البيهقي ٢٤٥/٢ من طريق شعبة، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عبد
الأعلى، عن خارجة بن الصلت، عن ابن مسعود قوله.
قال الهيثمي في ((المجمع)) ٣٢٩/٧ بعد أن أورد روايات الحديث من طريق أحمد
والبزار والطبراني: ورجال أحمد والبزار رجال الصحيح.
(١) رواه بأطول مما هنا الطبراني (٩٤٩٠) من طريق هشام بن عمار، عن عمر
بن المغيرة، عن أبي حمزة، به. وانظر الحديث الآتي.
-٣٨٢-
كتاب أشراط الساعة
٦٧٣٧- حَدَّثْنَا أبو أميةَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ الصََّّاحِ، قال:
حَدَّثْنَا عُمَرُ بنُ عبد الرحمن الآبار، عن منصور، عن سالم بن أبي الجَعْد،
عن مسروق أو غيره - كذا قال عُمر - قال: دخلَ المسجدَ رجلٌ وابنُ
مسعود في المسجد ومعهُ رجلٌ، فقال: السَّلامُ عليك يا أبا عبد الرحمن،
فقال له: وعليكَ، الله أكبرُ، صَدَقَ الله ورسولُه، صدق الله ورسولُه،
قال رسولُ اللهِلَّ: ((مِنْ أَشْراطِ السَّاعةِ أنْ لا يُسلِّمَ الرَّجُلُ على
الرَّجُلِ إلا لِمَعْرِفَةٍ أو مِنْ مَعرِفٍ، أَوْ أَنْ يَمُرَّ بالمسجدِ عَرْضِهِ وطُولِهِ،
ثمَّ لا يُصلِّي فيه ركعتين، ومِن أشراطِ السَّاعةِ أن يُطاولَ الحُفَاةُ العُراةُ
أو قال: العُراةُ الحُفاةُ في بنيانِ الْمَدَرِ، وأنْ يَبْعَثَ الشَّابُّ الشَّيْخَ بَرِيداً
بينَ الأُفَقين))(١).
فقال قائلٌ: فقد رويتم عن رسول الله :﴿ُ في رَدِّ السَّلامَ عَلى مَنْ
(١) إسناده قوي، ورواه الطبراني (٩٤٨٨) من طريق زائدة، عن منصور، عن
سالم بنِ أبي الجعد، قال: دخل ابنُ مسعودٍ المسجد ... فذكره، ولم يذكر مسروقاً أو
غيره.
وهذا منقطع، قال ابن المديني: سالم بنُ أبي الجعد لم يلقَ ابن مسعود.
وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٢٤/٢: رواه الطبراني في ((الكبير)) ورجاله رجال
الصحيح، إلّ أنّ سالم بن أبي الجعد (وقد تحرف فيه إلى سلمة بن كهيل) وإن سمع
من الصحابة، لم أجد له رواية عن ابن مسعود.
ورواه ابن خزيمة (١٣٢٧)، والطبراني (٩٤٨٩) من طريق الحكم بن عبد الملك
عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبيه، عن ابن مسعود. والحكم بن عبد الملك
ضعيف.
-٣٨٣ -
كتاب أشراط الساعة
سلِّم عليه ردّاً خاصاً بقوله: ((وعليك السَّلامُ) وذكر
٦٧٣٨ - ما قد حَدَّثَنَا فهدٌ، قال: حَدَّثْنَا عليُّ بن مَعْبَد، قال:
حَدَّثَنَا إسماعيل بن جعفر، عن يحيى بنِ علي بنِ يحيى بنِ خَلاَد بنِ رافع
الزُّرَقي، عن أبيه، عن جَدِّه، [عن] رِفاعة بنِ رافعٍ أنَّ رسولَ اللهِح ﴿ّ بينا
هو جالسٌ في المسجد ونحنُ معه إذْ دَخَلَ رجل كالبدوِيِّ فصلَّى،
فأخَفَّ صلاَتَه، ثم انصرفَ، فسلَّم على النِّيَِّ﴿، فقال النبيُّ ◌َ﴾:
((وعليك، ارجعْ، فَصَلِّ فَإِنَّك لم تُصلِ)(١).
٦٧٣٩ - وما قد حَدَّثْنَا يوسف بن يزيد، قال: حَدَّثَنَا أبو الأسود
النَّضْرُ بنُ عبد الجَبَّار، قال: أخبرنا ابنُ لَهِيعة والليثُ، عن محمد بنِ
عَجْلانَ، عن مَنْ أخبره، عن علي بنِ يحيى بنِ خَلاّد، عن أبيه، عن عمه
رِفاعة بن رافع، قال: كنا عند رسول الله﴿ إِذْ دخلَ رجلٌ، فصلَّى
ورسولُ اللهِ:﴿ يرمُقُه، فلمَّا فرغ، جاء، فسلم على النبي ﴿، فقال:
((وعليك مِنِي السَّلامُ، فَارْجعْ فصلِّ، فَإِنَّكَ لْ تُصلِّ)(٢).
٦٧٤٠ - وما قد حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ مرزوقٍ، قال: حَدَّثْنَا أبو داود
الطيالسيُّ، قال: حَدَّثْنَا سليمانُ بن المغيرة (ح).
(١) حديث صحيح تقدم برقم (٦٧١) في كتاب الصلاة.
(٢) رواه النسائي ٥٩/٣ - ٦٠، والبيهقي ٣٧٢/٢ من طريق قتيبة، والطبراني
(٤٥٢٢) من طريق عبد الله بن صالح، كلاهما عن الليث بن سعد، عن محمد بن
عجلان، عن علي بن یحیی بن خلاد، به.
ورواه أيضاً أحمد ٣٤٠/٤، وابن حيان (١٧٨٧)، والطبراني (٤٥٢٣) من طريق
يحيى القطان.
- ٣٨٤ -
كتاب أشراط الساعة
وما قد حَدَّثْنَا عليُّ بن شيبة، قال: حَدَّثْنَا يزيد بن هارون، قال:
أخبرنا سليمانُ بنُ المغيرة القَيْسي، قال: حَدَّثَنَا حُميد بنُ هلال العُدوي،
عن عبد الله بنِ الصَّامِت، عن أبي ذر في حديث إسلامه، قال: فانتهيتُ
إليه - يعني إلى النبيِّ ◌َ ﴾- وقد صلَّى هو وصاحبُه - يعني أبا بكر رضي
الله عنه- فكنت أوَّلَ من حَيَّاه بتحيَّةِ أهلِ الإسلام، فقال: ((وعليكَ
ورَحْمَةُ الله)(١).
قال: ففي هذا الحديثِ في رَدِّ رسول الله ﴿ السَّلامَ ردّاً خاصاً لم
يَعمَّ به المسلمَ وغيرَه مِنَ النَّاسِ، مَما يُنكرون أن يكون كذلك السَّلامُ،
يكونُ سلاماً خاصاً لِمَنْ يُريدُ المسلمُ به السَّلامَ عليه دُونَ مَنْ سواه ثَمن
لا يُريدُ السَّلامَ عليه.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه: أنَّ المسلّمَ على الواحد
من الجماعةِ قد كان عليه السَّلامُ على كلِّ واحدٍ من تلك الجماعة،
كما عليه السَّلامُ للذي سلَّم عليه. فاختصاصُهُ ذلك الواحدَ بذلك
السلامِ دُونَ بقَّتِهِم ظُلْمٌّ منه لبقيَّتهم، لأنَّ من حقِّ المسلم على المسلِم
أنْ يسلّم عليه إذا لَقِيَه، والردُّ من المسلم فإنما هو ردِّ عن نفسِه لا عن
غيرِه، أو رَدِّ عن جماعة هو منهم كما يقولُ أهلُ العلم في ذلك مما
يختلفون فيه منه، فالردُّ هو على واحدٍ، فجاز أن يختصَّ به دونَ من
سواه من الناس، فُيُقالُ له: وعليكَ. والسَّلامُ من الْجَائِي الجماعةَ، فسلامٌ
(١) إسناده صحيح، وهو قطعة من حديث مطول رواه الطيالسي في ((مسنده))
(٤٥٦) و(٤٥٧) و(٤٥٨) وقد تقدم تخريجه.
- ٣٨٥-
كتاب أشراط الساعة
يجب عليه أن يَعُمَّ به الجماعةَ، فإذا قصدَ به إلى أحدِها، كان قد قصَّر
بيبقيَّتِها عن الواجبِ، كان لها عليه في ذلك.
ومما يدخُل في هذا الباب ما قد تقدم ذكرُنا له في حديث أبي
هريرة لما دَعا رسولُ اللهِ﴿ أَبيَّ بنَ كعب وهو يُصلِّي، فلم يُحِبْه، فلما
فرغ أتاه، فقال: السَّلامُ عيكَ يا رسولَ الله. وقد ذكرناه فيما تقدَّم منا
في كتابنا هذا؟ فذلك سلامٌ خاص وهو عندنا غيرُ مخالفٍ لما قد ذكرناه
قَبْلَهُ في هذا الباب، لأنه قد يجوزُ أنْ يكون سلَّم على رسولِ الله ◌ِ﴿و
كذلك، ورسول الله {﴿. وحدَه، فلم ينكر ذلك عليه.
فقال قائل: فقد رَوَى حديثَ أبي ذر الذي ذكرت أبو هلال
الراسِيُّ عن عبد الله بنِ الصَّامِت، فخالفَ سليمانَ بنَ المغيرة فيه.
٦٧٤١ - فذكر ما قد حَدَّثْنَا محمد بن إبراهيم بن يحيى بن جَنّاد
البغدادي، قالك حَدَّثْنَا سليمانُ بنُ حرب، قال: حَدَّثَنَا أبو هلال
الراسي، قال: حَدَّثْنَا حُميدُ بنُ هلال، عن عبد الله بن الصَّامت، قال:
قال لي ابو ذر ... ثم ذكر حديث إسلامه. قال: فقلتُ: السلامُ عليكَ
يا رسولَ الله. قال: وعليكَ.
قال: ففي هذا الحديثِ سلامُ أبي ذرٌ على رسول الله لَ﴿ سلاماً
خاصاً، وقد كان معه أبو بكر رضي الله عنه على ما في حديثٍ سليمانَ
بن المغيرة الذي رويته.
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ وعونه: أنّه قد
يُحتمل أن يكون أبو ذر كان مع أبي بكر ورسولُ اللهِ ﴿ مُتشاغلٌ إمَّا
بصلاةٍ، وإمَّا بطوافٍ بالبيت، لأنَّ ذلك إنَّما كان بمكة ورسولُ اللهِ لَّ
-٣٨٦-
كتاب أشراط الساعة
عند البيت، فلم يَحْتَجْ إلى السَّلامُ على أبي بكر رضي الله عنه، وكانت
به الحاجةُ إلى السَّلامُ على رسول الله :﴿ فقصَد بسلامِهِ إليه، فلم يُنكر
ذلك رسولُ الله﴿. وهذا يَدُلُّ على أنَّه جائزٌ لِمَنْ جاء إلى رجلٍ واحدٍ
ليس معه غيرُه أن يكونَ سلامُه عليه: السَّلامُ عليكَ، بخِلافِ ما يكونُ
سلامُه لو جاء إلى رجلٍ في جماعةٍ في سلامِهِ الذي يعمُّهم وإياه به. والله
نسأله التوفيق.
٩٨٨- بابُ بیانِ مُشْكِل ما قد رُوِيَ عَنْهُ علیه السَّلامُ «لَیُوشِکَنَّ
أن ينزِلَ فيكم ابنُ مریمَ عليه السَّلامُ حكماً مُقْسِطاً یَکْسِرُ
الصليبَ، ويَقْتُلُ الخنزيرَ، ويَضَعُ الجزية))
٦٧٤٢- حَدَّثْنَا محمد بن زكريا بن يحيى بن صالح أبو شُريح،
حَدَّثَنَا الفِريابِيُّ، حَدَّثْنَا الأوزاعيُّ، عن ابن شهاب، عن سعيد بن
المسيب، عن أبي هريرة أنَّ رسولَ الله عليه السَّلامُ كان يقول: ((والَّذِي
نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أنْ يَنْزِلَ فيكم ابنُ مَرْيَمَ حَكَماً مُفْسِطاً، يَكْسِرُ
الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الخِنْزِيرَ، ويَضَعُ الجِزْيَةَ، وَيَفِيضُ الَمالُ حَتَّى لا يَقْبُلَه
احَدٌ»(١).
٦٧٤٣- حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ سِنان، حَدَّثَنَا أبو بكر الحنفي، حَدَّثْنَا
(١) إسناده صحيح، ورواه البخاري (٢٢٢٢) و(٢٤٧٦) و(٣٤٤٨)، ومسلم
(١٥٥) (٢٤٢)، والترمذي (٢٢٣٣)، وابن ماجه (٤٠٧٨)، وأحمد ٢٤٠/٢
و٥٣٨ من طرق عن ابن شهاب، به.
-٣٨٧-
كتاب أشراط الساعة
ابنُ أبي ذئبٍ، الزهريُّ، عن سعيدٍ، عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النبيِّ عليه
السَّلامُ مثلَه إلا أنَّه قال: ((حَكَمَاً عَادٍلاً).
٦٧٤٤- حَدَّثْنَا محمدُ بن عبد الله بن عبد الحكم، أخبرنا أبي،
وشعيبُ بن الليث، قالا: حَدَّثْنَا الليثُ، عن سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عن عطاء
بنِ ميناء مولى ابن أبي ذُباب، عن أبي هُرَيْرَةَ قال: قال رَسُولُ الله صلَّى
الله عليه وسلّم: ((لَنْزِلَنَّ ابنُ مَرْيَمَ حَاكِماً عَادِلاً، وَلَيَكْسِرَنَّ الصَّلِيبُ"،
وَلَيَقْتُلَنَّ الَخَنْزِيرَ، وَلَيَضَعَنَّ الجزِيَةَ، وَلَُّتْرَ كَنَّ القِلاصُ فلا يُسعى عليها،
ولتذهبنَّ الشحناءُ والتَّباغُضُ والتَّحاسُدُ، وَلَيُدْعَوُنَّ إلَى الَالِ فلا يَقْبَلُهُ
أحَدٌ))(١).
قال أبو جعفر: فتأمَّلنا هذين الحديثين فوقفنا على أن المالَ إذا عاد
في الناس إلى أن صارَ لا يَقْبِلُهُ أحد، صاروا بذلك جميعاً أغنياء، وذهب
الفقرُ والمسكنة، وجميع الوجوه التي جعل الله الصدقةَ لأهلها بقوله
تعالى: ﴿أَنَّا الصَّدَقَاتُلِلعَقَّرَآءِ وَلْسَاكِينِ ... إلى قوله- وَأَبِ السَّبِيلِ)
[التوبة: ٦٠] فلم يكن للزكاةِ أهلٌ يُوضَعُ فيهم، وإذا كان ذلك، سَقَطَ
فرضُها، وكذلك الجزيةُ إنما جعلها الله تعالى على من جعلها عليه
لِتصرف فيما يحتاج إليه من قتال ومما سواه مما يجب صرفُها فيه، فإذا
ذهب ذلك، ولم يكن لها أهل تُصرف إليه، سقط فرضُها، فهذا عندنا
وجهُ ما رُوِيَ في هذين الحديثين والله أعلم.
(١) إسناده صحيح، ورواه مسلم (١٥٥) (٢٤٣)، وأحمد ٤٩٤/٢ من طريق
اللیث، به.
-٣٨٨-
كتاب أشراط الساعة
٩٨٩ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله صلَّى الله عليه
وسلّم في الرُّوَبِيضَّةِ الذي ذكره في وصفه السنين التي أمامَ
الدَّجَّال مَنْ هُوَ من الناس؟
٦٧٤٥ - حَدَّثْنَا إبراهيمُ بن أبي داود، حَدَّثْنَا أبو كريبٍ، حَدَّثْنَا
يونُس بنُ يُكير، عن ابنِ إسحاق، عن إبراهيمَ بنِ أبِي عَبْلَةَ، عن أبيه،
عن عوف بنِ مالكٍ الأشجعيِّ، قال: قال رسولُ الله صلَّى الله علَيه
وسلّم: ((إِنَّ إمَامَ الدَّجَّالِ سِنِينَ خَوَادِعَ يُكْثُرُ فِيهَا الَطَرُ، ويَقِلُّ فيها
النّبْتُ، ويُصَدَّقُ فيها الكَاذِبُ، وَيُكَذِّبُ فيها الصَّادِقُ، ويُؤْتَمَنُ فيها
الْخَائِنُ، ويُخَوَّنُ فيها الأُمِينُ، ويَنْطِقُ فيها الرُّوَيْبِضَةُ)). قيل: وما
الرُّوَيْبِضَةُ، يا رسول الله؟ قال: (مَنْ لاَ يُؤْبَهُ لَهُ)(١).
٦٧٤٦ - وبه عن ابنِ إسحاق، عن عبدِ الله بنِ دينار، عن أنس
مثلَه، غير أنه قال: قيلَ يا رسولَ اللهِ: ومَا الرُّوَيْيضَةُ؟ قال: ((الفُوَيْسِقُ
يَتَكَلِّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ)(٢).
(١) رواه الطبراني ١٨/(١٢٥) من طريق أبي كريب، به.
ورواه أيضاً (١٢٣) و(١٢٤) من طريق مسلمة بن علي، وإسماعيل بن عياش،
كلاهما عن إبراهيم بن أبي عبلة، به.
(٢) رجاله ثقات إلا أن فيه عنعنة ابن إسحاق. وتابع عبدَ اللهِ بن دينار عليه ابنُ
المنكدر عند أحمد ٢٢٠/٣.
والروبيضة: قال الزعنشري في ((الفائق)) ٤٤٨/١: كأنه تصغير الرابضة، وهو
العاجز الذي رَبَضَ عن معالي الأمور، وحَثَمَ عن طلبها، وزيادة التاء للمبالغة.
ورواه أبو عبيد في ((غريب الحديث)) بلفظ: ((التَّافِه يتكلم في أمر العامة))، ثم قال:
-٣٨٩-
كتاب أشراط الساعة
٦٧٤٧- حَدَّثْنَا ابنُ أبي دَاودَ، حَدَّثْنَا عَمْرو بنُ محمد الناقد،
حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بنُ إدريس، عن ابنِ إسحاق، عن عبدِ الله بنِ دينار، عن
أنسٍ، قال: قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلّم: (إِنَّ بَيْنَ يَدَىِ السَّاعَةِ
سِينَ خَدَّاعَةٌ، يُصَدَّقُ فيها الكَاذِبُ، ويُكَذَّبُ فيها الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ
فِيهَا الَخَائِنُ، ويُخَوَّدُ فِيهَا الأُمِينُ، ويَتَكَلِّمُ فِيهَا الرُّوَنِبِضَةُ)) [قيل]: ومَا
الرُّوَيْيضَةُ؟ قال: (الفُوَيْسِقُ يَتَكَلْمُ فِي أَمْرِ العَامَّةِ)(١).
فلم يكن فيما رويناه مِن هذه الآثارِ مِن ذكر الرُّوبيضَةِ ما يُوجبُ
اختلافاً فيه مَنْ هُوَ مِن الناس على لسان رسول الله صلَّى الله عَّيه
وسلَّم، لأَنّه قد يجوز أن يكونَ وصفُه إياه بالفِسْقِ الذي يمنع مثله مِن
الكلام في أمْرِ العامة، يَنْطَلِقُ له في الدَّهْرِ المذمومِ الكلامُ في أمر العامة
كما يَكُونُ فيه تصديقُ الكاذب، وتكذيبُ الصادقِ، وائتمانُ الخائن،
ويكونُ وصفه إيَّهُ بأنه لا يُؤْبَهُ له لِعَلَنِهِ بفسقه، ولأنه ممن لا حاجة
بالناس إليه، فيكون بذلك خاملاً لا يُؤْبَهُ له، فاتفق بحمد الله المعنيان
اللذان روينا في تفسير الرُّوبِيضَةِ عن رسول الله صلَّى الله عَلَّيه وسلَّم في
هذا البابِ، ولم يختلفا، والله نسألُهُ التوفيقَ
والتافه: الخسيسُ الخامل من الناس، وكذلك كل خسيس تافةٌ، قال أبو عبيد: وهذا
مثل الحديث الآخر: (لا تقومُ الساعةُ حتى يكون أسعد الناس بالدنيا نُكَعُ بنُ لُكَع))
وهو العبد والسفلة، ومنه قيل للأمة: يا لكاعٍ.
وفي ((الفائق) للزمخشري ١٣٣/١: هو من تفه الطعام: إذا سَنِخَ، وتفه الطيب: إذا
ذهبت رائحته بمرور الأزمنة.
(١) هو مكرر ما قبله. ورواه أحمد ٢٢٠/٣ من طريق عبد الله بن إدريس، به.
- ٣٩٠ -
كتاب أشراط الساعة
٩٩٠ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله # في ابن
صیَّادٍ اليهودي مما أطلق به قومٌ علیه الدجال، ومما منع به
قومٌ أن يكونَ هو الدَّجَّال
٦٧٤٨ - حَدَّثْنَا أبو أمية، قال: حَدَّثْنَا محمدُ بنُ سابقٍ، قال:
حَدَّثْنَا إبراهيمُ بن طهمان، عن أبي الزبير، عن جابر قال: إنَّ امرأةٌ من
اليهود بالمدينة وَلَدَتْ غلاماً ممسُوحَةً عينُه، طالعةً ناتئة، وأشفق رسولُ
الله ﴿ أن يكونَ الدَّخَّال، فوجده تحتَ قطيفة يُهَمْهِمُ، فآذنته أمُّه،
فقالت: يا عبدَ الله هذا أبو القاسم قد جاء، فَاخْرُجْ إليه، فخرج من
القطيفةَ، فقال رسولُ الله ◌َ﴿: «مالَها قاتلها الله لو تركته، لَيَّن)) ثم
قال: ((يا ابنَ صِيَّدٍ ما ترى؟)) قال: أرى حقاً وأرى باطلاً، وأرى عرشاً
على الماء، فقال له: «أتشهد أني رسولُ الله؟)، فقال هو: أتشهد أني
رسولُ الله؟! فقال رسولُ اللهِ﴿: ((آمنتُ بالله عَزَّ وجَلَّ ورسله)) ثم
خرج وتركه، ثم أتاه مرةً أخرى فوجده في نخل لهم يُهَمْهِمُ، فآذنته
أمه، فقالت: يا عبد الله هذا أبو القاسم قد جاء، فقال رسولُ الله ﴿ ﴿:
(مالها قاتلها الله لو تركته لَبِيَّن)) قال: وكان رسولُ اللهِلَ ﴿ يَطْمَعُ أن
يسمع مِن كلامه شيئاً، فيعلم هو هو أم لا، فقال: ((يا ابنَ صِيَّادُ ما
ترى؟)) قال: أرى حقاً، وأرى باطلاً وأرى عرشاً على الماء، فقال:
((أتشهدُ أني رسولُ الله؟) فقال هو: أتشهدُ أني رسولُ الله؟ فقال
رسولُ اللهِ﴿: ((آمنتُ بِالله عَزَّ وجَلَّ ورسله)) فَلِّس عليه، ثم خرج
وتركه، ثم جاء في الثالثة والرابعة ومعه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما
في نفرٍ من المهاجرين والأنصار، وأنا معه، فبادرَ رسولُ اللهِمُ﴾ بين
- ٣٩١-
كتاب أشراط الساعة
أيدينا رَجَاء أَن يَسْمَعَ مِن كلامه شيئاً، فسبقته أُمُّهُ إليه، فقالت: يا عبدَ
الله هذا أبو القاسم قد جاء، فقال رسولُ الله ﴿: «مالَها قاتلها اللهُ لو
تَرَكَنْهُ لبيَّن))، فقال: (يا ابنَ صياد ما ترى؟) قال: أرى حقاً، وأرى
باطلاً، وأرى عرشاً على الماء، فقال: (أتشهد أني رسول الله؟) فقال:
أتشهد أنت أني رسولُ الله؟! فَقَالَ رسولُ اللهِوَ﴿: ((آمنت بالله ورسله))
فَلْبِسَ عليه، فقال رسولُ اللهَ﴿: (يا ابن صيَّاد إنَّا قَدْ خَبَّأْنَا لك خبيئاً
فما هو)؟ قال: الدُّخُّ، فقال رسولُ اللهِلَ﴿: ((اخْسَأُ اخْسَأُ) فال عمرُ بنُ
الخطاب رضي الله عنه: أْذَنْ لي فأَقتلَه يا رسولَ الله، فقال رسولُ الله
﴿: (إِن يَكُنْ هُوَ فلستَ صاحبَه، إنما صاحبُه عيسى ابنُ مريم، وإِن
لا يَكُنْ هو، فليس لك أن تَقْتُلَ رجلاً مِن أهلِ العهدِ»، قال: فَلم يَزَلْ
رسولُ الله﴿ مُشْفِقاً أن يكونَ هو الدَّجَّالَ(١).
(١) رواه أحمد ٣٦٨/٣، والبغوي في ((شرح السنة)) (٤٢٧٤) من طريق محمد بن
سابق، به، وأورده ابن كثير في ((النهاية) ١٢٧/١ من رواية الإمام أحمد، وقال: وهذا
سیاق غريب جداً.
ورواه بأخصر مما هنا مسلم (٢٩٢٦)، وابن حبان (٦٧٨٤) من طريقين عن
المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي نضرة، عن جابر بن عبد الله، قال: لقي نبي الله
** ابن صائد، ومعه أبو بكر وعمر، قال: وابن صائد مع الغلمان، فقال له رسولُ الله
*: (أتشهد أني رسول الله؟) قال: أتشهد أني رسول الله؟ فقال نبي الله: ((آمنت بالله
وبرسوله)) قال: فقال رسول الله : ((ما ترى؟) قال: أرى عرشاً على الماء، فقال ثا:
(ترى عرش إبليس على البحر)) قال: ((انظر ماذا ترى) قال: أرى صادقين وكاذبين،
فقال رسولُ الله *: ((ليس على نفسه)) فدعاه.
-٣٩٢-
كتاب أشراط الساعة
قال أبو جعفر: ففي هذا الحديث أن رسولَ اللهِلمُ﴿ لما رأى من
ابن صيَّاد ما رأى من عينه، ولما سَمِعَ من همهمته ما سَمِعَ، ولما وقف
عليه من شواهده المذكورة عنه في هذا الحديث لم يأمن أن يكونَ هو
الدجالَ الذي قد أعلمه اللهُ خروجَه في أمته، فقال فيه ما قال بغير تحقيق
منه أنه هو، إذ لم يأته بذلك وحي، ولا أنه ليس هو، إذ لم يأته بذلك
وحي، ووقف عن إطلاقٍ واحدٍ من ذينك الأمرين فيه.
فقال قائلٌ: فقد حَلَفَ عُمَرُ رضي الله عنه عندَ النبيُِّ﴿ أَنّه
الدجالُ، فلم ينكر ذلك عليه
٦٧٤٩- وذكر ما قد حَدَّثَنَا محمدُ بنُ علي بن داود، قال:
حدثني مثنى بنُ معاذ بن معاذ، قال: حَدَّثْنَا أبي، عن شُعبةَ، عن سعد
بن إبراهيم، عن محمد بن المُنْكَدِرِ، قال: سمعتُ جابرَ بنَ عبد الله يَحْلِفُ
بالله عَزَّ وجَلَّ: إن ابنَ صِيَّاد الدَّجَّالُ ولا يستثني، فقلتُ له: تَحْلِفُ بالله
ولا تستثني! فقال: إني سَمِعْتُ عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه يَحْلِفُ
على ذاك عندَ رسولِ اللهِ﴿ٍ، فلم يُنْكِرْ الْبِيُّ ◌َ﴾(١).
٦٧٥٠ - وما قد حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ أبي داود، قال: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ
(١) إسناده صحيح، ورواه البخاري (٧٣٥٥) عن حماد بن حميد، عن عُبيد الله
بن معاذ، به.
ورواه مسلم (٢٩٢٩) عن عُبيد الله بن معاذ بلا واسطة، وهو أحدُ الأحاديث
التي نزل فيها البخاري عن مسلم عن شيخٍ، وأخرجها البخاري بواسطة بينه ويَيْنَ
ذلك الشيخ.
ورواه أبو داود (٤٣٣١) عن عُبيد الله بن معاذ، به.
-٣٩٣ -
كتاب أشراط الساعة
الله بن معاذ بن معاذ، قال: حَدَّثَنَا أبي، عن شعبة، ثم ذكر بإسناده
مثله.
٦٧٥١- وما قد حَدَّثَنَا ابنُ أبي داود، قال: حَدَّثَنَا عليٌّ بن عيَّاش
الحمصي، قال: حَدَّثَنَا عُفيرُ بن مَعْدَان، قال: حَدَّثْنَا سعدُ بن إبراهيم،
قال: حدثني محمد بنُ المنكدر، ثم ذكر بإسنادِهِ مثلَه.
قال: ففي هذا أن رسولَ اللهِ﴿ قد سَمِعَ عمر يَحْلِفُ: إنه
الدجال، فلم يُنْكِرْ ذلك عليه، ولم ينهه عنه، قال: ففي ذلك ما قد دَلَّ
على تصديقه إيّاه على ما حلف عليه من ذلك ولولا ذلك لردَّه عليه.
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عَزَّ وحَلَّ وعونه: أنه قد
يحتمل أن يكونَ كان تركُ رسولِ اللهِ ﴿ إنكارَ ذلك، لأنه حَلَفَ على
مُحْتَمَلٍ لما حلف عليه مما لم يَنْزِلْ على رسولِ الله ◌ِ﴿ وحيّ بخلافه،
ئے
فترك الإنكار عليه لذلك. قال هذا القائل: وقد رُوِيَ عن عبد الله بنٍ
مسعود رضي الله عنه أنه كان منه مثلُ ذلك بعدَ النبي ◌ُ﴾.
٦٧٥٢- وما قد حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ سِنان، قال: حَدَّثْنَا الحسنُ بنُ
عمر بن شقيق، قال: حَدَّثْنَا حريرُ بنُ عبدِ الحميد، عن الأعمش، عن
عبدِ الله بن مُرَّة، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود رَضِيَ الله
عنه، قال: واللهِ لأنْ أحْلِفَ تسعاً إن ابنَ صِيَّاد هو الدَّجَّالُ أحبُّ إليَّ من
أن أحْلِفَ واحدةً: إنه ليس به(١).
(١) إسناده صحيح، ورواه أبو يعلى (٥٢٠٧) عن أبي خيثمة، عن محمد بن
خازم، عن الأعمش، به.
-٣٩٤-
كتاب أشراط الساعة
قال: فكان جوابنا له في ذلك أيضاً بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ وعونه
عن هذا كجوابنا إيَّه عما أجبناه به في الحديث الذي قبل هذا، وقد
رُوِيَ عن ابن مسعود رضي الله عنه ما قد دَلَّ أن هذا الذي كان منه في
ابن صيَّدٍ إنما كان منه لمثل الذي قد وقف عليه عُمَرُ منه، فكان مِن
عمر فيه ما كان مِن حَلفِهِ: إنه الدَّجَّال.
٦٧٥٣- كما حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ سِنان، قال: حَدَّثْنَا الحسنُ بنُ عمر
بن شقيق، قال: حَدَّثْنَا جريرُ بنُ عبدِ الحميد، عن الأعمش، عن أبي
وائل، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كُنَّا مَعَ رسولِ الله
* نمشي، فمررنا بصبيان فيهم ابنُ صياد، ففر الصِّبيانُ، وجلس ابنُ
صياد، فكأن سولَ اللهِ﴿ كَرِهَ ذلك، فقال رسولُ اللهِمَ ﴿: «تَرِبَتْ
يداك أتشهد أني رسولُ الله؟) فقال: لا، بل أتشهد أني رسولُ الله؟!
فقال عمر: ذَرْنِي أَقْتُلْهُ يا رسولَ الله، فقال رسولُ اللهِمَ: ((إنْ يَكُنِ
الذي تَرَى، فلن تَسْتَطِيعَ قَتْلَهُ)(١).
فوقفنا بهذا الحديثِ أن الذي كان من عبد الله بن مسعود في
أمره حتى قال مِن أجله ما قال هو الذي كان عند عمر رضي الله عنه
ورواه الطبراني في «الكبير» (١٠١١٩) من طريق إسماعيل بن عياش، عن جعفر
بن الحارث، عن الأعمش، به.
(١) إسناده صحيح، ورواه مسلم (٢٩٢٤) من طريق جرير، به.
ورواه مسلم (٢٩٢٤) (٨٦)، وابن حبان (٦٧٨٣)، وأحمد ٣٨٠/١ من طرق
عن أبي معاوية الضرير محمد بن خازم، عن الأعمش، به.
- ٣٩٥-
كتاب أشراط الساعة
أمره حتى كان من حلفه في أنه الدجال ما كان.
وكذلك أبو ذر رَضِيَ الله عنه في حديث الحارث بن حصيرة
الذي قد رويناه فيما تقدم منا في كتابنا هذا من قوله: لأنْ أحْلِفَ إن
ابن صياد هو الدَّجَّالُ عشراً أحبُّ إليَّ مِنْ أن أحْلِفَ مرةً واحدةً إنه
ليس به، هو مثلُ ما كان عمرُ وابن مسعود رضي الله عنهما عليه في
أمره، ثم وقف رسولُ الله :﴿ من بعد، على ما حَدَّتُه به تميم الداريُّ.
٦٧٥٤- كما قد حَدَّثْنَا محمدُ بنُ عمرو بن يونس المعروف
بالسُّوسي، قال: حدثني أسباطُ بنُ محمد، عن الشيباني، عن عامر، عن
فاطمة ابنةٍ قيس قالت: بينما الناسُ بالمدينةِ آمنين ليس بهم فَزَعٌ إذ
خرج رسول الله ﴿ فصلّى الظهر، ثم أقبل يمشي حتى صَعِدَ المنبر،
فَفَزِعَ الناسُ، قالت: فلما رأى في وجوههم ذلك، قال: ((أَيُّها الناسُ:
إني لم أُفْزِغْكُم، ولكنه أتاني أمر فرحتُ به، فأحببتُ أن أُخْبِرَكم
بفرح نبيكم﴿، إن تميماً الدَّاري أخبرني أن قوماً من بني عمّ له
ركبوا سفينةً في البحر، فانتهت بهم سفينتهم إلى جزيرةٍ لا يعرفونها،
فخرجوا ينظرون، فإذا هم بإنسان لا يدرون ذكراً هو أو أنثى من
كثرة الشعر، فقالوا: من أنت، أقال: أنا الجسَّاسَةُ، قالوا: فحدثينا،
قالت: انتوا الديرَ، فإن فيه رجلاً بالأشواق إلى أن تُحَدِّثُوه، قال:
فدخلوا الديرَ، فإذا هم برجل مُوثَقٍ بالحديد يتأوَّهُ شديدَ التأوُّه، فقال
لهم: مَنْ أنتم؟ فقالوا: مِنْ أهل فلسطين من جزيرة العربِ، قال:
فخرج نَبُّهُمْ بَعْدُ؟ فقالوا: نَعَمْ، قال: فما صنع؟ قالوا: تَبِعَهُ قومٌ،
وفارقه قومٌ، فقاتل بمن اتَّعَه مَنْ فارقه، حتى أعْطَوْهُ الجزية، قال:
-٣٩٦-
كتاب أشراط الساعة
وَمِنْ أَيِّ أَرْضِ أنتم؟ فقالوا: مِنْ أهل فلسطين، قال: فما فعلت بحيرةُ
الطّبَرِيَّة؟ فقالوا: هي ملأى تَدَفِّقُ، قال: فما فعلت عَيْنُ زُغَر، قالوا:
تَدَفَّقَ حافَتُها، قال: فما فعل نَخْلٌ بَيْنَ عمَّان وبيسان؟ قالوا: قد
أَطْعَمَ، قال: لو أفلتُّ من وثاقي، لقد وطئت البلدان كُلَّها إلى طَيْيَةَ)
فقال رسولُ الله ﴿: (إلى هذا انتهى فَرَحُ نبِيكُمْ﴾) ثم قال: ((هِيَ
طَيْبَةٌ هِي طَيْبَةُ - [يعني] المدينة- وما فيها طريق ولا موضع ضيق ولا
واسعٌ ولا ضعيف إلا عليه ملك شاهرٌ سيفَه، لو أراد أن يَدْخُلَها،
ضرب وجهہ بالسَّيْفِ)).
قال الشعبيُّ: فلقيتُ محرَّرَ بنَ أبي هريرة، فحدَّثْته فقال: هل زادك
فيه شيئاً؟ قلتُ: لا، قال: صدقتَ أشهدُ على أبي أنه حدثني بهذا وزاد
فيه ثم قال: نحو الشام ما هو نحو العراق ما هو، ثم أهوى بيده نحو
المشرق عشرين مرة، قال: فلقيتُ عبد الرحمن بن أبي بكر، فحدثتُه،
فقال: هل زاد فيه شيئاً؟ قلتُ: لا. قال: صدق أشهدُ على عائشة رضي
الله عنها أن عائشة حدثتني بهذا غير أنها زادت فيه أن رسولَ الله وَ ل
قال: ((ومكة مثلُها))(١).
(١) إسناده صحيح، ورواه ابن منده في ((الإيمان) (١٠٥٧) عن محمد بن الحسين
بن الحسن، عن أحمد بن الأزهر بن منيع، عن أسباط بن محمد، به.
ورواه أحمد ٣٧٣/٦-٣٧٤، والحميدي (٣٦٤)، وابن أبي شيبة ١٥٤/١٥ -
١٥٦، ومسلم (٢٩٤٢)، وأبو داود (٤٣٢٧)، وابن حبان (٦٧٨٨) و(٦٧٨٩)،
والطبراني ٢٤/(٩٥٦) و(٩٥٧) و(٩٦٠) و(٩٦١)، والآجري في ((الشريعة))
-٣٩٧-
كتاب أشراط الساعة
قال أبو جعفر: وكان سرورُ رسولِ اللهوَ ل بما في هذا الحديث مما
كان تميمُ حدثه إياه دليلاً على أنه قد تحقَّق عنده بما يتحقق به مثلُه
عنده، ولولا أن ذلك كان كذلك، لما قام به في المسلمين، ولا خطب
به عليهم، وابنُ صياد يومئذ معه بالمدينة.
ففي ذلك ما قد دَلَّ أنَّ الدَّجَّالَ الذي كان منه فيه قبلَ ذلك ما
كان، ومن يحذر به أمته منه، ومن إخبارِه الناسَ أنه لم يكن نَبِيٌّ قبلَه إلا
وقد حذَّرَ أمته خلافُ ابن صياد.
فإن قال قائل: فكيف بَقي ابنُ مسعود، وأبو ذر، وجابر على ما
كانوا عليه فيه مما قد رويته عنهم في هذا الباب مما قالوه فيه بعد النبيِّ
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ وعونه: أنه قد
يحتمل أنَّ ذلك كان منهم، لأنهم لم يعلموا بما كانَ مِنْ رسول الله فِ *
بما حدَّث به الناسُ عن تميم الداري، ولا مِن سروره به، فقالوا مِن ذلك
ما قالوا لهذا المعنى واللهُ أعلمُ، ومن أجل ذلك عندنا - والله أعلمُ- كان
ابنُ صياد دَفَعَ عن نفسه أن يكون هو الدَّجَّالَ بما خاطب به أبا سعيد
الخدري.
٦٧٥٥- كما حَدَّثَنَا سليمانُ بنُ شعيب الکیساني، قال: حَدَّثْنَا
بشرُ بنُ بكرٍ، قال: حَدَّثَنَا الأوزاعيُّ، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير،
ص٣٧٦ -٣٧٨ و٣٧٨-٣٧٩، وابن منده في ((الإيمان)) (١٠٥٩) و(١٠٦٠)،
والبغوي (٤٢٦٩) من طرق عن الشعبي، به.
-٣٩٨-
كتاب أشراط الساعة
قال: حدثني عُقبة بن عبد الغافر، قال: حدثني أبو سعيد الخدري، قال:
خرجنا صادرينَ من مكة إذ لحقني ابنُ صيَّاد، فقال: يا أبا سعيد، إنَّ
الناسَ قد أحرقوني يزعمون أنى أنا الدَّجَّالُ، والدجَّال لا يُولَدُ له، وقد
وُلِدَ لي، والدجّال لا يدخل الحرمينِ، وقد دخلتهما، والله إني لأعلمُ
مكانه، قال: فما ارتبتُ به أنه هو إلا حينئذ(١).
فكان هذا الكلامُ مِن ابن صياد عندنا - والله أعلمُ - يَحْتَمِلُ أن
يكونَ قاله لوقوفه على ما كان رسولُ الله:﴿ خطب به مما حدَّته به
تميم الدَّاري مما قد ذكرناه فيما تقدم منا في هذا الباب مما فيه إخباره
إياهم عن تميم عن بني عمه بمكانه الذي رأوه فيه، فقال مِن أجل ذلك
ما قال، والله أعلم بحقيقة الأمر كان في ذلك، وإياه نسأله التوفيق.
(١) رجاله ثقات، ورواه مسلم (٢٩٢٧) من طريقين عن عبد الأعلى، عن داود،
عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: صحبتُ ابن صائد إلى مكة، فقال لي:
إما قد لقيتُ من الناس، يزعمون أني الدجال، ألست سمعت رسول الله # يقول: ((إنه
لا يُولَدُ له)؟ قال: قلتُ: بلى، قال: فقد وُلِدَ لي، أوليس سمعت رسولَ الله ﴾ يقول:
(لا يدخلُ المدينة ولا مكة)؟ قلت: بلى، قال: فقد وُلِدْتُ بالمدينة، وها أنا ذا أريدُ
مكة، ثم قال لي في آخر قوله: أما والله إني لأعلم مولده ومكانه وأين هو. قال:
فَبَسَنِي. (أي جعلني ألتبس في أمره وأشك فيه).
-٣٩٩-
كتاب أشراط الساعة
٩٩١- بابُ بيانِ مُشْكِل ما اختلف أهلُ العلم فيه في إسلام
الصبيان الذين لم يَبْلُغُوا بما رُوِيَ عن رسول الله # فيه من
سؤاله ابن صياد قبل بلوغه: أتشهد أنه رسول الله څ
٦٧٥٦- حَدَّثَنَا أحمدُ بن عبد الرحمن بن وهبٍ، قال: حَدَّثَنَا
عمي عبدُ الله بنُ وهب، قال: أخبرني يونسُ بنُ يزيد، عن ابنِ شهاب،
قال: أخبرني سالُمُ بنُ عبدِ الله بن عمر، أن عبدَ الله بنَ عمر أخبره أن
عُمَرَ بن الخطاب رضي الله عنه انطلق مع رسولِ الله ﴿ فِي رَهْطٍ قِبَل
ابن صيَّادٍ، حتى وجده يَلْعَبُ مع الصبيان وقد قارب ابنُ صياد يومئذ
الْحُلُمَ، فلم يشعر حتى ضرب رسولُ اللهِ﴿ بيده، ثم قال رسولُ الله
وَ﴿: (ابنَ صَّيَّادٍ أَتَشْهَدُ أني رسولُ الله ﴿)؟ فنظر إليه ابنُ صياد،
فقال: أتشهد أني رسولُ الله؟! قال: فَرَفَصَهُ رسولُ اللهِ﴿ٍ، وقال:
((آمنتُ بِالله عَزَّ وجَلَّ ورُسُلِهِ)) ثم قال رسولُ الله ◌ُ﴿: ((ماذا ترى)؟ قال
ابنُ صياد: أنا بَيْنَ صادقٍ وكاذبٍ، فقال رسولُ الله ﴿: «خُلّط عليك
الأمر)) ثم قال له رسولُ الله ◌ِ﴿: ((إنّي خبّأتُ لك خبيثٌ) قال ابنُ صيَّاد،
هو الدُّخ. فقال له رسولُ اللهَ﴾: ((اخْسَأْ، فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ) فقال له
عمر: ائذن لي فيه يا رسولَ الله أضْرِبْ عنقه، فقال رسولُ اللهِلَ: ((إِن
يكن هو، فلن تُسَلَّطَ عليه وإن لم يكن هو، فلا خَيْرَ لك في قتله»(١).
(١) إسناده صحيح، ورواه مسلم (٢٩٣٠)، وابن حبان (٦٧٨٥) من طريق
حرملة بن يحيى، عن عبد الله بن وهب، به.
ورواه البخاري (١٣٥٤) و(١٣٥٥) و(٣٣٣٧) عن عبدان، عن عبد الله بن
- ٤٠٠ -