النص المفهرس
صفحات 341-360
كتاب الفتن
٦٦٨٤- حَدَّثْنَا فهد بن سليمان، قال: حَدَّثْنَا عمر بن حفص بن
غياث النخعي، قال: حَدَّثْنَا أبي، قال: حَدَّثَنَا الأعمش، قال: حدثني
المنهالُ، عن عبادٍ الأسدي أنَّه حدَّثْه، قال: بينا علي عليه السَّلامُ يخطبنا
يومَ جمعةٍ على منبرٍ من آجر، وزيدُ بنُ صُوحان خلفي إذ رأى رجلاً
يتخطَّى رقابَ الناس حتى دنا، فتكلم بشيء، فغضب علي عليه السَّلامُ
غضباً شديداً حتى رُؤيّ في وجهه، ثم جاء الأشعثُ بنُ قيس يتخطِّى
رقابَ الناسِ حتى دنا، فقال: غلبتنا هذه الحمراءُ على وجهك، فَغَضِبَ
عليٌّ، واشتد غضبه، ثم قال: مَنْ يَعْذِرُني من هذه الضياطرة،
يتضحَّعُونَ على فُرُشِهِمْ، وَيَرُوحُ أقوامٌ إلى ذكرِ الله عَزَّ وجَلَّ فيأمروني
أن أطردَهم، فأكونَ من الجاهلين، والذي فَلَقَ الحَّة، وبرأ النسمةَ لقد
سمعتُ رسولَ اللهِ﴾ يقول: (لَيَضْرِبُنَّكُم الدِّين ◌َوْداً كَما ضَرَيْتُمُوهُمْ
عليه بَدْءاً) فضرب زيد على منكِيَّ ثم قال: لَيُظْهِرَنَّ أميرُ المؤمنين على
العربِ اليوم أمراً كان يَكْتُمُهُ.
قال أبو جعفر: فتأملنا هذا احديثَ لِنَقِفَ على المراد بما فيه إن
شاء الله، فكان ما فيه من ذكرِ الحمراء يُرادُ بها الموالي، ومنه ما قد
رُوِيَ عن رسول الله آچ
٦٦٨٥- مما قد حدَّني المزني، قال: حَدَّثْنَا الشافعيُّ، قال: حَدَّثْنَا
سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة رضي الله
عنه أن رسولَ الله ﴿. قال: (أُعْطِيتُ خمساً لم يُعْطَهُنَّ أحَدٌ قَبْلِيٍ،
جُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسجداً وطَهُوراً، ونُصِرْتُ بالرُّعْبِ، وأُحِلَّتْ لِي
الغَنَائِمُ، وأُرْسِلْتُ إلى الأحمرِ والأبيضِ، وَأُعْطِيتُ الشَّفاعَةَ)).
- ٣٤١-
كتاب الفتن
قال لنا المزني: قال الشافعي: ثم جلستُ إلى سفيان، فذكر هذا
الحديثَ، فقال الزهري عن أبي سلمة، أو سعيد عن أبي هريرة ثم
ذ کره(١).
(١) إستاجه صحيح، وهو في ((السنن المأثورة)) للشافعي (١٨٥).
ورواه البخاري (٢٩٧٧) و(٧٠١٣) من طريقين عن الليث بن سعد، عن عُقيل،
عن ابن شهاب: أخبرني سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول
الله ﴾ قال: (بُعثت بجوامع الكلم، ونُصرت بالرعب، فبينا أنا نائم أوتيت مفاتيحَ
خزائن الأرض، فَوُضِعَتْ في يدي)، قال أبو هريرة: وقد ذهب رسول الله # وأنتم
تنتشلونها.
ورواه البخاري (٢٢٧٣) من طريق إبراهيم بن سعد، ومسلم (٥٢٣) (٦) من
طریق یونس، كلاهما عن ابن شهاب، به.
ورواه مسلم (٥٢٣) (٦) من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة
بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة.
ورواه مسلم (٥٢٣)، وأبو عوانة ٣٩٥/١، والترمذي بإثر الرقم (١٥٥٣)، وابن
حبان (٢٣١٣) و(٦٤٠١) و(٦٤٠٣)، والبيهقي ٤٣٣/٢ و٥/٩، واليغوي
(٣٦١٧) من طرق عن إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن
أبي هريرة أن رسول الله *، قال: ((فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع
الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهوراً
ومسجداً، وأرسلت إلى الخلف كافّة، وختم بي النبيون)».
ورواه أحمد ٤١١/٢-٤١٢ عن عبد الرحمن بن إبراهيم، عن العلاء، به.
وقوله: ((أعطيت جوامع الكلم))، قال البغوي: قيل: يعني القرآن، جمع الله سبحانه
وتعالى بلطفه معاني كثيرة في ألفاظ يسيرة، وقيل: معناه: إيجاز الكلام في إشباع من
- ٣٤٢ -
كتاب الفتن .
وكان فيه من الضَّاطرة المذكورين فيه إنه يُراد بهم الذين
يحضرون الأسواق بلا مال معهم يحضر به الأسواق، وينتفع به في
حضورها، وكان من يحضرها كذلك، كمن لم يحضرها، فمثله من
يحضر غيرَها بلا منفعةٍ في حضوره لما يحضره، الواحد من الضايطرة
ضيطار.
ثم تأملنا ما في هذا الحديثِ من قولِ رسولِ الله ﴿ الذي ذكرناه
فيه عنه، فكان العربُ بدءاً هُمُ الذين قاتلوا العجمَ حتّى أدخلوهم في
الإِسلام، كما قد رُوِيَ عن رسولِ الله :# في ذلك
٦٦٨٦- مما قد حَدَّثْنَا الكيسانيُّ، قال: حَدَّثْنَا الخسيبُ بن
ناصح، قال: حَدَّثْنَا مباركُ بنُ فَضالة، عن كثير بنِ الأعين، قال: حدثني
أبو الطُّفيل، قال: ضحك رسولُ اللهِلُ﴿ُ حتَّى اسْتَغْرَبَ فقال: «ألا
تَسالوني مِمَّ ضَحِكْتُ؟)) قالوا: مِمَّ ضَحِكْتَ يا رسولَ الله؟ قال:
«عَجِبْتُ مِنْ قومٍ يُقَادُونَ إلى الجنّةِ فِي السَّلاسلِ، وهُمْ يَتَقَاعَسُونَ
عنها، فما يكرهها إليهم) قالوا: وكَيْفَ يا رسولَ الله؟ قال: ((قَوْمٌ مِن
العَجِمِ يَسْبِيهِم الْمُهاجِرُون ◌ِيُدْخِلُوهم في الإسلامِ وهُمْ كارهون))(١).
المعنى، فالكلمةُ القللة الحروف منها تتضمن كثيراً من المعاني، وأنواعاً من الأحكام.
(١) إسناده ضعيف، ورواه البزار (١٧٣٠) عن بشر بن سهل، حَدَّثًا حبان بن
هلال، حَدَّثَنَا مبارك بن فضالة، حَدَّثْنَا كثير أبو محمد، حدثني أبو الطفيل ... وبشر بن
سهل قال ابنُ أبي حاتم في (الجرح والتعديل)) ٣٥٨/١ -٣٥٩: كتب عنه أبي في سنة
مئتين وأربع عشرة بالبصرة، وضرب على حديثه.
- ٣٤٣-
كتاب الفتن
٦٦٨٧ - وكما حَدَّثَنَا فهدٌ، قال: حَدَّثْنَا أبو سَلَمَةَ المِنْقِرِيُّ، قال:
حَدَّثَنَا المباركُ بنُ فضالة، عن كثيرِ بنِ أعْيَن أبي محمد، قال: حدَّثْني أبو
الطَّفيل بمكة سنةً سبعٍ ومئةٍ، قال: ضَحِكَ النِيُّ ﴿ حتى استغربَ، ثم
ذكر مثله.
٦٦٨٨ - وما حَدَّثَنَا يزيدُ بن سنان، قال: حَدَّثَنَا حَبَّان بن هِلال،
قال: حَدَّثَنَا مباركُ بنُ فَضالة، قال: أخبرني كثير أبو محمد، [حدثني أبو
الطفيل]، قال: ضَحِكَ رسولُ اللهِمَ﴿، ثم قال: «ألا تسألوني مِمَّ
ضَحِكْتُ؟) ثم ذكر مثله.
فكان العربُ الذين أدخلوا العجم في الإِسلام حتى صارُوا مِن
أهله، وحتى صارَ فيهم من عَلِمَ وعَقَلَ عن الله عَزَّ وجَلَّ وعن رسوله
شرائعَ دينه حتّى صارت إليه مطالبةُ مَنْ خرج عما عليه منه إلى ضِدِّه
بالرجوعِ إلى ما خرجَ منه، فكان ذلك قتالهم إيّاه عودًاً لِيعودوا إلى ما
تركوا منه كمثل ما كان العربُ قاتلوهم على ما قاتلوهم بدءاً حتى
أُدخلوهُم بذلك فيما أدخلوهم فيه، وقد يحتمِلُ أن يكونَ اراد من
العجم مَنْ قد وصفه بطلب العلمِ حتَّى قال فيه: (لَوْ كَانَ الدِّينُ
بالثُّرَّا))، أو: (لَوْ كَانَ العِلْمُ بِالثُّرِيًّا لَنَالَهُ رِجالٌ مِنْ أبناءِ فَارِسَ).(١).
وقد ثبت الحديثث مختصراً من حديث أبي هريرة، كما عند البخاري (٣٠١٠).
(١) حديث: (لو كان الدين بالثريا لناله رجال بن أبناء فارس)) صحيح، رواه
البخاري (٤٨٩٨)، ومسلم (٢٥٤٦) من حديث أبي هريرة.
وأما حديث: ((لو كان العلم بالثريا) فهو عند أحمد ٢٩٦/٢ و٤٢٠ و٤٩٦،
- ٣٤٤-
كتاب الفتن
فنظرنا هل رُوِيَ عن رسولِ اللهِ ﴾ِ ما يَدُلُّ على ذلك أم لا؟
٦٦٨٩ - فوجدنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس قد حَدَّثْنَا، قال:
حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ قزعة، قال: حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بنُ سليمان النميريُّ، قال:
حَدَّثَنَا محمد بن أبي يحيى الأسلمي، عن العبَّاس بن سهل بنِ سعد، عن
أبيه سهل بنِ سعدٍ، قال: كنتُ مع رسولِ اللهِ﴿ يومَ الخندق، فأخذ
الكَرْزَنَ، فحفر به، فصادف حجراً، فضحك، فَسُئِلَ ما أضحكك يا
رسولَ الله؟ قال: ((مِنْ ناسٍ يُؤتى بهم من قبل المشرقِ بالكُبُولِ
يُساقون إلى الجنة وهم كارهون)(١).
فعقلنا بذلك أنه﴿ إنما اراد مِن العجم بما قاله في الحديث الذي
قبل هذا العجمَ الذين كانوا بناحيةِ المشرق، وهم أبناءُ فارس الذين
دخلوا في الصِّفَةِ التي وصفها في الحديثِ الآخر في طلبِ العلم والدين،
ودخلوا في قولِ الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَغَ يْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة:
٣]، أي: يلحقون بالمذكورين في أوَّل السورةِ، وهو قولُه عَزَّ وجَلَّ:
﴿هُوَ اَلَّذِي بَعَثَ في الْأُمّين ◌ِرَسُولَاً مِنْهِمْ﴾ [الجمعة: ٢]، وبسالله تعالى
التوفيق.
وابن حبان (٧٣٠٩) وغيرهما من حديث أبي هريرة أيضاً.
(١) رواه أحمد ٣٣٨/٥ عن الحسين بن محمد، والطبراني (٥٧٣٣) من طريق
محمد بن عبد الله بن بزيع، كلاهما عن فضيل بن سليمان، به.
والكرزن، بفتح الكاف والزاي: الفأس لها حد، والكُول جمع كَبْلٍ: القيد.
- ٣٤٥-
كتاب الفتن
٩٧٨- بابُ بیانِ مُشْکل ما رُوي عن رسول الله {﴾ من قوله:
«تَدُورُ أو تزولُ رحی الإسلام لِخمسٍ وثلاثین أو لست وثلاثین
أو لِسبع وثلاثین» وما ذُكِر في الحديث الذي رُوِي عنه فیه
٦٦٩٠- حَدَّثَنَا فهدُ بنُ سليمانَ، قال: حَدَّثَنَا أبو نُعَيمِ، قال:
حَدَّثَنَا شَرِيكُ بنُ عبد الله، عن منصورٍ، عن رِبِي بنِ حِراش، عن البَراءِ
بنِ نَاجِية، قال: قال عبدُ الله: قال لنا رسولُ اللهَ ﴿ّ: ((إنَّ رَحَى الإسلامِ
ستزولُ بعد خمسٍ وثلاثينَ أو سِتْ وثلاثين أو سبع وثلاثينَ سَنةً، فإن
يَهْلِكُوا، فَسَبِيلُ من هَلَك، وإِنْ يَقُمْ لَهُمْ دِنُهُمْ، فَسَبِعِينَ عَاماً) قال
عمرُ رضي الله عنه: يا نَبيَّ الله ◌َمَا مضَى أو مِمَّا بَقِي؟ قال: ((لا، بل مِمَّا
بقي)(١).
٦٦٩١- حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ سنان، قال: حَدَّثْنَا يزيد بن هارون،
قال: أخبرنا العوَّامُ بنُ حوشب، قال: حدثني سليمانُ بن أبي سليمان،
عن القاسم بنِ عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود، عن النبيِّ
﴿* قال: «تزولٌ رَحَى الإسلام على رأس خمس وثلاثينَ أو ستْ
تر
وثلاثين أو سبعٍ وثلاثينَ، فإنْ هَلِكوا، فَسَبِيلُ من هَلَكَ، وإنْ بَقثوا،
بَقِيَ لَهُمْ دِينُهُمْ، سَبِعِينَ سَنةٌ).
٦٦٩٢- حَدَّثْنَا أبو أُمية، قال: حَدَّثْنَا قَبِيصَةُ بنُ عُقبة، قال:
(١) حديث صحيح، شريك متابع.
ورواه أحمد ٣٩٣/١ (٣٧٣٠) و(٣٧٣١) و٣٩٥/١ (٣٧٥٨)، وأبو داود
(٤٢٤٥)، وأبو يعلى (٥٢٨١) من طرق عن سفيان، عن منصور، به.
-٣٤٦-
كتاب الفتن
حَدَّثَنَا سفيان، عن منصور، عن رِبِعِي، عن الْبَرَاء بنِ ناجيةَ المحاربي،
عن عبد الله، قال: قال رسول الله :﴿: «تدورُ رَحَى الإسلام لِخمس
وثلاثينَ أو ستُّ وثلاثين أو سبعٍ وثلاثينَ، فإنْ هَلَكوا، فَسَبِيلُ من
هَلَكَ، وإنْ يَبْقَ لَهُمْ دِينُهُمْ، فَسَبِعِينَ عَامً) قال عمرُ: يا رسولَ الله مَمَّا
مضَى أو مِمَّا بَقِي؟ قال: ((هِمَّا بَقِيَ)).
٦٦٩٣- حَدَّثْنَا فهدٌ، قال: حَدَّثْنَا أبو نعيم، قال: حَدَّثْنَا شَريك،
عن مُجالدٍ، عن عامر، عن مسورق، عن عبد الله، قال: قال رسولُ الله
*: ((إنَّ رَحَى الإِسلامِ سَتَزُولُ بَعْدَ خمسٍ وثلاثينَ، فَإِنْ يَصْطَلِحوا
فيما بَينَهُمْ عَلى غَيرِ قِتالِ يَأْكُلُوا الدُّنْيَا سَبْعِينَ عاماً رَغَداً، وإن
يَقْتَتِلأوا يَركَبُوا سَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ)(١).
٦٦٩٤- حَدَّثْنَا علي بن شيبة، قال: حَدَّثْنَا عُبيد الله بن موسى
العَبْسي، قال: حَدَّثْنَا شيبان، عن منصور، عن رِبْعي، عن البَرَاءِ بنِ
ناجيةَ الكَاهِلي، عن عبدِ الله بن مسعود، قال: قال رسولُ الله خطّ :...
ثم ذكر مثلَ حديث أبي أُميّة عن قبيصة الذي ذكرناه في هذا الباب غيرَ
أنّه قال: ((إِنَّ رَحَى الإِسلامِ تَدُورُ))(٢).
قال أبو جعفر: فتأملنا هذه الآثار لِنَقِفَ على المرادِ بها إنْ شاء
الله. فكان قولُهمَ﴿: (تَدور أو تزولُ رحى الإسلام)) يريد بذلك الأمورَ
(١) رواه الطبراني في (الكبير)) (١٠٣١١) من طريق أبي نعيم، به.
(٢) رواه الطيالسي (٣٨٣)، ومن طريقه الحاكم ٥٢١/٤ وصححه عن شيبان،
به.
-٣٤٧-
كتاب الفتن
التي عليها يدورُ الإِسلامُ، وشبَّه ذلك بالرحى، فسمَّاه باسمها، وكان
قولُهُ مَ﴿: (بَعْدَ خَمْسٍ وثلاثِينَ أو سِتُّ وثلاثينَ أو سَبْعٍ وثلاثِينَ) ليس
على الشَّكِّ، ولكن على أن يكونَ ذلك فيما يشاؤه الله عَزَّ وجَلَّ من
تلك السِّنين، فشاء عَزَّ وجَلَّ أَنْ كان في سنةٍ خمسٍ وثلاثينَ فتهِيَّأ فيها
على الُسلمين حَصْرُ إمَامهم، وقبضُ يده عما يتولاه عليهم مع جلالةٍ
مقداره، لأَنَّه من الخُلفاءِ الراشدين المهديين، حتَّى كان ذلك سبباً
لسفكِ دمِهِ رضوانُ الله عليه، وحتّى كان ذلك سبباً لوقوع الاختلاف
وتفرُّقِ الكلمةِ واختلافِ الآراء، فكان ذلك ثَمّا لو هلكوا عليه، لكان
سبيلَ مهلكٍ لعِظَمِهِن ولِمَا حَلَّ بالإِسلام منه. ولكن الله ستر وتلافى،
وخلف نبيه في أمِّتِه من يحفظُ دينهم عليهم، ويُبُقي ذلك لهم. ثم تأمَّلنا
ما بقي من هذه الآثار، فوجدنا في حديث مسروق منها عن عبد الله:
(فإِن يصْطَلِحوا فيما بَيْنَهُم على غيرِ قتالِ يَأْكُلُوا الدُنيا سَبِعِينَ عاماً
رغدً) ووجدنا مكانَ ذلك في حديثي عبد الرحمن بنِ عبد الله بنِ
مسعود والبَراء بنِ ناجية ((فَإِنْ يَبْقَ لَهُمْ دِينُهُمْ فَسَبِعِينَ عاماً) وكان
ذلك قد جاء مُختلفاً في حديث مسروق وحديثَيْ صاحِبَيْهِ. فكان ما في
حديث مسروق أوْلاَهما وأشبَّهُهُما بما حَرَتْ عليه أمورُ الناسِ ◌َّا في
حديثي الآخرين، لأنَّ الذي في حديثِ مسروق ((فَإِنْ يَصطَلِحُوا بَيْنَهم
على غيرِ قتالِ يَأْكُلُوا الدُّنيا سَبعينَ عَاماً رَغَدًا)) لم يَصطَلِحوا على غيرِ
قتالٍ، فتكون المُدَّةُ التي يأكلون الدنيا فيها كذلك سبعين عاماً، ثم
تنقطع، فلا يأكلُونَها بعدها. ولكن جرَت أمورُهم على غير ذلك قَّا لم
ينقطِعْ معهم القتالُ، فكان ذلك رحمةٌ من الله لهم، وسَتْراً منه عليهم
-٣٤٨-
كتاب الفتن
فجَرى على ذلك أن يأكلُوا الدنيا بلا توقيتٍ عليهم فيه، وكان ما في
حديثي عبد الرحمن بنِ عبد الله والبراءِ بنِ ناجيةَ يُوجبُ خلاف ذلك،
ويوجبُ انقطاعَ أكلِهم الدنيا بعد سبعين عاماً. وقد وجدناهم بحمد الله
ونعمته أكلوها بعدَ ذلك سبعين عاماً وسبعين عاماً وزيادةً على ذلك
ودينهم قائمٌ على حاله. فعقلنا بذلك أن أصلَ الحديث في ذلك كما
رواه مسروقٌ فيه، لا كما رواه صاحبَاه، لأَنَّه لا خُلْفَ لِما يقولُ
رسول الله 8. والله نسأله التوفيق.
٩٧٩- بابُ بیانِ مُشْكِل ما روي عن رسول الله ﴾ من جوابه
مَنْ سأله عن الإسلامِ هَلْ لہ مُنتھی؟
٦٦٩٥- حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ شعيبٍ، حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبد الله بن
يزيد، حَدَّثْنَا سفيانُ، عن الزهريِّ، عن عُرْوَةً، عن كُرْزِ بن علقمة: أن
رجلاً، قال: يا رسولَ الله: هل للإسلام مِنْ مُنْتهى؟ قال: (نَعَمْ، يكون
أهلُ بيتٍ من العربِ أو العجمٍ إذا أراد الله بهم خيراً، أدخل عليهم
الإسلام)، قال: ثم ماذا؟ قالَ: (ثُم تَقَعُ الفِتَنْ كأنَّها الظُّلَلُ)، فقال
رجُلٌ: كَلاَّ، إنْ شاء الله، فقال: ((يَلْتُعودُنَّ فيها أساودَ صُّبَا يَضْرِبُ
بَعْضُكُم رقابَ بَعْضٍ)(١).
(١) إسناده صحيح، ورواه الحميدي (٥٧٤)، والطيالسي (١٣٩٠)، وابن أبي
شيبة ١٣/١٥، وأحمد ٤٧٧/٣، وابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (٢٣٠٥)،
والبزار (٣٣٥٣)، والطبراني ٤٤٣١/١٩)، والحاكم ٣٤/١ من طرق، عن سفيان بن
عينة، به.
-٣٤٩-
كتاب الفتن
قال الزهريُّ: الأسودُ: الحيةُ السَّوداء، إذا أرادت أن تنهشَ،
ارتفعت، ثم انصبَّت.
فقال قائلٌ: فقد رويتم عن النبيَِّ﴿ ما يدفعُ هذا المعنى، وذكر
٦٦٩٦- ما حَدَّثْنَا فهدٌ، وابنُ أبي داود جميعاً، قالا: حَدَّثْنَا أبو
اليمان، أخبرنا صفوانُ بنُ عمروٍ، عن سُلَيْمٍ بنِ عامرِ الكَلَاعِيِّ، عن تميمٍ
الدَّارِي، قال: سمعتُ النِيَّ لَ﴿، يقولُ: (وَيَبْلُغَنَّ هذا الأمرُ ما بَلَغَ الليلُ،
ولا يَتْرُكُ اللهُ بَيْتَ مَدَر ولا وَبَر إلا أدخَلَهُ اللهُ هذا الدين، بعِزِّ عَزِيزِ
يُعَزُّ بِهِ الإِسلام، وبذلِّ ذليل يُذَلُّ بِه الْكُفْرُ)(١).
قال: وهذا يَدُلُّ على أَنَّه لا يَنقطِعُ حتى يَعْمُرَ اللهُ الأرضَ كُلَّها
بغيرِ انقطاع منه دونَ ذلك.
ورواه عبد الرزاق (٢٠٧٤٧)، وأحمد ٤٧٧/٣، والبزار (٣٣٥٤) و(٣٣٥٥)،
وابن حبان (٥٩٥٦)، والطبراني ١٩/(٤٤٢) و(٤٤٤) و(٤٤٥) و(٤٤٦)، وابن
منده في ((الإيمان)) (١٠٨١) و(١٠٨٢) و(١٠٨٣)، والحاكم ٣٤/١ و٤٥٥/٤،
والبغوي (٤٢٣٥)، وابن الأثير في ((أسد الغابة) ٤٦٩/٤ من طرق، عن الزهري، به.
(١) إسناده صحيح، ورواه يعقوب بن سفيان في (المعرفة والتاريخ)) ٢٣١/٢،
ومن طريقه البيهقي ١٨١/٩، ورواه الحاكم ٤٣٠/٤-٤٣١ من طريق عثمان بن
سعيد الدارمي، كلاهما (يعقوب والدارمي) عن أبي اليمان، به.
ورواه أحمد ١٠٣/٤ عن أبي المغيرة عبد القدوس بن الحجاج الخولاني، عن
صفوان بن مسلم، به.
ورواه الطبراني (١٢٨٠) من طريق معاوية بن صالح، عن سليم بن عامر، به.
وبيت المدر: هم أهل المدن والقرى، والوبر: هم أهل البوادي.
- ٣٥٠-
كتاب الفتن
فكان جوابُنا له في ذلك: أنه قد يحتمِلُ أن يكونَ المرادُ في حديثٍ
تميمٍ عمومض الأرضِ كُلّها حتى لا يبقى بيتٌ إلا دَخَلَهُ إما بالعزِّ الذي
ذكره، أو بالذُّلِّ الذي ذكره في هذا الحديث، ويكونَ المنتهى الذي
ذكره في حديث كُرْزِ بنِ علقمة هو المنتهى به إلى الناسِ الذين يعملون
به، ويدخلون فيه، ويكونونَ من أهله، ثم تأتي الفِتَنْ، فتشغلُ مَنْ شاء
اللهُ أنْ يَشْغَلَهُ عما كان عليه من التمسُكِ بالإِسلامِ، فيكون ما في
حديث تميم على عمومه بالمساواة.
وما في حديث كُرز على انقطاعِه عن بعضِ النَّاسِ بالتشاغُلِ
بالفتنةِ بعدَ دخوله كان فيمن عَمَّنْه، لأَنَّه قد كان في الأرض التي يَبْلُغُها
الليلُ.
فهذا أحسنُ ما حضرنا في تأويلٍ هذين الحديثين، وفي التئام
معناهما، وفي انتفاء التضادِّ عنهما، والله أعلمُ بحقيقة الأمرِ في ذلك،
وبالله التوفيقُ.
- ٣٥١ -
كتاب الفتن
٩٨٠- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيّ عن رسول الله ﴾ من قوله:
((تكون هَنّات وهَنَات، فمن أراد أنْ يُفَرِّقَ بين أُمَّةِ محمدٍ
وهي جمیعُ فاضربُوهُ بالسیف کائناً من كان»
٦٦٩٧ - حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حَدَّثْنَا عبدُ الصمد بنُ
عبد الوارث، عن شُعْبَة، عن زياد بن عِلاَقَة، عن عَرْفَجَة، قال: سمعتُ
رسول الله ﴾ يقول: «تكون هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ، فمن أراد أن يُفَرِّقَ بين
أمَّةِ محمدٍ وهي جميعٌ، فاضرِبُوهُ بالسيف كائناً مَنْ كان))(١).
٦٦٩٨- حَدَّثْنَا إسحاقُ بن إبراهيم بنِ يونس، قال: حَدَّثَنَا محمدٌ
بن سليمان - يعني لُوَيْناً - قال: حَدَّثَنَا حمادُ بن زيد، عن عبدِ الله بن
المختار، وليث بن أبي سُلَيم، والمفضل بن فَضَالة، عن زِيَاد بن عِلاَقة،
عن عَرْفَجَة يرفع الحديثَ إلى النبيِ﴿وقال: «إنّها ستكون هَنَاتٌ
وهَنات، فمَنْ رَأيْتُمُوه يمشي إلى أُمَّةٍ محمدٍ ﴿ وهي جميعٌ ليفرِّق
بينهم، فاقتلُوهُ كائناً من كان)).
٦٦٩٩ - حَدَّثْنَا أحمد بن شُعَيْب، قال: حَدَّثْنَا محمد بن يحيى
(١) إسناده صحيح، ورواه أحمد ٢٦١/٤ و٣٤١، و٢٣/٥-٢٤، والطيالسي
(١٢٢٤)، ومسلم (١٨٥٢)، وأبو داود (٤٧٦٢)، والنسائي ٩٣/٧، وابن حبان
(٤٤٠٦)، والطبراني ١٧/(٣٦١)، والبيهقي ١٦٨/٨ من طريق شعبة، به.
ورواه من طرق عن زياد بن علاقة به: عبدُ الرزاق (٢٠٧١٤)، والطيالسي
(١٢٢٤)، ومسلم (١٨٥٢)، والبيهقي ١٦٨/٨، والطبراني ٣٥٣١/١٧) و(٣٥٤)
و(٣٥٥) و(٣٥٦) و(٣٥٧) و(٣٥٨) و(٣٥٩) و(٣٦٠) و(٣٦٢) و(٣٦٣)
و(٣٦٤).
والهنات: جمع هَنة، وتطلق على كل شيء، والمراد بها هنا: الفتنُ والأمورُ الحادثة.
-٣٥٢-
كتاب الفتن
المَرْوَزِي، قال: حَدَّثْنَا عبد الله بن عُثْمَان، عن أبي حمزة، عن زِيادَ بن
عِلاَقَة، عن عَرْفَجَة بن شُرَيْح، قال: قال رسولُ اللهِوَ﴿: «تكونُ هَنَات
وهَنَات، فمنْ أرادَ أنْ يفرِّقَ أُمَّةَ محمدٍ ﴿ٌ وهي جميعٌ، فاضرِبُوهُ
بالسيف كائناً من كان)).
٦٧٠٠- وحَدَّثْنَا أحمد، قال: حَدَّثْنَا أحمد بن يحيى - يعني
الصُّوفي-، قال: حَدَّثَنَا أبو نُعَيْم، قال: حَدَّثَنَا يزيد بن مَرْدَانِبَة، قال:
وهو كوفي، عن زِيَاد بن عِلاَقَة، عن عَرْفَحَةَ بن ضُريح الأشْجَعِي، قال:
رأيتُ رسولَ اللهِمَ﴿ على المنبر يخطب الناسَ، فقال: (إنّه سيكونُ بَعدِي
هَنَاتٍ وَهَنَّات، فمَنْ رَأيْتُمُوهُ فَارَقَ الجماعَة أو يُريدُ أن يفرِّقَ أمْرَ أُمَّةٍ
محمدٍ لَ﴾ٌ كائناً من كان، فاقتلُوه، فإِنَّ يدَ الله عَزَّ وجَلَّ مَعَ الجماعةِ،
وإِنَّ الشيطانَ مع مَنْ فَارَقَ الجماعة يرتكض)).
٦٧٠١- حَدَّثَنَا إبراهيم بن أبي داود، قال: حَدَّثْنَا علي بن
عَيَّاش، قال: حدثني يحيى بن يزيد، عن زيد بن أبي أَيْسَة، عن زياد بن
عِلَاقَةٍ، عن عَرْفَحَةَ بن شَرَاحيل، قال: سمعت رسول اللّهِمَ﴿ٌ يقولُ: (مَنْ
أرادَ أنْ يُفرِّق بين أُمَّةِ محمدٍ وأمرُها جميعٌ، فَاقْتُلُوه كائناً مَنْ كان)).
٦٧٠٢ - حدثني أحمد بن شُعَيْب، قال: أخبرني محمد بن قُدَامَة،
قال: حَدَّثْنَا جَرِير - يعني ابنَ عبد الحميد - عن زيدِ بنِ عطاء بن
السَّائِب، عن زياد بن عِلاَقَة، عن أُسامة بن شَرِيك، قال: قال رسولُ
الله﴿: ((أَيُّمَا رجلٍ خرجَ يُفَرِّقُ بين أُمَّتِي، فاضرِبُوا عُنُقَهُ)(١).
(١) الحديث في ((سنن النسائي)) ٩٣/٧، ورواه الطبراني في «الكبير)) (٤٨٧) من
طريق عثمان بن أبي شيبة، عن جرير بن عبد الحميد، به.
-٣٥٣-
كتاب الفتن
قال أبو جعفر: فقال قائل: ما معنى ما في هذه الآثار؟
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ أن الهَنَةَ كنايةٌ عن
شيءٍ مكروه، والهَنَات جمعُها، وأخبر ﴿ أنه سيكونُ بعده أمورٌ
مكروهة كتّى عنها، ثم بَّن بعضَها بقوله: ((فمن أراد أن يفرِّق بين أمة
محمد ﴾ وهي جميعٌ، فاضربوه بالسيف كائناً من كان)).
فكشف لهم بذلك هَنَةٌ من تلك الهنات، وأمرهم بما يفعلونه عندَ
وقوعهم عليها بمن وقعُوا من أُمَّتِهِ عليها، وأمسك عمَّا سواها ليُراجعوها
بعد انكشافها لهم إلى ما يعملونه عندَ ذلك مما قد علّمهم إياه، أو مما
يعلّمهم إِيَّاه في المستأنف من أحكام الله في ذلك. والله نسأله التوفيق.
٩٨١ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيّ عن رسول الله صلَّى الله علَيه
وسلَّم من قوله: ((إذا هَلَكَ كِسْرى فلا كسرى بَعْدَهُ، وإِذا ◌َلَكَ
قیصرُ فلا قَیْصَرَ بعده»
٦٧٠٣- حَدَّثْنَا يونس، أخبرنا أنسُ بنُ عياض، عن الحارثِ بنِ
أبي ذُباب، عن عمِّه، عن أبي هريرة أن رسولَ الله عليه السَّلامُ، قال:
((إِذا هَلَكَ كِسْرَى، فَلاَ كِسْرَى بَعْدَهُ، وإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ، فلا قَيْصَرَ
بَعْدَهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بَيَدِهِ لَتْفَقَنَّ كُوزُهُمَا فِي سِبِيلِ اللهِ).
٦٧٠٤ - حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ شعيب، أخبرنا فُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا سفيانُ،
عن الزهري، عن ابنِ المسيّب، عن أبي هُرَيْرَةً، قال: قال رَسُولُ اللهِ
عليه السَّلامُ: (يَهْلِكُ كِسْرَى، فَلاَ كِسْرَى بَعْدَهُ، وإِذَا هَلَكَ قَيْصَرَ
-٣٥٤-
كتاب الفتن
بَعْدَهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بَدِهِ لَتْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللهِ)(١).
٦٧٠٥- حَدَّثْنَا ابنُ مرزوق، حَدَّثْنَا أبو داود الطيالسيُّ، عن
شعبة، عن يعلى بن عطاء، قال: سَمِعْتُ أبا علقمة يُحَدِّثُ، عن أبي
هُريرة، قال: قالَ رسولُ الله عليه السَّلامُ: (إِذَا هَلَكَ كسرى فَلا
كِسْرَى بَعْدَهُ، وإذا هَلَكَ قَيْصَرُ فلا قَيْصَرَ بعدَهُ)(٢).
٦٧٠٦- حَدَّثْنَا يونُس، حَدَّثْنَا عليٌّ بنُ معبدٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بنُ
عمرو، عن عبد الملك بنِ عُمَيْر، عن جابرِ بنِ سَمُرَةً، قال: سمعتُ
رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: ((إذا ذَهَبَ كِسْرِى فَلاَ كِسْرَى
بَعْدَهُ، وإذا ذَهَبَ قَيْصَرُ، فَلاَ قَيْصَرَ بَعْدَهُ، والّذين نفسي يَدِهِ لَتُنْفَقَنَّ
كُوزُهما في سَبِيلِ اللهِ)(٣).
٦٧٠٧ - حَدَّثْنَا ابنُ خُزيمة، حَدَّثْنَا أبو الوليد الطيالسي، حَدَّثْنَا
(١) إسناده صحيح، ورواه مسلم (٢٩١٨)، والترمذي (٢٢١٦)، وأحمد
٢٤٠/٢، والبغوي (٣٧٢٨) من طرق عن سفيان، به.
ورواه البخاري (٣٦١٨) و(٦٦٣٠)، ومسلم (٢٩١٨)، وأحمد ٢٣٣/٢ و٢٧٢
من طرق عن ابن شهاب، به.
(٢) إسناده صحيح، وهو في ((مسند الطيالسي)) (٢٥٨٠).
ورواه البخاري (٣٠٢٧)، ومسلم (٢٩١٨)، وأحمد ٢١٣/٢، والبغوي
(٣٧٢٩) من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة، به.
ورواه البخاري (٣١٢٠)، وأحمد ٢٥٦/٢ و٤٣٧ من طرق عن أبي هريرة، به.
(٣) إسناده صحيح، ورواه البخاري (٣١٢١) و(٣٦١٩) و(٦٦٢٩)، ومسلم
(٢٩١٩)، وأحمد ٩٢/٥ و٩٩ من طرق عن عبد الملك، به.
- ٣٥٥-
كتاب الفتن
أبو عوانَة، عن عبد الملك بن عُمَيْر، عن جابر بنِ سَمُرَةً، عن رسول الله
صلَّى الله عليه وسلّم مثله.
فتأملنا هذا الحديثَ لِنَقِفَ على المعنى المرادِ به ما هو؟ فوجدنا
المزنيَّ قد حكى لنا عن الشافعيِّ في تأويله، قال: كانت قريش تَنْتَابُ
الشامَ انتياباً كثيراً، وكان كُثْرُ معاشِهم منه، وتأتي العِرَاقَ، فلما دَلَتْ
في الإسلام، ذكرت ذلك للنبي عليه السَّلامُ خوفاً من انقطاع معاشِها
بالتجارة من الشام والعِرَاقِ، وفارقت الكفرةَ، ودخلت في الإسلامِ مع
خلاف ملك الشام والعراق لأهلِ الإِسلام، فقلا: ((إذا هَلَكَ كِسْرَى
فلا كِسْرَى بَعْدَهُ)) فلم يكن بأرضِ العراق كسرى يثبت له أمرٌ بعدَه.
وقال: ((إذا هلك قَيْصَرُ فلا قَيْصَرَ بعدَهُ)) فلم يكن بأرضِ الشام قيصرٌ
بعدَه، فأجابهم التيُّ عليه السَّلامُ على ما قالوا، فكان كما كان إلى
اليومِ، وقَطَعَ اللهُ الأكاسِرة عن العراق وفارس، وقيصر ومن قام بَعْدَهُ
بالشَّامِ، وقال في قیصر: «ثبت ملگه ببلاد الروم، ويُنحی ملكُه عن
الشام)، وكل هذا متفق يُصَدِّقُ بَعْضُه بعضاً.
قال أبو جعفر: وسألتُ أحمد بن أبي عمران عن تأويل هذا
الحديث فأجابني بخلافِ هذا القولِ، وذكر أن معنى قول عليه السَّلامُ:
((إذا هلك كِسرى فلا كسرى بعدَه)، قال: فهلك كسرى كما أعلمنا.
أنه سَيَهْلِكُ فلم يَكُنْ بعدَه كِسرى، ولا يكونُ بعده كسرى إلى يومٍ
القيامَةِ، وخُولِفَ بينَهُ وبْنَ کِسری في تعجيلٍ هلاك کسری، وتأخير
هلاك قيصر، لاختلافِ ما كان منهما عند ورودٍ كتابٍ رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم على كُلِّ واحدٍ منهما.
-٣٥٦-
كتاب الفتن
قال لنا ابنُ أبي عمران: ورُوي في ذلك عن رسول الله صلَّى الله
علَّيه وسلّم:
٦٧٠٧ - ما قد حَدَّثْنَا إبراهيم بن حمزة الزُّبيري، حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ
سعدٍ، عن صالح بنِ كيسانَ، عن ابنِ شهابٍ، قال: أخبني عُبَيْدُ اللهِ بنُ
عبد الله، أن ابنَ عباسٍ أخبره أن رسولَ الله صلّى الله عليه وسلَّم كتب
إلى قيصرَ يدعوه إلى الإِسْلامِ، وبعث بكتابه، يعني: مع دِحْيَةَ بنِ خليفة
الكضلْبِيِّ، وأمره أن يَدْفَعَهُ إلى عظيمٍ بُصْرَى لِيدفعه إلى قيصرَ، فدفعه
عظيمُ بُصرى إلى قيصَرَ، فلما جاءه كتابُ رسول الله صلَّى الله علَّيه
وسلم، قال حين قرأه: التَّمِسُوا لي ها هنا مِنْ قومِهِ من أحِدٍ أسألُه عنه.
قال ابن عباس: فأخبرني أبو سفيان أنهم أُدْخِلُوا عليه، وأنه لما قرأ
كِتَابَ رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم، وسأل أبا سفيانَ عما سأله
عنه، وأجابَه أبو سفيان بما أجابه في ذلك، قال: إنْ يَكُنْ مَا قُلْتَ حَقّاً،
فَيُوشِكُ أن يَمْلِكَ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هاتَيْن، واللهِ لو أنّي أرجو أن أَخْلُصَ
[إليه] فَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ، ولو كنتُ عنده لَغَلِسَلْتُ قَدَمَيْهِ(١).
٦٧٠٨- وحَدَّثَنَا إبرهيمُ بنُ أبي داود، حَدَّثْنَا عبدُ العزيز
الأُويْسِي، حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ سعد. ثم ذكر هذا الحديثَ بإسناده. كما
حدثناه ابنُ أبي عِمران، عن إبراهيم بن حمزة، عن إبراهيم بنِ سعدٍ،
(١) إسناده صحيح، ورواه البخاري (٢٩٤٠) من طريق إبراهيم بن حمزة، به.
ورواه البخاري (٢٩٣٦)، وأبو داود (٥١٣٦)، وأحمد ٢٦٢/١ -٢٦٣،
والنسائي في «الکبری)) كما في ((التحفة)) ٦٨/٥ من طريق ابن شهاب، به.
-٣٥٧-
كتاب الفتن
سواء.
فكان هذا هو الذي كان مِن قيصرَ عند ورودٍ كتابٍ رسول الله
صلّى الله عليه وسلّم يدعوه إلى الإسلامِ.
وكان الذي كان من كسرى عن ورودٍ كتابٍ رسول الله عليه
السَّلامُ مثل ذلك:
٦٧٠٩- ما قد حَدَّثْنَا محمدُ بنُ علي بنِ داود البغداديُّ، حَدَّثْنَا
سليمانُ بنُ داود الهاشميُّ، حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، حَدَّثَنَا صالحُ بنُ
كَيْسَانَ، وابنُ أخي ابنِ شهاب كلاهما عن ابنِ شهاب، عن عُبَيْدِ اللهِ
بنِ عبدِ الله، عن ابنِ عباسٍ، أن رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم بعث
بكتابه إلى كسرى مع عبدِ الله بنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ، وأمره أن يدفعه إلى
عظيم البَحْرَيْنِ، فدفعه عظيمُ البحرين إلى كِسْرَى، فلما قرأه خَرَقَهُ.
قال ابنُ شهاب: فَحَسِبْتُ أن ابنَ المسيّبِ، قال: فدعا عليهم
رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلم أن يُمَرَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ(١).
٦٧١٠ - وما قد حَدَّثْنَا إبراهيمُ بن أبي داود، حَدَّثْنَا الأُويسيُّ،
حَدَّثْنَا إبراهيمُ بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، قال:
أخبرني عُبَيْدُ اللهِ بنُ عبد الله بنِ عُتبة، عن ابنِ عباسٍ ثم ذكر مثلَه
سواءً.
(١) إسناده صحيح، ورواه البخاري (٦٤) و(٢٩٣٩) و(٤٤٢٤) و(٧٢٦٤)،
والنسائي في ((الكبرى)) كما في ((التحفة) ٦٧/٥، وأحمد ٢٤٣/١ و ٣٠٥ من طريق
ابن شهاب، به.
-٣٥٨-
كتاب الفتن
قال ابنُ أبي عمران: فَخُولِفَ بَيْنَ هلاكيهما في تعجيل أحدِهما،
وفي تأخيرِ الآخر، وكان هذا التأويل عندنا أشْبَهَ مِنَ الأول، لأنَّ في
التأويل الأول ذكرَ هلاك قيصر، ولم يَهْلِكْ إنما كان منه تحوله بملكه مِنَ
الشام إلى الموضع الذي هو مقيمٌ به الآن.
ومما يُحَقِّقٌ أيضاً قولَ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (والْذِي
نَفْسِي بيدِهِ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا في سبيلِ اللهِ)، فقد أُنفق كَنزُ كسرى في
ذلك، ولم يُنْفَقْ كنز قيصر في مثله إلى الآن، ولكنَّه سينُفق في المستأنَفِ
في مثل ذلك، لأنَّ قولَ رسولِ الله عليه السَّلامُ، فإنّما هو عنِ اللهِ تعالى،
ولا يُخلف الميعادَ.
وقد حقَّقَ ذلك أيضاً ما قد رُوِيَ عن رسولِ الله عليه السَّلامُ في
هلاكِ قَیصرَ:
٦٧١١- كما قد حَدَّثَنَا علي بن مَعْبد، حَدَّثَنَا مُعاوية بن
عضمرو الأزْدي، حَدَّثْنَا زائدةُ بن قُدامة، عن عبد الملك بن عُمير، عن
جابر بن سمرة، عن نافع بن عُتبة بن أبي وَقَّاص، عن النبي عليه السَّلامُ
قال: (ُقَاتِلُون جَزِيرةَ العَرَبِ، فَيَفْتَحُها الله تعالى، ثم تُقَاتِلُونَ فارساً،
فَيَفْتَحُها الله، ثم تُقاتِلُونَ الرومَ فيفتَحُها الله، ثم تُقاتلون الدَّجالَ
فَيَفْتَحُهُ الله)).
قال جابر: ولا يَخْرُجُ الدَّجَّالُ حَتَّى يُخرجَ الرومُ (١).
(١) إسناده صحيح، وروه مسلم (٢٩٠٠)، وابن ماجه (٤٠٩١)، والحاكم
٤٢٦/٤ من طرق عن عبد الملك بن عمير، به.
- ٣٥٩-
كتاب الفتن
٦٧١٢- وما قد حَدَّثْنَا أبو أمية، حَدَّثَنَا خِلفُ بنُ الوليد
اللُّؤْلُوي، حَدَّثْنَا أبو جعفر الرازي -قال الطحاوي: واسمه عيسى بن
مَاهَان - عن عبد الملكِ بن عُمير، عن جابر بن سمرة، قال: سمعتُ النبيَّ
عليه السَّلامُ يقولُ: (يسَتَغْزُونَ جَزِيرَةَ العَرَبِ، وَتُفْتَحث عَليكم،
وَتَغْزُونَ فَارِساً، وَتُفْتَحُ عَليكم، وَتَغْزُونَ الرُّومَ، وَتُفْتَحُ عَليكم، ثُمَّ
الدَّجَّالَ)).
قال: ولم يذكرْ نافع بنَ عُتبة (١).
فأخبَر رسولُ الله عليه السَّلامُ أن فتحَ الروم المقرونَ بفتحِ كِسرى
لم يكنْ، وأَنَّه كائنٌ، وأنَّ كونه - إذا كان- ککون فتح کِسری الذي
قد كان
وقد رُوِيَ عنه عليه السَّلامُ في آية ذلك:
٦٧١٣- ما قد حَدَّثْنَا أحمد بن يحيى بن يزيد الصُّوري أبو عبد
الله، حَدَّثَنَا الهيثم بن جَميل، حَدَّثْنَا ابن تَوْبان، عن أبيه، عن مَكْحُول،
عن جُبير بن نُفير، عن مالك بن يُخَامِرِ، عن معاذ، قالَ: قالَ رسولُ الله
صلَّى الله عليه وسلّم: «عِمْرالُ بيتِ المَقْدِسِ خَرَابٌ لِيَثْرِبُ، وخرابٌ
يَشْرِبَ خُرُوجُ المَلْحَمَةِ، وخروجُ المَلْحَمَةِ فَتْحُ القُسْطَنْطِيَّةِ، وفتحُ
القُسْطَنْطِييةِ خُروجُ الدجَّال)) ثم ضَرَبَ على فخذي، أو فخذ الذي
وقوله: ((حتى يُخرج الروم)) كذا المخطوط، وفي المصادر: ((حتى تفتح الروم)).
(١) إسناده ضعيف لضعف أبي جعفر الرازي.
- ٣٦٠ -