النص المفهرس
صفحات 221-240
كتاب المناقب - الصحابة
٦٥٤٤- حَدَّثْنَا محمدُ بنُ علي بن أبي داود البغدادي، حَدَّثْنَا
إسماعيلُ بنُ أبي مسعود، حَدَّثْنَا عبدُ الله بن إدريس، عن الأعمش، عن
أبي سفيان، وعن عُبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله مِ﴿
مثله.
٦٥٤٥ - وحَدَّثْنَا محمدُ بنُ علي، حَدَّثَنَا هَوْذَهُ بنُ خليفة، حَدَّثَنَا
عوفٌ، عن أبي نضرة، عن أبي سعيدٍ، عن النبيِّمَ﴿ُ مثلَه(١).
وقال أبو الحسن علي بن محمد بن مهدي الطبري فيما نقله عنه البيهقي في
«الأسماء والصفات» ص٣٩٧: الصحيح من التأويل في هذا أن يقال: الاهتزاز هو
الاستبشار والسرور، يقال: إن فلاناً يهتز للمعروف، أي: يستبشر ويسر به، وذكر ما
يدل عليه من الكلام والشعر، قال: وأما العرش، عرض الرحمن على ما جاء في
الحديث، ومعنى ذلك أن جملةَ العرش الذين يحملونه ويَحُفُّونَ حولَه فرحوا بقدوم
روح سعد عليهم، فأقام العرشَ مقام من يحمله، ويحف به من الملائكة، كما قال ﴾:
«هذا جبل يحبنا ونحبه» يريدُ أهلَه. كما قال عَزَّ وجَلَّ: ﴿فما بَكَتْ عليهم السَّماءُ
والأرْضُ) يريدُ أهلها. وقد جاء في الحديث: «إن الملائكة تستبشرُ بروحٍ المؤمن،
وإن لِكُلِّ مؤمن باباً في السَّماء يصعد فيه عملُه، وينزل منه رزقه، ويعرج فيه
روحه إذا مات»، وكأن حملة العرش من الملائكة فرحوا واستبشروا يقدوم روح سعد
عليهم، لكرامته وطيب رائحته، وحسن عمل صاحبه، فقال النبي *: «اهتز له عرشُ
الرحمن تبارك وتعالى»، والله أعلم.
(١) رواه ابن أبي شيبة ١٤٢/١٢ و٤١٦/١٤ عن هوذة بن خليفة، به.
ورواه ابن سعد في «الطبقات» ٣٣٤/٣ عن حماد بن أسامة، ومحمد بن عبد الله
الأنصاري، وروح بن عبادة، وهوذة بن خليفة، أربعتُهم عن عوف، به.
ورواه أحمد ٢٣/٣-٢٤، والحاكم ٢٠٦/٣، والنسائي في «الفضائل» (١٢١) عن
-٢٢١-
كتاب المناقب - الصحابة
٦٥٤٦- وحَدَّثْنَا عليُّ بنُ معبدٍ، حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ هارون، أخبرنا
إسماعيلُ بنُ أبي خالد، عن إسحاق بنِ راشدٍ، عن امرأةٍ مِن الأنصارِ
يُقَالُ لها: أسماءُ بنتُ يزيد بنِ السكن، قال: لما أُخرِجت جنازةٌ سعدِ بنِ
معاذ، بكت أُّهُ وصاحت، فقال لها رسولُ الله ◌َّ: ((ألا يَرْقَأُ دَمْعُكِ،
ويَذْهَبُ حُزْنُكِ، فَإِنَّ وَلَدَكِ أَوَّل مَنْ ضَحِكَ الله عَزَّ وجَلَّ له، واهتزَّ
له العَرْشُ)(١).
قال أبو جعفر: ففي هذه الآثارِ إعلامُ رسولِ اللهِ {8 الناسَ
باهتزازِ العرشِ لموتِ سعدِ بنِ معاذٍ، وليس فيها تِبيانُه لهم ذلك العرشِ،
٦
أيُّ العُروش هو، فنظرنا في ذلك:
٦٥٤٧- فوجدنا محمدَ بنَ علي بنِ داود، قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثًا
أبو غسان مالكُ بنُ إسماعيل النهديُّ، حَدَّثْنَا عبدُ السَّلامِ بنُ حرب،
حَدَّثَنَا عطاءُ بن السائب، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عمر رَضِيَ الله عنه - ولم
يذكر فيه رسولَ اللهِ وَ﴿ُ- قال: اهْتَزَّ العَرْشُ لِحُبِّ لِقاءِ اللهِ سعداً، قال:
ثم قالُوا: وما العرشُ؟ قال: سبحان الله، لقد تَفَسَّخَتْ أعوادُه، أو
عوارِضُه، وإنّه على رقابنا وأكتافِنا، وكان آخر من خرج من قبره
النِّ ◌َ﴿، قال: (إنَّ سَعْداً ضُغِطَ في قبره ضَغْطَةً، فسألتُ الله تعالى أن
يحيى بن سعيد القطان، عن عوف، به.
(١) رواه ابن سعد ٤٣٤/٣، وابن أبي شيبة ١٤٣/١٢ و٤١٥/١٤، وأحمد
٤٥٦/٦، وابن خزيمة في («التوحيد) (٣٤٢)، وابن أبي عاصم في «السنة» (٥٥٩)،
والطبراني ٢٤/(٤٦٧) من طرق عن يزيد بن هارون، به.
-٢٢٢-
كتاب المناقب - الصحابة
يُخفف عنه))، وقرأ: ﴿وَرَفَعَ أَبُوَيَه على العَرْشِ﴾ [يوسف: ١٠٠]، قال:
السرير(١).
٦٥٤٨ - ووجدنا فهدَ بنَ سليمانَ قد حَدَّثَنَا، قال: حَدَّثْنَا يحيى
بنُ عبد الحميد الحِمَّاني، حَدَّثْنَا عبدُ السَّلامُ، وابنُ فضيل، عن عطاء بنِ
السائب، عن مجاهد، عن ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما، عن النبيِّلَ﴿، قال:
((اهْتَزَّ العرشُ لِحُبِ لِقاءِ الله سعداً) ثم ذكر بقية الحديثِ، كما حَدَّثْنَا
محمدُ بنُ علي بنِ داود.
قال أبو جعفر: فكان في هذا الحديث أن ذلك العرشَ هو السريرُ
الذي حُمِلَ عليه سعدٌ رضي الله عنه.
٦٥٤٩ - ووجدنا بكارَ بنَ قُتيبة قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثْنَا أبو عمر
الضرير، أخبرنا حمادُ بنُ سلمة، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن
(١) رواه ابن أبي شيبة ١٤٢/١٢-١٤٣ و٤١٤/١٤، وابن سعد في ((الطبقات)
٤٣٣/٣، والبزار (٢٦٩٧)، والحاكم ٢٠٦/٣ من طريق محمد بن فضيل، عن عطاء
بن السائب، به.
ورواه ابن سعد في «الطبقات» ٤٣٠/٣ عن إسماعيل بن أبي مسعود، والنسائي
١٠٠/٤-١٠١، وعنه الطبراني (٥٣٣٣) من طريق عمرو بن محمد العنقزي، قالا:
أخبرنا عبد الله بن إدريس، أخبرنا عبيد الله بن مر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال
رسول الله *: «هذا الذي تحرك له العرش، وفتحت له أبواب السماء، وشهده
سبعون ألفاً من الملائكة، ولقد ضم ضمة ثم أفرج عنه»، يعني سعد بن معاذ.
ورواه البيهقي في «دلائل النبوة» ٢٨/٤ من طريق أحمد بن سلمة، عن إسحاق
بن راهويه، عن عمرو بن محمد العنقزي، به.
-٢٢٣-
كتاب المناقب - الصحابة
أبيه، عن جده، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله ﴿و
إذا قَدِمَ من سفرٍ، فنزل ذا الحليفة، خرج الصبيانُ، فُيُخبرونهم عن
ے
أهليهم، وأخبر أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرِ بموت امرأته، فبكى، فقيل له: أتبكي؟
فقال: ومَالي لا أبْكي وقد سمعتُ رسولَ اللهِ﴿ يقول: ((إنَّ العَرْشَ
اهتزت أعوادُه لموتِ سعد بن معاذ))، قالت عائشة: ولما مات سعدٌ
بكى أبو بكر وعُمَرُ رضي الله عنهما، حتى عرفت بكاء أبي بكر من
بکاء عمر، وبکاءً عمر من بكاء أبي بكر.
قال أبو جعفر: فكان في هذين الحديثين أن العرشَ المرادَ في
الأحاديثِ الأول هو السريرُ الذي حُمِلَ عليه سعدُ بن معاذ، فنظرنا في
ذلك، وهَلْ خُولِفَ من قال ذلك فيما قاله منه أم لا؟
٦٥٥٠- فوجدنا مُحمَّدَ بن خُزيمة، وفهد بنَ سليمان جميعاً قد
حدَّثَانا، قالا: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ صالح، حدثني الليثُ بن سعدٍ، حدثني
ابنُ الهادِ، عن معاذ بنِ رِفاعة، عن جابر بنِ عبدِ الله رضي الله عنهما،
قال: جاء جبريلُ إلى رسولِ اللهِ ﴿، فقال: من هذا العبدُ الصَّالحُ الذي
مات فُتِحَتْ له أبوابُ السماءِ، وتحرَّكَ له العرشُ؟ قال: فخرج رسولُ
اللّهِ﴾، فإذا سعدُ بنُ معاذٍ، فجلس رسولُ الله ◌ُ﴿ على قبره وهو يُدفن،
فبينما هو جالس إذ قال: ((سُبْحَانَ اللهِ) مرتين، فسبَّحَ القومُ، ثم قال:
(الله أكبر، الله أكبرُ) فكبَّر القومُ، فقال رسولُ اللهِحَ ﴿: «هذا العبدُ
الصالح شَدَّدَ الله عليه في قبره حتَّى كان هذا حِین ◌ُرِّجَ عنه)).
قال أبو جعفر: فكان في هذا الحديثِ ما قد دَلَّ على أن العرش
المذكورَ في الأحاديثِ الأول ليس هو السريرَ الذي حُمِلَ عليه سعد،
- ٢٢٤ -
كتاب المناقب - الصحابة
لأنَّ في هذا الحديثِ سؤالَ جبريل رسولَ اللهِ ﴿وَ عن العبدِ الصالحِ الذي
مات، ففتحت له أبوابُ السماء، وتحرَّكَ له العرشُ، وخروج رسول
اللهَّ عند ذلك ليعلم من هو حتّى عَلِمَ أنه سعدُ بنُ معاذ، فكان في
ذلك ما قد دَلَّ على أن العرش المذكورَ في الأحاديث الأول هو غيرُ
السريرِ الذي حمل عليه سعد إذا كان سعدٌ رضي الله عنه لم يكن حمل
على السرير الذي حمل عليه إلى قبره إلى ذلك الوقت، وإنما حمل عليه
بعدَ ذلك(١).
(١) في رواية البخاري (٣٨٠٣) بعد أن ذكر حديث جابر مرفوعاً «اهتز العرش
لموت سعد بن معاذ»، فقال رجلٌ لجابر فإن البراء يقول: اهتز السرير، فقال: إنه كان
بين هذين الحيين ضغائن، سمعت النبي * يقول: «اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن
معاذ».
قال الحافظ في الفتح ١٢٣/٧: وإنما قال جابر ذلك إظهاراً للحق واعترافاً بالفضل
لأهله، فكأنه تعجب من البراء كيف قال ذلك مع أنه أوسي، ثم قال: أنا وإن كنت
خزرجياً وكان بين الأوس والخزرج ما كان، لا يمنعني ذلك أن أقول الحق، فذكر
الحديث. والعذر للبراء أنه لم يقصد تغطية فضل سعد بن معاذ، وإنما فهم ذلك فجزم
به، هذا الذي يليق أن يظن به، وهو دال على عدم تعصبه.
وقال فيه ١٢٤/٧: وقد أنكر ابن عمر ما أنكره البراء فقال: أن العرش لا يهتز
الأحد، ثم رجع عن ذلك وجزم بأنه اهتز له عرش الرحمن، أخرج ذلك ابن حبان من
طريق مجاهد عنه، والمراد باهتزاز العرش استبشاره وسروره بقدوم روحه، يقال لكل
من فرح بقدوم قادم عليه اهتز له، ومنه اهتزت الأرض بالنبات إذا أخضرت
وحسنت، ووقع ذلك من حديث ابن عمر عند الحاكم بلفظ «اهتز العرش فرحاً
به»، لكنه تأوله كما تأوله البراء بن عازب فقال: اهتز العرش فرحاً بلقاء الله سعداً
- ٢٢٥ -
كتاب المناقب - الصحابة
٦٥٥١- ووجدنا أبا أُمية قد حَدَّثْنَا قال: حَدَّثْنَا يعقوبُ بنُ محمد
بن عيسى الزهري، قال: حَدَّثَنَا صالحُ بنُ محمد بن صالح التمَّار، ومعنُ
بنُ عيسى، وعبدُ العزيز بنُ عمران، عن محمد بن صالح، عن سعد بن
إبراهيم، عن عامر بنٍ سعد، عن أبيه أن عُمَرَ قال لأُمِّ سعد بن معاذ
وهي تبكي عليه: انظري ما تقولين يا أمَّ سعدٍ، فقال رسولُ اللهِ حَ ﴿:
((دعها يا عُمَرُ، كُلُّ نائحة مُكَذِّبَةٌ إلا أمَّ سعد، ما قالت مِن خير، فلن
تَكْذِبَ)، ثم احتمل فوُضِعَ في قبره، فتغيَّرْ لَوْنُ النِيِّلَ﴿ٌ، فقال
المسلمون: يا رسولَ الله إن كنتَ لَتَقْطَعُنَا - يعنون في السُّرعة-، قال:
حتى تفسخت أعواده على عوانقنا، قال ابن عمر: يعني عرش سعد الذي حمل عليه،
وهذا من رواية عطاء بن السائب عن مجاهد عن ابن عمر، وفي حديث عطاء مقال
لأنه ممن اختلط في آخر عمره، ويعارض روايته أيضاً ما صححه الترمذي من حديث
أنس قال «لما حملت جناز سعد بن معاذ قال المنافقون: ما أخف جنازته، فقال النبي
#: إن الملائكة كانت تحمله، قال الحاكم: الأحاديث التى تصرح باهتزاز عرش
الرحمن مخرجة في الصحيحين. وليس لمعارضها في الصحيح ذكر، انتهى. وقيل: المراد
باهتزاز العرش اهتزاز حملة العرش، ويؤيده حديث «إن جبريل قال: من هذا الميت
الذي فتحت له أبواب السماء واستبشر به أهلها»، أخرجه الحاكم، وقيل هي
علامة نصبها الله لموت من يموت من أوليائه ليشعر ملائكته بفضله، وقال الحربي: إذا
عظموا الأمر نسبوه إلى عظيم كما يقولون قامت لموت فلان القيامة وأظلت الدنيا
ونحو ذلك، وفي هذه منقبة عظيمة لسعد، وأما تأويل البراء على أنه أراد بالعرش
السرير الذي حمل عليه فلا يستلزم ذلك فضلاً له لأنه يشركه في ذلك كل ميت، إلا
أنه يريد اهتز حملة السرير فرحاً بقدومه على ربه فيتجه.
-٢٢٦ -
كتاب المناقب - الصحابة
«خشيت أن تسبقنا الملائكةُ إلى غسله كما سبقتنا إلى غسل حنظلة
بن أبي عامر))، قالوا: يا رسولَ الله رأينا لونَك قد تغيَّر حين قَعَدْتَ
على القبر، قال: «ضُمَّ سَعْدٌ فِي القَبْرِ ضَمَّةً، ولو أُعْفِيَ منها أحدٌ،
أُعْفِيَ منها سَعْدٌ)، وقال النبيُّ ◌َّ: «نَزَلَ الأرضَ سبعون ألفَ مَلَكٍ
لِشهود سعدٍ، ما نزلوها قطّ، واستبشر به جميعُ أهلِ السَّماءِ، واهتزَّ
له العرشُ)، قال صالح: يعني ابنَ محمد، قال أبي: قال رجل لِسعد بن
إبراهيم: إن العرشَ تدعوه العربُ السريرَ، وإنما يعني سريرَ سعد بنِ
معاذ، فقال سعدٌ: ما بلغ سَرِيرُ سعد بن معاذ أن يَذْكُرَهُ رسولُ الله ◌ِ لّهِ.
قال أبو جعفر: فكان في هذا الحديثِ إخبارُ رسول الله لَهُ بَعْدَ
دفنه سعداً باهتزاز العرش له، فاحتمل أن يكونَ ذلك العرشُ هو العرشَ
الذي قاله ابنُ عمر، وأُسَيْدُ بنُ الْحُضَيْرِ، واحتمل أن يكونَ هو خلافه.
فقال قائل: كيف يكون كما قاله ابنُ عمر وأُسيد بن حضير،
وإنما ذلك إخبارٌ عن سريرٍ لا نَفَسَ له، ولا يكونُ مِن مثله الاهتزازُ
الذي ذکراه عنه؟!
فكان جوابُنا له في ذلك أن السريرَ إن كانَ كما قال ابنُ عمر
وأُسَيْدٌ، فإنه يحتمِلُ أن يكونَ عَزَّ وحَلَّ فَهَّمِهُ بعدَ أن حُمِلَ عليه سعدٌ
مكانَه مِن الله عَزَّ وجَلَّ ومنزلته منه، فصارَ من أهلِ العلم والمعرفة
بذلك، فاهتزَّ له كما ذكر ابنُ عمر وأُسيدٌ من اهتزازه، كما ألهم الله
عَزَّ وجَلَّ الخشبة التي كان رسولُ الله ◌َ يَخْطُبُ الناسَ عليها قبل أن
يتخِذَ المنبرَ، فلما اتخذ المنبرَ، وتحوَّل إليه عنها، كان منها الحنينُ المروي
في ذلك كما سنذكره فيما بعدُ مِن كتابنا هذا إن شاء الله عَزَّ وجَلَّ،
-٢٢٧ -
كتاب المناقب - الصحابة
وكان ذلك عَلَماً عظيماً من أعلام النبوة، وفضلاً جليلاً فَضَّلَ اللهُ به
رسولَه، وشرفاً كبيراً شَرَّفَه به، وألهمه من ألهمه مِن جلالة مَوْضِعِهِ منه
ما ألهمه إِيَّاه مما ذكر في هذا الحديث. وقد رُوِيَ أن العرشَ الذي كان
اهتَزَّ لموتٍ سعد بنِ معاذ كان غَيْرَ السرير الذي حُمِلَ عليه، وأَنَّه كان
عرش الرحمن عَزَّ وجَلَّ
٦٥٥٢- كما حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، حَدَّثنا أبو الوليد هشامُ
بنُ عبد الملك الطيالسيُّ، حَدَّثَنَا يوسفُ بنُ الماجشون، قال: سمعتُ أبي،
أو حدَّثْني أبي، عن عاصم بن عُمَرَ بنِ قتادة، عن جدته رُميثة (ح)
وكما حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ أبي داود، قال: حَدَّثْنَا عبدُ العزيز بنُ
عبدِ الله الأُوَيْسِيُّ، قال: حَدَّثَنَا يوسفُ بنُ الماجشون، عن أبيه، عن
عاصم بن عمر بن قتادة، عن جدَّته رُمَيْنَةَ، قالت: سمعتُ النِيَّ ◌ِ # - ولو
أشاءُ أنْ أُقَبِّلَ الخاتمَ الذي بَيْنَ كتفيه مِن قُربي، لفعلتُ- وهو يقولُ
حين مات سعد بن معاذ: ((لقد اهتزَّ له عرشُ الرحمن عَزَّ وجَلَ)(١).
قال أبو جعفر: فكان في هذا الحديث إعلامُ رسولِ الله :﴿ُ الناسَ
أن العرشَ المروي في اهتزازِهِ لموتِ سعدٍ هو عرشُ الرحمنِ عَزَّ وَجَلَّ،
ووجدنا الأوسَ لما فاخرت الخرزجَ، فَاخَرَتْهُمْ بذلك، وذكرت في
مفاخرتها إيَّهم أن العرشَ الذي اهتزَّ لموتِ صاحبهم هو عرشُ الرحمن
(١) رواه أحمد ٣٢٩/٦، وفي (الفضائل)) (١٥٠٥)، والترمذي في ((الشمائل))
(١٧)، وابن سعد في (الطبقات)) ٤٣٥/٣، والطبراني في ((الكبير)) ٧٠٣/٢٤) من
طرق عن يوسف بن الماجشون، به.
-٢٢٨ -
كتاب المناقب - الصحابة
١
عَزَّ وجَلَّ
٦٥٥٣- كما حَدَّثَنَا عبدُ العزيز بن الحسن بن زُبالة المديني،
حَدَّثْنَا يحيى بنُ معين، حَدَّثَنَا عبدُ الوهَّاب بنُ عطاء، عن سعيد بنِ أبي
عَرُوبَةَ، عن قتادة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: «افتخرَ
الحَيّانِ: الأوسُ والخرزجُ، فقالت الأولى: مِنَّا غسيلُ الملائكة حنظلةٌ
بنُ الراهب، ومنا من اهتَزَّ له عرشُ الرحمن، ومنا من حَمَتْهُ الدَّبَرُ
عاصِمُ بنُ ثابت بنِ الأَقْلَح، ومنا أُجيزت شهادته بشهادة رَجُلَيْنِ،
وقال الخزرجيون: منا أربعة جمعوا القرآن ولم يجمعه أحَدٌ غيرهم: أُبيُّ
بن کعب، ومعاذ بن جبل، وأبو زید، وزیدُ بن ثابت»(١).
قال أبو جعفر: وقد يحتمل أن يكون العرشان جميعاً المذكوران في
هذا الحديث، وفي حديثي ابنِ عمر وأُسيد بن حُضير قد كان ذلك
منهما جميعاً، والله أعلم، غيرَ أَنَّا نُصَدِّقُ بما كان مِن رسولِ اللهِلَ#19 في
ذلك ونُؤمن به، وقد كان أهلُ اللغة يذهبون إلى أن الاهتزازَ هو
الارتياحُ والسرورُ، كما يُقال: فلان إذا سُئِلَ، اهْتَرَّ، أي: استشرف
لذلك وسُرَّ به، فيكون الله تعالى أهم العرشين موضعَ سعدٍ منه، فكان
(١) إسناده صحيح، ورواه أبو يعلى (٢٩٥٣) عن محمد بن عبد الله الأرزي،
والبزار (٢٨٠٢) عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي، كلاهما عن عبد الوهّاب بن
عطاء، به. وأبو زيد هذا: هو أحدُ عمومة أنس بن مالك كما جاء مصرحاً به في
رواية البخاري (٣٨١٠) مختصراً، وهو مخرّج في ((صحيح ابن حبان)) (٧١٣٠)،
وروى البخاري (٣٩٩٦) من طريق قتادة عن أنس، قال: مات أبو زيد ولم يترك
عقباً، وكان بدرياً. وانظر (الإصابة) ١٥٨/٧.
-٢٢٩-
كتاب المناقب - الصحابة
منهما ما كان مما ذُكِرَ في هذه الأحاديثِ غيرَ أنَّ بَعْضَهُمْ ذهب إلى أن
ذلك الاهتزازَ المضافَ إلى العرشِ إنما كان مِن الملائكة الذين يحملونه
ويَحُقُّونَ به، وأُضيف ذلك إلى العرشِ، وإن كانوا هم المرادين به،
ويجعلون ذلك كمثلٍ قوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ
والأرضُ﴾ [الدخان: ٢٩]، يعني: ما بكى عليهم أهلُ السماءِ ولا أهلُ
الأرض، وكما قال فيما حكى لنا عمن حكى مِن عباده قوله: ﴿واسْأل
الَفَريةَالَّتِي كَّفِها وَالِرَ التِي أَقْنَا فِها﴾ [يوسف: ٨٢]، وكما قال النبيُّ
عليه السَّلامُ في أحد: ((هذا جَبَلٌ يُحِبَّنَا وَنُحِبُّهُ)).
٦٥٥٤- كما حَدَّثْنَا يونسُ، أخبرنا ابنُ وهبٍ أن مالكاً أخبره
عن عمروٍ مولى المطلب، عن أنس بنِ مالك، عن رسول الله محطات
بذلك(١). بمعنى يُحِبّنا أهلُه، يعني الأنصار، ونُحِبُّهم، والله أعلمُ ما أراد
رسولُه بما كان قاله من ذلك مما قد حكيناه في هذا الباب ومن ما سواه
من ما قَصر علمنا عنه. وبالله التوفيق.
(١) إسناده صحيح، وهو في ((الموطأ) ٨٨٩/٢، ومن طريق مالك رواه البخاري
(٣٣٦٧).
ورواه مسلم (١٣٦٥) من طريقين عن عمر مولى المطلب، به.
- ٢٣٠ -
كتاب المناقب - الصحابة
٩٥٢- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴾ مِن قوله
لعبد الله بن مسعود لما مرَّ به هو وأبو بكر وهو يرعى الغنم
التي كان يرعاها لعُقبة بن أبي معيط: ((أمَعَكَ لَبَنْ؟)) قال: إنّي
مؤتمنٌ، ومما في هذا الحدیث سوى ذلك
٦٥٥٥ - حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ أبي داود، حَدَّثَنَا أبو الوليد
الطيالسيُّ، حَدَّثَنَا أبو عَوَانَة، عن عاصمٍ، عن زِرُ، عن عبد الله بنِ
مسعودٍ رضي الله عنه، قال: كُنْتُ أرعى غنماً لِعقبة بن أبي معيطٍ، فَمَرَّ
بي رسولُ اللهِ﴿، فقال لي: (يا غُلاَمُ، هَلْ مِنْ لَبَنِ؟) قلتُ: نَعَمْ،
ولكني مُؤْتَمَنٌ، فقال: ((هَلْ مِنْ شاةْ لم يَنْزُ عليها الفَحْلُ؟) فأتيتُه بشاةٍ
فمسحَ ضَرْعَها، فنزل لبنٌ، فحلبتُه في إناءٍ فَشَرِبَ وسقا أبا بكرٍ، ثم قال
للضَّرْعِ: ((اقْلِصْ) فَقَلَصَ، ثم أتيتُه بَعْدَ هذا، فقلتُ: يا رسولَ الله،
علّمني مِنْ هذا القولِ، فمسح رأسي، ثم قال: (يَرْحَمُكَ اللهُ، إِنَّكَ
غُلامُ مُعَلَّمٌ)، قال: فأخذت منه سبعينَ سورةً ما نَازَعنيها بَشَرّ (١).
(١) إسناده حسن، ورواه البيهقي في ((دلائل النبوة) ٨٤/٦ من طريق محمد بن
هارون، عن أبي الوليد الطيالسي، به.
ورواه أبو يعلى (٤٩٨٥)، وابن حبان (٦٥٠٤)، والطبراني في (الكبير)) (٨٤٥٦)
من طريق المعلى بن مهدي، عن أبي عوانة، به.
ورواه مطولاً ومختصراً ابن سعد ٣٤٣/٢، وابن أبي شيبة ٥١٠/١١، وأحمد
٣٧٩/١ و٤٥٣ و٤٥٧ و٤٦٢، والطيالسي (٣٥٣)، وأبو يعلى (٥٣١٠)،
والطبراني في ((الكبير)) (٨٤٤٢) و(٨٤٥٥)، وأبو نعيم في (الحلية)) ١٢٥/١، وفي
(دلائل النبوة)) (٢٣٣) من طريق حماد بن سلمة، وأبو يعلى (٥٠٩٦)، والطبراني في
- ٢٣١ -
كتاب المناقب - الصحابة
٦٥٥٦ - وحَذَّثَنَا سليمانُ بنُ شعيبٍ الكَيْسَانِيُّ، حَدَّثْنَا عليٌّ بنُ
معبدٍ. وحَدَّثْنَا يوسفُ بنُ يزيد، حَدَّثَنَا حجاجُ بن إبراهيم، حَدَّثَنَا أُبو
بكر بن عياش، حدثني عاصمُ بنُ بَهْدَلَةَ، عن زِرِّ بنِ حُبيش، عن ابنِ
مسعود ... ، ثم ذكرا مثلَه غيرَ أنهما لم يَذْكُرًا في حديثيهما: فأخذتُ
عنه سبعينَ سورةٌ ما نازَعَنِيها بَشَرٌ.
قال أبو جعفر: فقال قائلٌ: فكيفَ تقبلونَ عن رسولِ اللهِعَ﴿٥ أنه
سألَ مَنْ ليس بمالكٍ لِتلك الغنم التي كان يرعاها: ((أمَعَكَ مِنْ لَبَن؟))
أي: لِيسقيهما منه وهو لا يَمْلِكُ تلك الغنمَ؟
فكان جوابُنا له في ذلك: أنه قد يحتمل أن يكونَ كان ذلك مِن
رسولِ الله﴿ على أن تلكَ الغَنَم كانت عندَه لابنِ مسعود بظاهرٍ
أمرها وبيده عليها، فقال له ما قال مما ذكر في هذا الحديث من أجلٍ
ذلك، وكان قوله ذلك له محتملاً أن يكون أراد ابتياعَ لبن إن كانَ
معه، لا ما سوى ذلك.
وأما قولُ ابنِ مسعود له: إني مؤتمن، وتثبيتُه الأمانة لِنفسه على ما
يرعاه، فذلك الذي وقف به رسولُ اللهِ﴿ أَنَّه غيرُ مالكٍ لها، وكان مَنْ
كان يرعى غنماً لِغيره باستئجارِ منه إِيَّاه على رَعِيَّتِّها لا يرعى معها
غنماً لِغيره أجيراً خاصاً، والأجيرُ الخاصُّ عندَ أهل العلم جميعاً مؤتَمَنٌ
(الصغير)) (٥١٣) من طريق سلام أبي المنذر، وفي (الكبير)) (٨٤٥٧) من طريق أبي
أيوب الإفريقي، ثلاثتهم عن عاصم بن بهدلة، به. وانظر الطبراني (٨٤٣٣) -
(٨٤٤٦).
- ٢٣٢ -
كتاب المناقب - الصحابة
على ما اسْتُؤْجِرَ عليه، وإنما يختلِفُون في الأجيرِ الْمُشْتَرَكِ، فيجعله بعضُهم
كذلك، ويجعله بعضُهم بخلافِ ذلك. ثم قال هذا القائلُ: فما معنى
سؤالِ رسولِ اللهِ﴿ لابن مسعود: ((شاة لم يُصبها فَحْلٌ مِنْ غنم)) قد
عَلِمَ أنها لِغيرِ ابنِ مسعود.
فكان جوابُنا له في ذلك: أن ذلك كان من رسول الله ﴿ لِيُرِيَه
آيةً معجزةً تقوم بها الحُجَّةُ له عليه وعلى غيره في وجوبِ تصديقِه
والإيمان به، وكان الذي كان منه في الشاة فيه منفعةٌ لِصاحبها مِن تليين
ضَرعها، وكان اللبنُ الذي أحدثه الله تعالى في ضَرعها ليس هو مِن
تديها، إنما هو لَبَنَّ جعله الله تعالى في ضَرعها لما جعله له مِن غيرِ ملكٍ،
ووَقَعَ عليه لِمالك تلك الشاة.
وأما قولُ ابن مسعود له بعد ذلك: فتعلمتُ منه سبعينَ سورةً ما
نازعنيها بشرٌ، فذلك عندنا - والله أعلم- على أنه ما شاركه فيها بشر،
لأن المنازَعَةَ قد تكون على المشاركة، ومن ذلك قولُ رسولِ اللهِحَ ﴿ٍ لما
علم أن ناساً قرؤوا خلفَه في الصَّلاة: (ما لي أُنَازَعُ في القُرآن))، أي:
أُشَارَكُ في القرآن الذي أقرأه في صلاتي، وقد ذكرنا ذلك بإسناده فيما
تقدَّم منا في كتابنا هذا.
فقال هذا القائلُ: فكيفَ تقبلونَ هذا وأنتم تروون عن رسولٍ
الله ﴿ أمره بأخذ القرآن عمن أمر أن يُؤخَذَ عنه من أصحابه وتقديمه
فيهم بابنِ مسعود على مَنْ سواه ممن أمر بأخذه عنه؟ وسنذكر ذلك
بأسانيدِهِ فيما بعدُ مِن كتابنا هذا فيما هو أولى به من هذا الموضع إن
شاء الله.
- ٢٣٣ -
كتاب المناقب - الصحابة
فكان جوابُنا له في ذلك: أن تلكَ السبعين سورةً المذكورة في هذا
الحديث لم يكن شَركَه في أخذه إيَّاها عن رسولِ اللهِلَهُ بَشَرٌ، وشَرِكَه
في أخذ بقية القُرآن عن رسول الله ﴿ من شَرِكَه فيه ممن أخذه عنه من
أصحابه، فبان بحمد الله جميعُ ما في هذا الحديث مما أشكل على هذا
السائِلِ من ذلك، ومما سواه مما هو مذكورٌ فيه مشروحاً، وبالله التوفيق.
-٢٣٤ -
كتاب المناقب - الصحابة
٩٥٣- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عَنَّهُ علیه السَّلامُ في قوله
((أقرؤهم -يعني أُمَّتَهُ- لِكتاب الله أُبِيُّ بن كعب، وأفرضُهم
زيد، وأعلمُهم بالحلالِ والحرامِ معاذُ ابن جَبَلٍ»
٦٥٥٧- حَدَّثْنَا ابنُ مرزوق، حَدَّثَنَا عفَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبُ بنُ
خالدٍ، حَدَّثَنَا خالدُ الحذَّاءُ، عن أبي قِلاَبَة، عن أنسٍ، عن النبيِّ عليه
السَّلامُ قال: ((ارْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أبو بكرٍ، وأَشَدُّهُم في أمرِ الله عُمَرُ،
وأصْدَقُهُمْ حَيَاءً عثمانُ، وأقرِؤُهُمْ لِكتاب الله أُبَيُّ بن كعبٍ،
وأفرضُهُمْ زيدُ بنُ ثابتٍ، وأعلمُهُمْ بالحلالِ والحَرَامِ معاذ بن جبل، ألا
وإِنَّ لِكُلِّ أُمَّة أميناً، ألا وإنَّ أمينَ هذه الأُمَّةِ أبو عبيدة بن الجَرَّاح))(١).
٦٥٥٨- حَدَّثْنَا أبو أُمَّة، حَدَّثْنَا قَبِيصَةُ بنُ عقبة، حَدَّثَنَا سُفيان،
عن خالدٍ الحذَّاء، وعاصمٍ، عن أبي قلابةَ، عن أنس قال: قالَ رسولُ
اللهَ﴿ ... فذكر مثله، غير أنه لم يذكر في حديثه: «وأقرؤهم لكتاب الله
اُبیُ بنُ کعب)).
٦٥٥٩ - حَدَّثَنَا أبو أمية، حَدَّثَنَا خَلَفُ بنُ الوليدِ العَتَكِيُّ، حَدَّثْنَا
الأشجعيُّ، حَدَّثْنَا سفيانُ، عن خالدِ الحَذَّاء، عن أبي قلابة، عن أنس،
عن النبيِّ عليه السَّلامُ مثلَه، غير أنَّه قال: ((وأفرضُها زيدٌ، وأعلمُها
بالحلال والحرامِ معاذٌ)).
فسأل سائل عن المراد بما ذُكِرَ به كُلُّ واحد من أُبيِّ، وزيدٍ،
ومعاذٍ في هذا الحديث، وهل يُوجِبُ ذلك له أن يكونَ في معناه الذي
(١) إسناده صحيح، ورواه أحمد ١٨٤/٣، و٢٨١، والطيالسي (٢٠٩٦)،
والترمذي (٣٧٩٠)، وابن حبان (٧١٣١) و(٧١٣٧) و(٢٥٢)، والبيهقي ٢١٠/٦.
-٢٣٥-
كتاب المناقب - الصحابة
ذُكِرَ به فوقَ الخلفاء الراشدين المهدِّين، ومَنْ سِواهم من أصحابِ
رسول الله # أجمعين؟
فكان جوابُنا له في ذلك أن مَنْ حَلَّت رتبتُه في معنى مِن المعاني،
جاز أن يُقَالَ: إنه أفضلُ الناسِ في ذلك المعنى، وإن كان فيهم من هُوَ
مِثْلُه، أو مَنْ هو فوقَه.
ومن ذلك ما قد رُوِيَ عن رسولِ اللهِ﴿ مما قاله لعلي: ((إنّه يَقْتُلُه
أشقاها)، يريدُ البريَّةَ.
٦٥٦٠- كما حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ داود بنِ موسى، حَدَّثْنَا عبدُ
الرحمن بن صالح الأزديُّ، حَدَّثْنَا يونُس بنُ بكير، عن محمد بنِ إسحاق.
وكما حَدَّثْنَا أحمدُ بن شعيب، أخبرني محمد بنُ وهبٍ، حَدَّثَنَا
محمدُ بنُ سلمة، حَدَّثَنَا ابنُ إسحاق، عن يزيدَ بنِ محمد بن خُثِيْم، عن
محمد بنِ كعب القرظي، عن محمد بن خُثْمٍ، عن عمار بنِ ياسرٍ، قال:
كنتُ أنا وعَلِيٌّ رفيقَيْنِ في غزوة - ذكرها أحمدُ بنُ داود في حديثه، ولم
يذكرها أحمدُ بن شعيب- فلما نزلها رسولُمَ﴿، وأقام بها، رأينا ناساً
من بني مُدْجٍ يَعْمَلُون في عينٍ لهم، أو في تخلٍ، فقال لي علي: يا أبا
اليقظان، هل لك أن نأتيَّ هؤلاء، فننظر كيف يعملونَ، قال: قلت: إن
شئتَ، فجئناهم، فنظرنا إلى عملهم ساعةٌ، ثم غَشِيَّنَا النومُ، فانطلقتُ
أنا وعلي حتى اضطجعنا في ظِلِّ صَوْرٍ من النخل، وفي دقعاء مِن
التراب، فَيِمنا، فوالله ما نبهنا إلى رسولُ الله:﴿ يُحرِّكُنا برجله وقد
تَتَرَّبْنَا من تلك الدَّقْعاء التي نِمنا فيها، فيومئذ قال رسولُ اللهلَ﴿ّ لِعلي:
(ما لَكَ يا أبَا تُرَابٍ؟) لما يُرى عليه من التُراب، ثم قال: (ألا أُحدِّتُكُما
بأشقى النَّاسِ؟) قلنا: بلى يا رسول الله، قال: (أُحَيْمِرُ ثُمود الذي عَقَرَ
-٢٣٦-
كتاب المناقب - الصحابة
الناقةَ، والذي يَضْرِبُكَ يا عليُّ على هذه)، ووضع يده على قرنه ((حَتَّى
يَبُلَّ منها هذه))، وأخذ بلحيته(١).
ثم من ذلك أيضاً ما قد رُوِيَ عن علي مما لم يُضِفْه إلى النبيِّ عليه
السَّلامُ غير أنا نعلمُ أنه لم يقله رأياً، ولا استخراجاً، ولا استنباطاً، إذ
كان مثلُه لا يُقَالُ بالرأي، ولا بالاستخراج، ولا بالاستنباط، ونُحيط
علماً أنه قال ذلك لأخذه إيّاه عن رسول الله ﴿و.
٦٥٦١- كما حَدَّثْنَا فَهْدٌ، حَدَّثَنَّا أبو نُعيم، حَدَّثَنَا فِطْرُ بنُ
خليفة، حَدَّثَنَا أبو الطَّفيلِ قال: دعا عليٌّ النَّاسَ إلى البَيْعَةِ، فجاء عبدُ
الرحمن بنُ مُلْحَمٍ (٢)، فردَّه مرَّتين، ثم قال: ما يَحْبِسُ أشقاها، لَيَخْضَبَنَّ
أو لَيَضَعنَّ هذا مِنْ هذه، لِلحيته من رأسه، ثم تمثل بهذين البيتين:
(١) الحديث في («الخصائص)) (١٥٣) للنسائي.
ومن طريق ابن إسحاق رواه أحمد ٢٦٣/٤، وفي («الفضائل)) (١١٧٢)، والطبري
في («تاريخه)) ٤٠٩/٢، والدولابي في ((الكنى والأسماء) ١٦٣/٢، والحاكم ١٤٠/٣-
١٤١، والبيهقي في («الدلائل)) ١٢/٣-٠١٣
وعلق البخاري في «التاريخ الكبير)) ٧١/١ طرفاً من أوله عن إبراهيم بن موسى؛
عن عيسى بن يونس، عن ابن إسحاق، به. وأعله بالانقطاع، وتعقبه الحافظ في
التهذيب في ترجمة يزيد بن خيثم.
وله طرق أخرى عند الطبري ٤٠٨/٢، والبزار (٢٥٦٧)، وأبو نعيم ١٤١/١،
وفي الدلائل (٤٩٠).
(٢) قال الإمام الذهبي في (الميزان) ٥٩٢/٢: عبد الرحمن بن ملجم المرادي ذاك
الُعَثِّر الخارجي ليس بأهل لأن يُروى عنه، وما أظن له رواية، وكان عابداً قانتاً لله،
لكنه ختم له بشر، فقتل أميرَ المؤمنين عليّاً رضي الله عنه متقرباً إلى الله بدمه بزعمه،
فقطعت أربعته، وسملت عيناه، ثم أحرق، نسأل الله العفو والعافية.
-٢٣٧ -
كتاب المناقب - الصحابة
فإنَّ الموتَ آتيكا
اشدُدْ حيازيمك للمَوْتِ
إِذا حَلَّ بِوَادِيكا
ولا تَحْزَعْ مِنَ القَتْلِ
ونحن نعلم أن ابن مُلحَمٍ قدْ كان مِنْ أهل التوحيد، وإنما الذي
كان منه حتى عاد به مطلقاً عليه أنه أشقى الناسِ عظيمُ ما كانَ منه،
وجلالةُ جُرمه، وفَتْقُه في الإِسلام ما فتقه، ونحن نعلمُ مع ذلك أن أشقى
منه من لم يُوَحِّدِ الله ساعةٌ قطُّ، وجَعَلَ الله ولداً وَلَقِيَ الله على ذلك،
وهو في الشِّقْوَةِ فوقَ ابن مُلْحَمٍ.
ومن ذلك ما قد رُوِيَ عن رسولِ الله 8/ في الخوارج الذين منهم
ابنُ مُلْحَمٍ
٦٥٦٢- كما حَدَّثْنَا محمدُ بنُ سِنان الشَّيزري، حَدَّثْنَا عبدُ
الوهّاب بن نَحْدَةَ الْحَوْطي، حَدَّثْنَا أبو المغيرة عبدُ القدوس بن الحجَّاج
الخولاني، عن الأوزاعي، عن قتادة، عن أنسٍ، عن النبيِّ عليه السَّلامُ -
في وصفه الخوارجَ بالصلاة والصوم- ثم قال: «يَمْرُقُونَ من الدِّين كما
يمرق السهم من الرمية، شرارُ الخلقِ والخَليقةٍ)(١).
٦٥٦٣- وكما حَدَّثَنَا الربيعُ المرادِيُّ، حَدَّثْنَا بِشر بنُ بَكْرٍ، عن
(١) إسناده قوي، ورواه أحمد ٢٢٤/٣ عن أبي المغيرة، به.
ورواه أبو داود (٤٧٦٦)، وابن ماجه (١٧٥)، والحاكم ١٤٧/٢ من طريقين عن
معمر، عن قتادة، به.
ورواه أبو داود (٤٧٦٥)، والحاكم ١٤٨/٢ من طريقين عن الأوزاعي، حدثني
قتادة بن دعامة، عن أنس بن مالك، وأبي سعيد الخدري.
قال المنذري في ((مختصر سنن أبي داود) ١٥٤/٧: قتادة لم يسمع من أبي سعيد
الخدري، وسمع من أنس بن مالك.
-٢٣٨-
كتاب المناقب - الصحابة
الأوزاعيِّ ... ثم ذکر بإسناده مثله.
وقد علمنا أن مَن نَحَلَ الله ولداً، أو أشركَ به، وقَتَلَ أنبياءَه،
وكذَّبَ رسله، شَرٌّ من هؤلاء، لما عظم ما كان منهم وجَلَّ، جاز بذلك
أن يُقال: هم شرُّ الخلق والخليقةِ، وجاز لمن تفرَّد منهم بما تَفَرَّدَ به في
علي أن يُقَالَ: هو أشقى البريةِ، وإن كان فيها مَنْ هُوَ في الشِّقوة مثلُه،
أو مَنْ هو في الشِّقوة فوقَه.
فمثلُ ذلك ما ذكرناه عن رسول الله ﴿ في كُلِّ واحدٍ من أُبَيِّ،
ومن زيدٍ، ومن معاذ، في الحديث الذي رويناه في صدر هذا الباب،
جاز إطلاقُ ذلك له على ما في الحديثِ، لجلالة مقداره في المعنى الذي
أُضِيفَ إليه فيه، ولِعلوِّ رُتبته فيه، وإن كان قد يجوز أن يكونَ في
أصحاب رسولِ الله﴿ مَنْ هُوَ في ذلك المعنى مثلُه، ومَنْ هو فوقَه في
ذلك المعنى، وهذا لِسَعة اللغة، ولِعِلْمِ المخاطبين بذلك مرادَ رسول الله
** بما خاطبهم به فيه، ولولا أن ذلك كذلك، ما جاز أن يُقَالَ لمن
عَظُمَتْ رتبتُه في العلم، وجل مقدارُه فيه: إنه أعلمُ الناس إذا كانَ الذي
يقولُ ذلك له لا يعرف الناسَ جميعاً، ولا يَقِفُ على مقادير علومهم،
وإذا جاز له ذلك مع تقصيره عن معرفة الناسِ جميعاً، وعن معرفة مقدار
علومهم إذا كان لا يَعرف منهم مثل الذي وصفه مما وصفه به، كان
ذلك مما قد عقلنا به أن المرادَ بمثله مَن يَعرِفُه قائلُ ذلك القول، وأنه حاز
له جمعُ الناس جميعاً في قولِه، وأن ذلك على المجاز، لا على الحقيقة.
-٢٣٩ -
كتاب المناقب - الصحابة
٩٥٤- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴾ في قولِهِ في
أبي مُوسَى: (لقد أُوتِيَ مِنْ مَزَامِيرٍ آلٍ داودَ ﴿ ... ))
٦٥٦٤- حَدَّثَنَا بكارُ بنُ قتيبةَ، قال: حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ أبي
الوزير، قال: حَدَّثْنَا سفيانُ بنُ عِبينَة، عن الزهريِّ، عن عروةَ، عن
عائشةَ، قالت: سَمِعَ النبيُّ :﴿ قِراءَةَ ابي موسَى، فقالَ: «لقد أُوتِيَ هذا
مِنْ مزامِيرِ آلِ داودَ)(١).
٦٥٦٥- حَدَّثَنَا بكارٌ، قال: حَدَّثْنَا حسين بنُ مَهْدي، قال:
حَدَّثَنَا عبدُ الرزاق، قال: أخبرنَا مَعْمَرٌ، عن الزُّهريِّ، عن عُروةً، عن
عائشةَ، عن رسول الله:﴿ مثلَه(٢).
٦٥٦٦ - حَدَّثْنَا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرنا عبدُ الله بنُ
وهبٍ، قال: أخبرني عمرُو بنُ الحارثِ، أن ابنَ شهابٍ أخبرَهُ، أنَّ أبا
سَلَمَةَ أخبرَهُ، أن أبا هريرةَ حدثهُ، أن رسولَ اللهِلَّ سَمِعَ قراءةَ أبي
موسى الأشعريِّ، فقال: ((لقد أُوتِيَ هذا من مَزَامِر آل داودَ)(٢).
٦٥٦٧- حَدَّثْنَا أبو أميةَ، قال: حَدَّثْنَا محمدُ بنُ سعيدٍ الأصبهانيُّ،
(١) إسناده صحيح، ورواه عبد الرزاق (٤١٧٧)، وأحمد ٣٧/٦، والدارمي
٣٤٩/١، وابن أبي شيبة ٤٦٣/١٠ و١١٢/١٢، والحميدي (٢٨٢)، والنسائي
١٨٠/٢-١٨١، وابن حبان (٧١٩٥)، من طرق عن سفيان بن عيينة، به.
(٢) إسناده صحيح، وهو في ((مصنف عبد الرزاق)) (٤١٧٧)، ومن طريق عبد
الرزاق رواه أحمد ١٦٧/٦، والنسائي ١٨١/٢، وفي ((فضائل القرآن)) (٧٦).
(٣) إسناده صحيح، ورواه النسائي ١٨٠/٢، وابن حبان (٧١٩٦) من طريق ابن
وهب، به.
- ٢٤٠ -