النص المفهرس

صفحات 481-500

كتاب التفسير - الأحزاب
عصاه، وطلب الحجرَ، وجعل يقول: ثَوْبِي حَجَرُ ثَوْبِي حَجَرُ إلى أن
انتهى إلى ملأ بني إسرائيل، فرأوه عُرياناً كأحسن الرجال خلقاً،
فَرَّأه الله مما قالوا، وإن الحَجَرَ قام، فأخذ ثوبَه، فَلَبِسَه فَطَفِقَ بالحجرِ
ضَرْباً قال: فواللهِ إن في الحَجَرِ لَنَدَباً من أثَرٍ ضربه ثلاثاً أو أربعاً أَوَ
خمساً)(١) فهذا ما رُوِيَ في هذا المعنى عن رسولِ 9.
وأمَّا ما قد رُوِيَ عن علي في ذلك مما نُحِيطُ علماً أنه لم يَقُلْهُ إلا
بأخذه إيَّه عن رسول الله ﴿، لأن فيه إخبارَه أنَّ الله تعالى عَنَى ما
ذكره فيه، وذلك شهادةٌ منه على اللهِ به، ولا يَسَعُهُ ذلك إلا بأخذه
إِيَّاهُ مِن حيثُ ذكرنا.
٦١٥٨- كما حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ أبي داود، حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ
سليمان الوسطي عن عبَّاد بنِ العوام، عن سفيانَ بنِ حُسين، عن
الحكم، عن سعيدٍ بنِ جُبَيْر، عن ابنِ عباس، عن علي ﴿لاَتَكُونُوا
كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ قال: صَعِدَ موسى، وهارونُ الجبلَ، فمات هارونُ،
فقال بنو إسرائيل: أنتَ قتلتَه، كان ألينَ لَنَا مِنْكَ، وأشدَّ حياءً، فَآذَوْهُ في
ذلك، فأمر الله تعالى الملائكة فحملته، وتكلمت بموته حتى عَرَفَتْ بنو
إسرائيل أنَّه قد مات، فدفنوه، فلم يعرف مَوضِعَ قَبْرِه إلا الَّرِخَمُ (٢)، فإنَّ
الله جعله أبْكّمَ أَصَمَّ(٣).
(١) رواه البخاري (٣٤٠٤) و(٤٧٩٩)، والترمذي (٣٢٢١)، وأحمد ٥١٤/٢
من طرق عن روح بن عبادة، به.
(٢) الرخم: طائر غزير الريش، أبيض اللون، مبقع بسواد، يشبه النسر في الخلقة.
(٣) رواه ابن أبي حاتم كما في ابن كثير ٤٧٤/٦ من طريق سعيد بن سليمان،
-٤٨١ -

كتاب التفسير - الأحزاب
قال أبو جعفر: وكان مَنْ لا عِلْمَ عنده ممن وقف على هذين
الحديثين يرى أنهما متضادَّان، وحاشا لِلّه أن يكونا كذلك، لأنّه قد
يجوزُ أن تكونَ بنو إسرائيل آذت موسى مما ذكر مما كان مما آذَتْه به في
كُلِّ واحدٍ من الحديثين حتى برَّأه الله من ذلك بما برَّاه به من ذلك مما
هو مذکورٌ [في] هذين الحديثين.
وابن جرير ٣٧/٢٢ من طريق علي بن موسى الطوسي، كلاهما عن عباد بن العوام،
به. وقال ابن جرير بإثره: وجائز أن يكون هذا هو المراد بالأذى، وجائز أن يكون
الأول هو المراد، فلا قول أولى من قول الله عَزَّ وجَلَّ.
قال الحافظ ابن كثير: يحتمل أن يكون الكل مراداً، وأن يكون معه غيره، والله
أعلم.
وأورده الحافظ في ((الفتح)) ٤٣٨/٦، ونسبه لأحمد بن منيع، والطحاوي، وابن
مردويه، وحسن إسناده. لكنه قال في نهايته: وفي الإسناد ضعف، ولو ثبت لم يكن
فيه ما يمنع أن يكون في الفريقين معاً، لصدق أن كلاً منهما آذى موسى، فبرأه الله مما
قالوا.
- ٤٨٢ -

كتاب التفسير - سورة سبأ
٨٨٨- بابُ بيانِ مُشْكِل ما اختلف القراءُ فيه من قرآآته ﴿لَقَدْ
كَانَ لِسَبَأْ﴾ هل هُو مما يدخلُه الإعرابُ، فيكون كما قرأه من
قرأه: ﴿لقد كان لسياٍ في مسكنهم﴾ أو بخلاف ذلك من ترك
دخول الإعراب إيّاه، فيكون کما قرأه من قرأه: ﴿لقد كان
لسبأ في مَسكَنِهِمْ﴾ [سبأ: ١٥]
٦١٥٩- حَدَّثَنَا الربيعُ بنُ سليمانَ المراديُّ، قال: حَدَّثْنَا أسدُ بنُ
موسى، قال: حَدَّثْنَا عبدُ الله بنُ لَهيعة، قال: حَدَّثَنَا ابنُ هُبيرة، عن
علقمة بن وعلة السبائي، عن ابن عباسٍ، قال: سُئِلَ رسولُ الله ◌ِ﴿ عن
سبأ ما هو، فقال رسولُ اللهِل ◌َ﴿: «هو رَجُلٌ وَلَدَ عَشْرَ قَبَائِلَ، فسكن
اليمن سِتّةٌ، والشامَ أربعةٌ، فأمّا اليمانِيُّونَ، فَمَذْحِجُ وكِنْدَةُ، والأزْدُ
والأشعرون، وأنمار وحِمْيَرُ عَرَباً كلها، وأما الشاميُّون، فَلَخْمُ وجُذَامُ
وعامِلَةُ غَسَّانُ))(١).
٦١٦٠ - وحَدَّثْنَا محمدُ بنُ سليمان بن هشام الخزاز أبو جعفر،
قال: حَدَّثْنَا أبو أسامة حماد بنُ أسامة، عن الحسن بن الحكم النخعي،
قال: حَدَّثْنَا أبو سَفْرَةَ النخعي - هكذا في كتابي وهكذا حفظتها عن
محمد بن سليمان والناس يقولون: هو أبو سبرة النخعي-، عن فروةً بنِ
(١) رواه الطبراني (١٢٩٩٢) من طريق عمرو بن خالد الحراني، عن ابن لهيعة،
به. ورواه الحاكم ٤٢٣/٢ من طريق عبد الله بن يزيد المقرئ، حَدَّثْنَا عبد الله بن
عياش القتباني، عن عبد الله بن هيبرة، به.
-٤٨٣-

كتاب التفسير - سورة سبأ
مُسيك الغَطَفاني، -هكذا حدثناه، وأهلُ العلمِ بالنسب يقولون:
الغطيفي، وهم حيٌّ من مراد-، قال: أتيتُ رسولَ اللهِ﴿، فقلتُ: يا
رسولَ الله، ألا أقاتلُ من أدبرَ من قومي بمن أقْبَلَ منهم؟ قال (بلى)،
ثم بدا لي فقلتُ: يا رسولَ الله لا بل أهل سبأ، فهم أعزُّ وأشدُ قوةً،
فأمرني رسول الله:﴿ وإذِنَ لي في قتال سبّاً، ولما خرجتُ من عنده
أنزل الله عَزَّ وجَلَّ في سبأ ما أنزل، فقال رسولُ اللهِ ﴿ٌ: «ما فَعَلَ
الْغَطَفَائِيُّ؟) فأرسل إلى منزلي، فوجدني قد سِرْتُ فردَّني، فلما أتيتُ
رسولَ الله ﴿ وأصحابَه، قال: (ادْعُ القَوْمَ فَمَنْ أجَابَكَ منهم، فَاقْبَلْ،
ومن لم، فلا تَعْجَلْ عليه حتى تُحْدث إليّ)، قال رجلٌ من القوم: يا
رسول الله وما سبأ أأرضٌ هي أو امرأة؟ قال: ((ليست بأرضٍ، ولا
امرأة، ولكنه رَجُلٌ وَلَدَ عشرةً من العرب، فأما سِتّةٌ، فتيامنوا، وأما
أربعةٌ فتشاءموا، فأما الذين تشاءموا، فَلَخْمُ وخُذَامُ وغَسَّاهُ وعمِلَةُ،
وأما الذين تامنوا، فَأَزْدُ وكِنْدَةُ وحِمْيرُ والأشعريُّون وأنمار ومَذْحِجُ)،
فقال رجلٌ: يا رسول الله وما أنمار؟ قال: (هم الذين منهم خثعم) (١).
(١) رواه أبو داود (٣٩٨٨)، والترمذي (٣٢٢٢)، وابن جرير ٧٦/٢٢ -٧٧،
والطبراني ١٨/(٨٣٦) من طرق عن أبي أسامة، به. وبعضهم يرويه مختصراً. وقال
الترمذي: حسن غريب.
وله طرق أخرى عن فروة بن مسيك عند ابن جرير ٧٦/٢٢، والطبراني
١٨/(٨٣٤) و(٨٣٥) و(٨٣٨)، والحاكم ٤٢٤/٢.
قال ابن كثير في ((تفسيره)) ٤٩٤/٦: ومعنى قوله: ((ولد له عشرة من العرب)،
-٤٨٤-

كتاب التفسير - سورة سبأ
قال أبو جعفر: ولما تأملنا ذلك، وجدنا في حديث محمد بن
سليمان: ((لا بل أهل سبأ)، فعلمنا بذلك أن المراد بسبأ أرض فيها
المنتسبون إلى سبأ، ووجدنا ما هو فَوْقَ ذلك، وهو قولُ الله في كتابه في
حكايته عن الهُدْهد في قوله لسليمان ◌َ﴿: ﴿وَجْتُكَ مِنْ سَأ نبأِقِين إِنِي
وَجَدْتُ أمرَةً تَثْلِكُهُمْ﴾ [النمل: ٢٣]، فكان ذلك أيضاً قد وَكَّد أنهم
سكان ارض تُدعى سبأ واحتمل أن تكون سميت سبأ كما سميت
القبائل في البُلدن، فقيل: هَمْدَان للقبيلة التي نزلتها هَمْدَان، وقيل: مُراد
للقبيلة التي نزلتها مُراد، وقيل: حِمير للقبيلة التي نزلتها حِمير في أشباهِ
ذلك، فيحتمل أن يكونَ قيل: سبأ للقبيلة التي نزلها من يرجع بنسبه إلى
سبأ، فإن كمان الاسمُ للأرض وجب أن لا يُجرى(١)، وإن كان
لسكانها لأنهم يرجعون بأنسابهم إلى سبأ الرجل الذي ولدهم، فهم
قبيلة، فوجب أن يجرى، فعاد الاختيار إلى قراءة من قرأها: ﴿القَدْكانَ
السبأ﴾ لا إلى قراءة من قرأ: ﴿لقد كانَلسبا﴾، ثم نظرنا فيمن قرأها
بإجراء الإعرابِ فيها ومن قرأها بتركِ إجراء الإعراب فيها مَنْ هُمْ
أي: كان من نسله هؤلاء العشرة الذين يرجع إليهم أصولُ القبائل من عرب اليمن،
لا أنهم ولدوا من صلبه، بل منهم من بينه وبينه الأبوان والثلاثة والأقل والأكثر، كما
هو مبين في مواضعه من كتب النسب.
(١) أي: لا يصرف.
- ٤٨٥-

كتاب التفسير - سورة سبأ
فوجدنا أحمد بنَ أبي عمران قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثْنَا خلفُ بنُ
هشام، قال: قرأ الأعمش: ﴿مِنْ سَأْ﴾ بخفض سبأُ وتنوينه، وعاصمٌ
كمثل، وحمزةٌ كمثل، ونافعٌ كمثل، وابنُ مُحيصن كمثلٍ.
ووجدنا أحمد قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثْنَا خلفُ، قال: حَدَّثَنَا
الخفاف، عن سعيدٍ، عن قتادة: ﴿من سبأٍ﴾ كمثل، ويجعله رجلاً، قال:
وابنُ كثير يقرأ ﴿مِنِ سَبَأْ﴾ بنصْب، وأبو عمروٍ كمثلٍ(١).
ووجدنا أحمد قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثَنَا خلفٌ، قال: حَدَّثْنَا
الخفافُ، عن إسماعيل، عن الحسن كمثل، ويجعلها أرضاً.
ووجدنا أحمد قد حَدَّثْنَا قال: حَدَّثَنَا خلفُ، قال: حَدَّثَنَا الخفافُ،
يعني عن هارون، عن عبد الله بن أبي إسحاق لا يصرفه كمثلٍ.
ووجدنا ولاداً النحوي قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثْنَا المصادري، عن
أبي عُبَيْدَة: ﴿لَقَدْ كان لسبأْ يْ مَسَاكِهِمْ﴾(٢)، فمن نوَّنَ جعله أباً
للقبيلة، ومن لم ينوِّن جعلها أرضاً (٣).
(١) قال ابن الجوزي في ((زاد المسير)) ١٦٤/٦-١٦٥: قرأ ابن كثير وابن عمرو:
(سَبَأْ) نصباً غير مصروف، وقرأ الباقون خفضاً منوناً. وانظر ((حجة القراءات)
ص٥٢٥، و((السبعة)) لابن مجاهد ص ٤٨٠.
(٢) قال ابن الجوزي في ((زاد المسير)) ٤٤٢/٦-٤٤٣: قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو
عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: (في مساكنهم)، وقرأ حمزة وحفص، عن
عاصم: (مَسْكَّنِهِم) بفتح الكاف من غير ألف، وقرأ الكسائي وخلف: (مَسْكِنِهِمْ)
بكسر الكاف وهي لغة.
(٣) ((مجاز القرآن) ١٤٦/٢.
-٤٨٦-

کتاب التفسير - سورة سبأ
ووجدنا الفراء قد ذكر عن الرؤاسي أنه سأل أبا عمرو بن
العلاء: كيف لم تُحْرِ سبأ؟ قال: لست أدري ما هو، قال الفراء: وقد
ذهب مذهباً إذ لم يدر ما هو، وذكر أن العربَ إذا سمت بالاسم
المجهول تركوا إجراءه(١).
قال أبو جعفر: وقد ذهب عن أبي عمرو ما قد كان من النبيَّ مَّ
مما قد رواه عنه ابنُ عباس وفروةُ بنُ مسيك الغطفاني. فأما الاختيارُ
عندنا في القراءة في هذا، فهو قراءة أبي عمرو، ومن وافقه ممن ذكرنا
موافقته إيَّه عليه، لأنه وإن كان رجلاً، فقد عاد إلى أن صار قبيلة كما
قيل: ثمود، وهو رجل فلم يُجر، ورد إلى القبيلة، فمثلُ ذلك سبأ لما رُدَّ
إلى القبيلة كان مثل ذلك في انتفاء الجرِّ عنه، وكذلك كان أبو عبيد
يذهب إليه في ذلك كما ذكره لنا عبد العزيز عنه، والله نسأله التوفيق.
(١) ((معاني القرآن) ٢٨٩/٢-٢٩٠ للفراء.
-٤٨٧-

کتاب التفسير - سورة ص
٨٨٩- بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسول الله / في سورة
(ص) هل فيها سجدة أم لا؟
٦١٦١- حدَّثَنَا يونس، قال: أنبأنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني
عمرو بنُ الحارثِ، عن سعيدِ بنِ أبي هلال، عن عياض بنِ عبد الله بن
سعد عن أبي سعيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه، أن رسول الله :# سجد في
(ص)(١).
فتأملنا هذا الحديث، فوجدناه مختصراً من حديث فيه معنى لا
يُوجبُ ما اختصر هذا الحديث عليه
٦١٦٢ - وهو ما قد حدثنا يوسفُ بنُ یزید، قال: حدَّثَنَا حجاجُ
بنُ إبراهيم، قال: حدَّثَنَا عبدُ الله بن وهب، عن عمرو بنِ الحارث، عن
ابنِ أبي هلال، عن عياض بنِ عبد الله بن سعد بن أبي سعيدٍ الخدريِّ
رضي الله عنه أن قال: قرأ رسولُ الله لَ﴾ (ص) وهو على المنبر، فلما
بَلَغَ السَّحدةَ، نَزَلَ، فسجد وسجد الناسُ معه فلما كان يَوْمٌ آخَرُ قرأها،
فلما بلغ السجدةً تهيؤوا -أو كلمة نحوها- للسجود فقال رسولُ الله
﴿: ((إنما هي توبةُ نِيّ، ولكن رأيتُكم تهيأتم -أو تَشَزَّنْتُمْ، أو كلمة
نحوها - للسجود)) فنزل وسجدوا(٢).
(١) إسناده صحيح. ورواه في ((شرح معاني الآثار) ٣٦١/١ بإسناده ومتنه.
(٢) إسناده صحيح. ورواه أبو داود (١٤١٠)، والبيهقي ٣١٨/٢٠ من طريقين
عن ابن وهب، بهذا الإسناد.
-٤٨٨-

كتاب التفسير - سورة ص
فكان في هذا الحديثِ إخبارُ أبي سعيد أن رسولَ اللهِ﴿ٌ سَجَدَ
فيها عِنْدَ تلاوته إيَّها في البدء، ثم تلاها بعد ذلك، فتهيَّأَ الناسُ للسجود
فيها مع سجوده فيها، فأخبرهم أنها سجدةُ شُكْرٍ من ني عندَ توبة الله
عليه، أي: أنها ليست من عزائم السجود، وأنها إنما هي لمعنى كان إلى
ذلك النبي دونَهم، وعَقَلْنَا بذلك أنه إذا كان مِنَ الله عز وجل إلى
أحدهم ما هو مِن جنس ذلك، كان مباحاً له السجودُ عِنْدَهُ وفي ذلك
ما قد دَلَّ على إباحةِ السجود للشكرِ كما كان محمدُ بنُ الحسن
والشافعي يقولانه في ذلك. وفي ذلك ما قد دلَّ أنَّ مِن السجود ما هو
عزيمة لا بُدَّ من السجود، وأن منها ما هو ليس كذلك، فالتمسنا ذلك
هل نجده في شيء مما يُروى عن رسولِ الله ﴿ أو عن أحدٍ من أصحابه
رضوانُ الله عليهم.
٦١٦٣ - فوجدنا إبراهيمَ بن مرزوق قد حدَّثَنَا، قال: حدَّثَنَا
وهبُ بنُ جرير، قال: حدَّثَنَا شُعبة، عن عاصم بنِ بَهْدَلَةَ، عن زِرَ، عن
عليّ رضي الله عنه قال: إنَّ عزائمَ السُّجود (ألم تنزيل)، و(حم)
ورواه ابن خزيمة (١٧٩٥)، والحاكم ٢٨٤/١-٢٨٥ من طريقين عن الليث بن
سعد، عن خالد بن یزید، عن سعيد بن أبي هلال، به.
وقوله: ((أو تَشزنتم)) قال ابن الأثير: التشزن، التأهب والتهيؤ للشيء، والاستعداد
له، مأخوذ من عُرض الشيء وجانبه، كأن المتشزن يدع الطمأنينة في جلوسه، ويقعد
مستوفزاً في جانب.
-٤٨٩-

کتاب التفسير - سورة ص
و(النجم) و(اقرأ باسمٍ رَبِّك)(١).
٦١٦٤ - ووجدنا حسينَ بنَ نصرٍ قد حدَّثَنَا، قال: حدَّثْنَا أبو
نُعيم، قال: حدَّثَنَا سفيانُ، عن عاصم، ثم ذکر بإسناده مثلَه.
وهذا من على، فلم يَقُلْهُ استنباطاً، ولكنه قد قاله ما قد علمه بما
هو فَوْقَ الاستنباطِ، فدلَّ ذلك إذا كان من السجود عزائمُ أن معها
الوجوبَ، وأن ما كان منها لا عزيمةً معه فتاليه وسامِعُه بالخيارِ بَيْنَ
السجودِ فيه وبَيْنَ ترك ذلك.
وقد كان أبو حنيفة وأصحابُه رحمهم الله يذهبون إلى أن سجودَ
القُرآن الذي هو السجودُ عندَهم وهو أربعَ عشرةَ سجدةٌ، منها (ص)
واجبة، وكان مالكُ بنُ أنس فيما حكاه عنه عبدُ الرحمن بنُ القاسم
يقول في سجود القرآن: إنها عزائمُ، وأصحابهما لا يَعُدُّون في سورة
الحج إلا سجدة واحدة، وهي التي في أُوَّلها، وكان الشافعي فيما حكى
لنا الْمُزَنِيُّ عنه يذهب إلى أنها أربعَ عشرة سجدةً سوى (ص) ويجعل في
الحج سجدتين: سجدةً في أولها وسحدةً في آخرها.
وما قد رويناه مما قد دَلَّ عليه ما رواه أبو سعيدٍ رضي الله عنه
عن رسول الله ﴿ مما ذكرنا، ومما قد رويناه عن علي رضي الله عنه مما
(١) إسناده حسن. وهو في ((شرح معاني الآثار) ٣٥٥/١ من طريق شعبة
وسفيان، كلاهما عن عاصم، هذا الإسناد.
ورواه عبد الرزاق (٥٨٦٣) عن معمر والثوري، عن أبي إسحاق، عن الحارث،
عن علي، وذكره الثوري عن عاصم أيضاً، عن زِر حُبيش، عن علي.
-٤٩٠-

کتاب التفسير - سورة ص
قد شَدَّ ذلك أولى مما قالوه جميعاً، فتكون عزائمُ السجودِ التي ذكرها
علي هي التي لا بُدَّ مِن الإتيانِ بها وما سواها مِن سجودِ القُرآن بخلافٍ
ذلك، ويكون من سمعها، أو مَنْ تلاها له السجود فيها، وله تركُ ذلك،
وقد رُوي عن ابنِ عباس رضي الله عنهما أيضاً مما يدخل في هذا
الباب.
٦١٦٥- ما قد حدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حدَّثَنَا وَهبٌ،
عن شُعَبَة، عن عمرو بن مرة، عن مجاهدٍ، قالك سئل ابنُ عباس عن
السجدة في (ص) فقال: ﴿أُوْلِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّه فَيَهُذَهُمَ اقَدِهِ﴾ (١).
وما قد حدَّثَنَا عليُّ بنُ شيبةَ، قال: حدَّثَنَا يزيدُ بنُ هارونَ، قال:
أنبأنا العَوَّامُ بنُ حَوْشَبٍ، عن مجاهدٍ فذكر مثله، وزاد: فكان ممن أُمر
نبيكم# أن يَقْتَدِيَ به(٢).
٦١٦٦ - وما قد حدَّثَنَا يوسف بن يزيد، قال: حدَّثَنَا سعيد بن
منصور، قال: حدَّثَنَا هشيم، قال: حدَّثَنَا حصين والعوام، عن مجاهد،
(١) صحيح. ورواه البخاري (٤٨٠٦)، والبيهقي ٣١٩/٢ عن محمد بن بشار،
حدَّثَنَا محمدُ بن جعفر، عن شُعبة، به.
(٢) صحيح. ورواه البخاري (٣٤٢١) و(٤٨٠٧) من طريقين عن العوام بن
حوشب، به.
ورواه البخاري (٤٦٣٢) عن إبراهيم بن موسى، عن هشام، عن ابن جريج،
أخبرني سلیمانُ الأحول عن مجاهد، عن ابن عباس.
ورواه عبد الرزاق (٥٨٦٢) عن ابن جريج، به.
- ٤٩١-

کتاب التفسير - سورة ص
-
عن ابن عباس ثم ذكر مثلَه(١).
٦١٦٧- وما قد حدَّثَنَا إبراهيم بن مرزوق، قال: حدَّثَنَا وهب،
عن شعبة، عن العوام، عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه
سَحَدَ في (ص) وقال: ﴿أُو ◌ِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهَ فَهُدَهُمُ اقْتَدِهِ﴾.
فكان وجهُ ذلك عندنا -والله أعلم - أن يَقْتَدِيَ به في أن يَسْجُدَ
في مثلٍ ما كان من داود# السجود عندَه مِن الشكر، وفي ذلك ما قد
دَلَّ على موافقةِ ابنِ عباس علّاً رضي الله عنه فيما رويناه عنه من ذلك،
والله نسأله التوفيق.
وقد وري، عن عثمان رضي الله عنه أنه سجد فيها أيضاً.
٦١٦٨- كما حدَّثَنَا عُبَيْدُ بنُ رجالٍ، قال: حدَّثَنَا أبو مُصْعَبٍ
الزهري، قال: أخبرنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب عن السائبِ بنِ
يزيد أنه رأى عُثمانَ رضي الله عنه يسجد في (ص)(٢).
وكما حدَّثَنَا روحُ بنُ الفرجِ، قال: حدَّثَنَا أبو مروان العُثمانيُّ،
حدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، ثم ذكر بإسناده مثلَه.
قال أبو جعفر: وكان ذلك عندنا محتملاً أن يكونَ قصد به إلى
الشكرِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ فيما كان منه إلى نبِّهِ داود ﴿ٌ مِن توبته عليه،
(١) إسناده صحيح. ورواه ابنُ أبي شيبة ٩/٢ عن هُشيم، به.
(٢) ورواه عبد الرزاق (٥٨٦٤) عن معمر، عن الزهري، بهذا الإسناد.
ورواه البيهقي ٣١٩/٢ من طريق ابن لهيعة، عن الأعرج، عن السائب بن يزيد ..
-٤٩٢-

کتاب التفسير - سورة ص
ويكون حكمها عنده أن لا سجودَ فيها إلا لِمَنْ قصد إلى السجود فيها
لهذا المعنى، ويكون حكمها خلافَ حكم سائر سجود القرآن، ويحتمل
أن يكونَ سَجَدَهَا كما يسجد عند تلاوته سجودَ القرآن سواها لا لِهذا
المعنى الذي بدأنا بذكره من هذين الاحتمالين. وقد وجدنا عن عبد الله
بن عمر رضي الله عنهما فيها
٦١٦٩- ما قد حدَّثَنَا فهدٌ، قال: حدَّثَنَا مُعَلَّى بنُ أسد، قال:
حدَّثَنَا عبدُ الواحد بن زياد، قال: حدَّثْنَا خُصيف، عن سعيد بنِ جُبيرٍ،
قال: قال لي ابنُ عمر رضي الله عنهما: أَتَسْجُدُ في (ص)؟ قلتُ: لا،
قال: فَاسْجُدْ فيها، فإن الله عز وجل يقول: ﴿أُوِلْكَ الَّذِينَ هَدَى الله
فَهُدَهُمُ اقْتَدِهِ﴾ (١).
وكان هذا مما قد يحتمل أن يكونَ أراد به الاقتداءَ بدواد 20/ *.
والسجودَ فيها لما سَجَدَها داودُ ﴿ لمثله، لا لأنها تُسْحَدُ لِتلاوة خاصة،
كما يُسحد غيرها من سجودِ القرآن وبالله التوفيق.
وقد رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها من سجود القرآن
٦١٧٠- كما حدَّثَنَا يوسفُ بنُ يزيد، قال: حدَّثَنَا سعيد، قال:
حدَّثَنَا هُشيم، قال: حدَّثَنَا خالدٌ، عن أبي العُريان الْمُحَاشِعِي، عن ابنِ
عباس رضي الله عنهما وذكر سجودَ القرآن فذكر منها (ص)(٢).
(١) إسناده ضعيف، خصيف بن عبد الرحمن الجندي: صدوق سيئ الحفظ خلط
بآخره.
(٢) سعيد -وهو ابن هشام الفيومي المصري- فقد ضعَّفه الدارقطني.
-٤٩٣-

کتاب التفسير - سورة ص
قال أبو جعفر: ففي هذا ما قد دَلَّ أن ابنَ عباس جعلها كغيرها
مِن سجود القرآن، وأنها تُسجد لِتلاوةٍ لا لما سواها، كما يَسْجُدُ
غيرها، ثم وجدنا، عن ابن عباس أيضاً ما يدل أنها ليست مِن عزائمٍ
القُرآن.
٦١٧١- كما حدَّثَنَا إسماعيلُ بنُ إسحاق الكوفي، قال: حدَّثَنَا
أبو نعيمٍ، قال: حدَّثَنَا عبدُ السَّلامِ بن حرب، عن أيوب، عن عكرمة
عن ابنِ عباس رضي الله عنهما، قال: ليس (ص) من عزائم سجود
القرآن، وقد رأيتُ رسولَ اللهِوَ ﴿ صلى بها، فسجد فيها(١).
فدلَّ ذلك أن السجودَ به فيها عنده بخلاف السجودِ فيما سواها
من سجود القرآن.
(١) إسناده صحيح. ورواه البخاري (١٠٦٩) من طريقين عن حماد بن زيد، عن
أيوب، به. ورواه الترمذي (٥٧٧) من طريق سفيان، عن أيوب، به.
وصححه ابن خزيمة (٥٥٠) من طرق عن أيوب، به.
-٤٩٤-

کتاب التفسير - الزمر ٣١
٨٩٠- بابُ بيانٍ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله عليه السَّلامُ في
المراد بقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُم یَوْمَ القِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُم
تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١]
٦١٧٢ - حَدَّثْنَا يونُس، أخبرني أنسُ بنُ عِياضِ اللَّيْئي، عن محمدٍ
بنِ عمروٍ بِنِ عَلْقَمَةَ، عن يحيى بنِ عبدِ الرحمن بنِ حاطبٍ، عن عبدِ اللهِ
بنِ الزُّبير، عن الزُّبير، قال: لما نَزَّلَتْ هذه الآيَّهُ فَأَنَّكَ مَّتْ وَّهُم ◌َِّنُونَ﴾
إلى قوله ﴿ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣٠-٣١]، قال الزبير: يا رسول الله،
أَيُكَرَّرُ علينا ما كانَ في الدُّنيا مع خواصِّ الذُّنوبِ، قال: (فَعَمْ حَنِّى
يُؤَدَّى إلى كُلِّ ذِي حِقِّ حَقّهُ(١).
٦١٧٣ - حَدَّثْنَا أبو أُمَيَّة، حَدَّثْنَا منصورُ بنُّ سَلَمَةَ الخزاعي،
حَدَّثْنَا يعقوبُ القُمِّي، عن جعفر بنِ أبي الُغيرة، عن سعيدِ بنِ حُبَيْر،
عن ابن عُمَرَ، قال: نَزَلَتْ هذه الآيَةُ، وما نَعْلَمُ في أي شيءٍ نَزَلَتْ ﴿ثُمَّ
إنَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ عِندَ رِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾. قال قائِلُ: مَنْ نُخَاصِمُ،
وليسَ بيننا وبينَ أهلِ الكتاب خصومة فمن نُخاصِمُ، حتى وقعتٍ
الفتنةُ، فقال ابنُ عمر: هذا ما وَعَدَنا رَبُّنَا نَخْتَصِمُ فيه(٢).
(١) رواه الترمذي (٣٢٣٦)، وأحمد ١٦٧/١، والحاكم ٤٣٥/٢ من طريق محمد
بن عمرو، به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وأورده الهيثمي في ((المجمع))
١٠٠/٧، ونسبه للطبراني، وقال: رجاله ثقات.
(٢) رواه النسائي في التفسير من («الكبرى)) (٤٦٧) وابن جرير ٢/٢٤، وابن أبي
-٤٩٥-

كتاب التفسير - الزمر ٣١
قال أبو جعفر: فتوهَّم متوهِّمُ أنَّ ما في هذين الحديثين قد أوجب
تضادّاً، لما روي عن رسول الله :﴿ في السَّبَبِ الذي كان فيه نزولُ هذه
الآية، فتأمَّلْنا ذلك، فوجدناه بحمد الله ونعمته خالياً مِن ذلك، لأن
حديثَ ابنِ عُمَرَ منهما إنما فيه ما كان مِنْ قَوْلِهِمْ عند نزول الآية، وما
تبين به عندَ حُدُوثِ الفتنة أنه المرادُ فيها، وكان ذلك تأويلاً منه لا
حكايةُ منه إياه سماعاً من رسولِ الله عليه السَّلامُ، وكان ما في حديث
الزبير جواباً مِنْ رسول الله : ﴿ إياه لما سأله عما ذكر مِن سؤاله رسولَ
الله ﴿ عما يسألُهُ إِيَّه عنه في حديثه، وجوابُ رسول الله عليه السَّلامُ
عنه مما أجابه به، ولم يُضاده غيرُه مما في حديثِ ابنِ عمر ولا مما سواه
فيما علمناه، والله نسألُه التوفيقَ.
حاتم كما في تفسير ابن كثير ٨٩/٧ من طريقين عن يعقوب القمي به.
وأورده الهيثمي في («المجمع)) ١٠٠/٧، ونسبه إلى الطبراني، وقال: رجاله ثقات.
-٤٩٦-

كتاب التفسير - سورة فصلت -
٨٩١- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله عليه السَّلامُ
في السَّبب الذي فيه نزلت ﴿ومَا كُنْتُم تَستَتِرُونَ أن يَشْهَدَ
عَلَيْكُمْ سَمْعُكم) إلى قوله: ﴿فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾
[فصلت: ٢٢]
٦١٧٤- حَدَّثَنَا عليُّ بن شيبةٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْد الله بنُ موسى،
حَدَّثْنَا سفيانُ الثوري [ح]، وحد يزيد بن سنان، ح محمد بن كثير
العبدي، أخبرنا سفيان الثوري [ح]، وحَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ أبي داود،
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثْنَا يحيى بنُ سعيد، عن الثوريّ، عن الأعمشِ، عن
عُمارَةَ بنِ عَمير، عن وَهْبِ بنِ ربيعة، عن عبدِ الله قال: إني لَمُسْتَتِرٌ
بأستار الكعبة إذ جاء ثلاثة نفر: ثقفي، وخَتَنَاهُ قُرَشِيَّانِ كَفِيرُ شَحْمُ
بُطُونِهِم، قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، فتحدَّثُوا بِينَهم بِحَديثٍ، فقال أحدهم:
أَتَرَى اللهَ يَسْمَعُ ما قُلْنَاه؟، قال: أحدُهم: أراهُ يَسْمَعُ إذا رَفَعْنا، ولا
يَسْمَعُ إذا خَفَضْنا، وقال الآخرُ: إن كان يَسْمَعُ منه شيئاً إنه يَسْمَعُهُ
كُلّه، فذكرتُ ذلك لِرسول الله عليه السَّلامُ، فأنزل الله ﴿ومَا كْتُمْ
تَشْسِرُ ونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ﴾ حتى بلغ ﴿الُغْتََّ﴾(١).
(١) إسناده صحيح، ورواه أحمد ٤٠٨/١ و٤٤٢، والترمذي (٣٢٤٩) من
طريقين عنه سفيان، به.
ورواه مسلم (٢٧٧٥)، وأحمد ٤٤٣/١ -٤٤٤ من طريقين عن يحيى بن سعيد،
به. ورواه البخاري (٤٨١٧) و(٧٥٢١)، ومسلم (٢٧٧٥)، والترمذي (٣٢٤٨)
من طريق سفيان بن عيينة، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن ابن مسعود،
به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
-٤٩٧-

كتاب التفسير - سورة فصلت
٦١٧٥ - وحَدَّثْنَا ابنُ أبي داود، حَدَّثْنَا مُسَدَّدٌ، قال يحيى: قال
سفيان: وحَدَّثَنَا منصورٌ، عن مُجاهدٍ، عن أبي مَعْمَرِ عبدِ الله بن
سَخْبَرَةَ الأَزْدِيِّ، عن عبد الله نحوه.
حَدَّثَنَا محمدُ بنُ علي بنِ داود، حَدَّثَنَا محمدُ بن ابي سَمِينَةِ
البغدادي، قال: قال قبيصةُ بنُ عُقْبَةَ: قال لي قُطْبَةُ بنُ عبد العزيز: كنتُ
أنا وسفيانُ نتذاكرُ حديثَ الأعمش، فذكرتُ حديثَ عبدِ الله: كنت
متعلّقاً بأستار الكعبة، فقلتُ: عن عُمارة، عن عبد الرحمن بنِ يزيد، عن
عبدِ الله، فقال لي سفيان: عُمارة، عن وهب بن ربيعة عن عبدِ الله،
فَقُمْتُ مِن فوري إلى الأعمشِ، فقلتُ: يا أبا محمد عِنْدَكَ حديثُ عبدٍ
الله: كُنتُ متعلقاً بأستار الكعبة؟ فقال: عُمارة، عن عبدِ الرحمن بنِ
يزيد، فقلتُ: إن سفيانَ يقولُ: عُمارة، عن وهبِ بنِ ربيعةَ، فقال لي:
أمهل، فحَعَلَ يُهَمْهِمُ كما يُهَمْهِمُ كما يُهَمْهِمُ البعيرُ، ثم قال: أصاب
سُنیان.
قال أبو جعفر: فتأملنا هذه الآيات المذكورات في هذا الحديثِ،
فوجدنا قائلاً مِن الناس قد قال: إنْ قيل: هذه الآيات مِن السُّورَةِ اللاتي
ورواه البخاري (٤٨١٦) من طريق روح بن القاسم، عن منصور، بالإسناد
السابق.
ورواه الترمذي (٣٢٤٩)، وأحمد ٣٨١/١ و٤٢٦ من طريق أبي معاوية، عن
الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن عبد الرحمان بن يزيد قال: قال عبد الله :...
فذكره.
-٤٩٨-

کتاب التفسير - سورة فصلت
هُنَّ فيها ما يَدُلُّ على استحالة ما في هذا الحديثِ، إذ نزولُهن كان مِن
أجله، وهو قولُه تعالى: ﴿وِوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللهِلَى النَّاسِ فَهِمْ يُخْرَعُونَ حَتَّى إذا
ما جَاءُهَا شَهِدَ عَلَيْهِمِ سَمْعُهم﴾ الآية [فصلت: ١٩-٢٠].
فكان ذلك على شيءٍ يكونُ في القيامة، ثم أتبع ذلك بقوله:
﴿وَقَالُوا لِجُلُودِ هِمْ﴾ إلى قوله ﴿وَلَيْهِ تُرِجَعُونَ﴾ [فصلت: ٢١] فكان ذلك
على قولٍ يكونُ منهم حينئذٍ خطاباً لجلودهم عند شهادتهم عليهم بما
شَهِدَتْ به عليهم حينئذٍ، وذلك كله كائنٌ يومَ القيامة، ليسَ مما كان في
الدنيا، ثم قال تعالى مُؤَبِّخاً لهم: ﴿وَمَا كُتُمْ تَتِرُونَ﴾ إلى قوله ﴿فَإِنَّ
يَصِرُوا فَّارٌَُوحَ لَهُمْ وَإِن يَسْتَعْتُوا فَمَاهُمْ مِنَ الْمُغَنَينَ﴾ [فصلت: ٢٤] أي:
حينئذٍ. وفي ذلك ما ينفي أن يكونَ ما في حديثِ ابنِ مسعودٍ الذي
رؤيته على ما فيه، لأنَّ الذي فيه إنزالُ اللهِ إياه على نبيِّه، لما كان من
أولئك الجهال في الدنيا.
فكان جوابُنا له في ذلك - بتوفيق الله- أنه قد يحتمِلُ أن يكونَ
الله تعالى أنزل على رسوله في الخبر الذي ذكر له ابنُ مسعود ما ذكره
له عن أولئك الجُمَّال توبيخاً لهم، وإعلاماً مِن الله إيّاهم بذلك ما
أعلمهم به فيه، ثم أنزلَ الله عليه بعدَ ذلك ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَغْداءُ اللهِإِلى
النَّارِ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، فجعلِ﴿ ذلك في المكان الذي
جعله فيه مما هو شَكْلٌ لذلك وَوَصَلَهُ به، إذ كان ذلك كُلُّه مما يُخاطب
به أهلُ النار يومَ القيامة، ومما يُقوي هذا الاحتمالَ الذي قد ذكرنا ما
قد:
-٤٩٩-

کتاب التفسير - سورة فصلت
حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ سِنان، حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ حُمْرانَ الحُمراني،
حَدَّثَنَا عَوْفٌ الأعرابيُّ، عن يزيدَ الفارسيِّ، عن ابنِ عباس قال: قلتُ
لعثمانَ: ما حَمَلَكُم على أن عَمَدْتُم إلى ((الأنفال) وهي مِن المثاني، وإلى
((براءة) وهي من المِئِين فَقَرَنْتُم بينهما، ولم تكتبوا بينهما سَطْراً (بسم
الله الرحمن الرحيم))، ووضعتموهما في السَّبْعِ الطّوَل، فما حملكم على
ذلك؟ قال: فقال عثمانُ: كان رسولُ اللهِ ﴾ يأتي عليه الزمانُ، وهو
يَنْزِلُ عليه مِن السُّور ذوات العدد، فكان إذا نَزَلَ عليه الشيُ دَخَلَ بَعْضُ
من يكتب له، فيقول: «ضَعُوا هذا في السُّورَة التي يُذكر فيها كذا
وكذا))، وإذا نزلت عليه الآياتُ يقول: ((ضَعُوا هذه الآيات في السُّورة
التي يُذكر فيها كذا وكذا))، وكانت (الأنفالُ) مِن أول ما نَزَلَ
بالمدينة، وكانت ((براءة)) من أخرِ القُرآن، وكانت قصتُها شبيةُ بقصتها،
فظننتُ أنها منها، وتُوفي رسولُ الله ◌َ﴿ ولم يُبَيِّنْ لنا أنها منها، من أجلِ
ذلك قُرَنْتُ بينهما، ولم أَكْتُبْ بينهما سطرإ ((بسم الله الرحمن
الرحيم))، ووضعتهما في السَّبْعِ الطَوَل(١).
فأخبر عثمانُ أنَّهم كانوا يُؤْمَرُونَ أن يجعلوا بعض الآي المنزل
عليهم في سُورةٍ متكاملة قَبْلَ ذلك، وكان في قولِه - رضي الله عنه-
وكانت قصتُها شبيهةً بقصتها ما قد دَلَّ على أنهم إنما كانوا يُؤْمرون
أن يجعلُوا ما تأخّر نزولُه من الآي عندَ الذي يُشبهه مما قد تقدَّم نزولُه
منها، وفيما ذكرنا ما قد دَلَّ على احتمال ما وصفنا مما أحلنا به التأويلَ
الذي ذكرنا عنه ما ذكرنا، والله نسألُه التوفيقَ.
(١) إسناده ضعيف من أجل يزيد الفارسي قال عنه الحافظ ((مقبول)). ولم يتابع
عليه، فهو أقرب إلى النكارة. وقد تقدم برقم (٦٠٣٣).
٥٠-
- ٠.