النص المفهرس

صفحات 461-480

كتاب التفسير - الروم ١-٤
وقالوا: البِضعُ من العدد: ما بين الثلاثِ إلى العشرة، قالوا: جميعاً إنَّ
التأنيث والتذكير يدخلان في البضع، فأما في التأنيث، فمنه قوله عَزَّ
وجَلَّ: ﴿سَيَغْلُون فيْ بِصْعِ سَِ﴾، وقوله عَزَّ وحَلَّ: ﴿فَلِثَ في السّْنِ بِضْعَ
سِنِينَ﴾ [يوسف: ٤٢]، وأما في التذكير، فمنه قولُهم: بضعة أيام وبضعة
دراهم.
فعقلنا بذلك أن البضع له عدد يختلِفُ في التذكير والتأنيث جميعاً
على ما ذكرنا، ولا يكون ذلك من العدد في أقلَّ من ثلاثة، وإذا وجب
أن يكون ذلك كذلك عقلنا به أن أقل البضع ثلاثة لا أقل منها إلى
تسعة لا أكثر منها. والله عَزَّ وجَلَّ نسألُه التوفيقَ.
-٤٦١-

کتاب التفسیر - الروم ٥٤
٨٨٣- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِي عن رسول الله# في الاختيار
مما قُرئ عليه قولُ الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿اللهُ الذي خَلَقَكُمْ مِنْ
ضَعْفٍ﴾، أو ﴿من ضُعْفٍ﴾ على ما قرئ عليه هذين الحرفين
٦١٣٥- حَدَّثْنَا بِكَّارُ بنُ قتيبةَ، قال: حَدَّثْنَا أبو أحمد محمدُ بنُ
عبدِ الله بنِ الزبير الأسدي الكوفي، وحَدَّثْنَا سليمانُ بنُ شعيبٍ
الكيسانيُّ، قال: حَدَّثْنَا خالدُ بنُ عبد الرحمن الخراساني، قالا: حَدَّثَنَا
الفضيلُ بنُ مرزوقٍ، عن عطية العَوْفِيّ، قال: قرأتُ على عبدِ الله بن
عمر: ﴿اللّه ◌َلَّذِي خَلَقَّكُمْ مِنْ صَغْفِ، ثُمَّ جَعَلَ مَنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةٌ، ثُمَّ جَعَلَ
مِنْ بَعْدِ قَوَّةَ ضَعْفاً﴾ [الروم: ٥٤]، فردَّ عليَّ: ﴿اللّ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ
ضُعْفٍ، ثُمَّ ◌َعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قَوَّ، ثُمَّ جَعَلَ مِنْبَعْدِ قُوَةٍ ضَغْفًا﴾، ثم قال لي:
قرأتُ على رسولِ اللهِ:﴿ كما قرأتَ عليَّ، فرَدَّ عليَّ كما رَدَدْتُ
عليكَ(١).
قال أبو جعفر: وهذا حديثٌ لا نعلم رُوِيَ عن رسولِ الله ◌ِ﴾1 في
هذا البابِ غيره، وفيه ردُّه على عبد الله بن عمر: ((ضُعفاً) مكان قراءته
((ضَعْفاً)، وإن كان القراء قد اختلفوا في ذلك، فقراءةُ بعضهم على
(ضُعف))، وقراء بعضهم على ((ضَعفٍ))، فالذي عندنا أن الأولى في ذلك
(١) عطية العوفي: ضعيف كثير الخطأ.
ورواه أحمد ٥٨/٢، وأبو داود (٣٩٧٨)، والترمذي (٢٩٣٦)، والحاكم ٢٤٧/٢
من طرق عن فضيل بن مرزوق، به.
-٤٦٢-

کتاب التفسیر - الروم ٥٤
ما قد رُوِيَ عن رسول الله ﴿ فيه وإن كان واسعاً للنَّاس أن يقرءوا
القراءةَ الأخرى، لأن محالاً عندنا أن يكونوا قرؤوها إلا من حيث جاز
لهم أن يقرؤوها، ولأنّه قد قرأ كثيرٌ منهم هذا الحرفَ على ما قرأه عليه
من قرأها (ضَعفاً)).
وقد يحتمل أن يكونَ اختلافُ كان في ذلك جاء من الوجه الذي
ذكرناه فيما تَقَدَّمَ مِنَّا من هذه الأبوابِ مما كان رسولُ الله ◌ُ يقرؤه
على الناس، فيأخذونه عنه كما يقرؤه عليهم، ثم يَعْرِضُ القرآنَ على
جبريل صلى الله عليهما، فيبدل مِن ذلك ما يُبَدِّلُ، فيكون أحدُ هذين
المعنيين قد لحقه التبديلُ، ويكون المعنى الآخر هو الذي جعل مكان
المعنى الأول، وإن لم يرووه نصاً عن رسولِ الله لم﴿، فاتَّسَعَ بذلك عندنا
القراءةُ بِكُلِّ واحدٍ من الحرفين.
غير أن ما فصل من هذين المعنيين المعنى الآخر منهما بحكاية من
حكاه عن رسول الله :﴿ مِن رَدِّه إيّاه على من قرأ عليه الحرف الآخرَ
من ذينك الحرفين بالاختيارِ أولى. وبالله عَزَّ وجَلَّ نسأله التوفيق.
وقد اختلف أهلُ القِراءةِ في هذا الحرف، فقرأه بعضُهم بالضم،
وممن قرأه منهم كذلك: أبو جعفر، وشيبة، ونافع، وعبدُ الله بنُ أبي
إسحاق، وأبو عمرو، والكسائي.
وقرأه بعضهم بالفتح، وممن قرأه منهم كذلك: يحيى بنُ وثاب،
وعاصم، والأعمش، وكذلك أجازه لنا عليٍّ بنُ عبد العزيز، عن أبي
عُبيد، وذكر لنا عن أبي عبيد اختياره للقراءة الأولى ﴿من ضُّعْف﴾ اتباعاً
للنبي # مع من اتبعه عليها، وبالله التوفيق.
- ٤٦٣-

كتاب التفسير - الأحزاب ٤
٨٨٤- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن ابن عباس مما نُحيط علماً
أنه لم يأخذه إلا عن رسولِ الله ﴾ من المراد بقول الله عَزَّ
وجَلَّ: ﴿مَا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ من قَلْبَينِ فِي جَوْفِهِ﴾
[الأحزاب: ٤]
٦١٣٦- حَدَّثْنَا يحيى بنُ عثمان بن صالح، وروحُ بنُ الفرج
القطان جميعاً، قالا: حَدَّثَنَا عمرو بن خالد، قال: حَدَّثَنَا زهيرُ بنُ
معاوية، قال: حَدَّثْنَا قابوسُ بنُ أبي ظبيان، أن أباه حدثه، قال: قلنا
لابنِ عباس: أرأيتَ قولَ الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿ مَا جَعَلَ اللَّهِلَِحُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في
جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: ٤] ما عنى بذلك؟ قال: كان نيُّ اللهَ﴿ يوماً
يُصَلِّي فخطر خطرةٌ، فقال المنافقون الذين يُصلُّون معه: ألا ترون أن له
قلبين قلباً معكم وقلباً معهم؟ فأنزل الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهِرَحُل من
فَلْنِ فِيْ جَوْفِهِ﴾(١).
فكان في هذا الحديث أنَّ إنزالَ الله عَزَّ وَلَّ هذه الآية على نبيه
◌َ﴿ رَدٌّ على المنافقين ما كانوا قالوه مما ذكر مِن قولهم في هذا الحديث،
ونفى الله عَزَّ وجَلَّ ذلك عنه وعن غيره من خلقه أن يكونوا كذلك.
وقد رُوِيَ عن مجاهدٍ، وعن عبد الله بن بريدة، وعن الحسن في تأويلها
(١) قابوس بن أبي ظبيان ليس بالقوي، يكتب حديثه ولا يحتج به.
ورواه أحمد ٢٦٧/١-٢٦٨، والترمذي (٣١٩٩)، والطبري ١١٨/٢١ من طرق
عن زهير بن معاوية، به، وقال الترمذي: وهذا حديث حسن.
-٤٦٤-

كتاب التفسير - الأحزاب ٤
خلافُ هذا التأويل.
٦١٣٧- كما حَدَّثْنَا ابنُ أبي مريم، قال: حَدَّثْنَا الغِريابِيُّ، قال:
حَدَّثَنَا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد: ﴿مَا جَعَلَ اللهُلِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ
في جَوْفِهِ﴾ قال: قال رجلٌ من بني فِهْر: إنَّ في جوفي قلبين أعْقِلُ بِكُلٌ
واحدٍ منهما أفضلَ من عقل محمد﴿ٍ، وَكَذَبَ.
٦١٣٨ - وكما حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ داود، قال: حَدَّثْنَا هُدبة بنُ
خالدٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو هلالِ، عن عبد الله بنِ بُريدة، قال: كان في
الجاهلية رجلٌ يقال له: ذو قلبين، فأنزل الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهِلِرَجُل
مِن قَلَيْنَ فيَ جَوْفِهِ﴾.
٦١٣٩ - وكما حَدَّثْنَا أحمد بنُ داود، قال: حَدَّثْنَا موسى بنُ
إسماعيل، قال: حَدَّثْنَا مباركٌ، عن الحسن، قال: كان الرجلُ يقول:
أمَرَتْنِي نفسي بكذا، وأمرتني نفسي بكذا، فأنزل الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿مَا جَعَلَ
اللَِّعُلٍ مِن قَلْينٍ في جَوْفِ﴾.
قال أبو جعفر: والتأويل الأوَّلُ أولى التأويلات بها لا سيما وقد
دَخَلَ في المسند بردِّ رواته إيَّه إلى ابنِ عباس. والله نسأله التوفيق.
-٤٦٥-

کتاب التفسیر - الأحزاب
٨٨٥- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ في المراد بقول الله عَزَّ وجَلَّ
لأُمَّهات المؤمنين: ﴿ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِليَّةِ الأُولَى﴾
٦١٤٠- حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ سنان، حَدَّثْنَا سعيدُ بنُ أبي مريم.
وحَدَّثْنَا يحيى بنُ عثمان، حَدَّثْنَا نُعيم بنُ حمّاد، قالا: حَدَّثْنَا عبدُ العزيز
بنُ محمد، واللفظ ليحيى بن عثمان، عن ثورٍ، عن عِكرمة، عن ابنٍ
عَبَّاسٍ أَنَّ عمر بنَ الخطاب رَضِيَ اللهُ عنه سأله، فقال: أرأيتَ قولَ اللهِ
تعالى: ﴿وَلاَ تَبَرَّجْنَ نَبَيُّجَالجَاهِلِيَّةِ الْأوْلى﴾ [الأحزاب: ٣٣] هل كانت
جاهليةٌ غيرُ واحدةٍ؟ فقال له ابنُ عباس: ما سمعت أُولَى إلا ولها آخرة،
فقال عُمَرُ: هاتٍ من كتاب الله تعالى ما يُصَدِّقُ ذلك، فقال ابنُ عباس:
إِنَّ اللهَ جَلَّ اسُه يقول: ((وجَاهِدُوا في اللّهِحَقَّ جَهَادِهِ [الحج: ٧٨] كما
جَاهَدْتُمْ أَوَلَ مَرََّ»، فقال عُمَرُ: مَن أمرنا اللهُ أن نُجَاهِدَه؟ فقال ابنُ
عباس: مخزومٌ وعبدُ شمس.
فتأملنا هذا الحديثَ وقولَ ابنِ عباس فيه لِعُمَرَ: ما سمعت بأولى إلا
ولها آخرة، وتلاوةُ ابنِ عباس عليه بَعْدَ ذلك ما ذَكَرَ له أنّه مِن كتابٍ
الله مما لم يُنْكِرْ عُمَرُ أن يكونَ كذلك، وإن كنا لا نجدُهُ في كتاب الله.
فوجدنا قد رُوِيَ فيه أنه قد كانَ مِن كتابِ الله، ثم أُسْقِطَ منه فيما
أُسْقِطَ مِنه.
٦١٤١- كما حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ سِنان، أخبرنا ابنُ أبي مريم، أخبرنا
نافعٌ - يعن ابن عمر - قال: حدثني ابنُ بي مُلَيْكَة، عن المِسْوَرِ بنِ
مَخْرَمَةَ، قال: قال عُمَرُ بنُ الخطاب لِعبد الرحمن بن عوف رضي الله
-٤٦٦-

كتاب التفسير - الأحزاب
عنهما: ألم نَجدْ فيما أَنْزَلَ اللهُ علينا أن: جَاهِدُوا كما جَاهَدْتُم أوَّلَ
مَرَّةٍ؟ فإنّا لا نَجِدُها، فقال: أُسْقِطَتْ فيما أُسْقِطْ مِن القُرآن، فقال
عُمَرُ: أتشخى أن يَرْجِعَ الناسُ كُفَّارً؟ فقال: ما شاء الله. قال: إن
يرجع الناسُ كفاراً، لَتَكُونَنَّ أُمَرَاؤُهُم بني فلان، ووزراؤُهم بني فلان.
٦١٤٢- وكما حَدَّثَنَا يوسفُ بنُ يزيد، حَدَّثْنَا يعقوبُ بنُ
إسحاق بن أبي عبَّادٍ، قال: حَدَّثَنَا نافعٌ - يعني ابنَ عمر - عن ابنٍ أبي
مُلَيْكَةً، عن المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ، ثم ذكر مثلَه.
٦١٤٣- وكما حَدَّثْنَا يزيدُ، قال: حَدَّثْنَا ابنُ أبي مريم، أخبرنا
الليثُ بنُ سعد، حدَّثْني يحيى بنُ سعيد، قال: أخبرني رَجُلٌ مِن قُريش
مَرْضِيٌّ، عن ابن أبي مليكة، عن المِسْوَرِ بنِ مخرمة، عن عبد الرحمن بنِ
عوف بآخر الحديث، قال: قال عُمَرُ: إذا كان ذلك لا يكونُ إلا بنو
أمية، وبنو مَخْزُومٍ من الأمرِ بسبيل.
٦١٤٤- وكما حَدَّثَنَا يوسفُ، حَدَّثَنَا يعقوبُ بنُ أبي عباد،
حَدَّثْنَا سفيانُ، عن عمرو، عن ابن أبي مليكة، عن المِسْوَرِ بِنٍ مَخْرَمَة،
قال: قال عُمَرُ لِعبد الرحمن، ثم ذكر مثلَ حديثه عن يعقوب بن
إسحاق، عن نافع، عن ابنِ أبي مُلَيكة إلا أنّه قال: لَيَكُونَنَّ أُمراؤُهُم بني
أُمَيَّةَ، ووزراؤُهم بني المغيرة.
فَعَقَلْنا بذلك أنَّ الذي تُلِيَ في هذه الآثار على أنه مِنْ كِتَابِ اللهِ
عَزَّ وجَلَّ، قد كان مِن كِتاب الله كما قد تُلِيَ فيه، غير أن عُمَرَ وابنَ
عباس لم يكونا عَلِمَا أَنَّه أُسْقِطَ منه حتى أعلمهما ذلك عبدُ الرحمن بنُ
عوف، وكان سقوطُهُ مِن كتاب الله لا يَمْنَعُ أن يكونَ مِن فصيحِ
-٤٦٧-

كتاب التفسير - الأحزاب
الكلامِ الذي هو النهايةُ في الحُجة في اللغة.
ووقفنا بذلك على أنه قد يَكُونُ أوَّلٌ لما لا يكونُ له أخِر.
ومثلُ ذلك ما قد قاله أهلُ العِلْمِ في مثلِه في رجلٍ قال: أوَّلُ عبدٍ
أمشلكُه، فهو حُرِّ، فملك عبداً: أنه عَتِقَ عليه، وإن لم يَمْلِكْ بعدَه غيره
حتى يموتَ، وخلافهم بينَ ذلك وبَيْنَ الآخر حيث لم يجعلوا آخراً إلا لما
قد كان له أوَّلٌ.
ومِن ذلك ما قد قالوه في رجلٍ قال: آخرُ عبدٍ أملِكُه، فهو حُرٍّ،
فملك عبداً، ثم لم يَمْلِكْ عبداً سواه حتَّى مات، أنه لا يُعتق، وأَنَّه لا
يكونُ آخراً إذا كان قد كان أوَّلاً، فهذا أحسنُ ما حضرنا في تأويلِ ما
في هذا الحديث.
وقد رُوِيّ عن بعض المتقدمين مِن الصحابة ومِن غيرهم في تأويل
ذلك المعنى غير هذا التأويل.
كما قد حَدَّثْنَا روحُ بنُ الفرجِ، حَدَّثَنَا عمرو بنُ خالدٍ، حَدَّثَنَا
عُبَيْدُ الله بنُ عمروٍ، عن عبدِ الكريم الجزري، عن عكرمة، عن ابنٍ
عباس، قال: ﴿وَلاَ تَبَرَّحْنَ نَبَرُّجَالجَامِلِيَّةِالأولى﴾ [الأحزاب: ٣٣]، قال:
كُنَّا نقولُ: تَكُونُ جَاهِلِيَّةٌ أُخْرى.
وكما حَدَّثَنَا ابنُ أبي مريم، قال: حَدَّثْنَا الفِرِيابِيُّ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ،
عن ابنٍ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا نَبَرَّحْنَ نَبَيُّجَ الْجَامِلَةِ الأَوْلى﴾، قال:
هِيَ الجاهِليةُ التي كانت بَيْنَ عيسى ومحمد صلواتُ الله عليهما.
وأمّا أهلُ اللغةِ، منهم الفراءُ، فوجدناه قد قال في كتابه في ((معاني
-٤٦٨-

کتاب التفسير - الأحزاب
القرآن ومشكل إعرابه): ﴿وَلا تَبَرَّحْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِيةِ الأولى﴾، قال: كان
ذلك في الزمنِ الذي وُلِدَ فيه إبرهيمُ صلواتُ الله عليه، كانت المرأة
تَلْبَسُ الدِّرْعُ من اللؤلؤ غيرَ مخيطٍ من الجانِبَيْنِ، وكانت تُلْبَسُ الثيابَ مِن
المال لا يُوارِي جسدَها، فَأُمِرْنَ أن لا يَفْعَلْنَ ذلك. فهذه تأويلاتٌ قد
رُوِيَتْ لهذا المعنى، وهي محتملةٌ لما قِيل فيها. والله أعلمُ بمراده فيها.
وقد احتجَّ محتجٌّ ممن وافقنا على أنَّه قد يكونُّ أُولى، وإن لم يكن
له آخرة، كما قال: من ذلك قولُ الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمِ النَّشْأَةَ
الأُولى﴾ [الواقعة: ٦٢]، فهذا يَدُلُّ على أن النشأةً قد كانت أولى وإن
لم یکن بعدها نشأةٌ أُخرى.
فكان جوابُنا له في ذلك: أنَّ ذلك أيضاً إنما أنزل بَعْدَ أن كانت
نشأت، ومنه قولُ الله: ﴿كما أُنشَأْكُمْ مِنِ ذُرَّةِ قَوْمٍ آخِرِينَ﴾ [الأنعام:
١٣٣]، وكان ذلك مما قد تَقَدَّمَ نزولُ الآية التي ذكر أنها تَدُلُّ على ما
قال. والله الموفق.
-٤٦٩-

کتاب التفسیر - الأحزاب
٨٨٦- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عَنْهُ عليه السَّلامُ في المُراد
بقول اللهِ تعالى: ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهِ يُذْهِبَ عنكم الرِّجْسَ أهلِ
البيتِ، ويُطِّر كم تطهيراً﴾ مَنْ هم؟
٦١٤٥- حَدَّثْنَا الربيعُ المراديُّ، حَدَّثَنَا أسدُ بنُ بن موسى، حَدَّثْنَا
حاتِم بن إسماعيل، حَدَّثْنَا بُكيرُ بنُ مسمار، عن عامر بن سعد، عن أبيه،
قال: لما نزلت هذه الآية دَعَا رسولُ الله ﴿ عليّاً، وفاطمةَ، وحسناً،
وحُسيناً عليهم السَّلامُ، فقال: (اللهم هؤلاء أهْلِي))(١).
ففي هذا الحديثِ أن المرادِينَ بما في هذه الآية هُمْ رسولُ اللهِ﴿،
وعليٍّ، وفاطمةُ، وحسنّ، وحُسينُ.
٦١٤٦- حَدَّثَنَا فهدٌ، حَدَّثَنَا عثمانُ بنُ أبي شيبة، حَدَّثَنَا جريرُ
بنُ عبدِ الحميد، عن الأعمش، عن جعفر بنِ عبد الرحمن البَجَلِيّ، عن
حُكَیم بنِ سَعْدٍ.
عن أُمِّ سلمة قالت: نزلت هذه الآيةُ في رسول الله عَ﴾، وعلي،
وفاطمةَ، وحسنٍ، وحُسينٍ عليهم السَّلامُ: ﴿إِنْمَا يُرِيدُ الله ليذهب عنكم
(١) حديث صحيح، ورواه مطولاً أحمد ١٨٥/١، ومسلم (٢٤٠٤) (٣٢)،
والترمذي (٢٩٩٩) و(٣٧٢٤)، والنسائي في ((الخصائص)) (١١) من طرق عن حاتم
بن إسماعيل، به. إلا أن أكثر الروايات ذكرت آية المباهلة.
ورواه النسائي في ((الخصائص)) (٥٤)، وابن جرير ٨/٢٢، والحاكم ١٠٨/٣-
١٠٩ من طريق أبي بكر الحنفي، عن بكير بن مسمار، به. وليس في ذكر للآية، وإنما
قال في ((حين نزل عليه الوحي)).
- ٤٧٠-

کتاب التفسیر - الأحزاب
الرّحْسَ أهْلَ الَبَيْتِ وَيُطَهَرَكُمْ تطهيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣].
ففي هذا الحديث مِثْلُ الذي في الأول.
٦١٤٧- حَدَّثْنَا أبو أمية، حَدَّثْنَا خالد بنُ مَخْلَدِ القَطَوانِيُّ، حَدَّثْنَا
موسى بنُ يعقوب الزَّمْعِيُّ، حَدَّثَنَا ابنُ هاشم بنِ عُتَبة، عن عبدِ الله بن
وهب، عن أمِّ سلمة أنَّ رسولَ اللهِلَ﴿ْ جَمَعَ فاطمة، والحسنَ،
والحسينَ، ثم أدخلهم تحتَ ثوبه، ثم جأر إلى الله تعالى: ((رَبِّ هؤلاء
أهلي). قالت أمُّ سلمة: فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، فَتُدْخِلُني معهم، قال:
((أَنْتِ مِنْ أهلي)).
ففي هذا الحديثِ قولُ رسول الله:﴿ لَأُمِّ سلمة جواباً منه لها
عندَ قولِها له: تُدخلني معهم: ((أنتِ من أهلي)). فكان ذلك مما قد يجوزُ
أن يكونَ أراد به أنها من أهله، لأنّها من أزواجه، وأزواجُه: أهله، كما
قال في حديث الإفك الذي قد:
٦١٤٨ - حَدَّثْنَا يونس، حَدَّثَنَا ابنُ معبد، حَدَّثْنَا عُبَيْدُ الله بنُ
عمرو، عن إسحاق بن راشد، عن الزهري، عن عُروةً، وسعيد،
وعلقمة، وعُبيد الله، عن عائشة أن رسولَ الله عليه السَّلامُ في حديث
الإِفكِ، قامَ على المنبر، فاسْتَعْذَرَ من عبد الله بن أُبي، فقال: (يا معشرَ
المسلمين، من يَعْذِرُني مِنْ رَجُلٍ قد بَلَغَ أذاه في أهلي، واللهِ ما عَلِمْتُ
على أهلي إلا خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما عَلِمْتُ منه إلا خيراً، وما
كان يَدْخُلُ على أهلي إلا معي))(١).
(١) قطعة من حديث الإفك وهو في الصحيحين.
- ٤٧١-

کتاب التفسير - الأحزاب
فكان قولُه: (مَنْ يَعْذِرُني مِنْ رجل قد بلغني أذاه في أهلي)) يعني
في زوجته التي كان أذاه فيها، فكان في ذلك ما قد دَلَّ على أن الزوجة
تُسَمَّى بهذا الاسم، فيحتمل أن يكونَ قولُه لأُمِّ سلمة: ((أنتِ مِنْ أهلي))
من هذا المعنى أيضاً أنها من أهل الآية المتلوةِ في هذا البابِ، ومما يدل
على ذلك ما قد:
٦١٤٨م- حَدَّثْنَا الحسين بنُ الحكم الحِبَرِي الكُوفِي، حَدَّثَنَا
مُخَوَّل بنُ مُخَوَّل بن راشدٍ الحناط، حَدَّثَنَا عَبْدُ الجبار بن عبَّاس
الشِّبَامِي، عن عَمّارِ الدُّهني، عن عَمْرة بنتِ أفْعى، عن أمِّ سلمة قالت:
نزلت هذه الآية في بيتي: ﴿أَّايُرِيدُ اللّه لِذهب عنكم الرّحْسَ أَهْلَ الَيْتِ
ويُطَهَرَكُمْ تطهيراً﴾ يعني في سبعة: جبريلَ، وميكائيلَ، ورسولِ الله ◌ِ﴾.
وعليّ، وفاطمةَ، والحسنِ، والحسينِ عليهم السَّلامُ، وأنا على بابِ
البيت، فقلتُ: يا رسولَ الله، ألستُ من أهلِ البيت، قال: (إنّك مِن
أزواج النبي علي السَّلامُ). وما قال: إنَّكِ مِن أهلِ البيت.
٦١٤٩ - وما قد حَدَّثَنَا الحسينُ أيضاً، حَدَّثْنَا أبو غسان مالكُ بنُ
إسماعيل، حَدَّثَنَا جعفر الأحمر، عن الأجلحِ، عن شهرِ بنِ حَوْشَبٍ، عن
أُمِّ سلمة وعبد الملك، عن عطاء، عن أمِّ سلمة، قالت: جاءت فاطمةٌ
بطعام لها إلى أبيها، وهو على منازله، فقال: ((أيْ بنية، التيني بأولادي
وابنَيَّ وابن عمك)) قالت: ثم جلّلهم، أو قالت: حَوَّى عليهم الكِساء،
فقال: «هؤلاء أهلُ بيتي وحامَّتي، فأذْهِبْ عنهم الرِّجْسَ، وطَهِرْهُمْ
تَطهيراً) قالت أُمُّ سلمة: يا رسولَ اللهِ، وأنا معهم، قال: «أنتِ مِنْ
-٤٧٢-

كتاب التفسير - الأحزاب
أزواجِ النبي عليه السَّلامُ، وأنتِ علي خيرٍ، أو إلى خيرٍ))(١).
٦١٥٠ - وما قد حَدَّثْنَا أبو أمية، حَدَّثَنَا بکرُ بنُ يحيى بن زبان،
حَدَّثْنَا مندلٌ، عن أبي الجحَّاف، عن شهرِ بنِ حوشب، عن أم سلمة
قالت: كان النبي# في بيتي، فجاءته فاطمة عليها السَّلامُ بخزيرة،
فقال: «ادعي لي بعلك)) فدعته وابنيها، فجاء بكساء، فحفهم به، ثم
أخذ طرفَه بيده، ثم رفع يديه، فقال: ((اللهم إنَّ هؤلاء ذريتي وأهلُ
بيتي، فأذهب الرجس عنهم، وطهرهم تطهيراً)) قالت: فرفعتُ
الكساء، وأدخلتُ رأسي فيه، فقلت: أنا يا رسول الله؟ قال: ((إِنَّك
على خَيْرِ)).
(١) حديث حسن، الأجلح وشهر توبعا.
ورواه الطبراني ٧٧١١/٢٣) من طريق ابن أبي الحسين، عن جعفر الأحمر، عن
الأجلح، عن زبيد (هو ابن الحارث اليامي) عن شهر، عن أم سلمة.
ورواه أحمد ٣٠٤/٦، والترمذي (٣٨٧١)، والطبراني ٢٣/(٧٦٨) و(٧٦٩)،
وابن جرير ٦/٢٢ من طرق عن زبيد بن الحارث، عن شهر بن حوشب، به. وقال
الترمذي: هذا حديث حسن، وهو أحسن شيء رُوِيّ في هذا الباب.
ورواه أحمد ٢٩٢/٦ عن عبد الله بن نُمير، عن عبد الملك - يعني ابن أبي
سليمان- عن عطاء بن أبي رباح قال: حدثني من سمع أم سلمة ... ثم قال عبد الملك:
وحدثني أبو ليلي، عن أم سلمة مثل حديث عطاء سواء، قال عبد الملك: وحدثني
داود بن أبي عوف الجحاف، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة بمثله سواء.
ورواه الطبراني (٢٦٦٨) من طريق أبي غسان مالك بن إسماعيل، حَدَّثَنَا جعفر
الأحمر، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن أم سلمة.
وحامَّة الرجل: خاصته ومن يقرب منه.
-٤٧٣ -

كتاب التفسير - الأحزاب
٦١٥١- حَدَّثَنَا فهدٌ، حَدَّثْنَا أبو غسان، حَدَّثَنَا فُضِيلُ بنُ
مرزوق، عن عَطِيَّةَ، عن أبي سعيدٍ، عن أمِّ سلمة قالت: نزلت هذه
الآية في بيت: ﴿إِنْما يُرِدُ الله ليذهب عنكم الرّحْسَ أهْلَ الَيْتِ
ويُطَهَرَكُمْ تطهيراً﴾ فقلتُ: يا رسولَ الله، ألستُ من أهلِ البيت؟
فقال: ((أنتِ على خير، إنّكِ من أزواج النبيِّ :﴿، وفي البيت عليٌّ
وفاطمةُ والحسنُ والْحُسين)(١).
٦١٥٢- وما قد حَدَّثْنَا ابنُ مرزوق، حَدَّثَنَا روحُ بنُ أسلم،
حَدَّثَنَا حمادُ بنُ سلمة، عن علي بنِ زيدٍ، عن شهرِ بنِ حَوْشَبٍ، عن أمِّ
سلمة: أن رسولَ اللهِ:﴿ قال لِفاطمة: ((انتيني بزوجك وابنيك))
فجاءت بهم، فألقى عليهم كساءً فَدَكِيّاً، ثم وضع يدَه عليهم، ثم قال:
((اللّهُمَّ، إنَّ هؤلاء آلُ محمدٍ، فاجعل صلواتِك وبركاتِك على آل
مُحمد، إنّك حميد مجيدٌ) قالت أُّ سلمة: فرفعتُ الكِساء لأدخلَ معهم،
فحَبَذَهُ رسولُ اللهِ﴿، وقال: ((إنّكِ على خيرٍ)).
٦١٥٣- وما قد حَدَّثَنَا سليمان الكيسانيُّ، حَدَّثْنَا عبدُ الرحمن بنُ
زياد (ح)، وما قد حَدَّثْنَا الربيعُ المراديُّ، حَدَّثْنَا أسدُ بن موسى قالا:
حَدَّثْنَا عبد الحميدُ بنُ بهرام، حَدَّثْنَا شهرٌ قال: سمعتُ أَمَّ سلمة حين
جاء نعي الحسين بن علي، فقالت: قتلُوه، قتلهم الله، وعَرَّوْهُ، وذُلُّوه،
لعنهم الله، فإني رأيتُ رسول الله :﴿، وجاءته فاطمة غُديةٌ بِبُرْمَةٍ لها
(١) عطية العوفي: ضعيف.
-٤٧٤-

كتاب التفسير - الأحزاب
قد صنعت منها عصيدة تحمِلُها في طبقٍ لها حتى وضعتها بَيْنَ يديه،
فقال لها: ((أين ابنُ عمك؟))، فقالت: هو في البيت، قال: ((اذهَبِي،
فاذعِيهِ، وانتيني بابْنَيْكِ))، قالت: فجاءت تقودُ ابنيها كُلَّ واحدٍ منهما،
وعلي في أثَرِهِمْ يمشي حتى دخلُوا على رسول اللهلع﴿، فأجلسهما في
حِجْرِهِ، وجلس على على يمينه، وجلست فاطمة على يساره، قالت أمُّ
سلمة: فاجتبذ من تحتيّ كساءً حبيراً كان بساطاً لنا على المنامةِ بالمدينة،
فلفَه رسولُ الله:﴿ عليهم جميعاً، فأخذ بشماله طَرَفِي الكساءِ، وألوى
بيده اليمنى إلى ربه عَزَّ وجَلَّ، فقال: «اللَّهُمَّ أذهب عنهم الرجسَ،
وطَهِّرْهُم تطهيراً - ثلاثَ مرار)) قالت: قلتُ: يا رسول الله، ألستُ
مِن أهلك؟ قال: (بلى))، قال: فادخلي في الكساء، قالت: فدخلتُ
بعدما قضى دُعاءه لابن عمه عليه، وابنيه، وابنته فاطمة عليهم السَّلامُ.
٦١٥٤- وما قد حَدَّثْنَا إبراهيم بن أحمد بن مروان الواسطي أبو
إسحاق، حَدَّثْنَا محمدُ بنُ أبان الواسِطِيُّ، حَدَّثْنَا محمد بن سليمان بن
الأصبهاني، عن يحيى بن عُبيدٍ المكي، عن عطاء بنِ أبي رباح، عن عُمَرَ
بنِ أبي سلمة، قالت: نزلت هذه الآية على رسول الله /*، وهو في
بيت أمِّ سلمة: ﴿أَنَّايُرِيدُ اللَّهِذهب عنكم الّحْسَ أَهْلَ الَيْتِ
ويُطَرَكُمْ تطهيراً﴾ قالت: فدعا النبيُّ ◌َ﴿ الحسن والحسينَ وفاطمة
فأجلسهم بَيْنَ يديه، ودعا عليّاً، فأجلسه خَلْفَ ظهره، ثم حَلَّلَهُمُ جميعاً
بالكِساء، ثم قال: «اللَّهُمَّ هؤلاء أهلُ بيتي، فأذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجسَ
وطَهِّرْهُم تَطْهيراً) قالت أمُّ سلمة: اللَّهُمَّ اجعلني منهم، قال: «أنتِ
-٤٧٥-

کتاب التفسیر - الأحزاب
مكانَك، وأنْتِ على خَيْرِ)).
٦١٥٥- وما قد حَدَّثَنَا فهدٌ، حَدَّثْنَا سعيدُ بنُ كثيرٍ بِنِ عُفَيْرٍ،
حَدَّثْنَا ابن لَهِيعةَ، عن أبي صَخْرٍ، عن أبي معاوية البجليِّ، عن عَمْرَةً
الهَمْدَانيَّةَ، قالت: أتيتُ أمَّ سلمة، فسلمتُ عليها، فقالت: مَنْ أنتِ؟
فقلتُ: عمرة الهمدانية، فقالت عمرة: يا أمَّ المؤمنين، أخبرني عن هذا
الرجل الذي قُتِلَ بين أظهرنا، فَمُحِبٌّ ومُبْغِضٌ، تريدُ عليَّ بِنَ أبي
طالبٍ، قالت أمُّ سلمة: أُتُحبينه أم تُبغِضينه؟ قالت: ما أُحِبُّه ولا أُبغضه،
فقالت: أنزل الله هذه الآية: ﴿إِنَّا يُرِيدُالله﴾ ... إلى آخرها وما في البيت
إلا جبريلُ ورسولُ اللهِ :﴿ وعليٌّ وفاطمةُ وحسنٌ وحُسينٌ عليهم
السَّلامُ، فقلتُ: يا رسولَ الله، أنا من أهل البيت؟ فقال: ((إنَّ لك عِند
الله خيراً) فوددتُ أنه قال: نَعَمْ، فكان أحبَّ إليَّ مما تطلع عليه الشمسُ
وتغرب.
فدلَّ ما روينا في هذه الآثار مما كان من رسول الله : ﴿ إلى أم
سلمة مما ذكر فيها لم يُرِدْ به أنها كانت ممن أريد به ما في الآية المتلوة
في هذا الباب، وأن المرادِين بما فيها هُمْ رسولُ اللهِلمُ﴿، وعليٍّ،
وفاطمةُ، وحسنّ، وحُسينٌ عليهم السَّلامُ دونَ من سواهم.
ومما يدل على مراد رسول الله 8# بقوله لأم سلمة فيما روي في
هذه الآثار من قوله لها: ((أنت من أهلي)).
٦١٥٦- ما قد حَدَّثْنَا محمدُ بنُ الحجاج الحضرمي، وسليمانُ
الكيساني قالا: حَدَّثْنَا بشرُ بنُ بكر البجليُّ، عن الأوزاعي، أخبرني أبو
عمار، حدثني واثلةُ، قال: أتيت عليّاً، فلم أجده، فقالت فاطمةُ: انطلق
-٤٧٦ -

كتاب التفسير - الأحزاب
إلى رسول الله ﴿ يدعوه، قال: فجاء مَعَ رسول اللهِلُ﴾، فدخلا
ودخلتُ معهما، فدعا رسولُ الله:﴿ الحسن والحسينَ، فأقعدَ كُلَّ
واحد منهما على فخذه، وأدنى فاطمة من حَجره وزوجَها، ثم لَفَّ
عليهم ثوباً وأنا منتبذٌ، ثم قالَ: ﴿إنما يُريدُ الله﴾. الآية، ثم قال: «اللَّهُمَّ
هؤلاءِ أهْلِي، إنهم أهل حق)) فقلتُ: يا رسولَ الله وأنا مِن أهلك؟
قال: ((وأنتَ من أهلي))، قال: واثلةُ: فإنّها من أرجى ما أرجو (١)
وواثلةُ أبعدُ من عليه السَّلامُ من أمِّ سلمة منه، لأنه إنهما هو
رجلٌ من بني ليث ليس مِن قريش، وأمُّ سلمة موضِعُها من قريش
موضعها الذي هي به منه، فكان قوله لواثلة: ((أنتَ من أهلي)) على
معنى: لاتباعِكَ اياي إيمانك بي، فدخلت بذلك في جملتي.
وقد وجدنا الله قد ذكر في كتابه ما يَدُلُّ على هذا المعنى بقوله:
{وَنَادَى نَوْعُ رَبِّهِ، فقال ◌َرَبَ إِنَّابِ مِنْ أهْلِي﴾ [هود: ٤٥] فأجابه في ذلك بأن
قال له: ﴿ََّلَيْسَ مِنْ أهْلِكَ لَّهُ عَمَلُ غَبِرُ صَالحٍ﴾ [هود: ٤٦] فكما جاز أن
يُخرجه من أهله وإن كان ابنَه لخلافه إياه في دينه، جاز أن يُدْخِلَ في
أهله من يُوافَقُه على دينه، وإن لم يَكُنْ من ذوي نسبه.
فمثلُ ذلك أيضاً ما كان مِن رسول اللهلَ﴿ جواباً لأم سلمة:
(١) رواه أحمد ١٠٧/٤، وفي ((الفضائل)) (٩٧٨)، والقطيعي في زوائده على
(«الفضائل)) (١٤٠٤)، وابن أبي شيبة ٧٢/١٢-٧٣، وابن حيان (٦٩٧٦)، والحاكم
١٤٧/٣، والبيهقي ١٥٢/٢، والطبراني (٢٦٧٠) و٢٢/(١٦٠)، وابن جرير ٧/٢٢
من طرق عن الأوزاعي، به.
-٤٧٧-

كتاب التفسير - الأحزاب
((أنتِ من أهلي) يحتمل أن يكونَ على هذا المعنى أيضاً، وأن يكون قولُه
لها ذلك، كقوله مثله لواثِلَةً، وحديث سعد، وما قد ذكرناه معه من
الأحاديث في أوَّل هذا الباب معقولٌ بها من أهل الآية المتلوةِ فيها، لأنّا
قد أحطنا علماً أن رسولَ الله :﴿ لَمَّا دعا مَنْ دعا من أهله عند نزولها
لم يبق من أهلها المرادِين فيها أحداً سواهم، وإذا كان ذلك كذلك،
استحالَ أن يَدْخُلَ معهم فیما أُريدت به سواهم، وفيما ذكرنا من ذلك
بیان ما وصفنا.
فإن قال قائل: فإن كتابَ اللهَ يَدُلُّ على أن أزواجَ النبيَِّ ﴿هم
المقصودون بتلك الآيةِ، لأنّه قال قبلَها في السورة التي هي فيها: ﴿يا أيها
الَّبِيُّ قُلْ لأمرواجِكَ إِنْ كُنْنَّ﴾ - إلى قوله -: ﴿يَاِسَاء الَِّ لَسْتُنَّ﴾ - إلى
قوله -: ﴿الجاهلية الأولى﴾ [الأحزاب: ٢٨-٣٣]، فَكَانَ ذلك كُلُّهُ يُرَدْنَ
به، لأنه على خطابٍ النساء، لا على خطابِ الرجال، ثم قال: ﴿إِنّا
يُرِيدُ اللّه ليذهب عنكم الرّجْسَ) الآية.
فكان جوابنا له أنَّ الذي تلاه إلى آخر ما قَبْلَ قولِهِ: ﴿إنما يُرِيدُ
الله﴾ ... الآية، خطابٌ لأزواجه، ثم أعقب ذلك بخطابه لأهله بقوله
تعالى: ﴿إِنّمَايُرِيدُ اللّه لِيذهب﴾. الآية، فجاء على خطابٍ الرجال، لأنه
قال فيه: ﴿لِذهب عنكم الرَّحْسَ وَيُطَهَرَ كُمْ﴾، وهكذا خطابُ
الرجال، وما قبلَه، فجاء به بالنون، وكذلك خطابُ النساء. فعقلنا أن
قولَه ﴿إِنْمايُرِيدُ اللّه لِيذهب﴾. الآية، خطابٌ لمن أراده من الرجال بذلك
لُيُعْلِمَهُم تشريفَه لهم، ورفعتَه لمقدارهم أن جل نساءهم من قد وصفه لما
-٤٧٨-

كتاب التفسير - الأحزاب
وصفه به مما في الآيات المتلواتِ قبلَ الذي خاطبهم به تعالى.
ومما دَلَّ على ذلك أيضاً:
٦١٥٦- ما قد حَدَّثْنَا ابنُ مرزوق، حَدَّثْنَا روحُ بنُ عبادة، حَدَّثْنَا
حمادُ بنُ سلمة، عن علي بنِ زيدٍ، عن أنس أن رسول الله { / كان إذا
خَرَجَ لِصلاة الفجر يقول: «الصَّلاةَ يا أهْلَ البيتِ، ﴿إنما يُرِيدُالله﴾
الآية (١).
٦١٥٦م- وما قد حَدَّثْنَا ابنُ مرزوق، حَدَّثَنَا أبو عاصم النبيل،
عن عبادة -قال أبو جعفر: وهو ابنُ مسلم الفزاري، من أهلِ الكوفة،
قد روى عنه أبو نعيم - قال: حدثني أبو داود -قال أبو جعفر: وهو
نفيعٌ الهمداني الأعمى مِن أهل الكوفة أيضاً- قال: حدَّثْني أبو الحمراء،
قال: صَحِبْتُ رسول الله ﴿ تسعة أشهر، كان إذا أصبح، أتى بابَ
فاطمة عليها السَّلامُ، فقال: «السلام عَلَيْكُم أهلَ البَيْتِ، ﴿إِنْمَايُرِدُ الله
لِذْهب عنكم الرّحْسَ أهْلَ الَيْتِ﴾ الآية)(٢).
وفي هذا أيضاً على أهل هذه مَنْ هم، وبالله التوفيق.
(١) إسناده ضعيف. علي بن زيد بن جدعان: ضعيف.
ورواه ابن أبي شيبة ١٢٧/٢، وأحمد ٢٥٩/٣ و٢٨٥، والترمذي (٣٢٠٦)،
والطبري في ((جامع البيان)) ٦/٢٢، والطبراني في (الكبير)) (٢٦٧١)، والحاكم
١٥٨/٣ من طرق عن حماد بن سلمة، به.
(٢) موضوع. فیه أبو داود الأعمى، متروك، و کذّبه ابن معین.
ورواه الطبري في ((جامع البيان)) ٦/٢٢، والطبراني ٣/(٢٦٧٢) و٢٢/(٥٢٥)،
وابن الأثير في «أسد الغابة)) ٤٠٧/٥ من طرق عن أبي داود الأعمى، به.
-٤٧٩-

كتاب التفسير - الأحزاب
-
٨٨٧- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عنه صلّى الله عليه وسلم في
السَّبب الذي کان فیه نزول قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا
لا تكونوا كالذين آذوا موسى﴾ [الأحزاب: ٦٩] .. الآية وما
رُوِيَ عن عليّ في ذلك مما يُحيط علماً أن علياً لم يقل ذلك
راياً، ولا استنباطاً، إذ كان مثلُه لا يُقال بالرأي، ولا بالاستنباط
بهما، ولا يُقالُ إلا بالتوقيف من النبيِّ عليه السَّلامُ
٦١٥٧ - حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ مرزوقٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بن عُبَادَةً،
حَدَّثَنَا عَوْفٌ الأعْرابي، عن ابن سِيرينَ، عن أبي هُريرة في هذه الآية
﴿لاَتَكُونُوا كَالّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ الآية [الأحزاب: ٦٩]. قال رسول
الله عليه السَّلامُ: (إِنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ كَانَ رَجُلاً حَيّاً سِتْيراً لا
يَكَادُ أنْ يُرَى مِنْ جِلْدِهِ شَيءٌ اسْتِخْياءً منه، فآذَاهُ مَنْ آذَاهُ مِنْ بني
إِسْرائِيلَ، وقالوا: ما يَسْتِتَرُ هذا التَّستُّرَ إلا مِنْ عَيْبٍ بِجِلْدِهِ إِمَّا بَرَصٍ
وإمَّا أدَرَةٍ (١) - هكذا قال لنا إبراهيمُ في حديثه، وأهلُ اللغة يُخالِفُونَه في
ذلك، ويقولون: إنها أُدْرَةٌ، لأَنَّها آدر بمعنى آدَم، فمنها بالإضافة إليها
أُدْرَةٌ- وإما آفة، وإن الله تعالى أراد أن يُبَرِّنَهُ مما قالوا، وإن موسى
خلا يوماً وحدَه، فوضعَ ثوبَه على حَجَرٍ، ثم اغتسل، فلما فرغ مِن
غسله، أقبل إلى ثوبه لِيأخذه، وإن الحَجَرَ عدا بثوبه، فأخذ موسى
(١) قال الحافظ في ((الفتح) ٤٣٧/٦: بضم الهمزة وسكون الدال على المشهور،
وبفتحتين فيما حكاه الطحاوي عن بعض مشايخه، ورجح الأول وهي نفخة في
الْخُصْية، يقال: رجل آدَرُ، بَّنُ الأُدَرِ.
- ٤٨٠ -