النص المفهرس
صفحات 441-460
کتاب التفسير - سورة الأنبياء
وكما قال عَزَّ وحَلَّ: ﴿اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُوا عَنْ سِبِيلِ الله اللهِأَضَلَّ
أعْمَلَهُمْ﴾ [محمد: ١]، وكما قال عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَصَدُّوا عَنِ السَّبِيل﴾
[الرعد: ٣٣]، وكما قال: ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ المَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الفتح:
٢٥]، وقد رُوِيَّ عن ابن عباسٍ إنكارُه في قراءةٍ: ﴿إذا قَوْمُكَ مِنْهُيَصُدُونَ﴾
بالضمّ، كما
٦١١٦- حَدَّثْنَا يوسفُ بنُ زيدٍ، حَدَّثْنَا نُعَيْمُ بنُ حمادٍ، حَدَّثَنَا
وكيعٌ، عن عبد الله بن حبيبٍ، عن القاسم بن أبي بَزَّةَ، عن سعيدٍ بن
معبدٍ، قال: قال لي ابنُ عباس: عَمُّك عبيدُ بن عميرٍ كيف يَلْحَنُ في هذا
يقرأ: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصُدُّونَ﴾، وإنَّما هي: ﴿يَصِدُّونَ﴾: يضجون.
فأخبر ابنُ عباس في هذا الحديثِ بحقيقة القراءة لهذا الحرف كيف
هي، وكذلك قرأها أكثرُ الكوفيين.
فقال قائلٌ: فقد رُوِيَ عن عليٍّ بن أبي طالبٍ، أنَّ نزولَ: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ سَبَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوِكَ عَنْهَا مُعَدُونَ﴾ في خلافِ المعنى الذين
رويتم عن ابن عباس، أن نزولها كان فيه، وذكر ما:
٦١١٧ - حَدَّثَنَا بكارُ بنُ قتيبة ويزيدُ بن سِنان، قالا: حَدَّثْنَا أُبو
داود الطيالسيُّ، حَدَّثْنَا شعبةُ، عن أبي بشرِ، عن يوسفَ بن سعدٍ، عن
محمدٍ بن حاطبٍ، قال: سمعتُ عليّاً رضي الله عنه يَخْطُبُ، وتلا هذه
الآية: ﴿إِنَّالَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى) الآية، قال: نزلت في عثمان
وأصحابه أو قال: عثمانُ منهم.
- ٤٤١ -
كتاب التفسير - سورة الأنبياء
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه: أنْ قد يُحتمل أن
يكونَ عليُّ رضي الله عنه أرادَ بما رُوِيَ عنه في هذا الحديثِ أنَّ عثمانَ
رضي الله عنه مِمَّن سبقت له الحسنى، المذكورين في هذه الآيةِ لأنَّ
الآيةَ نزلت في مَنْ سبقت له الحسنى منَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، فمنهم عيسى،
ومنهم عزيرٌ، ومنهم الملائكةُ، ومنهم مَنْ سِواهم مِمَّن سبقت لهمُ
الحسنى مِنَ الله عَزَّ وجَلَّ، منهم عثمانُ رضي الله عنه وأصحابُه. فبان
بحمدِ الله عَزَّ وجَلَّ ونعمتَهِ أنَّ جميعَ ما رويناهُ في هذا الباب لا يُضَادُّ
شيءٌ منه شيئاً.
٨٧٩- بابُ بيانِ مُشْكِل قولِ الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا في
الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أنَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾
[الأنبياء: ١٠٥]، ومما يُروي عن النبي ﴾ فيه
قال أبو جعفر: قال اللهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَقَدْ كَتْبَا فِ التَّبُوسِ مِنْ بَعْدِ
الذّكْرِ أنَّ الأرْضِيَرْهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥].
فتأملنا الذّكرَ المرادَ به في هذه الآية، فوجدنا قد قال في ذلك غيرُ
واحدٍ من التباعين أقوالاً مختلِفَةٌ، فمنا: ما رُوِيَ عن سعيد بن جُبير في
ذلك.
كما حَدَّثَنَا فهدُ بنُ سليمان، حَدَّثَنَا عُمَرُ بنُ حفص بن غياث
النخعي، حَدَّثْنَا أبي، عن الأعمش، قال: سألتُ سعيدَ بنَ جُبير عن هذه
الآية: ﴿وَقَدْ كَبَا فِي التَّوِ مِنْ بَعْدِالذِّكْرِ﴾.
- ٤٤٢-
کتاب التفسير - سورة الأنبياء
قال: التوراةُ، والإنجيلُ، والفرقانُ من بعدِ الذكرِ الذي في السَّماءِ:
أن الأرضَ أرضَ الجنة يرثها عباديّ الصَّالحون.
وكما حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ داود بنِ موسى، أنبأنا شُعبة، حَدَّثْنَا أبو
معاوية، عن الأعمش، عن سعيدِ بنِ حُبَيْرِ: ﴿وَلَقَدْ كَثْبنا في النَّبُو مِنْ
بَعْدِ الذّكرِ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]. قال: التوراةُ، والإنجيلُ، والفرقانُ من
بعدِ الذكرِ الأصل الذي نُسِخَ منه هذه الكتبُ: أنَّ الأرض أرضَ الجنة
يَرِثُها عبادِيَ الصَّالِحونَ.
فكان في هذا الحديثِ: أن الذكرَ المرادَ في هذه الآية هو الذکرُ
الذي في السَّماء، وأن الزبورَ المذكورَ فيها هي: التوراةُ، والإِنجِيلُ،
والفُرقان.
وكما حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ داود، حَدَّثْنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثْنَا أبو الأحوص،
حَدَّثْنَا منصورٌ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ: ﴿وَقَدْ كِتْبَا فِي النَّبُوسِ مِنْ بَعْدِ
الذّكْر﴾، قال الزَّبور، والفرقان، والذكر: التوراة، والأرضُ: أرضُ
الجنة.
فهذا الذي وجدنا في تأويل هذه الآية عن سعيد بن جبير.
ومنها ما رُوِيَ عن الشعبي
كما حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ داود، حَدَّثْنَا محمدُ بنُ المثنى، حَدَّثَنَا عبد
الوهَّاب - يعني الثقفي-، حَدَّثْنَا داود - يعني ابن ابي هند-، عن عامر:
﴿وَقَّدْ كَبَ يْ النَُّوسِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ قال: زبورُ داود مِن بعدٍ
الّذِكْرِ، قال: ذكر موسى: التوراة.
- ٤٤٣ -
كتاب التفسير - سورة الأنبياء
فهذا يُخَالِفُ ما قد رويناه في تأويلها.
كما حَدَّثَنَا ابنُ أبي مريم، حَدَّثْنَا الفِریابِيُّ، حَدَّثَنَا ورقاءُ، عن ابن
أبي نجيح، عن مجاهدٍ: ﴿ وَقَدْ كَتَبَ يْ التَّبُوسِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾. قال:
(الزبور)): الكتاب عند الله ﴿أن الأرض﴾ يعني: أرضَ الجنة ﴿يرثها عبادي
الصَّالِحونَ﴾
فلما وقع في هذا من اختلافٍ ما وقع فيه مما ذكرنا، طلبنا المعنى
الذي فيه مما قد رُوِيَ عن رسول الله محط﴾
٦١١٨ - فوجدنا محمد بن سليمان بن هشام قد حَدَّثْنَا، قال:
حَدَّثَنَا أبو معاوية الضريرُ، عن الأعمش، عن جامع بن شَدَّادٍ، عن
صفوان بنِ مُحرز، عن عمران بنِ الْحُصَيْنِ، قال: قالَ رسولُ الله ◌ِلّ:
(اقْبِلُوا الْبُشْرِى يا بني تَمِيم)).
فقالوا: قد بشرتنا فأعْطِنا. قال: ((اقْبِلُوا الْبُشْرى يا أَهْلَ الْيَمَنِ)).
قال: قُلْنا: قد قَبلْنا، فأخْبِرْنا عن أوَّلِ هذا الأمرِ، كيف كانَ؟ قال:
((كانَ اللهُ قَبْلَ كلِّ شيءٍ، وكان عرشُه على الماء، وكَتَبَ فِي اللَّوْحِ
ذِكْرَ كُلِّ شيءٍ). وأتاني آتٍ، فقال لي: يا عِمْرانُ، انْحلَّتْ ناقتُك من
عِقالِها، فخرجتُ فإذا السَّرابُ بيني وبَيْنَها، فخَرَجْتُ في إثرِها، فلا
أدْرِي ما كان بعدي(١).
(١) إسناده صحيح، ورواه أحمد ٤٣١/٤- ٤٣٢، وأبو الشيخ في ((العظمة))
(٢٠٧)، والبيهقي في ((الأسماء والصفات) ص٣٧٥ من طرق، عن أبي معاوية، به.
- ٤٤٤-
كتاب التفسير - سورة الأنبياء
فكان في هذا الحديث: أنَّ الله تعالى كَتَبَ في اللوحِ ذِكْرَ كُلِّ
شيءٍ.
٦١١٩- ووجدنا جعفر بن محمد بنِ الحسن الفريابي قد حَدَّثْنَا،
قال: حَدَّثَنَا أبو مروان عَبْدُ الملك بنُ حبيب، حَدَّثْنَا أبو إسحاق
الفَزَارِيُّ، عن الأعمش، عن جامعِ بنِ شَدَّادٍ، عن صفوانَ بنِ محرز، عن
عمرانَ بنِ الحُصَيْنِ، قال: كُنَّا عندَ رسولِ الله ﴿َ، فجَاءَهُ نَفَرٌ من أهل
اليَمَنِ، فقالوا: أتيناك يا رَسُولَ الله لِنتفقه في الدِّين، ونسألُك عن أوَّل
هذا الأمرِ، كيف كَانَ؟ فقال: ((كان اللهُ، ولم يَكُنْ شَيءٌ غيرُه، وكان
عرشُه على الماء، ثم كَتَبَ في الذِّكْرِ كلَّ شيءٍ، ثم خَلَقَ السَّماواتِ
والأرض))(١).
ورواه البخاري (٣١٩١) و(٧٤١٨)، وابن حبان (٦١٤٠) و(٦١٤٢)، والطبي
في ((تاريخه)) ٣٨/١، والطبراني ٤٩٧١/١٨) و (٤٩٨) و(٤٩٩)، ويعقوب بن سفيان
في («المعرفة والتاريخ)) ١٩٥/٣، والبيهقي في («السنن)) ٢/٩ و٢-٣، وفي ((الأسماء
والصفات)) ص٢٣١، من طرق، عن الأعمش، به.
ورواه النسائي في ((الكبرى) (١١٢٤٠) من خالد بن الحارث، والطبري في
(تفسيره)) (١٧٩٨٢)، وفي ((تاريخه)) ٣٨/١ من طريق التضر بن شميل، كلاهما عن
المسعودي، عن جامع بن شداد، عن صفوان بن محرز، عن ابن الحصين.
وسيأتي من طريق المسعودي عن ابن الحُصيب، وهو بريدة بن الحصيب الأسلمي،
فإن لم يكن ما في هذه الأصول محرفاً عن ابن الحصيب، فإن هذا الاضطراب يُعَدُّ من
تخاليط المسعودي.
(١) رواه الطبراني في ((الكبير)) ٥٠٠١/١٨) من طريق معاوية بن عمر، والدارمي
- ٤٤٥-
كتاب التفسير - سورة الأنبياء
فكان ما في هذا الحديثِ مثلَ الذي في الحديثِ الأوَّل وزيادة عليه
وهو قولُه: ((ثم خَلَقَ السَّمواتِ والأرضَ)).
ووجدنا بكار بن قُتبة قد حَدَّثَنَا، قال: حَدَّثْنَا أبو داود صاحب
الطيالسة، حَدَّثْنَا المسعوديُّ، عن جامع بنِ شَدَّاد، عن بريدة بن
الحُصَيْبِ، هكذا وجدتُه في كتابي عن بَكّارٍ.
٦١٢٠- وحدثناه إبراهيم بنُ مرزوق، قال: حَدَّثَنَا عثمانُ بنُ
عمر بن فارس، حَدَّثْنَا المسعوديُّ، عن جامع بن شدادٍ، عن صفوانَ بنِ
محرز، عن ابنِ حُصَيْبٍ: أن قوماً دَخَلُوا على رسول الله عَ﴿، فَجَعَلَ
يَبَشِّرُهُم، ويقولون: أُعْطِنا، فخرجوا من عندِهِ، ودخل عليه قومٌ
آخرون، فقالوا: أَتَيْنَاكَ نتفقَّهُ في الدِّينِ، ونسأل عن بُدُوِّ هذا الأمرِ، قال:
((فَاقْبَلُوا الْبُشْرَى إذْ لم يَقْبَلْها أولئِكَ)، قال: ((كانَ اللهُ سُبْحانَهُ لا شَيْءٍ
غَيْرُهُ، وكان عَرْشُه على الماء، وكَتَبَ في الذِّكْرِ كُلَّ شيءٍ)(١).
فاختلف الأعمشُ في الذي رَجَعَ إليه هذا الحديث مِنْ أصحاب
في «الرد على الجهمية)) (٤٠) من طريق محبوب بن موسى الأنطاكي، كلاهما عن
أبي إسحاق الفزاري، به.
(١) إسناده ضعيف. المسعودي قد اختلط، فجعله هنا من حديث بريدة بن
الحصيب الأسلمي.
ورواه أبو الشيخ في («العظمة)) (٢٠٨) من طريق يزيد بن هارون، وابن خزيمة في
(التوحيد)) (٥٩٣)، والحاكم ٣٤١/٢ من طريق روح، كلاهما عن المسعودي، به،
ويزيد بن هارون وروح بن عبادة، كلاهما روى عنه بعد الاختلاط.
-٤٤٦-
كتاب التفسير - سورة الأنبياء
رسول الله:﴿، فذكر الأعمشُ: أَنَّه عمرانُ بنُ الحصين، وذكر
المسعوديُّ: أنه بُريدةُ بنُ الحُصيب، وكان الصحيح عندنا ما قاله
الأعمش فيه، ودلَّ على ذلك: أن الثوريَّ قَد رواه عن جامع بن شَدَّادٍ،
فوافق الأعمشَ فيه، وخالف المسعوديّ، وإن كان قد قَصَّرَ عن بعضٍ
متنه مما في روياتهما:
٦١٢١- كما حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ سِنان، حَدَّثْنَا مؤمَّل بنُ إسماعيل،
حَدَّثْنَا سفيانُ الثوريُّ، عن جامع بنِ شداد، عن صفوان بنِ مُحرز، عن
عمرانٌ بنِ حُصين: أن وَفْدَ بني تميمٍ قَدِمتوا على النبيِّل:﴿، فقال:
(أبشِرُوا يا بني تميم). فقالوا: بشرتنا فأعْطِنَا، فَتغيّرَ رسولُ اللهِ﴿، ثم
أتاه وفدُ أهلِ اليَمَنُ، فقال: (أَبْشِروا يا أهْلَ الْيَمَنِ، اقْبَلُوا الْبُشْرِى إِذْ
لم يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ). فقالُوا قَبِلْنا يما رَسُولَ اللهِ، ثُم حَدَّثَ، فقال لي
رجلٌ: قد ذهبَ بَعِيرُك، فَلَيْتَه كان ذَهَبَ ولم أقم(١).
فكان في هذا الحديث الذي رواه صفوان عمن رواه عنه، عن
عمران ممن يُرِيدُ كتابَ اللهِ في الذِّكْرِ كل شيء قَبْلَ خلقِه السَّماواتِ
(١) حديث صحيح، مؤمَّل بن إسماعيل متابع.
ورواه ابن حبان (٧٢٩٢) من طريق نوح بن حبيب، عن مؤمل بن إسماعيل، به.
ورواه ابن أبي شيبة ٢٠٤/١٢، وأحمد ٤٢٦/٤ و٤٣٦، والبخاري (٣١٩٠)
و(٤٣٦٥) و(٤٣٨٦)، والترمذي (٣٩١٥)، وابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني))
(١١٥٠)، والدارمي في ((الرد على الجهمية)) (٣٩)، والطبراني ٤٩٦/١٨ من طرق،
عن سفيان الثوري، به.
-٤٤٧-
کتاب التفسير - سورة الأنبياء
والأرض، فكان معقولاً بما في هذا الحديثِ: أن الذكرَ المرادَ في قوله
تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتْبنا في التَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]: أنَّ
ذلك الذكرَ هو المكتوبُ قبلَ خلقِ السماوات والأرض، وأن الأشياء
المذكورةَ بعدَه هي ما سواه من التوراة، والإنجيل، والقرآن.
وأما اللغويون: فكانُوا يذهبونَ إلى أن الذِّكْرَ المرادَ في هذه الآية
هو الفُرْقَالُ، ويحتُون في ذلك بقوله: ﴿أَص والُرءانِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص:
١]، وبقولِه عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذَّكْرِ﴾ [النحل: ٤٣]، وبقوله
تعالى: ﴿أَحْنَّ ◌َّْنَ الذّكْرَ وََّلَهَ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، وبقولِه تعالى:
﴿إِنْ هُوَإِلاَّ ذِكْرُّ وَقَرَآنْ مُينٌ﴾ [يس: ٦٩].
فكان في هذه الآيات ما قد دَلَّ: أن الذّكرَ المذكورَ فيها هو
القرآنُ، وكانوا يقولون في ذلك: إنّهم وَجَدُوا حروفَ الخفضِ يُعاقِبُ
بَعْضُها بعضاً، فيُخاطب فيها بعدُ لما يراد به قبلُ، ويقبل مما يراد به
بَعْدُ، وكان ذلك موجوداً في كلامِ العربِ.
وكان الذي دَلَّ عليه ما قد رويناه عن رسول الله لَ/ مما قد
ذكرنا أولى بالتأويل لِهذه الآية مما قالُوا، إذ كان ما قالوا لم تَعْدُ إليه
ضرورةٌ توجبُ حَمْلَ الأمرِ على ما حملوه عليه، وبالله التوفيق.
-٤٤٨-
كتاب التفسير - سورة الحج
٨٨٠- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن علي رضي الله عنه، أو
عن أبي ذرً مما نحيطُ علماً أنَّه لم يأخذْهُ إلَّ عن رسولِ الله
* في المرادين بقول الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿هذَانِ خَصْمانِ
اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِم﴾ إلى: ﴿وَهُدُوا إلى صِرَاطِ الحَمِيدِ)
[الحج: ١٩-٢٤]
٦١١٢- حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ سنان، قال: حَدَّثْنَا يوسف بن يعقوب
السَّدوسي صاحب السِّلْعة، قال: حَدَّثْنَا النِّيمي، عن أبي مِجْلَزٍ، عن
قيس بن عُباد، قال: قال عليٌّ رضي الله عنه: فينا نزلت هذه الآيةُ في
٩
مُبَارِزي يوم بدر: ﴿هَذَانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا يَفْرَّهِمِ فَالذِينِ كَفَرُوا
قُطَعَتْ لَهُمْ ثِابٌ مِنْ نَارٍ﴾(١).
٦١٢٣- حَدَّثْنَا حُسين بن نصر، قال: سمعت يزيد بن هارون،
قال: حَدَّثْنَا سليمان التَّيمي، عن أبي مِحْلَزٍ، عن قيس بن عُباد قال:
تبارزَ حمزةُ وعليٌّ وعبيدةُ بنُ الحارث رضي الله عنهم وعُتْبَةُ بنُ ربيعة،
(١) إسناده صحيح، ورواه البخاري (٣٩٦٧)، والنسائي في ((السير)) كما في
((التحفة)) ٤٣٩/٧، والواحدي في ((أسباب النزول) ص٢٠٧ من طريقين عن يوسف
بن يعقوب، به.
ورواه البخاري (٣٩٦٥) و(٤٧٤٤)، والبيهقي في ((الدلائل)) ٧٣/٣ من طرق
عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه سليمان التيمي، به.
ورواه الحاكم ٣٨٦/٢ من طريق أبي جعفر الرازي، عن سليمان التيمي، به.
-٤٤٩-
كتاب التفسير - سورة الحج
وشيبةُ بن ربيعة، والوليدُ بنُ عُتبة، فنزلت فيهم: ﴿هذَانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا
ـفي مرتهم﴾(١).
٦١٢٤ - حَدَّثْنَا بِكَّارُ بنُ قُتَبِيَةً، قال: حَدَّثْنَا مُؤَمَّلُ بن إسماعيل،
قال: حَدَّثَنَا سفيان، عن أبي هاشم، عن أبي مِحْلَزِ، عن قيس بن عُباد،
قال: سمعتُ أبا ذرٌ يُقسِمُ بالله عَزَّ وجَلَّ قَسَمَاً لَنَزَلت هذه الآية في سِتّةٍ
من قريش: حمزةً بنِ عبد المطلب، وعليٍّ بنِ أبي طالب، وعُبيدةَ بنِ
الحارثِ، وعُتبة بنِ ربيعة، وشيْبَةَ بنِ ربيعة، والوليد بن عُتبة: ﴿هذَان
خَصْمانِاخْتَصَنُوا فِي ◌َّهِ فَالذِين ◌َكَرُوا تُطْمَتْلُهُمْ ثِابْ مِنْ نَارِ﴾ الآية،
والآية الأخرى: ﴿إِنَّاللهيُدْخِلُ الذِينَ آَمُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ حَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ
تَحْتِها الأنْهارُ﴾ الآية(٢).
٦١٢٥ - وحَدَّثْنَا صالحُ بنُ عبد الرحمن، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ
منصور، قال: حَدَّثْنَا هُشيم بن بشير، قال: أخبرنا أبو هاشم، عن أبي
(١) إسناده صحيح، ورواه ابن أبي شيبة ٣٧٩/١٤-٣٨٠، والبيهقي في («دلائل
النبوة) ٧٣/٣ من طريق يزيد بن هارون، به.
(٢) حديث صحيح، مؤمَّل بن إسماعيل توبع، ورواه الطبري في ((جامع البيان))
١٣١/١٧ عن علي بن سهل، عن مؤمَّل بنِ إسماعيل، به.
ورواه ابنُ أبي شيبة ٣٦٥/١٤، والبخاري (٣٩٦٦) و(٣٩٦٨)، ومسلم
(٣٠٣٣)، والنسائي في ((الكبرى)) كما في ((التحفة) ١٨٢/٩، وابن ماجه (٢٨٣٥)،
والطيري من طرق عن سفيان، به.
- ٤٥٠-
كتاب التفسير - سورة الحج
مِحْلَزِ، عن قيس بن عُباد، قال: سمعتُ أبا ذرٌ يُقسِمُ بالله: إنَّ هذه الآية:
﴿هَذَّانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِيْ رَبِهِمِ﴾ نزلت في الذين برزوا يومَ بَدْرِ
الثلاثة، والثلاثةُ: حمزةُ بنُ عبدِ المطلب، وعلىُّ بن أبي طالب، وعُبيدة
بنُ الحارث بنِ المطلب، وعُتَبةُ، وشيْئَةُ بنُ ربيعة، والوليدُ بنُ عتبةٍ(١).
وحَدَّثَنَا صالح، قال: حَدَّثْنَا سعيد، قال: حَدَّثْنَا هُشيم، قال:
أخبرنا سليمان النِيْمي، عن أبي مِجْلٍَ، عن قيس بن عباد ... مثلَه غيرَ
أنّه لم يذكر أبا ذرٌ.
قال أبو جعفر: فتأملنا هاتين الآيتين المذكورتين في هذه الآثارِ،
فوجدنا قولَ الله عَزَّ وحَلَّ: ﴿اخْتَصَُوا فى مرَبِهِم﴾ قد جاء بلفظ العدد .
الذي فوق الاثنين. وكان مثلُ ذلك ما تقولُه العربُ: التقى العسكران،
فقَتَلَ بعضُهم بعضاً. ووجدنا الذين كفروا المذكورين فيهما قد سُمُّوا
في هذه الآثار، وهم: شيبة، وعُتبة ابنا ربيعة، والوليدُ بن عُتبةَ بنِ ربيعة،
ووجدنا الذين آمنوا المذكورين فيهما قد سُمُّوا لنا في هذه الآثار، وهم:
حمزة بن عبد المطلب، وعليُّ بن أبي طالب، وعُبيدة بن الحارث بنِ
المطلب عليهم السَّلامُ، وكان الذِي أوعدَ الله الذين كفروا المذكورين
فيهما كائناً منه فيهم. ووجدنا ما وعدَه الذين آمنوا المذكورين فيهما
(١) إسناده صحيح، ورواه البخاري (٣٩٦٩) و(٤٧٤٣)، ومسلم (٣٠٣٣)،
والنسائي في ((الكبرى)، كما في («التحفة)) ١٨٢/٩، والطبري في ((جامع البيان))
١٣١/١٧ من طرق عن هشيم بن بشير، به. وانظر الفتح ٤٤٤/٨.
- ٤٥١ -
كتاب التفسير - سورة الحج
كائناً لا مَحالَة، لأَنَّه وعدٌ من الله، والله عَزَّ وجَلَّ لا يُخلفُ الميعاد.
وذلك مما لا يخلفه نَسْخٌ؛ لأنَّ النَّسخَ إنما يلحق الشرائعَ، فينسخُ منها ما
كان حراماً إلى أن يجعله حلالاً، وما كان منها حلالاً إلى أن يجعله
حراماً، فأما ما أخبر منها أنه فاعلُه ثواباً على عملٍ قد كان ثَمّن عَمِلَه،
فهذا ثَمّا لا يَلحقُه نسخٌ. فهذه أحوالُ هذين الفريقين في الآخرة.
ثم وجدناه عَزَّ وجَلَّ قد أتبع عودّه الذين آمنوا المذكوين في هاتين
الآيتين بقوله: ﴿وهُدُوا إلى العَِّبِ مِنَ الْقَولِ وهُدُوا إلى صِرَاطِ الْحَسِدِ﴾ [الحج:
٢٤] فكان ذلك إخباراً منه عَنْ أحوالِهِمُ التي يكونون عليها في الدُّنيا
رضوان الله عليهم، وهي الأحوالُ المحمودة التي لا ذمَّ معها، ووجدنا
قولَه عَزَّ وجَلَّ عند أهلِ العِلم باللَّغة: ﴿وَهُدُوا﴾ بمعنى: ثبتوا، كمثل قوله
عَزَّ وجَلَّ في فاتحة الكتاب: ﴿اهْدِنَا الصّرَاطَ المُستقيمَ﴾ أي: ثَبِّنْنا للصِّراط
المستقيم، ومَنْ كانت أحوالُه في الدنيا هذه الأحوالَ المحمودة وأحوالُه
في الآخرة الأحوالَ التي ذكرها عَزَّ وجَلَّ في هاتين الآيتين، كان بذلك
مِنْ أَهلِ المنازلِ العُليا في الدُّنيا وفي الآخرة، وبالله التَّوفيق.
- ٤٥٢-
كتاب التفسير - المؤمنون ١
٨٨١- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله في ثواب
مَنْ حَفِظَ العشر الآيات الأول من سورة (قد أفلح المؤمنون)
٦١٢٦ - حَدَّثْنَا جعفرُ بنُ محمد بن الحسن الفريابي، قال: حَدَّثَنَا
إسحاقُ ابنُ راهوية، قال: حَدَّثْنَا عبدُ الرزاق، قال: حَدَّثْنَا يونسُ بنُ
سليم، قال: أملى عليَّ يونسُ بنُ يزيد، وهو الأيلي، عن ابنِ شهاب،
عن عُروةَ بنِ الزبير، عن عبد الرحمن بن عبدِ القَارِيِّ، قال: سمعتُ عُمَرَ
بنَ الخطاب رضي الله عنه يقولُ: كان رسولُ الله ﴿ إذا نزل عليه
الوحيُ يُسْمَعُ عِنْدَهُ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، فمَكَنْنا ساعَةٌ، واستقبل القِبْلَةَ،
ورَفَعَ يَدَيْهِ، وقال: «اللَّهُمَّ زِذَنَا وَلا تَنْقُصَنا، وأَكْرِمْنا ولا تُهِنَّا، ولا
تَحْرِمنا وآثِرْنا ولا تُؤْثِّرْ عَلَيْنا، وارْضَ عَنّا وارْضِنا)، ثم قال: (لقد
نَزَل عليَّ عشرُ آيَاتٍ مَنْ أَقَامَهُنَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ)، ثم قرأ: ﴿قَدْ أَفَحَ المؤمنُونَ
الَّذِينَهُمْ في صلاتِهِمِ خَاشِعونَ﴾(١) [المؤمنون: ١].
(١) إسناده ضعيف، يونس بن سليم مجهول.
ورواه أحمد ٣٤/١، والنسائي في ((الكبرى)) (١٣٤٨)، والعقيلي في ((الضعفاء)
٤٦٠/٤، والحاكم ٥٣٥/١، والبيهقي في ((دلائل النبوة) ٥٤/٧-٥٥ من طريق عبد
الرزاق، به.
قال النسائي بإثره: هذا حديث منكر لا نعلم أحداً رواه غير يونس بن سليم،
ويونس بن سليم لا نعرفه.
وقال الحاكم بإثره: قال عبد الرزاق: ويونس بن سليم هذا كان عمه والياً على
أيلة، قال: أرسلني عمي إلى يونس بن يزيد حتى أملى علي أحاديث.
ورواه عبد الزراق (٦٠٣٨)، ومن طريقه الترمذي (٣١٧٣)، والعقيلي ٤٦٠/٤
- ٤٥٣-
کتاب التفسير - المؤمنون ١
٦١٢٧- وحَدَّثَنَا أحمدُ بنُ شعيب، قال: أخبرنا إسحاقُ بنُ
إبراهيم، ثم ذكر بإسناده مثله غير أنه قال مكان (ولا تَحْرِمنا)» («ولا
تُخْزِنا)).
٦١٢٨ - وحدثناه أحمد مرة أخرى، فقال فيه كما قال جعفر
فيه: ((ولا تحر منا))(١).
قال أبو جعفر: ويونس بن سُليم هذا رجل من أهل صنعاء لا
نعلم أحداً حدَّث عنه غيرُ عبد الرزاق، ولا نعلمه حدَّث عنه إلا بهذا
الحديث، وقد حدَّثَ بهذا الحديث عن عبد الرزاق الجلَّةُ ممن أخَذَ العِلْمَ
عنه، منهم أحمدُ بنُ حنبل، ومنهم إسحاقُ بنُ راهوية.
فقال قائل: هذا الحديثُ قد جاء بمعنى مستحيلٍ، لأنه لم يذكر في
عن يونس بن سليم، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، به، بإسقاط يونس بن يزيد
الأيلي، ثم رواه الترمذي من طريق عبد الرزاق، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، ثم
قال: هذا أصحُّ من الأوَّلِ سمعت إسحاق بن منصور يقول: روى أحمد بن حنبل
وعلي ابن المديني وإسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن يونس بن سُليم، عن
يونس بن يزيد، عن الزهري هذا الحديث.
قال أبو عيسى: ومن سمع من عبد الرزاق قديماً، فإنهم إنما يذكرون فيه عن يونس
پن یزید، وبعضهم لا یذ کر فیه عن یونس بن یزید، ومن ذكر فيه يونس بن يزيد فهو
أصح، وكان عبد الرزاق ربما ذكر في هذا الحديث يونس بن يزيد، وربما لم يذكره
وإذا لم یذکر قيه يونس فهو مرسل.
(١) هو مكرر ما قبله، وهو في «السنن الكبرى)) (١٣٤٨) للنسائي في الصلاة:
باب رفع اليدين في الدعاء.
-٤٥٤-
كتاب التفسير - المؤمنون ١
الآيات التي تُليت فيها صومُ رمضانَ ولا حجُّ البيت، ونحن نعلم أن مَنْ
لَقِي الله عَزَّ وجَلَّ تاركاً لِصومٍ شهرِ رمضانَ وهو يُطيقه، وتاركاً لحج
البيت وهو يجد السبيلَ إليه، لم يدخل الجنةَ.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيقِ الله عَزَّ وجَلَّ وعونه: أنه قد يجوز
أن يكونَ ما كان مِن رسول الله ﴿ مما ذكر عنه في هذا الحديثِ كان
قبلَ إنزالِ الله عَزَّ وجَلَّ فرضَ صومٍ شهر رمضان على من فرضه عليه،
وفرض الحج على من فرضه عليه. فكان من جاء بما سواهما من فرائض
الله عليه مستحقاً لما أخبر رسولُ الله ﴿ عن اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّه يفعلُ بمن
عمل ذلك، ثم فرَضَ الله عَزَّ وجَلَّ على عباده صِيامَ شهرِ رمضان،
وحجَّ البيت على ما فرضه عليهم عليه، فلحقا بالفرائضِ المفروضةِ على
الناس قبلهما، فعاد الذين وُعِدُوا بما قاله رسولُ الله ◌ِ﴾ في هذا الحديث
إلى أن كانوا هم الذين قد أدَّوْا جميعَ الفرائضِ الله عَزَّ وجَلَّ عليهم التي
فيها صومُ شهر رمضان، وحجُّ البيت، وسائرُ ما افترضَ الله عليهم
سوى ذلك. والله عَزَّ وجَلَّ نسأله التوفيق.
-٤٥٥-
كتاب التفسير - الروم ١-٤
٨٨٢- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله
في البِضْعِ ما هو؟
٦١٢٩- حَدَّثْنَا أبو أمية، قال: حَدَّثَنَا معاويةُ بنُ عمرو الأزديُّ،
قال: حَدَّثْنَا أبو إسحاق الفزاري، عن حبيب بنِ أبي عمرة، عن سعيد
بن جُبَيْرٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: كَانَ المسلمون يُحِبُّونَ أن تظهرَ الرومُ
على فارس، لأنّهم أهلُ كتابٍ، وكان المشركون يُحِبُّونَ أن تظهر فارس
على الرومِ، لأنّهم أهْلُ أوثانٍ، فذكر ذلك المسلمون لأبي بكرٍ رضي
الله عنه، فذكر ذلك أبو بكر للنبيِّ ◌َ﴿، فقال له رسولُ اللهِلَ﴿: ((إنّهم
سَيُهْزَمُونَ) فذكر ذلك أبو بكر لهم، فقالوا: اجْعَلْ بيننا وبينَكَ أَجَلاً،
فإن ظَهَرُوا، كان لك كذا وكذا، وإن ظهرنا، كان لك كذا وكذا،
فجعل بينهم أجلاً خمسَ سنين، فلم يظهروا، فذكر ذلك أبو بكر للنبيِّ
﴿ فقال: ((ألا جعلته دُونَ البضع)) قال: دونَ العَشَرَةِ.
قال: وقال سعيدُ بنُ جبير: والبِضعُ ما دونَ العشر، قال: فظهرت
الرومُ بعد ذلك، قال: فذلك قولُه عَزَّ وجَلَّ: ﴿الم. غُلِبَتِ الرُّومُ خْ أَذَنَى
الأرْضِ وهُمْ مِنْ بَعْدٍ عَلِهِمْ سَيَعْلُونَ. فيْ بِضْعِ سِنَ﴾ [الروم: ١ -٤]، قال:
فَغُلِبَتِ الرومُ ثم غَلبت بَعْدُ، فقال الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿اللّهِ الأمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ
وبِوَصٍِّ يَغْرَجُالمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللهِ﴾ [الروم:٤](١).
(١) إسناده صحيح، ورواه أحمد ٣٠٤/١، والترمذي (٣١٩٣)، والحاكم
-٤٥٦-
کتاب التفسیر - الروم ١-٤
قال أبو إسحاق: قال سفيانُ، سَمِعْتُ أنهم ظهروا عليهم يَوْمَ
بدر.
قال أبو جعفر: وفي إسناد هذا الحديثِ إسقاطُ سفيان بَيْنَ أبي
إسحاق الفَزاري وبين حبيب بن أبي عمرة، فاحتمل أن يكونَ ذلك من
أبي أُميَّة واحتمل أن يكون مني، غير أن ما عقب به أبو إسحاق هذا
الحديث من قوله: ((قال سفيان: سمعت أنهم ظهروا عليهم يوم بدر))
يَدُلُّ أن بين أبي إسحاق وبين حبيب في إسناده سفيان.
٦١٣٠- وحَدَّثْنَا عُبيد بنُ رجال، ومحمدُ بنُ سِنان الشِّيرَزِي،
قالا: حَدَّثَنَا الُسيَّبُ بن واضحٍ، قال: حَدَّثْنَا أبو إسحاق الفَزاري، عن
سفيانَ، عن حبيبِ بنِ أبي عمرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباسٍ
رضي الله عنهما ثم ذکرا مثله.
فتحققنا بذلك دخولَ سفيان في إسنادٍ هذا الحديث بَيْنَ أبي
إسحاق، وبَيْنَ حبيب بن أبي عمرة.
٦١٣١- ووجدنا يحيى بنَ عثمانَ قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثَنَا نعيمُ
بنُ حمادٍ، قال: حَدَّثَنْا عبدُ الله بنُ المبارك، قال: حَدَّثْنَا يونسُ بنُ يزيد،
٤١٠/٢، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) ٣٣٠/٢-٣٣١، والطبراني في ((الكبير))
(١٢٣٧٧) من طرق عن معاوية بن عمرو، عن أبي إسحاق الفزاري، عن سفيان
التوري، عن حبيب بن أبي عمرة، به.
ورواه البخاري في («تاريخه)) ٣٢٢/٢، وابنُ جرير في ((جامع البيان) ٦/٢١ من
طريق محمد بن سعيد التغلي، عن أبي إسحاق الفزاري، عن سفيان، به.
-٤٥٧-
كتاب التفسير - الروم ١-٤
عن الزهري، قال: أخبرني عُبَيْدُ اللهِ بنُ عبد الله، عن رجلٍ من أصحابِ
رسول الله﴿، قال: لما نزلت: ﴿الم غُلَتِ الرُّومُ﴾ لقي أبو بكر رضي الله
عنه رجالاً من المشركين، فقال لهم: إنَّ أهلَ الكِتاب سيَغْلِبُونَ على
فارس، قالوا: في كم؟ قال: في بضع سنين، قال: ثم خاطروا بينهم
خطراً، وذلك قَبْلَ أن يُحرم القمارُ عليهم، فجاء، أبو بكر رضي الله
عنه فأخبر رسولَ الله :﴿و بذلك، قال له رسولُ اللهِمَ﴿ّ: ((ما دُونَ العشر
مِن البضع)) فكان ظهورُ فارس على الرومٍ لِسبع سنين، ثم أظهر الله
الروم على فارس زَمَنَ الحُديبية، ففرح المسلمون بظهور أهل الكتاب،
وكان ظهورُ المسلمين على المشركين بَعْدَ الحديبية.
قال أبو جعفر: فكان في هذا الحديثِ مِن كلام رسول الله { 14.
لأبي بكر رضي الله عنه ((فإنَّ ما دُونَ العشر من البضع)) فعقلنا بذلك
أن نهايةَ البضع دون العشر، واحتجنا إلى الوقوف على مقدار قليل
البِضْعِ ما هُوَ
٦١٣٢- فوجدنا محمدَ بنَ علي بن زيد المكيَّ قد حَدَّثْنَا، قال:
حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ المنذر الحِزَاميُّ، قال: حَدَّثْنَا مَعْنُ بنُ عيسى، عن عبدٍ
الله بنِ عبد الرحمن الجُمَحِي، عن ابنِ شهاب، عن عُبيد الله بنِ عبد الله،
عن ابنِ عباس رضي الله عنهما، قال: لما نَزَلَتْ: ﴿الم. غُلِبَتِ الرُّومُ﴾
نَاحَبَ أبو بكر قريشاً، فَذَكَرَ ذلك لرسول اللهِ ﴾، فقال رسولُ الله
#: ((هَلاًّ اخَطْتَ، فإِنَّ البضْعَ مَا بَيْنَ الثلاثِ إلى التَّسْعِ))(١).
(١) رواه الترمذي (٣١٩١)، وابنُ جرير ١٧/٢١ من طريقين عن عبدِ الله بن
-٤٥٨ -
کتاب التفسیر - الروم ١-٤
٦١٣٣- ووجدنا أحمدَ بنَ شعيبٍ قد حَدَّثْنَا، قال: أنبأنا بشْرُ بنُ
هلال البصري، قال محمدُ بنُ خالد - يعني ابن عَئمة-، قال: حَدَّثَنَا عبدُ
الله بن عبد الرحمن الجُمَحِي، قال: حَدَّثْنَا الزُّهري، عن عُبيدِ الله، عن
ابنِ عباس رضي الله عنهما أن رسولَ اللهِ﴿ قال لأبي بكر في مُنَاحَبَتِهِ:
﴿الم، غُلِبَتِ الرُّومُ﴾: «ألا اخْتطت يا أبا بكرٍ، فإنَّ البِضْعَ ما بَيْنَ الثلاثِ
إلى التسع)).
٦١٣٤- حَدَّثَنَا رَوْحُ بنُ الفرج، قال: حَدَّثْنَا محمدُ بنُ سليمان
لُوَيْن، قال: حَدَّثْنَا ابنُ أبي الزناد عن أبيه، عن عروة، عن ◌ِيار بن مكرم
وكانت له صُحبة، قال: لما نزلت: ﴿الم، غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ خرج بها أبو بكر
إلى المشركين، فقالوا: هذا كلامُ صاحبك، قال: الله أنزل هذا، قال:
وكانت فارسُ قد غَلَبَتْ على الروم، فاتخذوهم شبهَ العبيدِ، وكان
المشركون يكرهون أن يَغْلِبَ الرومُ على فارس، لأنهم أهل جَحْدٍ
وتكذيبٍ بالبعثِ، وكان المسلمون يُحبون أن يَغْلِبَ الرومُ فارساً،
لأنهم أهلُ كتاب وتصديق بالبعث، فقالوا لأبي بكر: نُبَايِعُك على أن
الرومَ لا تغلب فارساً، قال أبو بكر رضي الله عنه: البضعُ ما بَيْنَ
الثلاثِ إلى التسع، فقالوا: الوسط من ذلك ستٌّ لا أقل ولا أكثر،
فوضعوا الرِّهانَ، وذلك قبل أن يُحرَّم الرِّهان، فانقلبَ أبو بكر رضي
عبد الرحمن الجمحي، به. والمناحبة: المخاطرة والمراهنة.
-٤٥٩ -
كتاب التفسير - الروم ١-٤
الله عنه إلى أصحابه، فأخبرهم الخبرَ، قالوا: بِئْسَ ما صنعت ألا أقررتَها
على ما قاله الله عَزَّ وجَلَّ، لو شاء الله أن يقول ستاً، لقال.
فلما كانت سنةُ ست، لم تظهر الرومُ على فارس، فأخذوا
الرِّهان، فلما كانت سنةٌ سبع، ظهرت الرومُ على فارس، فذلك قولُه
عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَيَوْمِّدِ يَفْرَجُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللهِ﴾.
قال أبو جعفر: ففي الحديث الأول من هذين الحديثين من كلام
رسول الله ﴿: ((بأن البضع ما بَيْنَ الثلاث إلى التسع)) وفي الحديث
الثاني منهما من كلام أبي بكر رضي الله عنه: «البِضْعُ ما بَيْنَ الثلاثِ
إلى التسع)) فعقلنا بذلك أن البضعَ من الثلاث لا أقلّ منها إلى التسع لا
أكثر منه، ولم تجد في هذا الباب عن رسول الله﴿ ولا عن أصحابه
غيرَ ما قد رويناه في هذا الباب.
وكان ما في حديث عُبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس من
حديثي محمد بن علي بن زيد، وأحمد بن شعيب من ذكر قليل البضعِ
قد دَلْنَا أن المرادَ بما في حديث عُبيد الله من حديث يحيى بنِ عثمان، عن
نعيم، فإنَّ ما دُونَ العشر من البضع يُراد به مما هو ثلاث إلى ما هو أكثرُ
منها إلى التسع حتى تَصِحَّ هذه الآثار ولا تضاد بعضها بعضاً، ثم طلبنا
البضع في كلام العرب ما هو:
فوجدنا ولاداً النّحوِيَّ قد حَدَّثْنَا قال: حَدَّثْنَا المصادري، عن أبي
عُبيدة معمر بن المثنى، قال: البِضْعُ ما بَيْنَ الواحدِ إلى الأربعة.
ووجدنا الخليلَ بنَ أحمد وغيره مِن أهل اللغة قد خالفوه في ذلك،
- ٤٦٠-