النص المفهرس
صفحات 401-420
كتاب التفسير - سورة الإسراء
العرب لا يشعرون بذلك يعني قولَه عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ مَِعَمْتُمْ مِنْ
دُوِفَلَيْلِكُونَ كَشْفَ الُّرِ عَنْكُمْ وَلاَ تَخْوِلاًأولِكَ الَّذِينَيَدْعُونَ يَتَغُونَ
إلى مرَّهِمُالوَسِيلَةَ أُمِ أَقْرَبُ وَيْبِحُونَ تَخْصَّهُ وَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّعَذَابَ رَّبِّكَ
كَانَ مَحْذُوراً﴾(١).
فأنكر منكر هذين الحديثين، وقال: إنما أُريد بهذه الآية
فذكر ما قد حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حَدَّثَنَا أبو عاصم،
عن عيسى بن مَيْمون، عن ابن أبي نَحِيح، عن مُحَاهد: ﴿يَتَغُونَ إلى
سَبِهِمُ الَوسيلةَ﴾: عيسى وعزير صلى الله عليهما والملائكة.
وقال هذا المنكر: الذين علمنا أنهم عُبِدُوا من دون الله عَزَّ وجَلَّ
لا من سواهم من الجن.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ وعونه أنَّ ما قال
ابنُ مسعود رضي الله عنه في ذلك أوْلى مما قاله مُجاهد فيه لموضعه مِن
رسول الله ﴿، والجن فقد وجدنا الله عَزَّ وجَلَّ أنبأْنَا في كتابه أنَّ بعض
الإِنس قد كانوا يعبدونهم بقوله عَزَّ وحَلَّ: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ
نَقُول(٢) لِمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ أَيَّاكُمْ كَانُوايَعْبُدُ ونَ قَالُوا سُبْحَكَ أَنْتَ وَلَيْنَا مِنْ
(١) رواه مسلم (٣٠٣٠) (٣٠)، وابن جرير ١٠٤/١٥ من طريقين، عن عبد
الصمد بن عبد الوارث، عن أبيه، عن حُسين، عن قتادة، به.
(٢) قراءة عامة القُرَّاءِ ﴿ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول ... )) بالنون فيهما، وقرأ
-٤٠١ -
كتاب التفسير - سورة الإسراء
دُوِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّأَكْثَرُهُمْبِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤٠-٤١]
ولا نعلمُ عن أحدٍ من أصحاب رسول الله { # في تأويل الآية التي أتينا
بهذا الكلام من أجلها غير ما رويناه فيه عن ابنٍ مسعود رضي الله عنه
في الحديثين الأوَّلين، وليس يَصْلُحُ خلاف مثلِ ذلك إلى قولِ مجاهد، لا
سيّما وقد أخبر ابنُ مسعود في أحد حديثيه بنزوله بأولئك النفر
الإِنْسِيِّين الذين كانوا يعبدُون النفر الجنيين. والله نسأله التوفيق.
حفص: ﴿ويوم يحشرهم جميعاً ثم يقول ... )) بالياء فيهما.
قال ابن جرير ١٠٦/١٥: وأولى الأقوال بتأويل هذه الآية قولُ عبد الله بن مسعود
الذي رويناه عن أبي معمر عنه، وذلك أنَّ الله تعالى ذِكْرُه أخبر عن الذين يدعوهم
المشركون آلهة أنهم يبتغون إلى ربهم الوسيلة في عهد النبي *، ومعلوم أن عُزيراً لم
يكن موجوداً على عهد نبينا عليه الصَّلاة والسلام، فيبتغي إلى ربِّه الوسيلة، وأن
عيسى قد كان رُفِعَ، وإنما يبتغي إلى ربه الوسيلة من كان موجوداً حياً يعمل بطاعة
الله، ويتقرَّبُ إليه بالصالح من الأعمال.
-٤٠٢ -
كتاب التفسير - الإسراء ١٠١
٨٧٣ - بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ علیه السَّلامُ ثُمَّ
عَنِ ابنِ عباسٍ ممَّا يُحيط علماً أنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ إلاَّ بأخذِهِ إِيَّه عَنْهُ
إذ كان مثلُهُ لا يُوجَدُ إلا عَنْهُ، ولا ممَّا يُدْرَكُ بالرأي، ولا مِنَ
استنباط ولا من استخراج في التسع الآيات التي أُوتیھا مُوسَی
صلَّى اللهُ عليه وسلم
٦٠٨٢- حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ أبي داودَ، حَدَّثْنَا مُسَدَّدُ بنُ مُسَرْهَد،
حَدَّثْنَا يحيى بنُ سَعِيدٍ، عن شُعبةَ، حدثني عمرُو بن مرةً، عن عبدِ الله بن
سَلِمَةٍ، عَنْ صَفْوَانَ بنِ عَسَّالِ، قال: قال رَجُلٌ مِن اليهود لآخرَ: اذهب
بنا إلى هذا النبيِّ، فقال له الآخرُ: لا تَقُلْ هذا النبيُّ، فإنَّه إن سَمِعَها كان
لَهُ أربعةُ أعْين، فانطلقا إليه، فَسَألاه عن تِسعِ آياتٍ بينات، فقال:
◌َتَعْبُدُوا اللهَ لا تُشْرِكُوا بِهِ شيئاً، وَلاَ تَقْتُلُوا النّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إلاّ
بالحَقِّ، وَلا تَزْنُوا، وَلاَ تَسْرِقُوا، ولا تَفِرُّوا مِنَ الزَّحفِ، ولا تَسْحَرُوا،
ولا تَأْكُلُوا الرِّبَا، ولا تَمْشُوا بَِريءٍ إلَى سُلْطَانِ، وعَلَيْكُمْ يَهُودُ أن لا
تَعْدُوا فِي السَّبْتِ))، فقالا: نشهد أنك رسول الله(١).
(١) عبد الله بن سلمة المرادي؛ صدوق تغير حفظه.
ورواه الترمذي (٢٧٣٣) و(٣١٤٤)، وابن ماجه (٣٧٠٥)، وأحمد ٢٣٩/٤
و٢٤٠، والنسائي ١١١/٧-١١٢، والطيالسي (٢٢٤٢)، وابن جرير ١١٤/١٥،
وأبو نعيم في ((الحلية)) ٩٧/٥، والطبراني (٧٣٩٦) من طرق عن شعبة، به. قال
الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال الحاكم ٩/١: صحيح لا نعرف له عِلَّةً
بوجه من الوجوه، ووافقه الذهبي. وقال الحافظ ابن كثير ٦٧/٣: فهذا الحديث رواه
-٤٠٣-
كتاب التفسير - الإسراء ١٠١
قال أبو جعفر: هذا الحرف ((نشهد أنّك رسولُ الله) لم يَقُلْهُ أَحَدٌ
في هذا الحديثِ من أصحابِ شُعْبَةَ إلا يحيى بنُ سعيدٍ، فكانَ في هذا
الحديثِ أنَّ التسع آياتٍ الْتِي آتاها اللهُ مُوسَى هي التسعُ الآياتِ
المذكوراتُ في هذا الحديثِ، وأنها عباداتٌ لا نِذاراتٌ، ولا تَخويفاتٌ،
ولا وعيداتٌ.
وما عَلِمْنَا أحداً ثَمْنِ رَوَى هذا الحديثَ عَنْ شعبةٍ ضَبَطَ التسعَ
الآياتِ المذكوراتِ فيه غيرَ يحيى، وقد ظَنَّ بعضُهم أَنَّه قَدْ ضَبَطَها، عن
شعبةَ أيضاً بضبطٍ يحيى إِيَّاها عَنْهُ عبدُ اللهِ بنُ إدريسَ الأَوْدِيُّ.
وذكر في ذلك:
٦٠٨٣ - ما حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ شعيبٍ، أخبرنا أبو كُرَيب، عن ابن
إذْريس، أخبرنا شُعبةُ، عن عمرو، عن عبد الله، عن صَفْوانَ قال: قال
يهوديٌّ لِصاحبه: اذهبْ بنا إلى هذا النبيِّ، فقال صاحبُه: لا تَقُلْ نَبِيٌّ، لو
سَمِعَها كان له أربعةُ أعين، فأتيا رسولَ اللهِ:﴿، فسألاه عن تِسعِ آياتٍ
بَيَّاتٍ فقال لهم: «لاَ تُشْرِكُوا باللهِ شَيئاً، ولا تَسْرِقُوا، ولاَ تَزْنُوا، ولاَ
تَقْتُلُوا النّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إلَّ بِالحَقِّ، ولا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ إلى سُلْطَان،
ولاَ تَسْحَرُوا، وَلاَ تَأْكُلُوا الرِّبًا، وَلاَ تَقْذِفُوا الْمُحْصَنَةَ، وَلا تَوَلَّوْا يَوْمَ
هكذا الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن جرير في تفسيره من طرق عن شعبة بن
الحجاج، به، وقال الترمذي: حسن صحيح، وهو حديث مشكل، وعبد الله بن سَلِمَةً
في حفظه شيء، وقد تكلموا فيه، ولعله اشتبه عليه التسعُ الآيات بالعشر الكلمات،
فإنها وصايا في التوراة، لا تَعَلَّقَ لها بقيام الحجة على فرعون، والله أعلم.
-٤٠٤-
كتاب التفسير - الإسراء ١٠١
الزَّحْفِ، وعَلَيْكُمْ خَاصَّةً يَهُودُ أن لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ) فقبّلوا يديه،
ورجليه، وقالوا: نَشْهَدُ أَنَّك نبي قال: ((فَمَا يَمْنَعُكُمْ أنْ تَتْبِعُوني؟)) قالوا:
إنَّ داود دعا أن لا يَزَالَ مِن ذريته نبي، وإنا نخافُ إن تبعناك أن تقتلْنَا
یھودُ.
هكذا حدثناه ابنُ شعيب بلا شكُ منه فيه، ولا مِمَّن رواه عنه،
ولا مَّمِن فوقه مِن رواته فیه.
وكان ما ظن هذا الظاتُّ بخلاف ما ظنَّه، لأنه لو كان كما ظن،
لكان ابنُ إدريس قد زادَ على يحيى بن سعيد فيه آيةٌ أخرى، فصار
الذي فيه عشرَ آيات، وإنما الذي أخبر الله أنه آتاه موسى منها تِسْعُ
آيات لا عشرُ آيات.
ولكن حقيقةُ هذه الزيادة التي فيه مِن عبدِ الله على يحيى إنما هي
أن شعبة قد كان شك فيه بأخَرَة، فلم يَدْرِ: هَلْ مِنَ الآياتِ التي فيه
التّولي يوم الزحف، أو قذف المُحْصَنَةِ، وكان يُحَدِّثُ به كذلك إلى أن
مات، وكان سماعُ يحيى إياه منه بلا شك كان قبلَ ذلك.
والدليلُ على ما ذكرنا:
٦٠٨٤ - أن عبد العزيز بنَ معاوية بنِ عبد العزيز العَتّابي أخبرنا
خالدٌ، وإبراهیمُ بن مرزوق، وإبراهيم بن أبي داود، وأحمد بن داود قد
حدثونا، قالوا: حَدَّثَنَا أبو الوليدِ الطيالسي، حَدَّثْنَا شعبةٌ، عن عمرو بنِ
مُرَّةً، عن عبدِ اللهِ بنِ سَلِمَة، عن صفوان بن عسال: أنَّ يَهُودِيناً قال
لَصاحبه: تَعَالَ حتى نَسْألَ هذا النبيَّ، فقال الآخر: لا تَقُلْ له النبيّ، فإنّه
إن سَمِعَها صارت له أربعة أعينُ، فأتاه فسأله عن هذه الآية ﴿وَقَدْ آَثْنَا
- ٤٠٥ -
كتاب التفسير - الإسراء ١٠١
مُؤْسَد ◌َسعَآَيَاتِبَيْنَاتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١]، فقال: «لا تُشْرِكُوا بِالهِ شيئاً،
ولا تَقْتُلُوا النّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إلاّ بالحَقِّ، وَلاَ تَسْرِقُوا، ولا تَزْنُوا،
ولا تَسْحَرُوا، ولا تَأْكُلُوا الرَّبًا، وَلاَ تَمْشُوا بِبَرِيءٍ إلى سُلْطَان لِيَقْتُلَهُ،
ولا تَقْذِفُوا الْمُحْصَنَةَ أوْ تَفِرُّوا مِنَ الزَّحْفِ، وَعَلَيْكُمْ خَاصَّةٌ الَّهُودَ أن
لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ»، قال: فَقَّلُوا يَدَهُ، وقالُوا: نشهد أنك نِيٌّ، قال:
((فَمَا يَمْنَعُكُمْ أنْ تَتْبِعُونِي؟)، قالوا: إنَّ داودَ دعا أن لا يزالَ في ذُرِيَتِهِ
نبي، وإنّا نخشى إن ◌َتْبَعْنَاكَ أن تقتُلَنَا اليهودُ.
وأن بَكَّارَ بِنَ قُتيبة قد حَدَّثْنَا، حَدَّثْنَا أبو داود صاحبُ الطيالسة
حَدَّثَنَا شعبةُ، ثم ذَكَرَ مثلَ حديثٍ أبي الوليد بالشَّكِّ الذي فيه.
وأن عبدَ الملك بن مروان الرَّقي حَدَّثْنَا قال: حَدَّثْنَا حجاجُ بنُ
محمد حَدَّثَنَا شعبةُ، وزاد: أنَّ ذلك الشك من شعبة.
فَعَقَلنا بذلك انفرادَ يحيى بن سعيد بهذا الحديث عن شعبة خالياً
من الشك فيه دونَ ابنِ إدريس، ودونَ مَنْ سواه ممن رواه عن شعبة ممن
ذكرناه في هذا الباب.
فهذا ما وجدناه في هذه الآياتِ عن رسول الله عليه السَّلامُ،
والموضعُ الذي وقع فيه الشَّكُّ منها هو موضعٌ يَحبُ أن يُوقَفَ على
الفائدة فيه، وهو ما قد دَلَّ أن حُكْمَ الله تعالى كان تحريمَ الفِرارِ مِن
الزحف مما تعبَّدَ به نبيَّه موسى عليه السَّلامُ، ومما لم يَنْسَخْهُ بعدَ ذلك
حتى صار مِن شريعةٍ نبينا، وكان في ذلك دفعٌ لِقولٍ مَنْ قال: إنَّ قولَ
اللهِ تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَّهِمِ يَوَصَّذِ دِبْرَهُ﴾ الآية [الأنفال: ١٦] التي ذكرها في
-٤٠٦-
كتاب التفسير - الإسراء ١٠١
سورة الأنفال، إنما كان ذلك في يومٍ بَدْرِ خاصة، وأن حُكْمَهُ ليس فيما
بعده.
فأما ما ذكرنا أنه قد رُوِيَ عن ابنِ عباس في تأويلها، وفي التسع
الآيات المذكورات فيها:
٦٠٨٥- فإنَّ يحيى بنَ عثمان حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثْنَا عبدُ الغفَّارِ بنُ
داوود الحرَّاني أبو صالح، حَدَّثَنَا عَتَّابُ بنُ بشير، عن خُصيف، عن
عِكْرِمَة، عن ابن عباس في قوله: ﴿تِسْعَ آيَاتٍبَيَّنَاتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١]،
قال: اليد، والعصا، والطوفانُ، والجراد، والقمل، والضفادع، والدَّمُ،
والسنين، ونقص من الثمرات.
غَيْرَ أَنَّا تأملنا ما رُوِيَ عن ابنِ عباس في ذلك مِن غيرِ طريقٍ
عِكْرمة مولاه، فوجدنا عن سعيد بن جبير عنه في ذلك مما ذكره في
حديثه في الفتون:
٦٠٨٦- كما قد حَدَّثَنَا عليٌّ بنُ شيبة، حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ هارون،
أخبرنا الأصبَغُ بنُ زيد، حَدَّثْنَا القاسم بن أبي أيوب، حدثني سعيدُ بنُ
جُبَيْر، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ عن قولِه تعالى لموسى ﴿وَقَتَنَاكَ قْتُونَ﴾ [طه:
٤٠] فسألتُه عن الفتون ما هو؟ قال: اسْتَأْنِفِ النَّهَارَ يا ابنَ جُبير، فإن
لها حديثاً طويلاً، فلما أصبحتُ غَدوتُ إليه لأنْتَجِزَ منه ما وعدني،
فَذَكَرَ عنه ما ذكر عنه في حديثه إلى أن ذَكَرَ قولَ موسى لِفرعون: أريدُ
أن تُؤْمِنَ بالله تعالى، وتُرْسِلَ معي بني إسرائيل، وأن فرعونَ أبى عليه
ذلك، فقال: الْتِ بآيةٍ إن كنت مِن الصَّادِقِين، فألقى عصاه، فإذا هي
حيّةٌ عظيمة فاغِرَةٌ فاها، قاصِدة مُسْرِعَة إلى فرعونَ، فلما رآها فرعونُ
-٤٠٧ -
كتاب التفسير - الإسراء ١٠١
قاصدةً إليه، خافها، فاقتحم عن سريرِه، واستغاث بموسى أنْ يَكُفَّهَا
عنه، ففعل، ثم أخرج يَدَهُ من جيبه، فرآها بيضَاء مِن غير سوءٍ من غير
بَرَصٍ، ثم ردَّها، فعادت إلى لونها الأول، ثم ساق الحديث حتى بلغ
ذكر مكث موسى لمواعيدٍ فرعونَ الكاذِبَةِ، كلما جاءه بآية، وعده
عندها أن يُرْسِلَ معه بني إسرائيلَ، فإذا مضت، أخلف موعدَه، وقال:
هل يستطيعُ رُبُّكَ أن يصنع غيرَ هذا؟ فأرسل اللهُ عليه وعلى قومه
الطُّوفانَ، والجراد، والقُمَّلَ والضفادِعِ، والدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ، كل
ذلك يشكو إلى [موسى]، ويَطْلُبُ إليه أنْ يَكُفِّهَا عنه، ويُوافِقُه على أن
يُرْسِلَ معه بني إسرائيل، فإذا كفَّ ذلك عنه، نَكَثَ عهدَه، وأخلف،
حتّى أُمر موسى عليه السَّلامُ بالخروج بقومه، فخرج بهم ليلاً، فلما
أصبح فرعونُ، ورآهم قد مَضَوْا أرسل في المدائن حاشرين، فَتَبعَهُم جندٌ
عظيمةٌ كثيرةٌ، وأوحى الله إلى البحر: إذا ضربك عبدي موسى بعصاه،
فَانْفَرِقْ اثْنِي عَشْرَة فرقة حتى يجوزُ موسى ومَنْ معه، ثم الْتَقِمْ على مَنْ
بَقِيَ من فرعونَ وأشياعه، ثم ذكر ما كان مِن الله تعالى مما أهلك بهِ
فرعونَ وقومَه مِن الغرق حتى بلغ إلى ما كان مِن الله تعالى فيما كان
منه في قومٍ موسى عليه السَّلامُ، وأنه نَتَقَ عليهم الجَبَلَ كَأَنَّه ظُلَّةٌ، ودنا
منهم حتى خافوا أن يَقَعَ عليهم، ثم ذكر ما بَعْدَ ذلك في حديث الذي
ذكرنا حتى بلغ إلى موضع تحريم الله تعالى على مَنْ حَرَّمَ مِن القوم
الذين سماهم موسى قَبْلَ ذلك فاسقين، ثم ابتلاهم بما ابتلاهم به مِن
التّيهِ فِي الأرْضِ التي ابتلاهم بالتّيه فيها أربعينَ سنةً يتيهون في الأرض،
فَيُصْبِحُونَ كُل يومٍ، فيسيرون ليس لهم قرار، ثم ظَلِّلَ عليهم الغَمَامَ في
-٤٠٨ -
كتاب التفسير - الإسراء ١٠١
التيه، وأنزل عليهم الَّنَّ والسَّلْوى، وجعل لهم ثياباً لا تبلى، ولا تَتْسِخْ،
وجَعَلَ بِينِ ظَهْرَانِيْهِمْ حجراً مُرَبَّعاً، وأمر تعالى موسى، فضربه بعصاه
فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً في كل ناحية ثلاثةُ أعين، وأعلم كُلَّ
سِبْطٍ عينَهم التي يشربون، ولا يَرْتَحُلُونَ مِن مَنْقَلَةٍ إلا وَجَدُوا ذلك
الحَجَرِ منهم بالمكانِ الَّذي كان منهم بالأمسِ. رفع ابنُ عباس هذا
الحديثَ إلى النبيِّ عليه السَّلامُ(١).
قال أبو جعفر: فكان ما في هذا الحديث من الآيات التسعِ سبعَ
آياتٍ كانت مِن الله تعالى قبل تغريقه فرعون وقومه في البحر، وهي
عصا موسى ويدُه، وإرسالُه على فرعون وقومه الطوفانَ، والجرادَ،
والقُمَّلَ، والضَّفَادِ عَ، والدَّمَ.
ومنها ما بعد تغريقه فرعون وقومه ما قد ذكرناه في في هذا
الحديثِ مِن نَتْقِهِ الْجَبَلَ على مَنْ نَتَقَهُ، ومِنَ التيه الذي ابْتَلَى به مَن
ابتلاه، ومما كان منه تعالى في ذلك مِن تظليله عليهم الغمامَ في الْتّه،
(١) أصبغ بن زيد: صدوق يغرب. قال الحافظ ابن كثير في ((تفسيره)) ١٥٣/٣:
موقوف من كلام ابن عباس، وليس فيه مرفوع إلى قليل منه، وكأنه تلقاه ابنُ عباس
رضي الله عنهما مما أُبِيحَ نقلُه من الإسرائيليات عن كعب الأحبارِ أو غيره، ونقل ابن
كثير عن شيخه أبي الحجاج المزي أنه سمعه يقول ذلك.
ورواه النسائي في التفسير من ((الكبرى) كما في «التحفة)) ٤٣٨/٤ من طريق عبد
الله بن محمد، عن يزيد بن هارون به.
ورواه ابن جرير في ((تفسيره)) ١٦٤/١٦-١٦٧، وأبو يعلى (٢٦١٨) من طريق
یزید بن هارون، به.
-٤٠٩-
كتاب التفسير - الإسراء ١٠١
وإنزالِه عليهم المَنَّ والسَّلْوى، وبما جعل لهم من الثيابِ التي لا تبلى ولا
تَتْسِخُ، ومما جعل بين ظهرانيهم من الحجر الموصوف في هذا الحديث،
ومما كان من موسى فيه من ضربه إياه بعصاه حتى انفجرت منه اثنتا
عشرة عيناً من كل واحدة منه ثلاثةُ أعين، وإعلامه كُلَّ سِبْطٍ عينهم
التي يشربون، ومِن أنهم كانوا لا يرحلون مِن منقلة إلا وجدوا ذلك
الحَجَرَ منهم بالمكانِ الذي كانوا منه بالأمس، والله أعلمُ ما الآيتان
البقيتان بعدَ السبع الآياتِ التي كانت قبل تغريق فرعونَ وقومه من هذه
الأشياء، وصار هذا الحديث مرفوعاً إلى النبي عليه السَّلامُ.
ثُمَّ اعتبرنا ما يُروى عمن قدرنا عليه ممن قد رُوِيَ عنه في ذلك
شيءٌ هَل هُوَ موافقٌ لما رويناه عن ابنِ عباس، عن النبي عليه السَّلامُ،
وعن صفوان في ذلك؟
فوجدنا أحمد بنَ داود حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثَنَا إسماعيلُ بنُ سالم،
أخبرنا هُشَيْمٌ، أخبرنا منصور، عن الحسنِ، ومغيرة، عن الشعبيِّ في قوله
تعالى: ﴿تسع آيات بينات﴾ [الإسراء: ١٠١] قال: الطَّوفاتُ، والجرادُ،
والقُمَّلُ، والضَّفَادعُ، والدَّمُ، ويده، وعصاه، والسنون، ونقص مِن
الثمرات.
ووجدنا أحمدَ قد حَدَّثْنَا قال: حَدَّثْنَا موسى بنُ إسماعيل، حَدَّثْنَا
ابنُ المبارك، عن إسماعيل، عن أبي صالح، وعكرمة مثلَه.
ووجدنا عبد الله بنّ محمد بن سعيد بن أبي مريم قد حَدَّثْنَا قال:
حَدَّثَنَا الفِرِيابِيُّ، حَدَّثْنَا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ مثلَه.
وكانت الآياتُ المذكوراتُ في حديث ابنِ عباس، وفي أحاديثٍ
- ٤١٠ -
كتاب التفسير - الإسراء ١٠١
من ذكرناه معه من التابعين نِذَارَاتٍ وتخويفاتٍ، ووعيداتٍ، وكانت
الآياتُ هي العلامات، قال الله تعالى: ﴿وَجَلْنَا ابْنَ مَرَّكَمَ وَأَسُّهَآيَةَ﴾
[المؤمنون: ٥٠]، وقال: ﴿وَجَعَلْنَا اللَيلَ وَالنَّهَارَ آَيْنَيْنِ﴾ [الإسراء: ١٢]
فكانت تلك الآياتُ حججاً على الخلق، لأنهم يعلمون أنها لا تكون
إلا مِنْ عند الله تعالى، وأن المخلوقين عاجزون عنها، فيعقِلُون مع ذلك
أنَّ الله إذا لم يكن منهم الرجوعُ إلى أمره مما جاءهم به مِن أجله
معاقبھم ومُعَذِّبُهم.
والآيات أيضاً فقد تكون عبادات. ومن ذلك ما ذكره الله تعالى
عَنْ عبده ونبيه زكريا عليه السَّلامُ من قوله: ﴿رَبّ اجْعَل لِي آَيَّةٍ﴾ [مريم:
١٠]، ومِن قولِ اللهِ تعالى له: ﴿أَيُكَّ ◌ُكَلِمَ الَّسَ ثَلاثَةَ أَكْمِإلاَّ ◌َمْنَا﴾
[آل عمران: ٤١] في أحد الموضعين اللذين ذكر ذلك فيهما في كتابه،
وفي الموضع الآخر منهما قال: ﴿آُّكَ الْأَنْكَلِمَ النَّاسَ ثَلاَثَ لَيَالِ سَوِيٍ﴾
[مريم: ١٠]، فكان تصحيحُ ما في حديث ابن عباس، وما في حديث
صفوان في ذلك، إنما في حديث صفوان هو على الآياتِ التي تعبدُوا
بها، وكان ما في حديث ابنِ عباس هو الآيات التي أُوعِدُوا بها
وخُوِّفُوها، وأَنْذِرُوا بها إن لم يعملوا ما تُعُبِّدُوا به، ما قد بيَّنَه لهم على
لسانِ رسولِه عليه السَّلامُ فصحَّ ذلك ما في الحديثين جميعاً، وعَقَلْنَا عن
رسولِ الله عليه السَّلامُ أن مرادَه بما في أحدهما غيرُ مراده بما في الآخر
منهما، والله نسألهُ التوفيقَ.
وسأل سائِلٌ، فقال: فيما قد وريته عن ابنِ عباس، وعن صفوان
- ٤١١ -
كتاب التفسير - الإسراء ١٠١
ما قد وقفنا به على أنَّ اللهَ تعالى قد كان أتى نبيّه موسى عليه السَّلامُ
ثماني عشرة آية، في كُلِّ واحدٍ من الحديثين اللَّذَيْنَ رويتهما منه تسعُ
آيات، وإنما في الآية التي ذكرت هذين الحديثين من أجلها إيتاؤه إيّاه
تسعُ آياتٍ، وهي قوله: ﴿وَلَقَدْ أَتَيْنَا مُوسَى تسعَ آيَات﴾ [الإسراء: ١٠١]،
ولم يذكر فيها من الآيات أكثرَ من ذلك فالحاجة بنا من بعد إلى
الوقوف على التسع الآيات المذكورات فيها ما هي؟ قائمةٌ.
فكان جوابُنا في ذلك بتوفيقِ الله وعونه أن في الآية التي تلاها
قولَه تعالى: ﴿فَاسَّْبَنِإِسْرَائِلَإِذْ بَاء هُمْ فَقَالَ لَهُفِعَوْن ◌ِي ◌َظُنّكَا مُوسَى
مَسَحُوماً﴾ [الإسراء: ١٠١].
فعقلنا بذلك أنَّ موسى إنما كان جاء بني إسرائيلَ بما كان الله
تعالى تعَّدَهُمْ به حينئذٍ لا بما سواه، ولأنّه ليس من أُرسل إلى قومٍ بما
تُعُبِّدُوا به يأتيهم بِنذارَاتٍ، ولا وعيداتٍ، ولا تخويفات، وإنما يأتيهم بما
أرسل به إليهم لا بما سواه، فإن أجابوه إلى ذلك وقَبلُوه منه، اكتفي
بذلك منهم، وحملهم عليه، وغني بذلك عما سواه مِن النّذارات
والتخويفات، ومن الوَعِيدَات، فلما قابله فرعونُ لما جاءهم بها بما قابله
به فيهم مِن حبسهم، ودعواه ربوبيتهم بما حكاه الله تعالى عنه من قوله
لهم: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهِ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]، ومن قولهِ لموسى
لما قال له ما قد ذكرنا فيما قد رويناه من حديث الفتون في هذا الباب
لما جاءه هو وأخوه هارون عليهما السَّلامُ من قوله لما سأله عما يريد
فقال له موسى: تُؤْمِنُ بالله تعالى، وتُرْسِلُ معي بني إسرائيل، ومن قولٍ
فرعونَ عند ذلك: ﴿انت بآيةٍ إِن كُنْتَ مِن الصادقين﴾ فجاءه موسى مِن
- ٤١٢ -
كتاب التفسير - الإسراء ١٠١
الآيات بما جاءه به مما قد رويناه في هذا البابِ من التخويفات
والنّذارات والوعيدت، فلما عتا عن ذلك، وتمادى في كُفْره، وفي إباءته
على موسى ما دعا بني إسرائيلَ إليه، جاءه مِن الله حقيقةٌ وعيده،
فأهلكه وقومَه الَّذِينَ اتبعوه بما أهلكهم به مما ذكره تعالى في كتابه،
وعلى لسان رسوله محمد عليه السَّلامُ فيما رويناه من حديث الفتون
عن ابن عباس.
وفيما ذكرناه مِن ذلك ما قَدْ بَانَ به ما الآياتُ التسعُ من الثماني
عشرة الآيةِ التي ذكرنا، وإنما كان قصدُنا في هذا الجوابِ إلى حديث
ابنِ جُبَيْر عن ابن عباس في الفتون دونَ حديثٍ عِكرمة مولاه عنه
اللَّذِيْنِ رويناهما في هذا الباب، لأن الذي في حديث ابنِ جُبير هي التي
خُوُف بها موسى فرعون، وأوعبده بها حينَ لم يُؤمن، ولم يُحِبْهُ إلى
إرسال بني إسرائيلَ معه.
وحديثُ عكرمة في تحقيق الآيات التسع المرادات بقوله: ﴿وَكَفَّدْ
أَنَا مُوسَىِ سْعَ آيَاتٍ بَيْنَاتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١] وذلك مما قد دفعه حديثُ
صفوان عن رسول الله عليه السَّلامُ، لأن حديثَ صوان هذا مخرجُه
تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تَسْعَ آيَاتٍ بَيْنَاتٍ﴾ كما مخرجُ حديثٍ
عكرمة عن ابنِ عباس أن تلك الآياتِ هي الآياتُ التي ذكرها في حديثه
عنه، فَضَادَّ ذلك حديثَ صفوان، وليس لأحدٍ مع رسولِ الله عليه
السَّلامُ حُجَّةٌ، ولأن معقولاً أنَّ الذي في حديث عِكرمة هذا محالٌ، لأن
فيه المجيئ بالنّذارات، والوعيدات والتخويفات قبلَ المجيء بالشريعة التي
تكون هذه الأشياء عند إباءتها. والله نسألُه التوفيقَ.
-٤١٣ -
كتاب التفسير - سورة الكهف
٨٧٤- بابُ بیانِ مُشکل مرادٍ رسول الله# في تلاوته: ﴿وکان
الإنسانُ أكثر شيءْ جَدَلاً﴾ [الكهف: ٥٤] عند قولٍ علي عليه
السَّلامُ لما قال له ولفاطمة عليهما السَّلامُ: ((ألا تُصلیان»: إنما
أُنْفُسُنا بیدِ الله عَزَّ وجلّ إن شاء أن یبعثنا بعثنا
٦٠٨٧ - حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ عبد الرحمن بن وهب، قال: حَدَّثَنَا
شعيبُ بنُ الليث بن سعد، عن أبيه، عن عُقيل بنِ خالد، عن ابنِ
شهاب، قال: أخبرني عليُّ بنُ الحسين، أن حُسَيْنَ بن علي حدثه، عن
علي بن أبي طالب عليه السَّلامُ: أَنَّ رسولَ الله ﴿ٌ طَرَقَهُ هو وفاطمة
ابنة رسول اللّهَ﴿، فقال: (ألا تُصَلُّونَ؟) فقلتُ: يا رسول الله، إنما
أنفسنا بيدِ الله عَزَّ وجَلَّ، إن شاء أن يَبْعَثَنَا بعتنا، فانصرفَ رسولُ الله
﴿* حينَ قلتُ له ذلك، ولم يَرْجِعْ إلى شيئاً، ثم سمعتهُ وهو مدبرٌ يَضْرِبُ
فخذه ويقول: ﴿وَكَانَ الإنسانُ أكثرَ شَيءٍ جَدَلاً﴾(١).
٦٠٨٨ - وحَدَّثْنَا يزيدُ بنُ سِنان وإبراهيمُ بنُ أبي داود، قالا:
(١) إسناده صحيح، ورواه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٩٥٥) من طريق يحيى
بن بكير، وابن خزيمة (١١٤٠) عن محمد بن رافع، عن أبي عمير حجين بن المثنى،
كلاهما (يحيى وحجين) عن الليث بن سعد، به. ووقع عند ابن خزيمة: ((حسن بن
علي)) بدل: ((حسين بن علي))، وقال: كذا قال لنا ابن رافع أن حسن بن علي حدثه.
والصواب: ((حسين بن علي)) كما قال الدارقطني في («العلل)) ٩٨/٣- ١٠٠.
ورواه أحمد (٥٧١) و(٩٠٠)، والبخاري (١١٢٧) و(٧٣٤٧) و(٧٤٦٥)،
والبزار (٥٠٣)، وأبو عوانة ٢٩٢/٢ و٢٩٢-٢٩٣ و ٢٩٣، وأبو نعيم ٦٨/١ -٦٩
و١٤٣/٣-١٤٤، والبيهقي ٥٠٠/٢ من طرق، عن ابن شهاب الزهري، به.
-٤١٤-
كتاب التفسير - سورة الكهف
حَدَّثْنَا أبو صالحٍ عبدُ الله بنُ صالح، قال: حدثني الليثُ بنُ سعدٍ، قال:
حدثني عُقيلُ بنُ خالد، ثم ذكر بإسناده مثله.
٦٠٨٩- وحَدَّثْنَا أحمدُ بنُ شعيب، قال: أخبرنا قُتيبةُ بنُ سعيدٍ،
قال: حدثني الليثُ، ثم ذكر بإسناده مثلَه(١).
٦٠٩٠- وحَدَّثَنَا أبو أمية، قال: حَدَّثْنَا حنيفةُ بنُ مرزوق والوليدُ
بنُ صالح، قالا: حَدَّثْنَا ليثُ بنُ سعدٍ، عن عُقيل، ثم ذكر بإسناده مثلَه
غير أنه لم يَقُلْ في حديثه: وهو يضرِبُ فخذه.
٦٠٩١- وحَدَّثَنَا أحمدُ بنُ عبد الرحمن، قال: حَدَّثْنَا عمي عبدُ
الله بنُ وهب، عن إبراهيم بن سعد الزهري، عن صالح بنِ كَيْسَانَ، عن
ابنِ شهاب، ثم ذكر بإسناده مثلَه(٢).
٦٠٩٢- وحَدَّثَنَا أبو ◌ُمية، قال: حَدَّثَنَا بشر بنُ النعمان الحرَّاني،
قال: حَدَّثَنَا محمد بنُ إسحاق، قال: حدثني الزهريُّ: أنَّ عليَّ بنَ
حسين، أخبره عن أبيه، عن عليٍّ بن أبي طالب عليه السَّلامُ، ثم ذكر
مثلَ حديثي أحمد بن عبد الرحمن اللذين ذكرناهما في هذا البابِ.
(١) إسناده صحيح، وهو في ((سنن النسائي) ٢٠٥/٣ - ٢٠٦ به.
ورواه مسلم (٥٧٥)، وعبد الله بن أحمد في ((زوائد المسند)) (٥٧٥)، وأبو نعيم
٦٨/١-٦٩ و١٤٣/٣-١٤٤ من طريق الحسن بن سفيان، ثلاثتهم (مسلم، وعبد
الله، والحسن) عن قتيبة بن سعيد، به.
(٢) إسناده صحيح، ورواه أحمد (٩٠١)، والبخاري (٤٧٢٤)، وأبو عوانة
٢٩٢/٢، وابن حبان (٢٥٦٦) من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه
إبراهيم بن سعد، به. ورواية البخاري مختصرة.
-٤١٥-
كتاب التفسير - سورة الكهف
٦٠٩٣- وحَدَّثْنَا أحمدُ بنُ شعيب، قال: أخبرنا عُبَيْدُ الله بنُ سعد
بن إبراهيم بن سعد، قال: حدثني عَمِّي، قال: حدثني أبي، عن ابن
إسحاق، قال: حدثني حكيمُ بنُ حكيم بنِ عَّاد بنِ حُنيف، عن محمد
بن مسلم بنِ شهاب، عن علي بن حسين، عن أبيه، عن جده عليٍّ بن
أبي طالب عليه السَّلامُ، ثم ذكر مثلَه(١).
قال أبو جعفر: فوقفنا بهذا الحديثِ على أن محمدٌ بنَ إسحاق لم
يُحدث به بشر بن النعمان سماعاً، وعلى أنه إنما حدثه به تدليساً.
فتأملنا قولَ رسولِ اللهِوَّ: ﴿وَكَانَ الإنسانُ أكثرَ شَيءٍ جَدَّلاً﴾
[الكهف: ٥٤]، لما قال له عليٌّ ما قال مما ذُكِرَ عنه في هذا الحديث،
هل كان ذلك لِكراهيةٍ منه ما قال له من ذلك، أم لما سواه، فوجدناه
﴿ قد قال له بلالٌ لما نَامُوا عن صلاة الصُّبْحِ حتى طَلَعَتْ عليهم
الشمسُ بعدَ أن كان بلالٌ قال له في الليل: أنا أُوقِظُكم، فقالَ له رسولُ
اللّه ◌َ﴿: ((أَيْنَ ما قُلْتَ يا بلالُ؟)) فقال له بلالٌ: أخذ بنفسي الذي أخَذَ
بنفسِكَ، فلم يُنْكِرْ ذلك رسولُ الله :﴿ مِن قوله عَلَيْهِ. وقد ذكرنا هذا
الحديثَ بإسناده في ما تقدَّم منا في كتابنا هذا(٢).
(١) اسم عم عبيد الله بن سعد: يعقوب بن إبراهيم بن سعد. وهو في ((سنن
النسائي)) ٢٠٦/٣ بإسناده ومتنه.
ورواه البزار (٥٠٤) عن عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن سعد، به.
ورواه أحمد (٧٠٥)، وأبو يعلى (٣٦٦) من طريق أبي خيثمة زهير بن حرب،
وابن خزيمة (١١٣٩) من طريق محمد بن علي بن محرز، ثلاثتهم (أحمد وزهير ومحمد)
عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، به.
(٢) تقدم في مواقيت الصلاة.
-٤١٦-
كتاب التفسير - سورة الكهف
فَعَقَلْنا بذلك أنَّ الذي كان منهَ﴾ٌ مِن تلاوته: ﴿وَكَانَ الإنسانُ
أكثرَشَيء جَدَّلًاً﴾ حينَ قال له عليٌّ ما ذكرناه عنه مما قاله له في هذا
الحديثِ لم يَكُنْ لِكراهيته إِيَّاه منه، وكيف يُنكرُّهُ منه وهو حقٌّ؟ وأن
ذلك كان منه على إعجابه إيّاه منه، لأنه لما قَالَ له ولابنتِه عليهما
السَّلامُ: ((ألا تُصَلِّيان؟)) مريداً به منهما أن يأخذا بحظّهما مِن الصَّلاةِ في
الليل، وأن لا يتشاغلا عن ذلك بنومٍ ولا بغيرهِ، فقال له عليٍّ عند
ذلك: إِنما أَنْفُسُنَا بَيَدِ اللهِ يَبْعَثُها متى شاءَ، أي: أنا لم تَدَعْ مَا دَعَوْتَنا
إليه، وحَضَضْتَنا عليه مما هو خيرٌ لنا مما نحنُ عليه اختياراً منا لما نحن
عليه على ما دعوتنا إليه، ولكن النومَ الذي لا حِيلةً لنا في دفعه عن
أنفسنا، لأنه شيء يُحُلُّ بنا مِن الله عَزَّ وجَلَّ مما لا نستطيعُ دفعه عن
أنفسنا. فكان ذلك القولُ مِن عليّ عليه السَّلامُ أحسنَ ما يكونُ مِن
الجواب لِرسول الله # فيما خاطبه وزوجته به، فكان مِن رسول الله
◌َ* تلاوته ما تلاه مما ذكر عنه في هذا الحديث لإعجابه بذلك من
علي، ولأن فيما تلاه من القُرآن ما يَدُلُّ على أن الإنسان يكونُ منه من
الجدل ما يكونُ في أحسن ما يكونُ مِن الجواب للكلام الذي تكلّم به،
ومما هو محمودٌ منه، والله نسأله التوفيق.
-٤١٧ -
کتاب التفسیر - الکھف ٧٤
٨٧٥- بابُ بیانِ مُشْکِل ما روي عن رسول الله /# مما قد
اختلف القُرَّاءُ فيه فزاد بعضهم على بعض فيه ما قصَّرَ عنه
غیرہ منهم
٦٠٩٤ - حَدَّثْنَا محمدُ بنُ خزيمة، قال: حَدَّثْنَا عبدُ الله بنُ رجاء
الغُداني (ح)، وحَدَّثْنَا عبدُ الله بنُ محمد بن سعيد بنِ أبي مريم، قالا:
حَدَّثَنَا الفِرْبابِيُّ، قال: حَدَّثْنَا إسرائيلُ، قال: حَدَّثْنَا أبو إسحاق، عن
سعيد بن جُبَيرِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: حدثني أبيُّ بن كعبٍ أَنَّه سَمِعَ
رسولَ الله ◌َّ يُحدِّث عن قصة موسى والخَضِرِ صلى الله عليهما وسلم
أنهما بينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصرَ الخَضِرُ غلاماً يَلْعَبُ مع
الغِلمان، فأخذ الخَضِرُ ﴿ برأسه فاقْتَلَعَهُ بيده، فقتله، فقال رسولُ الله
◌َّ: ﴿أَقَلْتَ نَفْساً ركِيَّةً بِغَيْرِنَفْسٍ، لَقَدْ جِنْتَ شَيْئً كْراً﴾ [الكهف:
٧٤]، ثم ساق الحديثَ حتى انتهى منه إلى سؤال الخَضِرِ موسى صلى
الله عليهما وسلم عما كان منه مما أنكره عليه وإلى قول الخضر له:
وأما الغلامُ، فكان كافراً، وكان أبواه مؤمنين(١).
قال: ففي هذا الحديث: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْساً ركِيَّةٌ﴾، وقد رُوِيَ من
هذا الوجه بخلاف هذا الحرف مِن رواية أبي إسحاق، عن سعيد بن
جبير، عن ابن عباس، عن أُبيّ أيضاً.
(١) صحيح. ورواه أحمد ١٢١/٥ ومسلم (٢٦٦١)، والترمذي (٣١٥٠)، وأبو
داود (٤٧٠٥) و(٤٧٠٧)، وابن حبان (٦٢٢١)، والبغوي في («معالم التنزيل))
١٩١/٥ من طرق عن أبي إسحاق، به، ببعضه.
-٤١٨ -
کتاب التفسير - الکھف ٧٤
٦٠٩٥- كما قد حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حَدَّنا روحُ
بنُ أسلم، قال: أخبرنا المُعْتَمِرُ بنُ سليمان، قال: سمعتُ أبي يقولُ:
حدثنيٍ رَقَبَةُ، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابنِ عباس
رضي الله عنه، قال: حدثني أبيُّ بن كعب، أنه سَمِعَ رسولَ الله ◌ِ﴾.
يقول، ثم ذكر مثله، غير أنه ذكر مكان: (زكيَّة)) ((زاكِيَة)(١).
٦٠٩٦- وحَدَّثْنَا عِمرانُ بنُ موسى الطائي أبو الحسن، قال:
حَدَّثْنَا أبو الربيع الزَّهْراني، قال: حَدَّتَنَا المعتمِرُ بنُ سليمان، قال: سمعتُ
أبي يذكر عن رَقَبَّةً، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جُبيرٍ، عن ابنِ
عباس، عن أبيِّ بنِ كعب رضي الله عنه، أنَّ النبيِ ﴿ قال: «الغلامُ
الذي قَتَلَهَ الَخَضِرُ طُبِعَ كافراً، ولو أدْرَكَ، لِأُرْهِقَ أبواه طُغْياناً كُفْرًا).
قال أبو جعفر: وقد اختلف على أبي إسحاق في هذا الحديث في
((زكية)) وفي ((زاكية) على ما ذكرنا عنه في كُلِّ واحدةٍ من هاتين
الروایتین.
وقد رُوِيّ هذا الحديثُ أيضاً عن عمرو بنِ دينار، عن سعيد بنٍ
جُبير، عن ابنِ عباس، عن أبي، عن النِيِ {# برزاكِيَة))، لا برز کیة)).
٦٠٩٦م- كما قد حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ عبد الرحيم
البَرقي، قال: حَدَّثْنَا الْحُميدي، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، قال: حَدَّثَنَا عمرو
(١) رواه مسلم (٢٣٨٠) (١٧٢) عن محمد بن عبد الأعلى القيسي، عن المعتمر
بن سليمان، به.
-٤١٩-
کتاب التفسیر - الکھف ٧٤
بنُ دينار، قال: حَدَّثْنَا سعيدُ بنُ جبير، عن ابن عباس، قال: حدثني أُبيُّ
بنُ كعبٍ انه سَمِعَ رسولَ الله /*، ثم ذكر هذا الحديثَ وقال فيه مكان
((زكية)) في الحديث الأول: ((زاکیة)(١).
قال أبو جعفر: وهذا الحرفُ فقد اختلف القراءُ في قراءاتهم إِيَّاه،
فقرأ بعضُهم: باركية﴾، فممن قرأ منهم كذلك: فيما أجاز لي
عليُّ بنُ عبد العزيز، عن أبي عُبيد: عاصمٌ، والأعمشُ، وحمزة،
والكسائي.
وثمن قرأه منهم: ﴿راكية﴾ فيما أجاز لي عليُّ بنُ عبد العزيز،
عن أبي عُبيد أيضاً: أبو جعفر: وشيبةُ، ونافعٌ، وعبدُ الله بن كثير، وأبو
عمرو.
قال أبو عبيد: والقراءة عندنا: ﴿مراكية﴾ لأنَّ أبا عمرو كان
يُفرق بينهما في التأويل، ويقول: الزاكية: التي لم تُذْنِبْ قَطُّ، والزكية:
التي قد أذنبت، ثم غفر لها، وإنما كان الخَضِرُ قتله صغيراً لم يَبْلُغِ الحِنْثَ.
قال أبو عُبيد في هذه الإجازة: وكان الكسائي يراهما لغتين بمعنى
واحد.
وكان ما قاله الكسائيُّ في ذلك عندنا أولى مما قاله أبو عمروٍ فيه
(١) إسناده صحيح، وهو في ((مستد الحميدي)) (٣٧١).
ورواه البخاري (٤٧٢٥)، ومسلم (٢٣٨٠) من طرق عن سفيان، به، وانظر
البخاري (١٢٢) و(٣٤٠١) و(٤٧٢٥) و(٤٧٢٧)، وابن حبان (٦٢٢٠).
- ٤٢٠ -