النص المفهرس
صفحات 341-360
كتاب التفسير - سورة المائدة
٦٠١١- حَدَّثَنَا الربيعُ بنُ سليمانَ المراديُّ، قال: حَدَّثْنَا أسدُ بنُ
موسى، قال: حَدَّثَنَا مروانُ بنُ معاويةَ الفَزَارِيُّ، قال: حَدَّثْنَا إسماعيلُ بنُ
أبي خالدٍ، عن قيسٍ بن أبي حازمٍ، أَنَّ أبا بكرٍ رضي الله عنه قامَ على
المنبرِ فقالَ: يا أُها النَّاسُ إِنَّكمْ تَقْرَؤُونَ هذهِ الآيةِ، ثُمَّ ذَكَرَ مثلَه (١).
قال أبو جعفرٍ: فكانَ الذي في هذينِ الحديثَيْنِ مما خاطبَ به أبو
بكرٍ رضيَ الله عنه الناسَ فيهما أنَّهم يقرؤُونَ هذه الآية كَمَا تلاها
عليهم، وأَنَّه سَمِعَ النِبِيَّلَهُ يَقولُ ... فَذَكَرَ لهم ما سَمِعَهُ قالَهُ من هذينٍ
الحديثينِ، ونحنُ نعلمُ أنّه رضِيَ الله عنهُ، مع حكمتِهِ وجلالَتِهِ، وعِظَمٍ
مقدارِهِ، لا يُخاطبُ الناس بخطابٍ فيه نقصانٌ، ونعلمُ أنَّ ما وَقَعَ من
نقصان في ذلك فمَنْ بعضِ رواةٍ هذا الحديثِ لاَ مِنْهُ، ثم التمسْنا من
غيرِ هاتينِ الروايتينِ.
٦٠١٢- فوجدنا بكارَ بنَ قتيبةَ قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثَنَا رَوْحُ بنُ
عبادةَ، قال: حَدَّثَنَا شعبةُ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن قيسِ بنِ أبي
حازمٍ، قال: سَمِعْتُ أبا بكرِ الصديق رضي الله عنه يقول: أُّها الناسُ،
إنكم تقرَؤُنَ هذه الآيةَ من كتابِ الله عَزَّ وجَلَّ، تَضَعُونَها على غيرِ ما
وَضَعَها الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَا أُهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْلا
يَضُرُّكُمْ مَنْ صَلَّإِذا اخْتَدَتُمْ﴾، وإِنِّي سِمِعْتُ رسولَ اللهِلَّ يقولُ: (إِذا
عُمِلَ فيهم بالمعاصي، أو بغيرِ الحقِّ، ثم لم يُغيِّرُوهُ، يُوشكُ أن يعمَّهُم
الله بعقابٍ منهُ))(٢).
(١) رواه الحميدي (٣) عن مروان بن معاوية الفزاري، به.
(٢) إسناده صحيح، ورواه أحمد ٩/١ عن محمد بن جعفر، عن شعبة، به.
- ٣٤١ -
كتاب التفسير - سورة المائدة
٦٠١٣- ووجدنا يزيدَ بنَ سنان، قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثَنَا عَمرو
بنُ خالدٍ، قال: حَدَّثْنَا زُهيرُ بنُ معاويةَ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن
قيسٍ بنِ أبي حازمٍ، قال: سمعتُ أبا بكر الصديقَ رضي الله عنهُ على
المنبرِ يقولُ: أَيُها الناسُ إنكم تقرَؤُونَ هذه الايةَ، وتَضَعُونَها على غيرِ
موضِعِها: ﴿ياأُها الَّذِينَ آَمُوا عَلَيْكُمْ الْفُسَكُمْلاَ يَضْرُكُمْ مَنْ ضَلَ إذا
اْتَدَيْتُمْ﴾ ثم قالَ: إِنِّي سِعْتُ رسولَ الله ◌ِ﴾ يقولُ: (إِنَّ الناسَ إذا
رَأَوْا مُنْكراً لا يُغَيِّرُونَهُ، أوشَكَ أن يَعُمَّهُم الله بعقابهِ)).
٦٠١٤ - ووجدنا أحمدَ بنَ داودَ قد حَدَّثْنَا، قالَ: حَدَّثَنَا عبيدُ الله
بنُ محمدٍ التّميميُّ، وعبدُ الأعلى بنُ حمادٍ النَّرْسِيُّ، قالا: حَدَّثْنَا الْمُعْتَمِرُ
بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ إسماعيلَ بنَ أبي خالدٍ، قال: حدثَني قيسُ بنُ
أبي حازمٍ، عن أبي بكر، قال: سمعتُهُ حَمِدَ اللهِ، وأثْنَى عليهِ، ثم قالَ،
أَيُّها الناسُ، ثم ذكرَ بقيَّةَ هذا الحديثِ.
٦٠١٥- وحَدَّثَنَا عليُّ بنُ شيبةَ، قال: حَدَّثْنَا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ
الحنظليُّ، قال: حَدَّثَنَا جريرُ بنُ عبدِ الحميدِ الضِيُّ، عن إسماعيلَ بنِ أبي
خالدٍ، عن قيسٍ بنِ أبي حازمٍ، قال: قرأ أبو بكر رضي الله عنه هذه
الآية: ﴿يَا أُها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْلاَ يَضُرُكُمْ مَنْ ضَلَّ إذا
ورواه أبو يعلى (١٢٨)، ومن طريقه ابن حبان (٣٠٥) عن عبيد الله بن معاذ،
عن أبيه، عن شعبة، به. إلاّ أنه جعله موقوفاً على أبي بكر.
ورواه أبو يعلى أيضاً (١٢٩) عن عبيد الله بن معاذ عن أبيه، عن شعبة، عن
الحکم، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي بکر. مثل ذلك لا یذکر التي ﴾.
- ٣٤٢-
كتاب التفسير - سورة المائدة
اهْتَدَيْتُمْ﴾ ثم قال: إنَّ الناسَ يضعُون هذه الآيةَ على غير موضعِها ألاَ
وإني سمعتُ رسولَ اللهَِّ يقولُ: (إِنَّ الناسَ إذا رَأْوًا الظَّالِمَ، فلمُ
يأخُذُوا على يَدَيْهِ، أو قال: المنكرَ، فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ، عَمَّهُمُ الله عَزَّ وجَلَّ
بعقابه)).
قال أبو جعفر: فكان في هذه الأحاديثِ الأُوْلَى بالصِّدِّيق رضيَ
الله عنه أنّه كانَ قالَهُ، وهو إخبارُهُ إِيَّاهُمْ أنَّ الناسَ يضعُون هذه الآيةَ
التّ تَلاهَا عليهم على غيرِ موضِعِها. فتأمَّلْنا ما يُروَى عن غيرِهِ رضيَ الله
عنهُ في هذهِ الآيةِ لِنَعْلَمَ بذلكَ موضِعَهَا هل هو تأويلٌ يُوقَفُ عليهِ أو
زمانٌ من الأزمنةِ يكونُ، ويكونُ قبلَهُ ما قَرَأ عليهم رضوانُ الله علیهِ ما
قد سَمِعَ النِّ :﴿ يقولُه في الأمرِ بالمعروف وتغييرِ المنكرِ.
٦٠١٦- فوجدنا إبراهيمَ بنَ أبي داودَ قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثَنَا أبو
مُسْهِرٍ عبدُ الأعلى بنُ مُسْهِرِ الغَسَّانِيُّ، قال: حَدَّثْنَا صدقةُ بنَ خالدٍ،
قال: حَدَّثْنَا عُتَبَةُ بنُ أبي حكيمٍ، قال: حدثني عمروُ بنُ جارية، عن أبي
أميةَ، قال: سألتُ أبا ثعلبةَ الْخُشَنِيَّ، قلتُ: كيف تصنعُ في هذه الآيةِ؟
قال: أيُّ آيةٍ؟ قلتُ: ﴿يَا أُها الَّذِينَآَمُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْلاَيَضُرُ كُمْ
مَنْ ضَلَّإذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ فقالَ لي: أَمَا والله لقد سَألتَ عَنْها جبيراً، سألتُ
عنها رسولَ الله ◌ِ﴿ٌ فقالَ: (بَل انْتَمِرُوا بالمعروفِ، وتناهوا عن المنكرِ،
حتى إذا رأيتَ شُحّاً مُطَاعاً، وَهَوىً مُتَّبعاً، ودُنْيا مُؤْثَرَةٌ، وإعجابَ
كُلِّ ذِي رأي برأيهِ، ورأيتَ أمْراً لا بدَّلَكَ منهُ، فعليكَ بنفسِكَ،
وإِيَّاكَ وأمرَ الْعَوامِّ، فإِنَّ مِنْ ورائِكُمْ أيامَ الصبرِ، صبرٌ فيهن مثلُ قَبْضِ
على الجَمْرِ، للعامِل منكم يَومَئِذٍ كأجرٍ خمسين رجلاً يعملونَ مثلَ
-٣٤٣-
كتاب التفسير - سورة المائدة
عَمَلِهِ)(١).
٦٠١٧- وَوَجَدْنا ابن أبي مريمَ قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثْنَا الفريابيُّ،
قا: حَدَّثَنَا صدقةُ بنُ يزيدَ الخراسانيُّ، عن عُتبةَ بنِ أبي حكيمٍ، عن أبي
أميةَ الشَّعْبَانِيِّ، ولم يذكرْ قبلَه عَمرو بنَ جاريةَ، قال: سألتُ أبا ثعلبةَ
الخُشَنِيِّ، ثم ذكرَ مثلَه سواء(٢).
٦٠١٨- ووجدنا يحيى بنَ عثمانَ بنِ صالحٍ، قد حَدَّثْنَا، قال:
حَدَّثَنَا موسَى بنُ هارونَ البُردِيُّ، قال: حَدَّثْنَا محمد بنُ شعيبِ بنِ
شَأْبُور، عن عتبةَ بنِ أبي حكيمٍ، قال: حَدَّثَنَا عمرو بنُ جاريةً، عن أبي
أميةً، ثمَّ ذَكَرَ مثلَه سواء.
قال أبو جعفر فَعَقَلْنا بهذا الحديثِ أنَّ معنى قولِ أبي بكرٍ رضِيَ
الله عنه: ((أنَّ النّاسَ يضعُونَ هذه الآيةَ في غيرِ موضِعِها)) يُريدُ بها
سيعملونها في غيرِ زمنِها، وأنَّ زمنَها الذي يُسْتَعمَلُ فيه هو الزمنُ الذي
وصفَهُ رسولُ اللهِلَ﴿ في حديثِ أبي ثعلبةً بما وصَفَه بِهِ، ونعوذُ باللهِ عَزَّ
وجَلَّ مِنْهُ، وأَنَّ ما قَبْلَهُ من الأزمِنَةِ فإِنَّ فَرْضَ الله عَزَّ وجَلَّ فيه على
عبادِهِ الأمرُ بالمعروفِ والنهيُّ عن المنكرِ حتى تعودَ الأمورُ إلى ما أمَرَ
(١) عتبة بن أبي حكيم، قال الحافظ في ((التقريب): صدوق يخطئ كثيراً.
ورواه ابن ماجه (٤٠٤١) عن هشام بن عمار، عن صدقة بن خالد، به.
ورواه ابن حبان (٣٨٥) من طريق عبد الله بن المبارك، عن عتبة بن أبي حكيم،
بهذا الإسناد.
والشحّ المطاع: قيل: هو أنْ يُطيعَه صاحبُه في مَنْع الحقوق التي أوجبها الله عليه.
(٢) إسناده ضعيف لضعف ابن أبي مريم وصدقة بن يزيد، وانظر ما قبله.
- ٣٤٤-
كتاب التفسير - سورة المائدة
الله عَزَّ وجَلَّ أن يكونَ الناسُ عليه من امْتِتَالِ ما أُمَرَهُم الله بِهِ عَزَّ وجَلَّ،
والانتهاءِ عنْ ما نَهاهُمْ عنهُ، وقد رُوِيَ عن رسول الله لم﴿ في هذا المعنى
من الأمرِ بالمعروفِ، ومنَ النهي عن المنكرِ، ومن التحذيرِ من عَواقِبٍ
تركِ ذلكَ سِوى ما قد تقدَّمَتْ روايَتْنا لَهُ في هذا البابِ.
٦٠١٨- ما حَدَّثَنَا إبراهيمُ، قال: حَدَّثَنَا وَهْبُ بنُ جريرٍ، وبِشْرُ
بنُ عُمر الزَّهْرانيُّ، قالا: حَدَّثْنَا شُعْبَةُ، عن أبي إسحاقَ، عن عُبيدِ الله
بن جرير، عن أبيهِ، عن النبيِّ: ﴿، أنَّه قالَ: ((ما مِنْ قومٍ يُعْمَلُ فيهم
بالَعَاصِي، أعَزُّ وأكْثَرُ ثَما يَعْمَلُهُ -وهو عندي والله أعلمُ ((مِمَّن
يعملُه) - لا يُغَيِّرُونَه عليهم إلاّ عَمَّهم الله عَزَّ وجَلَّ بعقابٍ))(١).
٦٠١٩- وما حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ مرزوقٍ، قال: حَدَّثْنَا عمرُو بنُ
أبي رَزِينٍ، قال: حَدَّثْنَا سيفُ بنُ أبي سليمان المكيُّ، عن عَدِيٍّ بنِ
عَدِيَ، عن أبيه، قال: قال رسولُ اللهِ وَ﴿: ((إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ لا يُهلِكُ
العامَّةَ بعملِ الخَاصَّةِ، ولكنْ إذا رَأوا المنكرَ بِينَ ظَهْرَانِهِمْ، فلمْ
يْغَيِّرُوهُ، عَذْبَ الله عَزَّ وَجَلَّ العامَّةَ والخاصَّةَ)(٢).
(١) حديث حسن، ورواه أحمد ٣٦٤/٤، وابن حبان (٣٠٠) و(٣٠٢)،
والطبراني (٢٣٨١)، والبيهقي ٩١/١٠ من طريق أبي الأحوص، به.
(٢) إسناده لا بأس به، إلا أن ابن أبي حاتم نقل عن أبيه أنَّ عدي بن عدي روى
عن أبيه مرسلاً لم يسمع من أبيه يدخل بينهما العرس بن عميرة.
ورواه أحمد ١٩٢/٤، والطبراني ١٧/(٣٤٤) من طريق ابن المبارك، عن سيف بن
سليمان، قال: سمعت عدي بن عدي يقول: حدثني مولى لنا أنه سمع جدي يقول:
سمعت رسول الله *، فذكره.
- ٣٤٥-
كتاب التفسير - سورة المائدة
قال أبو جعفر: ففيما ذكرنًا توكيدَّ الأمرِ بالمعروفِ والنهي عن
المنكرِ، حتى يكونَ الزمانُ الذي يَنْقَطِعُ ذلك فيه، وهو الزمانُ الذي
وصفَهُ رسولُ اللهِ:﴿ في حديثِ أبي ثعلبةَ الذي لا منفعَةَ فيها بأمرٍ
بمعروفٍ، ولا بنهي عن المنكرِ، ولا قوةً مَعَ مَنْ يُنْكِرُهُ على القيامِ
بالواجبِ في ذلكَ، فَسَقَطَ الفرضُ عنهُ فيهِ، ويرجعُ أمرُهُ فيهِ إلى خاصَّةٍ
نفسِهِ، ولا يَضُرُّهُ مع ذلك مَنْ ضَلَّ. هكذا يقولُ أهلُ الآثارِ في هذا
البابِ على ما قد صَحَّحْنا هذه الآثارَ عليه، وأمَّا مَنْ سواهم ثَمن يتعلْقُ
بالتأويل، فيذهبُ إلى أنَّ قولَ الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَا أُها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ
أنْفُسَكُمْ﴾ ليسَ على سُقُوطٍ مَفْروضٍ عليهم من أمر بمعروفٍ، ومن
نهي عن منكرٍ، وأنهم لا يَكُونونَ مُهتدينَ إذا لم يفعلُوا ذلكَ، وأَنَّهم
إنّما يدخُلونَ في قولِهِ عَّ وحَلَّ: ﴿إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ إذا فعلُوا ذلك لا إذا
قَصَّرُوا عنهُ، ويذهبونَ إلى أنَّ مِثْلَه مِنْ كتابِ الله عَزَّ وحَلَّ قولُ الله لنبيِّه
تَّ: ﴿َلِسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلِكِنَّالله ◌َهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، وهو
ورواه أحمد ١٩٢/٤ عن ابن غير، عن سيف، قال سمعتُ عدي بن عدي يحدث
عن مجاهد، قال: حدثني مولى لنا أنه سمع عديًّا يقول، سمعت رسول الله في، فذكره.
ورواه أحمد ١٩٢/٤ عن جرير بن حازم قال: حدثني عدي بن عدي، عن رجاء
بن حيوة والعرس بن عميرة، عن أبيه عدي، ...
ورواه الطبراني ٣٤٣١/١٧) من طريق خالد بن يزيد، عن عدي بن عدي بن
عمير، عن العرس بن عميرة، قال: قال رسول الله ﴾.
-٣٤٦ -
كتاب التفسير - سورة المائدة
مَعَ هذا﴿ فَمُفَتَرَضٌ عليه جهادُ أعداءِ الله وقتالُهم حتَّى يَرُدَّهم الله إلى
دينِهِ الذي بعثه الله بِهِ، وأمَرَهُ أن يُقاتِلَ الناسَ عليهِ كافَّةٌ، والقولُ الأولُّ
أَبيَنُ معنىَ مِنْ هذا المعنى، وإنْ كان هذا المعنى صحيحاً، والله نسألُهُ
التوفيقَ.
٨٦٣- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله # في المراد
بقل الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا أيُّهَا الَّذِينِ آمَنُوا شَهَادَةُ بَينكم إذا حَضَّرَ
أُحَدَكُم المَوْتُ﴾ الآية [المائدة: ١٠٦]، وفي حکمها هل هو
باقٍ، أو لحقه نسخ؟
٦٠٢٠- حَدَّثَنَا عليٌّ بنُ معبدٍ، حَدَّثْنَا صالحُ بنُ عبد الله الترمذي،
أخبرنا يحيى بنُ زكريا بن أبي زائدة، عن محمد بن أبي القاسم، عن عبدٍ
الملك بنِ سعيد بنِ جُبير، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: كان تميمٌ
الداريُّ، وعديّ بنُ بدّاء يختلِفَان إلى مكة للتجارة، فخرج رَجُلٌ من بني
سهمٍ، فَتُوفِي بأرضٍ ليس بها مسلمٌ، فأوصى إليها بتركته، فدفعا بتزكته
إلى أهله، وحبسا حاماً من فضة مخَوَّصاً من ذهب، فاستحلفهما رسولُ
الله ﴿ بالله: ما كَتَمْنَا ولا أطلعنا. ثم عُرِفَ الجامُ بمكة عندَ قومٍ من
أهل مكة، فقالوا: اشتريناه من عديّ وتميم، فقام رجلان مِن أولياء
السَّهمي، فحلفا بالله: إن هذا لجامُ السهمي، ولشهادتنا أحقُّ من
شهادتهما، وما اعتدينا إنَّا إذاً لمن الظالمين، فأخذ الجامَ، وفيهم نزلت
هذه الآيُ(١).
(١) إسناده صحيح، ورواه أبو جعفر النحاس في ((الناسخ والمنسوخ)) ص ١٦٤-
-٣٤٧-
كتاب التفسير - سورة المائدة
قال أبو جعفر: ومحمد بن أبي القاسم هذا كوفي ثقة يُعْرَفُ
بالشَّني، وقد روى عن غيُ ابن أبي زائدة، منهم: أبو أسامة.
٦٠٢١- وحَدَّثْنَا الحسينُ بنُ الحكم الجِبَري، حَدَّثْنَا الحسن بن
الحسين العُرني، حَدَّثْنَا يحيى بنُ المهلب أبو كدينة، عن عطاء بن
١٦٥، والدارقطني ١٦٨/٤-١٦٩ من طريق صالح بن عبد الله الترمذي، به.
وعلقه البخاري في ((صحيحه)) (٢٧٨٠)، وفي («التاريخ)) ٢١٥/١، فقال: وقال لي
علي بن عبد الله - وهو ابن المديني -: حَدَّثْنَا يحيى بن آدم، حَدَّثَنَا ابن أبي زائدة، به.
ووصله أبو نعيم في «المستخرج)) كما في («تغليق التعليق)) ٤٣٠/٣، فقال: حَدَّثْنَا
فاروق الخطابي وحبيب بن الحسن، قالا: حَدَّثْنَا أبو مسلم، حَدَّثَنَا علي بن عبد الله.
ورواه البيهقي ١٦٥/١٠ من طريق إبراهيم بن عبد الله البصري، حَدَّثْنًا علي ابن
المدین، به.
ورواه أبو داود (٣٦٠٦)، والترمذي (٣٠٦٠)، والطبري (١٢٩٦٦) من طريقين
عن يحيى بن آدم، عن يحيى بن زكريا، به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب،
وهو حديث ابن أبي زائدة.
ورواه أبو يعلى (٢٤٥٣) - ومن طريقه الواحدي في ((أسباب النزول)) ص ١٤٢ -
١٤٣ - عن الحارث بن شريح، عن يحيى بن زكريا، به.
ورواه الترمذي (٣٠٥٩)، والطبري (١٢٩٦٧) من طريق باذان مولى أم هانئ،
عن ابن عباس، عن تميم الداري. وفيه التصريح بأن القصة حدثت قبل إسلام تميم،
وقال الترمذي: هذا حديث غريب، وليس إسناده بصحيح.
والجام: إناء من فضة، وقوله: ((مُخوَّصاً من ذهب))، أي: عليه صفائح من ذهِب
على هيئة خوص النخل، وهو ورقه، والتخويص: أن يجعل على الشيء صفائح من
ذهب على قدر عرض خوص النخل.
- ٣٤٨ -
كتاب التفسير - سورة المائدة
السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابنِ عباس مثلَه.
فقال قائلٌ: فهذه آيةٌ قد أنزلها الله في كتابه، ورُوِيَ عن النِيِّ ◌َ﴾
في حُكمه بما أنزله عليه فيها ما قد رويته في هذا الباب، وقد رُوِيَ عن
ابنِ عباس وهو الذي روى هذا الحديث في تمسكه بها، وأنها عنده مما
الحكمُ بما فيها قائمٌ لم يلحقه نسخ
٦٠٢٢- وذكر ما قد حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبدِ الرحيم الهروي،
حَدَّثْنَا إسحاقُ بنُ إبراهيم الحنظليُّ، حَدَّثْنَا المغيرة بن سلمة المخزومي،
حَدَّثْنَا عبد الواحد بنُ زياد، حَدَّثْنَا حبيبُ بنُ أبي عمرة، قال: سمعتُ
سعيدَ بنَ جبير، يقولُ: قال ابنُ عباس في قوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿أُوْ آخَرَان ◌ِمِنْ
غَيْرِكُمْ﴾، قال: مِن غيرِ أهلِ الإسلامِ مِن الكُفار إذا لم تَجِدُوا
المسلمين(١).
٦٠٢٣- وكما حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ داود، قال: حَدَّثْنَا مُسَدَّدٌ، قال:
حَدَّثْنَا عبدُ الواحد - يعني ابنَ زياد-، قال: حَدَّثْنَا حبيبُ بن أبي عمرة،
عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿أو آخرإن من غير كم﴾، قال: مِن
غير المسلمين من أهل الكتاب.
(١) رواه الطبري (١٢٩٤٦) و(١٢٩٤٧) من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن
عباس في أثر مطول، فهذا لمن مات وليس عنده أحد من المسلمين، فأمره الله بشهادة
رجلين من غير المسلمين.
ورواه الطبري أيضاً (١٢٩٢٤) من طريق عطية العوفي، عن ابن عباس: (أو
آخران من غيركم)) من أهل الإسلام. وانظر باقي الطرق فيه.
-٣٤٩-
كتاب التفسير - سورة المائدة
قال أبو جعفر: فهذا يَدُلُّ على أنَّها كانت عندَ ابنَ عباس محكمةٌ
غيرَ منسوخةٍ.
ورُوِيَ عن أبي موسى الأشعري فيها ما يَدُلُّ على أن مذهبَه كان
فيها کمذهب ابنِ عباس،
٦٠٢٤- كما حَدَّثْنَا سليمان بنُ شعيب الكيساني، حَدَّثَنَا عبدُ
الرحمن بنُ زياد، حَدَّثْنَا شُعبة، أخبرنا المغيرةُ الأزرقُ، قال: سمعت
الشعبيَّ يقولُ: قضى أبو موسى الأشعري بدَقُوقاء بهذه الآية: ﴿أو
آخَرَانِ مِنْ غَيْرِ كُمْ﴾.
٦٠٢٥ - وكما حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبد الرحمن الهرويُّ، حَدَّثَنَا
إسحاق بنُ إبراهيم، حَدَّثْنَا عيسى بنُ يونس، أخبرنا زكريا بنُ أبي
زائدة، عن عامر، قال: خرج رجلٌ من بني خثعم، فَتُوُفّي بِدَقُوقاء، فلم
يشهد وَصِيَّتَه إلا رجلان نصرانيان مِن أهله، فأشهدهما على وصيته،
فقدما الكُوفَةَ فأحلفهما أبو موسى الأشعرى دُبُرَ صلاةٍ العصر في
مسجد الكُوفة باللهِ الذي لا إله إلا هو ما خانا ولا بَدَّلا ولا كَتَما،
وأَنَّهما لَوَصَيتَّهُ، ثم أجاز شاهدَتَهُما (١).
(١) رجاله ثقات، ورواه أبو داود (٣٦٠٥) -ومن طريقه البيهقي ١٦٥/١٤٠،
والطبري (١٢٩٢٦) من طريقين عن هشيم، أخبرنا زكريا بن أبي زائدة، به.
ورواه عبد الرزاق (١٥٥٣٩) عن سفيان بن عيينة، عن زكريا بن أبي زائدة، به.
ورواه أبو عبيد في «الناسخ والمنسوخ)) (٢٩٠) عن يحيى بن سعيد، عن زكريا،
به.
- ٣٥٠ -
كتاب التفسير - سورة المائدة
قال أبو جعفر: فَدَلَّ ذلك على أنها كانت عنده محكمةٌ غير
منسوخة، ولا نعلم عن أحدٍ من أصحابِ النِي ◌ُ﴿ خلافاً لهما - يعني
ابن عباس وأبا موسى- في ذلك، والله أعلم، ثم التابعون في ذلك قد
كان أكثرهم على مثل الذي كانا عليه في ذلك
فذكر ما حَدَّثَنَا بكارُ بنُ قتيبة، حَدَّثَنَا أبو أحمد، حَدَّثَنَا سفيانُ،
عن منصور، عن إبراهيمَ، قال: كتب هِشَامُ بن هُبَيْرةَ إلى شُريحٍ يسأله
عن شهادة المشركينَ على المسلمينَ، فكتب إليه أن لا تجوزُ شهادةُ
المشركين على المسلمين إلاَّ في وَصِيَّةٍ، ولا تجوز في وصية إلا أن يكونَ
مسافراً.
وما قد حَدَّثَنَا الهروي، حَدَّثَنَا إسحاق بنُ إبراهيم، حَدَّثَنَا ابنُ
فضيل، حَدَّثْنَا الأعمشُ، عن إبراهيم، عن شُريح، قال: لا تجوزُ شهادةُ
اليهوديِّ ولا النصراني إلا في السَّفَرِ، ولا تجوزُ في السَّفرِ إلا في
الوصية(١).
ورواه الحاكم في ((المستدرك)) ٣١٤/٢ من طريق يعقوب بن سفيان، حَدَّثْنَا يحيى
بن يعلى بن الحارث، عن أبيه، عن غيلان بن جامع المحاربي، عن إسماعيل بن أبي
خالد، عن عامر الشعبي، بنحوه.
وأورده السيوطي في ((الدر المنثور)) ٢٢٤/٣ وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن
المنذر، والطبراني، وابن مردويه.
(١) رجاله ثقات، ورواه عبد الرزاق (١٥٥٣٨)، وأبو عبيد في («الناسخ
والمنسوخ)) (٢٩٢)، ووكيع في ((أخبار القضاة)) ٢٨١/٢ من طرق الثوري، والبيهقي
١٦٦/١٠ من طريق هشيم وأبي معاوية، ثلاثتهم عن الأعمش، به.
- ٣٥١ -
كتاب التفسير - سورة المائدة
قال: فهذا شريحٌ وهو قاضي الخلفاء الراشدين المهديين قد كان
مذهبُه فيها أيضاً أنها محكمةٌ غيرُ منسوخة.
وما قد حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، حَدَّثْنَا وهبُ بنُ جرير، عَن
شُعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيّب: ﴿أو آخَرَانِ مِنْ غَيْرِ كُمْ﴾،
قال: مِن أهل الكتاب(١).
فَدَلَّ ذلك على ما دَلَّ عليه ما قبلَه.
وما قد حَدَّثَنَا الهرويُّ، حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ إبراهيم، حَدَّثَنَا عبدُ
الرزاق، أخبرنا معمر، عن أيوبَ، عن ابنِ سيرينَ، عن عَبِيدةً في قوله
عَّ وجَلَّ: ﴿َتَحْبِسُوَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلِ﴾ قال: هي صلاةُ العصرِ، قال: وقال
معمرٌ: قال قتادة مثله.
وما قد حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ داود، حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ الحجَّاجِ، حَدَّثْنَا
حمادُ بنُ زيدٍ، عن أيوب، عن محمدٍ، قال: سألتُ عَبِيدَةَ عنها، فقال:
مِنْ غَيْرِ أهْلِ المِلة(٢).
وأورده السيوطي في ((الدر المنثور)) ٢٢٤/٧، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وأبي
الشيخ.
(١) رجاله ثقات، ورواه عبد الرزاق (١٥٥٤٠) عن معمر، وأبو عبيد (٢٩٥)
من طريق شعبة، وابن جرير الطبري (١٢٥٠٥) و(١٢٥٠٦) من طريق سعيد
الجريري، ثلاثتهم عن قتادة، به.
(٢) رواه الطبري (١٢٩١٥) و(١٢٩١٦) و(١٢٩١٧) و(١٢٩١٨)
و(١٢٩١٩) من طريق هشام، و(١٢٩١٤) من طريق أشهب، و(١٢٩٢٠) من
- ٣٥٢-
كتاب التفسير - سورة المائدة
فدَلَّ ذلك أيضاً على مثل ما قد دَلَّ عليه ما قبلَه.
وما قد حَدَّثْنَا ابنُ أبي مريم، حَدَّثَنَا الفريابيُّ، حَدَّثْنَا ورقاء، عن
ابنِ أبي نَحِيحِ، عن مجاهد في قوله: ﴿شَهَادَةُ بِنكُمِ إذا حَضَرَ
أحَدَكُمْ الَوْتُ﴾ أن يموتَ المسلمُ، فَيَحْضُر موتَه مسلمانٍ، أو کافران،
ولا يحضر غيرُ اثنين منهم، فإن رضي ورثته بما غلبا عنه مِن تركتِه،
فذلك، ويحلفان: إنهما صادقان، فإن عُثِرَ بِلَطْخٍ وُجِدَ، أو لبسٍ، أو
تشبيه، حَلَفَ الاثنان للأقربين مِن الورثة، فاستحقًا، وأبطلا أيمانَ
الشاهِدَينِ(١).
فَدَلَّ ذلك أنَّها كانت عندَ مجاهدٍ، كما ذكرناها على ما كانت
عليه عندَ غيره
وما قد حَدَّثْنَا محمد بن خُزيمة، حَدَّثْنَا حجاج بن مِنْهَالِ، حَدَّثْنَا
هُشيمٌ، عن المغيرةٍ، عن إبراهيم، قال المغيرة: وأخبرني مَنْ سَمِعَ سعيدَ
بنَ جبير: ﴿أو آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾، قالا: من غير دينكم.
وما قد حَدَّثْنَا محمد، حَدَّثَنَا حجاجٌ، حَدَّثْنَا أبو هلالِ الراسِيُّ،
عن محمد بن سیرین مثلَه.
طريق أبي حرة، ورواه أبو عبيد (٢٩٤) من طريق سعيد بن عبد الرحمن أخي أبي
حرة، أربعتهم عن محمد ین سیرین، به.
(١) ابن أبي مريم ضعيف روى عن الفريابي أباطيل كما ذكر ابن عدي. لكن
الأثر رواه الطبري (١٢٩٧١) من طريق آخر، بنحوه.
-٣٥٣-
كتاب التفسير - سورة المائدة
فدلَّ ذلك أنّها كانت عندَ إبراهيم، وسعيد بنِ جُبِيرٍ، وابنِ سيرين
كذلك أيضاً.
فكان جوابُنا له في ذلك: أنَّ الذي ذكره كما ذكره، وأن القولَ
فيه هو القولُ في هذه الآثار، وقد قال به من فقهاء الأمصارِ ابنُ أبي
لیلی
كما حَدَّثْنَا جعفرُ بنُ أحمد بن الوليد، حَدَّثْنَا بشرُ بنُ الوليد، قال:
سمعتُ أبا يوسف يقول: وكان ابنُ أبي ليلى يقول في ذلك، فذكر مثل
القولِ الذي ذكرناه عَنْ مَنْ تقدم في هذا الباب.
وقال به الأوزاعيُّ
كما أجازه لنا محمد بن سنان، عن محمود بن خالد، عن عُمَرَ بنِ
عبد الواحد، قال: سمعت الأوزاعيَّ يقول في رجلٍ مسلمٍ مات في قريةٍ
ليس فيها مسلمون، فأوصى، قال: يُغسلونه ويَدْفِنونه، وتجوز شهادتهم،
يعني على وصيته.
وقال به الثوري أيضاً:
كما حَدَّثَنَا القاسمُ بنُ عبد الرحمن الجزري، حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبدٍ
الوهَّابِ الدَّعلَجي، عن محمد بن عليٍّ بن أبي خِداش، عن المعافى بنِ
عِمران، قال: وسُئِلَ - يعني الثوري- عن شهادةِ أهل الذَّمةِ في السفر،
هل يُعْمَلُ بذلك اليوم؟ فذكر عن سليمانَ، عن إبراهيمَ، عن شريحٍ،
قال: لا تجوز شهادةُ اليهوديِّ ولا النصرانيَّ إلا في وصيةٍ، ولا تجوز في
وصيةٍ إلا في السفر، قال سفيان: حيث لا يُوجَدُ مسلم، قيل لسفيان:
أيؤخذ بها أو نحو ذلك، فقال: قد عَمِلَ بها أبو موسى.
-٣٥٤-
كتاب التفسير - سورة المائدة
فإن قال قائِلٌ: فقد رُوِيَ عن الحَسَنِ ما يُخَالِفُ أقوالَ هؤلاءِ
الذین ذكرت
فذكر ما قد حَدَّثَنَا الهرويُّ، حَدَّثْنَا إسحاقُ بنُ إبراهيم، حَدَّثْنَا
روحٌ، أخبرنا عوفٌ، عن الحسن في قوله: ﴿إِثَانِ ذَوَ عَدْلٍ مِكُم أو
أَخَرَانِ مِنِ غَرِكُمْ﴾، قال: من غير أهلٍ قبلتكم، كُلُهم مِن أهلٍ
الصلاةِ، ألا تراه يقولُ: تحسبونهما مِن بعدِ الصلاةِ؟
فكان جوابُنا له في ذلك: أنَّا لا نَدْفَعُ أن يكونَ أهلُ العلم قد
اختلفوا في ذلك، وكيف ندفعُ أن يكونوا اختلفوا فيه، وأبو حنيفة في
أصحابه، ومالك في أصحابه، والشافعي في أصحابه يذهبون إلى أنَّها
بخلافِ ما هِيَ عليه ممن قد ذكرنا، فمنهم من يذهبُ إلى أنّها منسوخةٌ
بقوله: ﴿وَاشْهِدُوا ذَوَي عَدْلَ مْكُمْ﴾، وهذا مما لا يقطعُ فيه على
المخالف بقيام الحجة عليه بالنسخ لما قد أنزله الله في كتابه، وعَمِلَ به
رسولُه، وعَمِلَ به من عمل به من أصحابه، ولا يجوزُ أن ينسخَ ما قد
أجمع على ثبوته إلا لقيام الحجة بما يُوجب ذلك فيه.
فأما ما قد كرناه مما يستدِلُّ به الحسنُ مِن قول الله: ﴿تحبوهما مِنْ
بعد الصلاة﴾ ما قد دَلَّ على أنَّهما من أهلِ الصلاةِ، فإنَّ ذلك مما لا دليلٌ
عندنا فيه، وإنما ذلك عندَ كثير من أهل العلم على أنه قصد بذلك إلى
الوقتِ الذي يُعَظِّمُه أهلُ الأَديان جميعاً وهو ما بعدَ صلاةِ العصرِ
ويتوقونه ويخافون نزولَ العقوبة بهم عندَ المعصية فيه، وقد ذكرنا في
ذلك عن رسول الله ﴿ من قوله: «ثَلاَثَةٌ لا يَنْظُرُ اللهُ إليهم يومَ القِيامَةِ
ولا يُزَكِّيهِم، ولَهْمُ عَذَابٌ أليمٌ: رجلٌ حَلَفَ بعدَ العصرِ على سِلعة
- ٣٥٥-
كتاب التفسير - سورة المائدة
أنْه أُعطي بها كذا وكذا كاذباً))، وقد ذكرنا ذلك بإسناده فيما تقدَّمَ
منا في كتابنا هذا، فإذا كان هذه الاختلافُ في هذا كما قد ذكرنا،
بقي حُكْمُ الآية على ما كان عليه حتى يكونَ مثله مما يوجب نسخها،
وقد كان الزهريُّ زيدُ بنُ اسلم يذهبان إلى أنها مما قد نُسِخَ العملُ به.
كما قد حَدَّثْنَا ابنُ أبي داود، حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ صالحٍ، حَدَّثْنَا
الليثُ، عن عُقيل، عن ابن شهاب، ثم ذكر في اختلافِ مَنْ ذكره مِن
فقهاء أهلِ المدينة في ذلك ما قد ذكره فيه، وقال بعقب ذلك: ولا تجوزُ
شهادةُ كافرٍ على أحدٍ من المسلمين في شيءٍ من الأموال في حضرٍ ولا
سفر.
وكما قد حَدَّثْنَا يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرن عبدُ الله بنُ
عياش، عن زيد بن أسلم في هذه الآية: ﴿شَهادةَ بَيْكُمِ إذا حَضَرَ
أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ الآية، قال: ذلك كان في رجل توفي، ولَيْسَ عندَه
أحدٌ من أهلِ الإسلامِ، وذلك في أوَّلِ الإِسلام والأرضُ حرب، والناسُ
كُفَّارٌ، إلا رسولَ الله ﴿ وأصحابَه بالمدينة، وكان الناسُ يتوارثون
بالوصيةِ، ثم نُسِخَتِ الوَصيةُ، وفُرَضِتِ الفرائضُ، وعَمِلَ بها المسلمون.
قال أبو جعفر: وليسَ في هذا إلى الآن ما يُوجبُ نسخَ هذه الآية.
والله الموفق للصواب.
- ٣٥٦ -
كتاب التفسير - سورة الأنعام
٨٦٤- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِي عن رسول الله# في المراد
بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَطُردِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ
يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]، وفي قوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفسَكَ مَعَ
الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بَالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾
[الكهف: ٢٨]
٦٠٢٦- حَدَّثْنَا أبو أُمية، حَدَّثْنَا أحمد بن الْمُفَضَّلِ الحَفِرِي، حَدَّثْنَا
أُسْبَاطُ بِن نَصْرِ، عن السُّدِّي، عن أبي الكُنُود، عن خَبَّاب ﴿وَلاَ تَطْرُؤُ
الَّذِينَ يَدْعُونَ رَّهُمْ﴾ ... الآية قال: جَاءِ الأُفْرَغُ بنُ حَابسٍ، وعُيْنَةُ بنُ
حِصْنَ فوجدوا الْبِيَّ ◌َ﴿ِ مع بلال وعمار، وصُهَيْب، وحَبَّاب في أُناسِ
مِنَ الضُّعَفاءِ مِنَ المؤمنين، فَلَّمَّا رَأوْهُم حولَهُ حَقَرُوهُمْ، فَأَتَوْهُ فَخَلَوْا بِه،
فقالوا له: إنَّا نُحِبُّ أنْ تَجْعَلَ لنا منك مَجْلِساً تَعْرِفُ لنا به العربُ
فضلَنا، وإنَّ وُفودَ العربِ تأتيك فَنَسْتَحْيِي أَنْ ترانا قُعُوداً مَعَ هذهِ
الأُعْبُدِ، فَإِذَا نَحْنُ جِئْنَاك، فأَقِمْهُم عَنَّا، فإذا نحنُ فَرَغْنَا فاقْعُدْ معهم إنْ
شِئْتَ، قال: (نعم)، قالوا: فَاكُتُبْ لنا عليك كِتَاباً، فَدَعَ بالصحيفة
ليكُتُبَ لهم، ودعا عليّاً لَيَكْتُبَ، فلمَّا أراد ذلك، ونحن قُعودٌ في ناحيةٍ،
نزلَ جبريلُ عليه السَّلامُ فقال ﴿وَلَ نَطُرِدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَهُمْ﴾ .. الآية،
ثم ذكرَ الأقرعَ وصَاحِبَهُ، فقال: ﴿وَكَذِلِكَ فَتَنَا بَعْضَهُمْ بَعض ◌َيَقُولُوا
ءَ
أهؤلاء﴾ [الأنعام: ٥٣] .. الآية، ثم ذكر، فقالَ: ﴿وَإِذَا جَاءكَالذِينَ يُؤْمُونَ
-٣٥٧-
كتاب التفسير - سورة الأنعام
بَاتَاً .. -إلى - الرَّحْمَةِ﴾ [الأنعام: ٥٤] فَرَمَى رسولُ اللهِ ﴿وَّ بِالصَّحيفةِ،
ودَعَانَا، فَأتيناه، وهو يقول: ((سَلامٌ عَلَيْكُمْ) فدَنَوْنَا منه، فوضَعْنَا رُكَبْنَا
على رُكْتِه، فكان إذا أرادَ أنْ يَقُومَ، قَامَ وَتَرَكَنَا، فَأَنْزَلَ اللهُ تعالى:
﴿وَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم﴾ .. الآية، يقولُ: مجالس
الأشراف(١)، ﴿وَلَ تَطِعْ مَنْ أَغْفَ قَهُ﴾ .. الآية [الكهف: ٢٨]، أمَّا الَّذِي
أَغْفَلَ قَلْبَه فهو عُبِينَةُ، والأقرعُ، وأمَّا ﴿فُرطاً﴾ فهلاكاً، ثم ضَرب لهم
مثلَ رجلينٍ، ومَثَلَ الحياةِ الدُّنيا، فَكُنَّا بَعْدَ ذلك نَقْعُدُ مع النِّ ◌َ﴿، فإذا
بَلَغْنَا الساعةَ التي يَقُومُ فيها قُمْنَا وَتَرَكْنَاه حتّى يقومَ، وإِلَّ صَبَرَ أَبَداً
حَتَّى نَقُومَ(٢).
(١) كذا الأصل، وفي ((سنن ابن ماجه): {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم
بالغداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ)، ولا تجالس الأشراف.
(٢) إسناده ضعيف. أسباط بن نصر: كثير الخطأ، وأبو الكنود الأزدي: لم يوثقه
غير ابن حبان، وهو مختلف في اسمه، قيل: عبد الله بن عامر، وقيل: عبد الله بن
عمران.
ورواه ابن جرير (١٣٢٥٨) و(١٣٢٥٩)، وابن ماجه (٤١٢٧) من طريق أسباط
بن نصر، به، إلا أنهما زادا بين ((السدي) وبين ((أبي الكنود)) أبا سعد الأزدي، وأبو
سعد هذا لم یوثقه غیر ابن حبان.
ورواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) ٣٥٢/١-٣٥٣ من طريق حكيم بن زيد، عن
السدي بإسناد ابن ماجه والطبري.
وأورده ابن كثير في ((تفسيره) ٢٥٥/٣ عن ابن أبي حاتم، عن عمرو بن محمد
-٣٥٨-
كتاب التفسير - سورة الأنعام
فتأمَّلْنا ما في هذا الحديثِ من ذكر القوم الذين كان سؤال الأقرع
وعُيينةَ فيهم ما سأَلاَ، وفيما أُنْزِلَ من أجلٍ ذلك من قوله: ﴿وَلاَ تَطْرُدُ
الَّذِينَ﴾ ... الآية، ومن قوله: ﴿وَصْبِرْ نَفْسِكَ﴾ .. الآية، هل هما
خاصَّتَان في النّفر المذْكُورِينَ في هذا الحديثِ، أم هما على مَنْ هُوَ من
أهل الصُّفَّة المذكورةِ فيهما، منهم هؤلاء النفر المذكورونَ في هذا
الحديث؟
العَنقزي، عن أسباط بن نصر، به. ثم قال: ورواه ابن جرير من حديث أسباط، به.
وهذا حديث غريب، فإن الآية مكية، والأقرع بن حابس، وعينة إنما أسلما بعد
الهجرة بدهر.
وأورده السيوطي في (الدر المنثور)) ١٣/٣، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة، وأبي
يعلى، وأبي نعيم في ((الحلية))، وابن المنذر، وأبي الشيخ، وابن مرودويه.
والصيحيح في سبب نزول الآية ما أخرجه مسلم ما في «صحيحه)) (٢٤١٣) من
طريق سفيان، وإسرائيل، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن سعد بن أبي وقاص،
قال: كنا مع النبي صلّى الله عليه وسلّم ستة نفر، فقال المشركون للنبي صلَّى الله عَلَّيه
وسلّم: الْرُدْ هؤلاء لا يجترؤون علينا، قال: وكنت أنا وابن مسعود، ورجل من
هذيل، وبلال، ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله صلَّى الله عَلَّيه
وسلَّم ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه، فأنزل الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولا تطرد الذين
يدعون ربهم بالغداة والعشيِّ یریدون وجهه).
وهو في ((سنن ابن ماجه)) (٤١٢٨) من طريق قيس بن الربيع، وفي ((دلائل النبسوة))
٣٥٣/١ من طريق إسرائيل، كلاهما عن المقدام، به.
-٣٥٩-
كتاب التفسير - سورة الأنعام
٦٠٢٧- فَوَجَدْنَا يزيدَ بن سِنان قد حَدَّثْنَا قالَ: حَدَّثْنَا سعيدُ بن
أبي مَرْيم، أخبرنا يحيى بنُ أيوبَ، أخبرني ابنُ عَجْلانَ، عن نافعِ،
أخبرني ابن عمر في هذه الآية ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَالَّذِينَ يَدْعُونَ رَّهُم بَالغَّدَاةِ
وَلَعَشِيِّ يُرِدُونَ وَجْهَهُ﴾، أنّهم الذين شَهِدُوا الصلوات المكتوبات.
٦٠٢٨ - وحَدَّثَنَا إبراهيمُ بن مَرْزوق، حَدَّثْنَا عبد الله بن يَزِيدَ
المقرئ، حَدَّثْنَا سعيد بن أبي أيوب، عن محمد بن عَجْلان. فذكر
پاسنادِه مثله.
فَعَقَلْنَا أَنَّ الُرَادِيْنَ في الآيتين اللتين تَلَونا أنهم الذين يَشْهَدُون
الصلواتِ المكتوباتِ، وأنهم ليْسَتَا بخاصَّتَينْ للنفر المذكورين في حديث
حَبَّابٍ دونَ مَنْ سِواهم مِن الناسِ، وأنهما على النفرِ الموصوفينَ في
حديث ابن عمر، وأنَّ منهم النفر المذكورين في حديث خباب وأمثالهم
ممن كان يَشْهَدُ ما يَشْهَدُون من الصلواتِ الخمسِ.
- ٣٦٠-