النص المفهرس

صفحات 221-240

كتاب التفسير - سورة البقرة
حدَّثَانا، قالا: حَدَّثْنَا الفِرِيابيُّ، حَدَّثَنَا قيسُ بنُ الربيع، عن عطاء بن
السائب، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس: ﴿وأَنْفِقُوا في سَبيل الله، ولا
تُلْقُوا بِأبِدِكُمْ إلى التهلكة﴾، قال: أنْفِقُوا في سبيلِ الله، ولا تمسكوا
النفقةَ في سبيلِ اللهِ، فَتَهْلِكُوا(١).
٥٨٨٧- ووجدنا إبراهيمَ بنَ مرزوق قد حَدَّثْنَا، حَدَّثْنَا سعيد بن
عامرٍ، عن شُعبة، عن منصورٍ، عن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباس، قال:
يُنْفِقُ في سبيلِ الله، وإن لم يَكُنْ له إلا مِشْقَصّ(٢).
قال أبو جعفر: يريد أنه ينفقُ في سبيلِ الله من قليل المالِ كما
يُنفق من كثيره، عن التحذير من إِيَّه أن يَتْرُكَ ذلك، فيدخل في الوعيد
الذي قد ذكرنا.
٥٨٨٨- ووجدنا إبراهيمَ بنَ مرزوق، قد حَدَّثْنَا، حَدَّثْنَا سعيدُ
بنُ عامر، عن شعبة، عن سليمان، عن أبي وائل، قال: قال حذيفة في
تأويل هذه الآية: في النفقة، قال شعبةُ: فحدثتُ به يونس، فقال: رَحِمَ
اللهُ الحسنَ، ما قال شيئاً، إلا وجدتُ له أصلاً(٣).
(١) قيس بن الربيع قد تغير، وعطاء بن السائب قد اختلط.
ورواه ابن جرير (٣١٤٩) من طريق عمرو بن أبي قيس، عن عطاء، بهذا
الإسناد.
(٢) أبو صالح: هو باذام مولى أم هانئ: ضعيف. ورواه الطبري (٣١٤٦)
و(٣١٤٧) من طريقين، عن شعبة، بهذا الإسناد.
ورواه بتحوه الطبري (٣١٤٨) من طريق سفيان، عن منصور، به.
(٣) رجاله ثقات. ورواه الطبري (٣١٤٥) من طريقين، عن شعبة، بهذا الإسناد.
- ٢٢١ -

كتاب التفسير - سورة البقرة
٥٨٨٩- ووجدنا فهداً قد حَدَّثَنَا، حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ رجاء،
حَدَّثْنَا شيبانُ النحويُّ، عن منصور، عن أبي صالح مولى أمِّ هانئ، عن
ابن عباس، في قولِه عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَأَنْفِقوا في سبيل الله، ولا تَلْقُوا بَأيِيكُم إلى:
التَّهُكَةِ﴾، قال: لا يَقُولَن أحَدُكُمْ: إِنِّي هالِكٌ، لا أحدُ شيئاً، إنْ لم
يَجِدْ إلا مِشْقَصاً فليُجَاهِدْ به في سبيلِ الله عزَّ وجلَّ(١).
فَكُلُّ هؤلاء الذي روينا عنهم هذه الآثار يُخبرون: أن التهلكةَ
المذكورةَ في الآيةِ التي تلونا ليست في لقاء العدو بالقتالِ الذي ليس مع
مَنْ لقيهم مِن الطاعة ما لا يُؤْمن عليه منهم قتلهم إِيَّاه، وأنه في فعله
ذلك غيرُ مذموم فیه.
فقال قائل: كيف تقبلونَ هذا، وقد رويتم في تأويل هذه الاية
خلافه؟
٥٨٩٠- فذكر ما قد حَدَّثْنَا فهدُ بنُ سليمانَ، وهارونُ بنُ كامل
ورواه أيضاً (٣١٤٥) من طريق أبي جعفر الرازي، عن الأعمش، ومن طريق
سفيان، عن عاصم، كلاهما عن أبي وائل، به.
ورواه الطبري (٣١٤٤) من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن سفيان، عن
حذيفة.
وقول الحسن: رواه الطبري (٣١٥٩) و(٣١٦٠) و(٣١٦٥)، من طرق عن
يونس، عن الحسن، قال: نزلت في النفقة.
(١) ضعيف لضعف أبي صالح مولى أم هانئ. ورواه الطبري (٣١٥٢)، و٤٥/٩
من طريق آدم بن آياس، عن شيبان، عن شيبان، بهذا الإسناد.
- ٢٢٢ -

كتاب التفسير - سورة البقرة
جميعاً، قالا: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ صالح، قال: حَدَّثَنَا الليثُ بنُ سعدٍ،
حَدَّثَنَا عبدُ الرحمن بنُ خالد بن مسافر، عن ابنٍ شهاب، عن أبي بكر
بن عبد الرحمن بن الحارث بنِ هشام، أن عبد الرحمن بنّ الأسودِ بنِ
عبد يغوث الزهريّ، أخبره: أنهم حاصَرُوا دِمَشْقَ، فانطلق رجلٌ من
أزد شنوءة، فأسرع إلى العدو وحدّه يستقبلُ، فعابَ ذلك عليه
المسلمون، ورفعوا حديثَه إلى عمرو بن العاص، وهو على جنٍ من
الأجنادِ، فأرسل إليه عمرو، فردَّه، وقال له عمرو: إنَّ الله عَزَّ وجَلَّ
يقولُ: ﴿إِنَّاللّه ◌ُحِبُّ الذِينَ يُقاتِلُونَ في سيله صفّاً كأنهم بنيان مر صوصٌ﴾
[الصف: ٤]، وقال: ﴿ وَلا تَلْقُوا بأيديكم إلى النَّهُكَةُ﴾.
قال: فهذا عمرو بن العاص قد جعل لقاء العدوِّ بمثلٍ ما طلب
ذلك الرجلُ لقاءَهم عليه من التَّهلُكَةِ.
وكان جوابنا له في ذلك أن هذا الذي كان من عمرو ليس في
إخبارٌ عن السبب الذي فيه نزلت الآية، وحديثُ أبي أيوب في الإخبارُ
عن السبب الذي فيه نزلت، وفي خبر أبي أيوب التوقيفُ على السبب
الذي فيه نزلت، وهم فلم يعلموا نزولَها، ولا السببَ الذي أُرِيدَ بنزولها
فيه، إلا من رسول الله و﴿ بتلاوتِه إيَّها عليهم، وبإخبارِه إيَّهم السبب
الذي نزلت فيه، وعمرو بنُ العاص قد يحتمِلُ أن يكونَ ما قاله مما في
حديثه الذي رويناه عنه كان ما تأولها عليه مما هو له واسع، إذ كانت
محتملَةٌ لما تأوَّلَها عليه، ولو وَقَفَ على ما كان مِن رسول اللهلَ﴿ مما
يُخالف ذلك لتمسَّكَ به، ولرد تأويلَه إليه، ولم يَقُلْ في تأويلها خلافَه،
والذي يكونُ ممن يطلب في قتالِ العدو، وتأول في حديث عمرو هذا
-٢٢٣-

كتاب التفسير - سورة البقرة
مما يطلب به النكايةَ في العدو، وصاحبه محمودٌ عليه، والله أعلم، الذي
أراده عُمَرُ بنُ الخطاب رضي الله عنه في الحديثِ الذي رويناه عنه في
هذا الباب، حتى تلا من أجله الآية التي تلاها، وهي: ﴿الذينَ يَشْرُونَ
الحياة الدُّنيا بِالآخِرَةِ﴾ [النساء: ٧٤]، وهي أجلُّ المراتبِ وأعلاها.
وقد كان من جعفر بن أبي طالب يومَ مؤتةَ مثلُ ذلك:
٥٨٩١- كما قد حَدَّثْنَا ابن أبي داود، قال: حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ
خالد الوَهْيٍ، حَدَّثْنَا ابنُ إسحاق، عن يحيى بن عبّاد بنِ عبد الله بن
الزبير، عن أبيه، قال: حدثني أبي الذي أُرضعني، وكان أحدَ بني مُرَّةً،
قال: شَهِدَ مؤتة مع جعفر بن أبي طالب وأصحابه رضي الله عنهم،
فرأيتُ جعفراً حين لاحمه القِتَالُ، اقتحم على فرسٍ له شقراء، ثم
عَقَرَها، وقَالَ القَوْمَ حتى قُتِلَ، فكان أوَّلَ رَجُلٍ عَقَّرَ في سبيلِ الله
يومئذٍ(١).
قال أبو جعفر: وذلك كان منه بحضرة مَنْ بقي من الأمراء الذين
كانوا معه، وهو بحضرة عبد الله بن رواحة، وبحضرة مَنْ خَلَفَهُ في
القتالِ، وهو خالدُ بنُ الوليد الذي حَمِدَهُ رسولُ اللهِلَ﴿، وسَّاه لذلك:
سيفَ الله، وبحضرة مَنْ كان سواهما مِن المسلمين ذلك منه، ولم
یُنکروه عليه.
ومما نُحيط علماً به: أنَّه قد تناهى إلى رسول الله ﴿ من فعله، فلم
(١) رواه أبو داود (٢٥٧٣) من طريق يحيى بن عباد، بهذا الإسناد. وحسّن
إستاده الحافظ في ((الفتح)) ٥١١/٧.
- ٢٢٤ -

كتاب التفسير - سورة البقرة
يُنكره عليه، ولم ينهَ المسلمينَ عنه مثلِه، فَدَلَّ ذلك أن هذا الفعلَ مِن
أجلِّ الأفعالِ، وأن الثوابَ عليه من أعظمِ الثوابِ مِن الله عَزَّ وجَلَّ، وأن
تأويَل الآية التي تَلَوْنَاها كما رويناه، عن أبي أيوب في تأويلها لا كما
سواه مما يخالف ذلك. والله نسأله التوفيق.
٨٣٩- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عَنْ عائشة وحفصة زوجي
رسول الله ﴿ وعن أمّ كلثوم(١) عن رسول الله / في هذه
الآية: ﴿حَافِظوا على الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسطَى﴾ وصلاة
العصر
٥٨٩٢- حَدَّثْنَا يونُس، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، أنَّ مالكاً حدَّثه،
عن زيدٍ بنِ أسلمَ، عن القَعْقَاعِ بنِ حكيمٍ، عن أبي يونُس مولى عائشة
زوج النبي ﴿ أَنْه قال: أمرتني عائشةُ أُمُّ المؤمنينَ أنْ أكتُبَ لها مُصحفاً،
وقالت: إذا بلغتَ هذه الآية فآذِنِي ﴿حَافِظوا على الصََّواتِ والصَّلاةِ
الوُسطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، قال: فلمَّا بلغتها آذنتُها، فأمْلَتْ عليّ
﴿حَافِظُوا على الصَّوَاتِ وَالصَّلَاِ الوُسطَى﴾ ((وصلاة العصر)) ﴿وقوموا لله قَانِتِينَ﴾
ثم قالت: سَمِعْتُها من رسول الله (٢).
(١) كذا بالأصل، ولا يوجد لأم كلثوم حديث في الباب رغم تكرار الطحاوي
لذ کرها.
(٢) إسناده صحيح. وهو في ((شرح معاني الآثار)) ١٧٢/١.
-٢٢٥ -

كتاب التفسير - سورة البقرة
٥٨٩٣- حَدَّثَنَا عليُّ بنُ معبدٍ، قال: حَدَّثَنَا يعقوبُ بنُ إبراهيم
بن سعد، قال: حَدَّثَنَا أبي، عن ابنِ إسحاق، قال: حدَّثني أبو جعفر
محمدُ بنُ علي، ونافعٌ مولى عبدِ الله بن عُمر، عن عمرو بن رافع مولى
عُمر بن الخطاب رضي الله عنه حدثهما أنه كان يكتب المصاحفَ على
عهدٍ أزواجِ النبي8ِّ# فقال: اسْتَكْتَبَنْنِي حفصة ابنة عُمر زوج النبي ◌َّ
مصحفاً، وقالت لي: إذا بلغتَ هذه الآية من سورة البقرة، فلا تكتبْها
حتى تَأْتِيَنِي، فأُمِلَّها عليك كما حفظتُها من رسول الله:﴿ .. فلما بلغتُها
أتيُها بالورقة التي أكتُبها، فقالت: اكتبْ ﴿حَافِظُوا على الصَّوَاتِ وَالصَّلاةِ
الوُسطَى﴾ وصلاة العصر(١).
٥٨٩٤- حَدَّثَنَا يونُس، قال: أنبأنا ابنُ وَهْبٍ أن مالكاً حدَّثْه عن
زيدٍ بن أسلم، عن عمرو بن رافع، مثلَه عن حفصة، غير أنها لم تذكر
فيه النبيَّ (٢).
وهو في («الموطأ) ١٣٨/١-١٣٩، ومن طريق مالك رواه مسلم (٦٢٩)، وأحمد
٧٣/٦ و١٧٨، وأبو داود (٤١٠)، والترمذي (٢٩٨٢)، والنسائي ٢٣٦/١، وابن
أبي داود في («المصاحف)) ص ٩٤، والبيهقي ٤٦٢/١.
وانظر سنن سعيد بن منصور (٤٠١).
(١) رواه في ((شرح معاني الآثار)) ١٧٢/١ بإسناده ومتنه.
ورواه ابن حبان (٦٣٢٣) عن أحمد بن علي بن المثنى، عن أبي خيثمة، عن
يعقوب بن إبراهيم، بهذا الإسناد.
(٢) الحديث في ((شرح معاني الآثار)) ١٧٢/١ بإسناده ومتنه.
-٢٢٦ -

كتاب التفسير - سورة البقرة
٥٨٩٥- حَدَّثَنَا عليُّ بِنُ مَعْبَد، قال: حَدَّثَنَا الحجَّاج بن محمد،
قال: قال ابنُ جُرَيْج: أخبرني عبد الملك بن عبد الرحمن، عن أمِّه أُمِّ
حميد بن عبد الرحمن، سألت عائشة رضي الله عنها، عن قوله اللهِ عَزَّ
وجَلَّ: ﴿وَالصَّلاةِ الوُسطَى﴾ فقالت: كنّا نَقرؤُها على الحرفِ الأوَّلِ على
عهدِ رسُولِ الله ◌َ﴿ّ: ﴿حَافِظُوا على الصََّواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ ((وصَلاةِ
العصرِ)) ﴿وقوموا للهِ قَاتِينَ﴾(١).
قال أبو جعفر: فكان فيما روينا عن عائشة وحصفة وأمِّ كلثوم
رضي الله عنهنَّ إثبات صلاة العصر في التّلاوة، فنظرنا في ذلك هل
وهو في «الموطأ)) ١٣٩/١، ومن طريق مالك رواه ابن أبي داود في (المصاحف))
ص٩٧، والبيهقي ٤٦٢/١، والمزي في ((تهذيب الكمال) في ترجمة عمرو بن رافع.
قال أبو عمر بن عبد البر في ((التمهيد)): هكذا رواه مالك موقوفاً، وحديث حفصة
هذا قد اختلف فى رفعه ومتنه أيضاً.
وممن رفعه عن زيد: هشام بن سعد، ثم ذكره بسنده عن عبد الله بن صالح، عن
الليث بن سعد، قال: حدثني هشام بن سعد، عن زيد بن اسلم، فذكره مرفوعاً.
ورواه الطبري (٥٤٦٥) من طريق الليث بن سعد، قال: حَدَّثْنَا خالد بن يزيد،
عن سعيد بن أبي هلال، عن عمرو بن رافع.
(١) إسناده ضعيف. عبد الملك بن عبد الرحمن بن خالد بن أسيد: لم يرو عنه غير
ابن جريج، ولم يوثفه غير ابن حيان ١٠٦/٧، وأمه أم حميد بنت عبد الرحمن لا
يعرف حالها. ورواه عبد الرزاق (٢٢٠٣) عن ابن جريج، بهذا الإسناد.
ورواه ابن أبي داود ص٩٥، وابن جرير الطبري (٥٣٩٤) و(٥٣٩٥) من طرق
عن ابن جريج، به.
-٢٢٧ -

كتاب التفسير - سورة البقرة
رُويَ ما قد دَلَّ على نسخه منها، وإخراجه من القرآن، وإعادتِهِ إلى
السُّنّةِ کما قد ذكرنا في غيرها.
٥٨٩٥م- فوجدنا أبا محمد بن زكريا بن يحيى وعبد الله بن محمد
بن سعيد بن أبي مَريم قد حَدَّثانا، قالا: حَدَّثْنَا الفِرْيابِيُّ، قال: حَدَّثَنَا
فُضيلُ بنُ مرزوق، قال: حَدَّثْنَا شَقيق بن عُقبة، عن البراء بن عازبٍ،
قال: نزلتُ حَافِظُوا على الصَّواتِ وصلاةِ الْعَصْرِ قَرأْنَاها على عهدٍ
رسولِ اللهِ﴿ ثم نَسخَها اللهُ، فأنزلَ: ﴿حَافِظُوا على الصَّلَواتِ والصَّلاةِ
الوُسطَى﴾(١).
قال أبو جعفر: فوقفنا بذلك على أن: ((وصَلاةَ العَصْر)) المذكور
ذلك في أحاديث عائشة وحصفة وأُمِّ كلثوم مما قد كان قرآناً، فُتُسِخَ
وردّ إلى ما في مصاحِفنا.
وكذلك كُلُّ ما رُوِيَ مما ذُكر فيه أنه من القرآن، ولا نجده في
مصاحفنا، فهو مما قد كان قُرآناً ونُسِخَ، فَأُخرجَ من القرآن، وأُعِيدَ إلى
السُّنَةِ فصار منها. والله عَزَّ وجَلَّ نسأله التوفيق.
(١) حديث صحيح، ورواه مسلم (٦٣٠) عن إسحاق بن راهويه، عن يحيى بن
آدم، عن فُضيل بن مرزوق، به. ثم قال مسلم: ورواه الأشجعي، عن سفيان الثوري،
عن الأسود بن قيس، عن شقيق بن عقبة، عن البراء بن عازب.
ورواه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ١٧٣/١ بإسناده ومتنه.
ورواه ابن جرير (٥٤٣٧) من طريقين عن فضيل بن مرزوق، به.
ورواه الحاكم في («المستدرك)) ٢٨١/٢، وعنه البيهقي ٤٥٩/١ من طريق يحيى بن
جعفر بن الزبرقان، عن أبي أحمد الزبيري، عن فضيل بن مرزوق، به.
-٢٢٨ -

كتاب التفسير - سورة البقرة
٨٤٠- بابُ بيانِ مُشكل ما رُوي عن عبد الله بن عباس في
السبب الذي نزل قوله تعالى: ﴿لا إكراه في الدِّين﴾
[البقرة: ٢٥٦]
٥٨٩٦- حدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، حدَّثَنَا وهبُ بنُ جريرٍ، عن
شعبة، عن أبي بِشْرِ، عن سعيد بنِ جُبير، عن ابنِ عباس في قوله تعالى:
﴿لَا إِكْرَهَ في الدّين﴾ [البقرة: ٢٥٦]، قال: كانت المرأةُ من الأنصارِ لا
يَكَادُ يَعيش لها ولد، فتحلفُ لئن عاشَ لها ولد، لَتَجْعَلنَّهُ فِي الْيَهودِيَّةِ، فلما
أُجْلِيَتْ بنو النضير إذا فيهم ناسٌ من أبناءِ الأنصارِ، فقالت الأنصارُ: يا
رسولَ الله أبناؤُنا، فأنزل الله تعالى: ﴿لا إكراه في الدّين﴾ [البقرة:
٢٥٦]. قال سعيد: فَمَنْ شاءَ لَحِقَ بهم، ومن شَاءَ دَخَلَ في الإِسلامِ(١).
(١) إسناده صحيح. ورواه البيهقي ١٨٦/٩، والواحدي في (أسباب النزول))
(١٥٨) من طريق محمد بن يعقوب، عن إبراهيم بن مرزوق، بهذا الإسناد.
ورواه أبو داود (٢٦٨٢)، وابن حبان (١٤٠) من طريق الحسن بن علي
الحلواني، عن وهب بن جرير، به. ورواه أبو داود (٢٦٨٢)، والنسائي في ((الكبرى)
(١١٠٤٨) و(١١٠٤٩)، وأبو جعفر النحاس في ((الناسخ والمنسوخ)) ص ٩٨،
والطبري في «التفسير)) (٥٨١٢)، والواحدي من طرق، عن شعبة، به.
وزاد السيوطي نسبته في الدرر المنثور إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مندة في
غرائب شعبة وابن مردوية والضياء في المختارة.
ورواه أبو عبيد القاسم بن سلام في ((الناسخ والمنسوخ)) (٥١٦)، والطبري
(٥٨١٤) و(٥٨١٥) و(٥٨١٦) من طريق داود بن أبي هند، عن عامر الشعبي،
مرسلاً.
-٢٢٩ -

كتاب التفسير - سورة البقرة
وحدثنا محمدُ بنُ خزيمة، حدَّثَنَا حجَّاجُ بنُ مِنهال، حدَّثَنَا أبو
عَوانةً، عن أبي بِشرٍ، قال: سألتُ سعيدَ بنَ جُبير، عن قوله عزَّ وجَلَّ:
﴿لا إكْرَاهَ في الدّين﴾. قال: نزلت هذه الآية في الأنصار. قلت: خاصةً؟
قال: خاصةً، كانت المرأة في الجاهلية إذا كانت نَزْرَةً أو مِقْلاناً، تَنْذُرُ: إن
وَلَدَتْ ولداً تجعلُه في اليهودٍ تَلْتَمِسُ بذل طُولَ بقائه، فجاءَ الإِسلامُ وفيهم
منهم، فلما أُجْلِيت بنو النضير، قالوا: يا رسولَ الله، أبناؤنا وإخوانُنا
فيهم، فَسَكَتَ عنهم، فأنزل الله عزَّ وحَلَّ: ﴿لا إكْرَاهَ في الدّينِ قَدْ تَبَينَ
الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦]. فقال رسولُ اللهِلَ: ((خَيِّرُوا
أصحابَكُم، فإن اختارُوكُمْ، فهم منكُم، وإن اخْتَارُوهُم فَهُمْ منْهُم)).
قال: فأجلاهم مَعَهُمْ ولم يذكر ابنُ خزيمةَ في حديثه ابنَ عباس(١).
فقال طائفةٌ منهم: من انْتَحَلَ دِينَ اليهودِ أو النصارى مِن العربِ
صارَ منهم، وكان لهم حُكمُهم في حِلِّ ذبيحتهم، وفي حِلّه لنا إن كانت
امرأةٌ، وقد رُوي ذلك عن عبدِ الله بنِ عباس:
٥٨٩٧- كما قد حدَّثَنَا محمدُ بنُ خُزيمة، حدَّثَا حجاجُ بنُ مِنهال،
حدَّثَنَا حمادُ بنُ سلمة، عن عطاء بنِ السائب، عن عكرمة، عن ابنِ
عباسٍ، قال: كُلُوا من ذَبَائِحِ بني تَغْلِبَ، وتزوَّجُوا من نِسائِهم، فإنَّ اللهَ عزَّ
(١) رواه الخطابي في ((غريب الحديث)) ٨٠/٣-٨١، والبيهقي ١٨٦/٩ من طريق
سعيد بن منصور، عن أبي عوانة، بهذا الإسناد.
ورواه الطبري (٥٨١٣) عن محمد بن بشار، عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن
أبي بشر، به. وانظر ما قبله.
- ٢٣٠ -

كتاب التفسير - سورة البقرة
وجَلَّ قال: ﴿يَا أَِّها الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَّخِذُوا اليهود والنَّصارى أولياءَ بَعْضُهُم أولياءُ
بَعْضِ وَمَنْ يَوَّهُمِ مِنْكُمْ فَهِمِنْهُمْ﴾(١) [المائدة: ٥١].
وممن كان يذهبُ إلى هذا القولِ مِن فقهاء الأمصار: أبو حنيفة
وأصحابُه، ولا يختلِفُ عندَهم دخولُهم في ذلك أيّ وقتٍ ما دخلوا فيه في
الجاهلِّيةِ أو في الإسلامِ.
وقد خالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: إنَّ ذَبَائِحَهُم ونساءهم لا
تَحِلُّ لَنَا، وقد رُوي ذلك عن علي بن أبي طالب -رضِيَ اللهُ عنه-،
وعن عبد الله بن مسعودٍ- رضي الله عنه-
٥٨٩٨- كما حدَّثَنَا عليٍّ بنُ شيبة، حدَّثَنَا يزيدُ بنُ هارون، حدَّثَنَا
هشامُ بنُ حسان، عن محمدٍ، عن عَبِيدةَ، قال: سألتُ علياً رضي الله عنه
عَنْ ذبائح نصارى العَرَبِ؟ فقال: لا تَحِلُّ ذبائِحُهم، لأنّهم لم يتعلَّقوا من
دينهم إلا بشُرْبِ الْخَمْرِ (٢).
(١) إسناده لا بأس به. ورواه ابن أبي شيبة ١٦١/٤ عن عفان بن مسلم، عن
حماد، به.
ورواه الشافعي ١٧٥/٢، ومن طريقه البيهقي ٢١٧/٩ عن عبد العزيز الدراوردي
وإبراهيم بن أبي يحيى، عن ثور الديلي، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه سئل عن
ذبائح تصار العرب، فقال قولاً جلياً هو إحلالها، وتلا: ﴿ومن يتولهم منكم).
ورواه بهذا اللفظ الإمام مالك في الموطأ)) ٤٨٩/٢، ومن طريقه البيهقي ٢١٧/٩
عن ثور بن زيد الديلي، عن ابن عباس، لم يذكر عكرمة.
(٢) رجاله ثقات. ورواه البيهقي ٢١٧/٩ من طريق عثمان بن عمر السهمي، عن
هشام، بهذا الإسناد.
- ٢٣١ -

كتاب التفسير - سورة البقرة
٥٨٩٩- وكما حدَّثَنَا محمدُ بنُ خزيمة، حدَّثَنَا حجاجٌ، حدَّثَنَا
حمادٌ، عن أيوبَ، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة، عن علي -رضي الله
عنه - مثلَه(١).
٥٩٠٠- وكما حدَّثَنَا أبو قُرة محمد بنُ عبدِ الرحمن الرُّعيني، حدَّثَنَا
عليٌّ بنُ معبدٍ، حدَّثَّنَا موسى بن أعين، عن مسلمٍ -يعني الملائي-، عن
إبراهيم النخعي، عن علقمة، عن عبدِ الله بن مسعود، قال: كان يَنْهَى
عن ذَبائحِ المَحُوسِ ونَصارَى العَرَّبِ، وإِن ذَكَرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا(٢).
فكان في حديث عليٍّ حرفٌ يجبُ الوقوفُ على معناه قولُه [في]
نهيه عن ذَبائحهم: فإنّهم لم يتعلَّقوا من دينهم إلا بشرب الخمر، فكان في
ذلك دليلٌ على أنهم لو تَعَلَّقوا بِشَرائعٍ دينهم، لكانوا في ذلك بخلافهم،
لكن لما تَعَلَّقوا ببعضها، وتركوا بعضَها لم يتعلّقوا بشيءٍ، وفي ذلك ما قد
دَلَّ على أن قولَه وقولَ ابنِ عباس كانا في ذلك سواءً.
وقد رُوِيَ عن ابنِ عباس في السَّبَبِ الذي نَزَّلَتْ فيه: ﴿لا إِكْرَاءَ
ورواه ابن أبي شيبة ١٦١/٤ من طريقين عن سعيد بن أبي عروبة، عن أبي معشر
زياد بن كليب، عن إبراهيم النخعي، عن علي أنه كان يكره ذبائح نصارى بني تغلب
ونساءهم، ويقول: هم من العرب.
(١) إسناده ثقات. رواه الشافعي في ((مسنده)) ١٧٤/١ عن عبد الوهاب الثقفي،
وعبد الرزاق (٨٥٧٠) عن معمر، كلاهما عن أيوب، بهذا الإسناد.
ورواه الشافعي ١٧٥/٢، قال: أخبرنا الثقة، عن سفيان، أو عبد الوهاب الثقفي،
أو هما عن أيوب، به.
(٢) مسلم -وهو ابن كيسان الملائي - ضعيف.
-٢٣٢-

كتاب التفسير - سورة البقرة
في الدّين﴾ [البقرة: ٢٥٦] ما قد ذكرنا في هذا الباب، وفيه معنى يجبُ
الوقوفُ عليه، وهُوَ أنَّ الْمُسلِمِينَ لا يختلِفُونَ أن مَنْ أَسْلَمَ من الكُفَّارِ من
رجالِهم كان ولدُه الصغيرُ مسلماً بإسلامِهِ، هذا قولُ أهلِ العلم جميعاً،
ويختلفون في إسلام الأمِّ دونَ إسلام الأب، فيجعله بعضهم كإسلام الأب
في ذلك، وممن ذَهَبَ إلى ذلك منهم أبو حنيفة وأصحابُه، والشافعيُّ،
وأكثرُ أهلِ العلمِ سواهم.
ويأبى ذلك بعضُهم، ولا يجعله كإسلام الأبِ، وممن ذَهَبَ إلى ذلك
منهم: مالكُ بنُ أنس، فعقلنا بذلك أنَّ الذينَ أباحَ لهم الإقامةَ على ما هُمْ
عليه من اليهودية من أبناء الأنصار وإخوانهم كانوا كفاراً حينئذٍ ليسوا
من حُكْمُهُمْ حُكْمُ آبائِهم، فلذلك خلّى بينهم النِيُّنَ﴿ وَبَيْنَ ما هُمْ عليه
من اليهودية مِن أبناءِ الأنصارِ.
ثم وجدنا أهلَ العلمِ يختلفون فيمن تَهَوَّدَ من العرب، فيقولون: هو
دَاخلٌ في ذلك الدّين في أيِّ زمان كان ذلك منه فيه، وممن ذهب إلى
ذلك منهم: أبو حنيفة وأصحابُه.
ويقولُ بعضُهم: إن كان ذلك منهم قبلَ نزولِ الفُرقان خُلِّي بينهم
وبَيْنَ ذلك، وإن كان بَعْدَ نزولِ الفُرقانِ، مُنِعُوا من ذلك، وممن ذهب إلى
ذلك منهم: الشافعيُّ.
وفي حديثِ ابنِ عباس: أن البِيَّ ◌َ﴿ لم يَكْشِفْ عمن خُلِّي بينهم
وبَيْنَ ما هُمْ عليه من اليهودية من أبناء الأنصار وإخوانهم عن دخولهم في
اليهوديةِ متى كان؟ هل كان بعدَ نزول الفُرقان أو قبلَه، لأن الفرقان قد
أُنْزِلَ عليه فيه مما أنزل عليه منه بمكة، وقد أقام بها بعدَّ ذلك عشر سنين،
- ٢٣٣ -

كتاب التفسير - سورة البقرة
ويقولُ بعضهم أكثر من ذلك، وأقام بالمدينة بَعْدَ أن قَدِمَها مهاجراً إليها
قَبْلَ إجلائه بني النضير سَبْعَ سنين، فكان في ترك السُّؤال عمن تهوَّدَ بها
ما قد دلَّ أنه لا يختلفُ: هلْ كان بَعْدَ نزولِ الفرقان، أو قبلَ نزوله.
ففي ذلك ما قد دَلَّ أن لا فَرْقَ بينهما، لأنه لو كانا مفترقَيْنِ
لَكَشَفَ عن ذلك حتَّى يُعلم كيفَ كان حقيقةُ الأمر فيه، فيرد كُلاَّ إلى ما
يَجبُ أن يكونَ عليه، وكيف يُؤخذ كافر دخل في كُفْرٍ برجوعٍ إلى كفرٍ
آخر، وإنما يُؤْخَذُ الناسُ بالرجوع إلى الإِسْلامِ مما كانوا عليه قبلَه لا
برجوع من مِلُةِ الكُفْر إلى مِلَّةٍ أُخَرَى مِن ملل الكفر.
فإن قال قائلٌ: فإنّي لا آخُذُه بذلك من حيثُ ذكرت، لكني أقولُ
له: إمَّا أن ترجعَ إلى ما كنتَ عليه أو تؤذَنَ بحربٍ.
فكان جوابنا له في ذلك: أنَّ لا معنى لذلك أيضاً، لأني لا أرُدُّه إلى
ما دعاه الله إليه، وإذا كان ذلك مما لم يَدْعُهُ اللهُ إليه، وَحَبَ أن يُخَلِّى بِينَه
وبَيْنَ ما صَارَ إليه من ذلك، وبالله تعالى التوفيقُ.
٨٤١- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله # في المرادِ
بقول الله: ﴿اللهِ ما فِي السَّماواتِ وما فِي الأرضِ وإِنْ تُبْدُوا ما
فِي أنفُسِكُمْ أَوْ تُخفوهُ ... الآية﴾ [البقرة: ٢٨٤]
٥٩٠١- حَدَّثْنَا إسماعيلُ بنُ يحيى الْمُزَني، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ
إدريس الشافعي، عن إبراهيمَ بنِ سعد، عن ابنِ شهاب، عن ابن
مَرْجَانَة، قال: ذُكِرَ لابنِ عباس أنَّ ابن عمر تلا هذه الآية: ﴿وإنْ تُبْدُوا ما
فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفوهٌ يُحَاسِبْكُمْ بِ الله﴾ فَبَكَى، ثم قال: واللهِ لئن
-٢٣٤ -

كتاب التفسير - سورة البقرة
آخَذَنا الله بها لنَهْلِكَنَّ، قال ابنُ عباس: يَرْحَمُ الله أبا عبد الرحمن قد
وَجَدَ المسلمون مننها حين نزلت ما وَجَدَ، فذكروا ذلك لرسولِ الله
#، فنزلت: ﴿لاَ يُكَلِفُ الشَّفْساً إلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيها ما
اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] من القول والعمل، وكان حديثُ النفسِ
◌َما لا يَمْلِكُه أحدٌ، ولا يَقْدِرُ عليه أحدٌ(١).
٥٩٠٢- حَدَّثَنَا يُونسُ بنُ عبد الأعلى، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ
وهبٍ، قال: أخبرني يونسُ بنُ يزيد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن
مَرْجانة، يحدث بينما هو جالس مع عبد الله بن عمر بن الخطاب تلا
هذه الآية: ﴿لَشِمَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وإنْ تُبِدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أوْ
تُخْفوهٌ يُحَاسِبِكُمْ بِهِ الله ... الآيةِ﴾ فقال: والله لَئِنْ آَخَذَنَا الله بهذا
لنهلَكنَّ، ثم بَكَى عبدُ الله بن عمر حتى سُمِعَ نَشِيجُهُ، فقال ابنُ
مرجانة: فقمتُ حتى أتيتُ عبدَ الله بن عباس، فذكرتُ له ما تلا ابن
عُمر وما فعلَ حين تلاها، فقال ابن عباس: يَغْفِرُ الله لأبي عبد الرحمن،
لَعمرِي لقد وَجَدَ المسلمون منها حين أنزلت مثل ما وَجَدَ ابنُ عُمر،
فأنزل الله بعدَها: (الاَيُكَلِفُ الْنَفْساً إلاَ وُسْعَهَالَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيها ما
(١) إسناده صحيح، ورواه الطبري (٦٤٥٨)، والطبراني (١٠٧٦٩)
و(١٠٧٧٠) من طرق عن الزهري، بهذا الإسناد، وقد صرح ابن شهاب بسماعه من
سعيد بنٍ مرجانة عند الطبراني، وسنده صحيح.
وذكره الحافظ في ((الفتح)) ٢٠٦/٨ من رواية الطبري، وصحح إسناده.
وأورده السيوطي في ((الدر المنثور)) ١٢٨/٢، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وأبي
داود في («ناسخه))، والبيهقي في ((الشعب)).
-٢٣٥ -

كتاب التفسير - سورة البقرة
اكْتَسَبَتْ﴾ .... إلى آخر السورة فقال ابنُ عباس: وكانت هذه
الوسْوَسَةُ مِمَّا لا طَاقَةَ للمسلمينَ بها، فصارَ الأمرُ إلى أن قضى الله عَزَّ
وجَلَّ أنَّ للنفس ما كَسَبَتْ وعليها ما اكتسبت في القولِ والفعلِ (١).
قال أبو جعفر: فكان في هذا الحديث عن ابن شهاب، عن سعيد
بن مَرْجانة يُحدِّث، فأوقعَ ذلك في القُلوب أن يكونَ ابنُ شهاب لم
يحدِّث به عن ابن مَرْجانة سماعاً، فنظرنا إلى ذلك لِنقفَ على الحقيقة
فيها إنْ شاء الله.
٥٩٠٣- فوجدنا أحمد بنَ حماد التَّجييَّ أبا جعفر قد حَدَّثَنَا،
قال: حَدَّثنا أبو مروان محمدُ بنُ عثمان العُثماني، قال: حَدَّثْنَا إبراهيم
بن سعدٍ، عن ابن شهاب، عن مَنْ حدَّته، عن سعيد بنِ مَرْجانة ... ثم
ذكر مثل حديث يونس هذا(٢).
قال أبو جعفر: فوقفنا بذلك على أنَّ ابنَ شهاب إنَّما حدَّث بهذا
الحديث عن ابن مَرجَانة بلاغاً، ولم يُحَدِّث به عنه سماعاً، فبَطَلَ بذلك
هذا الحديثُ لْبُطلان إسنادِهِ، ثم نظرنا هل رُوِيَ عن رسول الله 14 في
هذا السبب حديث غيرُ هذا الحديث.
٥٩٠٤- فوجدنا إبراهيمَ بنَ أبي داود قد حَدَّثَنَا، قال: حَدَّثَنَا
محمد بن المِنْهال الضَّرِير، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ زُريع، قال: حَدَّثَنَا رَوْحُ
بنُ القاسم، عن العلاء بنِ عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال:
(١) رواه الطبري في ((جامع البيان)) (٦٤٥٩) عن يونس بن عبد الأعلى، به.
(٢) محمد بن عثمان العثماني. قال الحافظ في «التقريب»: صدوق يخطئ.
-٢٣٦ -

كتاب التفسير - سورة البقرة
لَمَّا نزلت على النِّيِّلَ﴿ هذه الآية: ﴿اللَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وما فِي الأرضِ وإنْ
◌ُدُوا مَا فِي أنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهٌيُحَاسِبِكُمْ بِالله﴾ الآية ◌َثَوْا على
الرُّكَبِ، فقالوا: لا نُطيقُ لا نستطيعُ، كُلُّفنا من العملِ ما لا نُطيق ولا
تستطيع، فأنزل الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أَنْزِلَ إليه مِنْ رَبِهِ﴾ إلى قوله
جل وعز: ﴿وإليكَ المَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥ -٢٨٦] فقالوا: سمعنا وأطعنا
غفرانك ربنا وإليك المصير. فأنزل الله عَزَّ وجَلَّ: الأَنْكَلْفُ الشَنفساً إلاَّ
وُعَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَها مَا اكْتَسَبَتْ رَالأ ◌ُؤَاخِذْنَ إِنَسِنَ أوْ أخْطَأنا﴾.
قال: نعم ﴿وَلاَ تَحِلْ عَلَنَا إصْراً كَمَا حَتَكْتُهُ على الذِينَ مِنْ قَلِنَا رََّا ولا
تُحَمْنَا مَالاَ طَاقَةَ نَا بِهِ﴾ الآية، قال: نعم(١).
قال أبو جعفر: فكان هذا الحديثُ أحسنَ مِنْ حديث ابنِ شِهاب
وأصحَّ إسناداً ثم تأملناهُ، فوجدنا فيه عن أصحاب رسول الله ل 4*
قولَهم: لا نُطيق لا نستطيع، كُلّفنا مِنَ العمل مَالا نُطِيق وما لا
نستطيع، وكان ذلك مِنهم عندنا - والله أعلم- على أنّه وَقَعَ في قلوبهم
أَنَّ الله عَزَّ وجَلَّ أَعْلَمهم بهذه الآية أنَّه يُؤاخذُهم بخواطرٍ قلوبهم التي لا
يَستطيعُونها ولا يَملوكنها من أنفسهم، فبَيَّن لهم عَزَّ وجَلَّ فيما أنزل
بعد ذلك، فقال: ﴿لَأُكَلّفُ الشَّفْساً إلاَّ وُسْعَهَالَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَليها ما
اكْتَبَتْ﴾ أي: لا يُكلّف الله نفساً ما لا تملكه، وبَيَّن بذلك أنه عَزَّ
(١) إسناده صحيح. ورواه مسلم (٣٩).
-٢٣٧-

كتاب التفسير - سورة البقرة
وجَلَّ إنّما كان أراد بقوله: ﴿وإنْ تُدُوا مَا فِي أنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفِوهُ
يُحَاسِبِكُمْ بِهِالله﴾ إنَّما هو ما يُخوفه ثَمّا يستطيعون أن لا يُخْفُوهُ وما
يُبدونه ما يستطيعون أنْ يُخفوه، لا الخواطر التي لا يستطيعون فيها
إبداءٌ ولا إخفاءً، ولا يملكونها من أنفسهم. وقد رُوِيَ عن ابن عباس
مِنْ غير حديث ابن مَرْجانة في تأويلِ هذه الآية قولٌ يُخالِفُ هذا
القولَ.
٥٩٠٥- كما قد حَدَّثَنَا أبو قُرَّة محمد بن حميد الرُّعَيني، قال:
حَدَّثْنَا علي بن مَعْبَد، قال: حَدَّثَنَا موسى بن أعْين، عن يزيد بن ابي
زياد، عن مِقسم، عن ابن عباس في هذه الآية: ﴿وإنْ ثَدُوا ما فِي
أنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفوهُ ... الآيةِ﴾ قال: مِن الشهادة(١).
قال أبو جعفر: فكان هذا التأويلُ عندنا غيرَ صحيح، وكان
التأويلُ الأول أولاهما بالآية، لأنَّ كِتمانَ الشهادة مما لا يُغْفَرُ، لأنه حقٌّ
من المشهود له. وفي الآية ما قد منع من ذلك، وهو قولُه عَزَّ وجَلَّ:
﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الفتح: ١٤] والله عَزَّ وجَلَّ نسأله
التوفيق.
(١) يزيد بن أبي زياد: فيه ضعف. ورواه الطبري في ((جامع البيان)) (٦٤٥٠)
و(٦٤٥٤) من طريقين عن يزيد بن أبي زياد، بهذا الإسناد.
ورواه الطبري (٦٤٤٩) من طريق يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس.
-٢٣٨ -

كتاب التفسير - سورة البقرة
٨٤٢- بابُ بیانِ مُشْکل ما روي عن رسول الله څ من قوله:
«تجاوَزَ اللهُ لِي عَنْ أُمَّتى ما حدَّثت بِهِ أنفسها ما لم ينطِقْ به
لِسانٌ أو تَعْمِلْهُ یَدُ»
٥٩٠٦- حَدَّثْنَا يونس بن عبد الأعلى، قال: حَدَّثَنَا أبو اليَسَعِ
وهبُ بن المبارك، قال: حَدَّثَنَا حماد بن سلمة وأبو عوانة، عن قتادة
(ح) وحَدَّثْنَا يوسف بن يزيد، قال: حَدَّثْنَا سعيد بن منصور، قال:
حَدَّثَنَا أبو عوانة، عن قتادة، ثمَّ اجتمعا فقالا: عن زُرَارَة بن أُوفَى، عن
أبي هريرة، قال: قال رسول الله:﴿: (تَجاوَزَ اللهُ عَنْ أُمَّتِي ما حدَّثت بِهِ
أنْفُسَها ما لَمْ ينطِقْ بِهِ لسانٌ أو تَعْمَلْهِ يَدْ»(١).
٥٩٠٧- وحَدَّثَنَا عبدُ الرحمن بن الجارُود، قال: حَدَّثَنَا مُعاذ بن
فَضَالة، قال: حَدَّثَنَا هشام الدَّسْتُوائي، عن قتادة، عن زرارة بن أُوْفى،
عن أبي هريرة أن رسولَ الله ﴿. قال: (إنَّ الله تَجَاوَزَ لأُمَّتِي ما حَدَّثَتْ
بِهِ أَنْفُسَها ما لَمْ تَعْمَلْ يَدٌّ، أو يَنْطِقْ بِهِ لِسائٌ)(٢).
٥٩٠٨- وحَدَّثَنَا أحمد بن شُعب، قال: حَدَّثَنَا عبد الله بن سعيد
أبو سعيد الأشَجّ، قال: حَدَّثْنَا عبد الله بنُ إدريس، عن مِسْعر، عن
قَتَادة، عن زرارةَ بن أوفى، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله مَ﴾ -: ((إِنَّ
الله عَزَّ وجَلَّ تَجَاوَزَ لْأُمَّتِي ما وَسْوَسَتْ بِهِ وَحَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَها مَا لَمْ
(١) حديث صحيح، رواه مسلم (١٢٧) عن سعيد بن منصور، به.
(٢) إسناده صحيح. ورواه أحمد ٣٩٣/٢ و٤٨١، والبخاري (٥٢٦٩)، وأبو
داود (٢٢٠٩)، وابن منده في («الإيمان)) (٣٤٩) من طريق هشام، بهذا الإسناد.
- ٢٣٩ -

كتاب التفسير - سورة البقرة
تَعْمَلْ أو تكلّمْ بِهِ)(١).
٥٩٠٩- وحَدَّثْنَا أحمد، قال: حَدَّثْنَا موسى بن عبد الرحمن
المسرُوقي، قال: حَدَّثْنَا حسين الجُعْفي، عن زائدةً، عن شيبان، عن
قتادة، عن زُرارة بن أوفي، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َ﴿ قال: ((إِنَّ الله
عَزَّ وجَلَّ تَجَاوَزَ لْأُمَّتِي ما حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَها ما لَمْ تَكَلِّمْ بِهِ أَو تَعْمَلْ
بهِ))(٢).
٥٩١٠ - وحَدَّثْنَا أحمد، حدثني إبراهيم بن الحسن وعبد الرحمن
بن محمد بنِ سلام، قالا: حَدَّثْنَا حجاج بن محمد، عن ابن جُريج، عن
عطاء، عن أبي هريرة أن النبيَّ ® - وقال عبد الرحمن: إنَّ رسول
اللّهِ﴿ّ- قال: ((إِنَّ اللّه عَزَّ وجَلَّ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي كلَّ شيءٍ حَدَّثَتْ به
أَنْفُسَها ما لَمْ تَتَكَلِّمْ أو تَعْمَلْ)(٣).
٥٩١١- حَدَّثْنَا إبراهيم بن أبي داود، قال: حَدَّثْنَا أبو الربيع
الزَّهراني، قال: حَدَّثْنَا جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن عبد
(١) إسناده صحيح، وهو في ((سنن النسائي)) ١٥٦/٦-١٥٧. ورواه الحميدي
(١١٧٣)، وأحمد ٢٥٥/٢، والبخاري (٢٥٢٨) و(٦٦٦٤)، ومسلم (١٢٧)
(٢٠٢)، وابن ماجه (٢٠٤٤)، وابن منده في ((الإيمان)) (٣٤٨) من طرق عن مِسعر،
بهذا الإسناد.
(٢) إسناده صحيح، وهو في ((سنن النسائي)) ١٥٧/٦.
ورواه مسلم (١٢٧)، (٢٠٢)، وابن منده في ((الإيمان) (٣٥٠) من طريق إسحاق
بن منصور، عن حسين الجعفي، به.
(٣) إسناده صحيح، وهو في ((سنن النسائي)) ١٥٦/٦.
- ٢٤٠-