النص المفهرس
صفحات 161-180
كتاب فضائل القرآن وأحكامه
أقرأها رسولُ الله:﴿ فلاناً، فيرسل إليه وهو على رأسِ ثلاثٍ من
المدينة، فيقال: كيف أقرأك رسولُ الله: ﴿ كذا وكذا، فيقول: كذا
و كذا، فيكتبونها، وقد تركوا لها مكاناً (١).
فهذا في التوكيد فوق ما في حديث خارجة، والله نسأله التوفيق.
(١) نسبه السيوطي في (الجامع الكبير)) في مسند عثمان إلى الخطيب البغدادي في
(المتفق والمفترق)).
ورواه بنحوه ابن أبي داود في ((المصاحف)) ص٢٨- ٢٩ عن زياد بن أيوب، حَدَّثْنَا
إسماعيل، حَدَّثَنَا أيوب، عن أبي قلابة، قال: لما كان في خلافة عثمان جعل المعلم يعلم
قراءة الرجل، والمعلم يعلم قراءة الرجل، فجعل الغلمان يلتقون فيختلفون حتى ارتفع
ذلك إلى المعلمين، قال أيوب: لا أعلمه إلا قال: حتى كفر بعضُهم بقراءة بعض، فبلغ
ذلك عثمان، فقام خطيباً، فقال: أنتم عندي تختلفون فيه فتلحنون، فمن نأى عني من
الأمصار أشدُّ فيه اختلافاً وأشدُّ لحناً، اجتمعوا يا أصحاب محمد، واكتبوا للناس إماماً،
قال أبو قلابة: فحدثني مالك بن أنس (قال ابن أبي داود: هذا مالك بن أنس جد
مالك بن أنس)، قال: كنت فيمن أملى عليهم، فربما اختلفوا في الآية، فيذكرون
الرجل قد تلقاها من رسول الله *، ولعله أن يكون غائباً أو في بعض البوادي،
فيكتبون ما قبلها وما بعدها، ويدعون موضعها حتى يجيئ أو يرسل إليه، فلما فرغ
من المصحف، كتب إلى أهل الأمصار: إني قد صنعت كذا، محوت ما عندي، فامحوا
ما عند کم.
وجدُّ مالك بن أنس الإمام الفقيه اسمه: مالك بن أبي عامر الأصبحي، كنيتُه أبو
أنس، ذكره ابنُ سعد في الطبقة الثانية مِن أهلِ المدينة، وقال: فَرَضَ له عثمانُ.
وانظر ((تهذيب الكمال) ١٤٨/٢٧ - ١٥٠.
- ١٦١-
كتاب فضائل القرآن وأحكامه
٨٢٨- بابُ بیان مُشکل ما روي عن رسول الله ﴾﴾ من قوله:
((أُنزِلَ القرآنُ على ثلاثةِ أحرفٍ»
٥٨٠٦- حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوقِ البصريُّ، وعبدُ الرحمن بن
الجارود البغدادي، قالا: حَدَّثْنَا عفانُ بنُ مسلم، قال: حَدَّثَنَا حمادُ بنُ
سلمة، عن قتادة، عن الحسن، عن سَمُرَةَ، عن النِيِِّ #، قال: ((أُنْزِلَ
القرآن على ثلاثةِ أحرُفٍ))(١).
قال أبو جعفر: فتأملنا هذا الحديثَ، فوجدنا بعضَ من تقدمنا قد
ذهب إلى أن هذه الثلاثة الأحرف قولٌ يقال: ويقين يُوقَن به، وعملٌ
يعمل به، وممن كان يذهب إلى ذلك أحمد بن صالح، وكان أولى مما
قالوا في ذلك عندنا -والله أعلم- أنه قد يحتمل أن يكون النبي 8# على
ما قد روى عنه أبيُّ بنُ کعب في الحديث الذي ذكرناه في الباب الذي
قبلَ هذا الباب مما حكاه عن النبي {# مِن جلوس جبريل/ عن يمينه،
وميكائل# عن يساره، ومن قول جبريلَ مَ﴿ له: «اقْرَإِ القُرآنَ على
(١) في سماع الحسن من سمرة مقال.
ورواه ابن أبي شيبة ٥١٧/١٠، وأحمد ٢٢/٥ عن عفان بن مسلم، به.
ورواه البزار (٢٣١٤)، والطبراني (٦٨٥٣)، والحاكم ٢٢٣/٢ من طرق عن
عفان، به.
وقال البزار: لا نعلم يُروى هذا اللفظ إلا عن سمرة، ولا رواه عن قتادة إلا حماد.
ورواه أحمد ١٦/٥ عن بهز، حَدَّثَنَا حماد بن سلمة، أخبرنا قتادة، عن الحسن،
عن سمرة، رفعه بلفظ: ((نزل القرآن على سبعة أحرف)).
- ١٦٢ -
كتاب فضائل القرآن وأحكامه
حَرْفٍ)، ومن قول ميكائيل له: (اسْتَزِدْهُ))، فقال: ((اقْرَإِ القُرآنَ على
حرفينٍ)» حتى بلغ سبعةً أحرف.
قال: فيحتمل أن يكونَ النِيُّ : ﴿ كان بينَ إطلاق عددٍ له من هذه
الحروف أن يقرأ القرآن عليه يعلم ذلك الناسَ، ويُخاطبهم به، ليقفوا
على ما كان مِن رحمةِ الله عَزَّ وجَلَّ لهم، وتوسعته عليهم فيما يقرؤون
القرآنَ عليه، فيسمع سَمُرَةُ منه الحروف التي كان أطلقَ حينئذ أن يقرأ
القرآنَ عليها وهي يومئذ ثلاثةُ أحرف لا أكثر منها، ثم مضى، ثم
أطلق للنبيِّ # أن يقرأ القُرآن على أكثرَ من ذلك إلى تتمة سبعة
أحرف، فلم يسمع ذلك سُرة، فروى ما سَمِعَ، وقَصَّرَ عما فاته منها مما
قد سمعه غيره ممن قد ذكرنا في الباب الذي قبل هذا الباب، فحدث كُلُّ
فريق منه ومنهم عن رسول الله:﴿، بما سَمِعَه منه من ذلك، وكان مَن
سَمِعَ منه شيئاً من ذلك زائداً على ما سمعه منه غيرُه أولى بتلك الزيادة
التي سَمِعَها ممن سواه ممن قَصَّرَ عنها، والله عَزَّ وجَلَّ نسأله التوفيقَ.
- ١٦٣-
كتاب فضائل القرآن وأحكامه
٨٢٩- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ في الحروف المتفقة في
الخط، المختلفة في اللفظ
٥٨٠٧- حَدَّثَنَا فهدُ بنُ سليمان، قال: حَدَّثَنَا محمد بن سعيد ابن
الأصبهاني، قال: أخبرنا شريكُ بنُ عبدِ الله، وأبو معاوية، ووكيع، عن
الأعمش، عن أبي ظبيان، قال: قال لي ابنُ عباسٍ: على أيِّ القِراءتين
تقرأ؟ قلت: على القراءة الأولى قراءةٍ ابنٍ مسعود، قال: بل قراءةُ ابنُ
مسعود هي الآخِرةُ، إن جبريلَ ﴿ كان يَعْرِضُ على نبيِّ اللهِلَ﴿ القُرآن
في كُلِّ رمضان، فلما كان العامُ الذي مات فيه، عرضه مَرَّتَيْنِ، فَشَهِدَ
عبدُ الله ما نُسِخَ منه وما بُدِّل(١).
٥٨٠٨- حَدَّثَنَا فهد، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ صالح، قال: حَدَّثْنَا
شريك، قال: حَدَّثْنَا الأعمشُ، ثم ذكر بإسناده مثله، وزاد: ((فتلك
القراءة الآخرة)).
٥٨٠٩- حَدَّثْنَا فهدٌ، قال: حَدَّثْنَا أبو غسان، قال: حَدَّثَنَا
إسرائيل بنُ يونس، عن إبراهيمَ بنِ مهاجرٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباس
رضي الله عنهما أنه قال لأصحابه: أيّ القراءتين ترون آخراً، قالوا:
قراءةُ زيدٍ، قال: لا، إنَّ رسول الله ﴿ كان يَعْرِضُ القراءة على جبريل
* في كُلِّ سنة، فلما كانت السنة التي قُبِضَ فيها، عَرَضَهُ علهِ مَرَّتَيْنِ،
(١) رواه النسائي في ((فضائل القرآن)) (١٩)، وفي ((فضائل الصحابة)) (١٥٤)،
عن نصر بن علي، عن معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الأعمش، به.
ورواه أحمد ٣٦٢/١-٣٦٣ من طريقين عن الأعمش، به.
- ١٦٤-
كتاب فضائل القرآن وأحكامه
فَشَهْدَهُ ابنُ مسعود، وكانت قراءةُ عبد الله آخراً (١).
قال: ثمَّ وجدنا أهلَ القراءةِ قد اختلفوا في أشياء مما يقرؤون
القرآنَ عليها مما هي في الخطّ مؤتلفة، وفي ألفاظهم بها مختلفة، منها
قولُه عَزَّ وحَلَّ: ﴿إِذا ضَرُّمِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَّنَوا﴾ [النساء: ٩٤]، وفي
قراءةِ غيره منهم: ﴿فَّتُوا﴾.
ومنها قولُه عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَا أَّها الّذين آمنُوا إِنْ جَاءكُمْ فَاسِقٌّ ◌ِبَأْ
فَيَُّوا﴾ [الحجرات: ٦] في قراءة بعضهم، وفي قراءة غيره: ﴿فَّتُوا﴾(٢).
ومنها قوله عَّ وجَلَّ: ﴿وَلَّذِينَ آمَنُوا وَعِلُوا الصَّالِحَاتِ لُؤْتَّهُم مِنَ الجَّةِ
غُرَقًا﴾ [العنكبوت: ٥٨]، في قراءة بعضهم، وفي قراءة غيره منهم:
﴿أُوَّهُمْ مِنَ الْجَّةِغُرَ﴾(٢).
(١) رواه أحمد ٢٧٥/١-٢٧٦ عن محمد بن سابق، عن إسرائيل، به.
ورواه الحاكم ٢٣٠/٢ من طريق عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، به، وصححه
ووافقه الذهبي.
وأورده الهيثمي في («مجمع الزوائد)) ٢٨٨/٩، وقال: رواه أحمد والبزار، ورجال
أحمد رجال الصحيح.
(٢) قال في (حجة القراءات) ص٢٠٩: قرأ حمزة والكسائي (فَطَّعُوا) بالثاء،
وكذلك في الحجرات، أي: فتأنوا وتوقفوا حتى تتيقنوا صحة الخبر، وقرأ الباقون:
(فتبينوا) بالياء والنون، أي: فافحصوا وأكشفوا.
(٣) قال في ((حجة القراءات) ص٥٥٤: قرأ حمزة والكسائي (لنثوينهم) بالثاء
من: أثويت، أي: لنقيمنهم، يقال: ثوى الرجلُ بالمكان: إذا أقام به، وأثواه غيره: إذا
- ١٦٥-
كتاب فضائل القرآن وأحكامه
ومنها قولُه عَزَّ وَلَّ: ﴿وَإِنْظُرْإلى الِظَامِ كَفَ نْشِرُهَا﴾ [البقرة:
٢٥٩] في قراءة بعضهم، وفي قراءة غيره منهم: ﴿نَشِرُهَا﴾(١).
ومنها أمثالُ ذلك في القرآن كما قد قرأها أهلُ القراءات،
فاختلفوا فيها، ولم يُعنّفْ بعضهم بعضاً في خلافه إيَّاه في ذلك، وكان
ذلك منهم بَعْدَ وقوفهم على ما كُتِبَتْ عليه المصاحف التي تولِّى
اكتتابها من قد ذكرنا فيما تقدَّم منا في كتابنا هذا بأمرٍ من كان أمر
بذلك مِنَ الخلفاء الرَّاشدين المهديين، ومِن حضور من سواهم من
أصحاب رسول الله﴿ الذين نقلوا إلينا عنه الإِسلامَ، وشرائعه
وأحكامَه التي قد قامت الحُجَّةُ علينا بها، وكان مَنْ خرج عن شيءٍ
منها إلى خلافه مَارِقاً، ومن حَحَدَ شيئاً منها كان به كافراً، وكان علينا
استتابته وإن رجع إلى الإسلام، وإلى الإقرار بما كان جحده، وإلى لزوم
جعله بذلك المكان، وقرأ الباقون: (لنبوثّهم) بالباء، أي: لننزلنهم من بوَّأْت، تقول
العرب: بوَّت فلاناً منزلاً، أي: أنزلته، قال تعالى: ﴿وَلَقد بَوَّأنا بني إسرائيلَ مُبَوّا
صِدْقٍ)، وتقول: تيوًّا فلان المنزل، وقال الله تعالى: ﴿والَّذين تَبَوَّقُوا الدَّارَ والإيمان)،
أي: اتخذوها. قال الفراء: بوَّته منزلاً، وأثويته منزلاً سواء.
(١) قال ابن الجوزي في ((زاد المسير)) ٣١٢/١: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو:
(نْشِرُها) بضم النون الأولى، وكسر الشين وراء مضمومة، ومعناه: نحيبها، يقال:
أنشر الله الميت.
وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي: (نُنْشِرُها) بضم النون مع الزاي وهو من
النشز الذي هو الارتفاع، والمعنى: نرفع بعضها إلى بعض للإحياء.
-١٦٦-
كتاب فضائل القرآن وأحكامه
ما قد كان عليه لزومه، قَبَلْنَا ذلك منه، وإن تمادَى على ما صارَ إليه،
ولم يَرْجِعْ إلى ما دعوناه إليه، قتلناه كما نقتل سائر المرتدين.
وكانت الحروف التي ذكرنا اختلافهم في قراءتهم إِيَّاها إنما توصّل
إلى حقائقها لو كانت المصاحفُ المكتتبُ ذلك فيها قد استعمل فيها
نقُطها أو شَكْلُها، حتى يَبِينَ كُلُّ حرفٍ منها عن غيره مما هو مثلُه في
الخط، وخلاقُه في اللفظ، ولكن الذين كتبوها رضوانُ الله عليهم تركوا
ذلك کراهةٌ منهم أن يَخْلِطُوا بکتاب الله عَزَّ وَلَّ غیره حتی کرہ کثیرٌ
منهم كتاب فواتح السور والتعشير والتخميس، وآراؤهم رضوانُ الله
عليهم حُجَّةٌ، والقولُ بما ذهبوا إليه من ذلك واجبٌ، والخروج عنه غيرُ
محمود.
ثم احتمل اختلافُهم في الألفاظ بهذه الحروف أن يكونَ أحَدُهُم
حَضَرَ رسول الله :﴿ قرأ بها، فأخذها عنه، كما سَمِعَهُ يقرأ بها، ثم
عرض جبريلُ﴿ عليه القرآن فبدل بعضَها، ثم قرأ رسولُ اللهِمُ﴿ّ على
الناس القراءة التي ردَّ جبريل ﴿ ما كان يقرأ منها قبلَ ذلك إلى ما قرأه
عليه بعده، فحضر من ذلك قومٌ من أصحابه، وغاب عنه بعضُهم، فقرأ
من حضر ذلك ما قرأ من تلك الحروف على القراءة الثانية، ولم يعلم
بذلك من حضر القراءة الأولى، وغاب عن القراءة الثانية، فلزم القراءة
الأولى، وكان ذلك منه كمثلٍ ما كان مِن رسولِ الله/ في الأحكامِ
مما نسخه الله عَزَّ وجَلَّ بعدَ ذلك على لسانه بما نسخه به، ومما وقف
بعضهُم على الحكم الأول، وعلى الحكم الثاني، فصار إلى الحكم
الثاني، وغاب بعضُهم عن الحكم الثاني ممن حضر الحكم الأوَّل وعلمه،
-١٦٧-
كتاب فضائل القرآن وأحكامه
فثبت على الحكم الأول. وكان كُلُّ فريق منهم على فرضه وعلى ما
يَعْتَدُّ به.
فمثل تلك الحروف التي ذكرناها، وذكرنا اختلافَهم فيها من
القرآن على هذا المعنى، وكُلُّ فريق منهم على ما هو عليه منها محمودٌ،
والقراءاتُ كلها، فَعَنِ الله عَزَّ وجَلَّ لا يجب تعنيفُ مَنْ قرأ بشي منها،
وخالف ما سواه، والله عَزَّ وجَلَّ نسأله التوفيق.
٨٣٠- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴾ في الذي
کان یکتبُ له لما كان يُملي علیه: غفوراً رحيماً، فیکتب:
عليما حكيماً، ويقول للنبي : أكتب كذا وكذا من هذا
الجنس، فيقول: ((نعم اكتب كيف شئت))
٥٨١٠- حَدَّثَنَا بكارُ بنُ قتيبة، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ بكرٍ
السَّهْميُّ، عن حُميدٍ، عن أنس، رضي الله عنه، أن رجلاً كان يكتبُ
بَيْنَ يدي النبيِّ ﴾ وقد قرأ البقرةَ وآلَ عِمران، وكان الرجلُ إذا قرأ
البقرة وآل عمران عُدَّ فينا، وكان النبيُّ مَ﴿ يُمْلِي عليه: غفوراً رحيماً،
فيكتب عليماً حكيماً، ويقولُ للنبيِّ:﴿ أكتبُ كذا وكذا، فيقول: ((نعم
اكتب كيف شئتَ)، ويُملي عليه: عليماً حكيماً، فيقول: أكتبُ سميعاً
بصيراً، فيقول له النبيُّ ◌َ﴿: ((اكتب أيَّ ذلك شئت فهو كذلك))، فارتدَّ
عن الإِسلام، ولَحِقَ بالمشركين، وقال: أنا أعلَمُكُمْ بمحمدٍ، إن كان
لَيَكِلُ الأمرَ إليَّ حتى أكتبَ ما شئتُ، فبلغ ذلك النِيَّلَ﴿ٌ، فقال: ((إِنَّ
الأَرْضَ لَمْ تَقْبَلْهُ)).
-١٦٨-
كتاب فضائل القرآن وأحكامه
قال أنس: فأخبرني أبو طلحة أنه رأى الأرضَ التي مات بها،
فوجده منبوذً، قال أبو طلحة: ما شأنُ هذا؟ قالوا: إنا دفناه مراراً، فلم
تقبله الأرضُ(١).
٥٨١١- حَدَّثْنَا يونس، قال: حَدَّثْنَا ابنُ وهب، قال: أخبرني ابنُ
أيوب، عن حُميد، عن أنس، ثم ذكر مثلَه.
فقال قائلٌ: قد ذكرتَ فيما تقدَّم من كتابك هذا في باب مشكل
ما رُوِيّ عن رسول الله ◌َ﴿ من قوله: (أُنزِلَ القرآن على سبعة أحرف))
ما ذكرتَه فيه، وذكرتَ فيه أن رسولَ اللهِلَ﴿ّ لم يُطْلِقْ لهم ما أطلق لهم
فيه مما تأوَّلْتَ السبعةَ الأحرف المذكورة فيه عليه إلا لِضرورة إلى ذلك
والعجز منهم عن حفظِ الحروف بعينها، وأنه في الحقيقة فيما أنزل عليه
كما في المصاحف المنقولة إلينا التي قد قامت الحجةُ بما فيها علينا، وأنه
لا يَتَّسِعُ لنا أن نقرأ شيئاً من القرآن بخلاف الألفاظِ التي فيها وإن كان
معناه معنى ما فيها.
وفي هذا الحديث ما يُخَالِفُ ذلك، ويردُّ الأمور إلى المعاني التي في
(١) إسناده صحيح، ورواه أحمد ١٢٠/٣-١٢١، والبيهقي في ((إثبات عذاب
القبر)) (٥٤) من طريق يزيد بن هارون، وابن حبان (٧٤٤) من طريق معتمر بن
سلیمان، كلاهما عن حميد، به.
ورواه البخاري (٣٦١٧)، وأبو يعلى (٣٩١٩) من طريقين عن عبد الوارث، عن
عبد العزيز بن صُهيب، عن أنس.
ورواه أحمد ٢٢٢/٣ و٢٤٥-٢٤٦، والطيالسي (٢٠٢٠)، ومسلم (٢٧٨١) من
طريقين عن ثابت، عن أنس.
-١٦٩-
كتاب فضائل القرآن وأحكامه
الحقيقة إلى ما قد قِيلَتْ عليه، وإن اختلفت الألفاظ بها مع استواء
المعاني فيها.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ وعونه: أن الذي في
هذا الحديث ليس مِن ذلك المعنى الذي ذكرناه في ذلك الباب، وذلك
أن المعنى الذي ذكرناه في ذلك الباب هو في القرآن لا في غيره، والذي
في الحديث الذي ذكرناه في هذا الباب قد يَحْتَمِلُ أن يكونَ فيما كان
رسولُ الله :﴿ يُمليه على ذلك الكاتبِ من كتبه إلى الناس في دعائه
إيّاهم إلى الله عَزَّ وجَلَّ، وفي وصفهم له ما هو جلَّ وعزَّ عليه من
الأشياء التي كان يأمرُ ذلك الكاتبَ بها، ويكتب الكاتب خلافَها مما
معناها معناها، إذ كانت كلها من صفات الله عَزَّ وجَلَّ.
فبان بحمد الله ونعمته أن لا تضادَّ في شيءٍ من ذلك ولا
اختلاف، والله عَزَّ وجَلَّ نسألهُ التوفيقَ.
- ١٧٠ -
كتاب فضائل القرآن وأحكامه
٨٣١- بابُ بيانٍ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله# في الرجل
الذي کان یکتب له فكان يُملي عليه: عليماً حكيماً، فيكتب:
سمیعاً علیماً، ولا يُنکر ذلك رسولُ الله ﴾ منه، فارتدَّ عن
الإسلام، هل كان من قریش، أو من الأنصار،
أو من غيرهم؟
٥٨١٢- حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ أبي داود، قال: حَدَّثْنَا أبو معمر عبدُ
الله بنُ عمرو بنِ أبي الحجاج، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الوارث بنُ سعيدٍ، قال:
حَدَّثَنَا عبدُ العزيز بنُ صهيب، عن أنس بنِ مالكٍ رَضِيَ الله عنه، قال:
كان رَجُلٌّ نصراني، فَأَسْلَمَ وَقَرَأ البقرة وآل عمران، وكتب للنِيِّ لِ﴾،
فعاد نصرانياً، فكان يقول: ما يقرأُ محمدٌ إلا ما كتبتُ له، فأماتهُ الله عَزَّ
وجَلَّ، فدفنوه، فأصبح قد لفظته الأرضُ، فقالوا: هذا عَمَلُ محمد، إنّه
وأصحابَه نَبَشُوا على صاحبنا، فألْقَوْه، فحفروا فأعمقُوا، فأصبحوا قد
لفظته الأرضُ، فقالوا: هذا عَمَلُ محمدٍ [وأصحابه] نبشوا على صاحبنا،
فألْقَوْهُ، فحفروا له، فأعمقوا له في الأرض ما استطاعوا، فأصيح قد
لفظته الأضُ، فعلموا أنه ليس مِن النّاسِ، فَالْقَوْهُ(١).
قال أبو جعفر: فبان بهذا الحديث بحمد الله أنه لم يكن مِنْ
قريش، ولا من الأنصار، وأنه كان نصرانياً.
فقال قائل: قد ذكرت قبلَ هذا الباب في كتابك هذا ما دفعت
(١) إسناده صحيح، وتقدم برقم (٥٨١١).
-١٧١-
كتاب فضائل القرآن وأحكامه
أن يكونَ هذا الرجل كان الذي يُمْلِي عليه رسولُ الله { #، ويكتُب
خلافه، يُمضيه له رسولُ الله :﴿ من معنى ما أملى عليه معنى ما كتبه،
وفي هذا الحديث أن ذلك الرجل كان يقول: ما يقرأُ محمد إلا ما كتبتُ
له، ففي ذلك ما قد دَلَّ أن الذي كان يكتبه للنبي﴿ كان من القرآن.
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ وعونه: أنه ليسَ في
هذا الذي ذكره ما يجب أن يكونّ الذي كان يكتبه للنبيِّ صلَّى الله
[علَّيه وسلَّم] كان قرآناً، إذ كان قد يَحْتَمِلُ أن يكونَ غَيْرَ قرآن مما
كان يكتُبُه إلى من يدعوه إلى الله عَزَّ وجَلَّ من أهل الكفر، ثم يقرؤه
رسولُ الله ◌َ﴿ على الناس الذين يحضرونه لِيسمعوه ويعلموه، وليس
ذلك على أنه كان يقرؤه بنفسه، ولكنه كان يقرؤه بأمره، فيكون ذلك
قراءةً له، وليس كُلُّ مقروءٍ قُرآنًاً، قال الله تعالى: ﴿فَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ
بَسِ فَقُولُ هَاؤُمُ اقْرِزُوا كِتَابَةُ﴾ [الحاقة: ١٩]، وقال عَرَّ وحَسلَّ: ﴿اقْرَُّ
كِتَابَكَ كَفَى بَنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيكَ حَسِيباً﴾ [الإسراء: ١٤]، في نظائر
لذلك في القرآن كثيرة، يُغني ما ذكرناه منها عن ذكر بقيتها.
فعاد معنى ما في هذا الحديثِ إلى ما في الحديثِ الأوَّلِ، وليس في
واحدٍ منهما ما قد دَلَّ على أن الذي كان يُمليه رسولُ اللهِلَ﴿ على
ذلك الرجل، فيكتب ذلك الرجل خلافَه مما معناه معنى القرآن في
واحدٍ من ذينك الحديثين من القرآن، والله عَزَّ وجَلَّ نسأله التوفيق.
-١٧٢-
كتاب فضائل القرآن وأحكامه
٨٣٢- بابُ بیانِ مُشْکِل ما رُوِي عَنْهُ علیه السَّلامُ من قوله: «لو
جُعِلَ القرآنُ في إهابٍ، ثم أُلقي في النار لما احترق»
٥٨١٣- حَدَّثْنَا صالحُ بنُ عبدِ الرحمن الأنصاري، ومحمد بنُ عبد
الله بنِ عبد الحكم، وبكرُ بنُ إدريس، قالوا: حَدَّثْنَا عبدُ الله بنُ يزيد
المقرئ، حَدَّثْنَا ابنُ لهيعة، عن مِشرْح بنٍ هاعان، عن عُقبة بن عامر،
قال: قال رسولُ الله ﴿: ((لو جُعِلَ القُرآنُ في إهَابٍ، ثم أُلْقِيَ في النَّارِ
لما اخْتَرَقَ)(١).
فتأملنا هذا الحديثَ، فوجدنا مَنْ تقدَّمنا مِن أهلِ العلم بهذا المعنى
قد قالُوا فيه قولين مختلفين: أما أحدُهما، فإخبار النبي عليه السَّلامُ أُمَّتَهُ
بقوله هذا أن من كان معه القرآنُ منعه أن تعمل فيه النارُ ولو أُلقي
فيها، وكان مرادُه بالإهاب الإنسان الذي يكونُ معه القرآن، وأنه تعالى
يقيه به من النار، كمثل ما وقى إبراهيم خليله عليه السَّلامُ لمكانه منه
مِنْ عَمَلِ النارِ فيه، ومِن قوله لها: ﴿كوني بَرْداً وسَلَاماً على إبرَاهِهَ﴾
(١) رواية عبد الله بن يزيد عن ابن لهيعة صحيحة، ومشرح بن هاعان فيه
خلاف، وأعدل الأقوال فيه ماقاله ابن عدي أنه لا بأس به.
ورواه أحمد ١٥٥/٤، والدارمي ٤٣٠/٢، وأبو يعلى (١٧٤٥) من طرق عبد
الله المقرئ، به. ورواه أحمد ١٥١/٤، والطبراني في ((الكبير)) ١٧/(٨٥٠) من طريقين
عن ابن لهيعة، به.
وأورده الهيثمي في («المجمع)) ١٥٨/٧ وقال: وفيه ابن لهيعة، وفيه خلاف.
-١٧٣-
كتاب فضائل القرآن وأحكامه
[الأنبياء: ٦٩].
والقولُ الآخر منهما: أن الأهابَ المذكورَ في هذا الحديث هو
الإهابُ الذي يُكتب فيه القرآن، فيكونُ الله تعالى لِتنزيهه القرآن عن
النار يمنعها منه، فينزعه من الإهاب حتى يكونَ ذلك الإهاب خالياً من
القرآن، ثم تحرق النارُ الإِهابَ، ولا قرآنَ فيه. وكُلُّ واحد من هذين
المعنيين فحسن، محتملٌ هذا الحديثُ له، والله أعلمُ بمراد رسولِه #
بقوله ذلك المتأول على هذين المعنيين المذكورين، وهل هو واحدٌ مِن
هذين المعنيين، أو معنى سواهما مما لم يُطلعنا عليه، ولم يبلغه علمُنا،
والله نسأله التوفيق.
-١٧٤-
كتاب فضائل القرآن وأحكامه
٨٣٣- بابُ بیانِ مُشکل ما رُوي عن رسول الله ﴾ من قولِهِ:
((ما أذِنَ الله لشيءٍ ما أذِنَ لنبيُّ يتغنّى بالقرآنِ»
٥٨١٤- حَدَّثَنَا يونسُ، قال: أخبرنا عبدُ الله بنُ وهبٍ، قال:
أخبرني يونسُ بنُ يزيد، عن ابن شهابٍ، أنَّ أبا سلمةَ بنَ عبد الرحمن
أخبره، عن أبي هريرةَ، قال: سمعتُ رسولَ اللهِلَ﴿ يقولُ: ((ما يأذنُ الله
عَزَّ وجَلَّ لشيءٍ ما يَأْذَنُ لنبِيِّ يَتَغَنِّى بالقرآنِ))(١).
فتأمَّلنا معنى ما أريدَ في هذا الحديثِ، فوجدنا الأُذَنَ في هذا هو
الاستماع، ومنه قولُه عَزَّ وجَلَّ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ الْشَقَّتْ وَأَذَنْتْ لِهِها وحَقَّتْ﴾
[الانشقاق: ١-٢] أي: تَسَمَّعَتْ ما يأمرُها ربُّها عَزَّ وجَلَّ به، ولِمَا
يُحِبُّها منه، فَمِثْلُ ذلك قولُه ◌َ﴿ه: «ما يأذنُ الله عَزَّ وجَلَّ لشيءٍ ما يَأْذَن
لنبيِّ يَتَغَنِى بالقرآنِ)» أي: ما يستمعُ لشيءٍ ما يستمع لنبي يتغنى بالقرآن
من تحسينِهِ به صوتَه طلباً لِرِقَّةٍ قلبهِ لما يرجو في ذلك من ثوابٍ رَبِّه عَزَّ
وجَلَّ إِيَّاه عليه، والله نسأله التوفيق.
(١) رواه مسلم (٧٩٢) (٢٣٢) عن حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، بهذا
الإسناد. ورواه الدارميُّ ٢٧٢/٢ عن عبد الله بن صالح، عن الليث، عن يونس بن
یزید، به.
- ١٧٥ -
كتاب فضائل القرآن وأحكامه
٨٣٤- بابُ بيانٍ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله # في المُفَصِّلِ
من القرآنِ ما هو؟
٥٨١٥- حَدَّثْنَا أبو أُميةَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ القاسمِ الحَرَّانِيُّ -
يعني سُحَيْماً- قال: حَدَّثْنَا زُهير بنُ معاويةَ، قال: حَدَّثْنَا أبو إسحاقَ،
عن عبدِ الله بن حبيبٍ أبي عبدِ الرحمن السُّلميِّ، قال: سمعتُ ابنَ
مسعودٍ، يقول: أنزلَ الله عَزَّ وجَلَّ على رسولِهِ ﴿ المُفَصِّلَ بمكّةَ، فَكْنًّا
حِجحاً نقرؤُهُ لا يَنْزِلُ غيرُهُ.
قال أبو جعفر: ففي هذا الحديثِ ما قد دَلَّ على أنَّ سورةَ
الْحُجُراتِ ليستْ منهُ، وأَنَّها مدنيةٌ، لأنَّ فيها نَهْيَ الله عَزَّ وجَلَّ النَّاسَ أنْ
يرفَعُوا أصواتهم عندَ رسولِ اللهِ ﴿، وإنَّما كانَ ذلكَ في الخبرِ الذي ظنَّ
ثابتُ بنُ قيسِ بنِ شَمَّاسِ الأنصاريُّ فيهِ بنفِسهِ ما ظنَّ حتى جلسَ فيه
بيتِه، فأعلَمَهُ رسولُ الله :﴿ بما كانَ سببُ رجوعِهِ إلى مجلسِه، ولأنَّ
فيها: ﴿لا تُقَدّمُوا بَيْنَ يَدَي الله وبرسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]، وإنما كانَ سببُ
نزولِ ذلكَ عليه :﴿ لِمَا كان مِنْ أبي بكرٍ وعمرَ من مشورةِ كلِّ واحدٍ
منهما عليه بتوليةٍ مَنْ اشارَ عليهِ بِتَولِيتِه مِنَ الأقرعِ بنِ حابسٍ، ومِنَ
القَعْقَاعِ، ومن مَعْبَدٍ بنٍ زُرَارَةً. وقد ذكرنا ذلك وما رُوِيَ فيه فيما
تقدَّمَ مِنْ كتابِنا هذا؛ ولأنَّ فيها: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌّ ◌َافَتََّنُوا .)
الآية [الحجرات: ٦]، فكانَ سببُ نزول ذلك في الّذي بعثَهُ رسولُ الله
﴿ مُصَدِّقً إلى قومٍ فأقبلُوا إليهِ لْيُكْرِمُوهِ، فَلَمَّا رآهم مقْبِلِينَ نحوَهُ، أدْبَرَ
هَارِباً إلى رسولِ الله﴿، فأخبروهُ عنهم بخلاف ذلك، وجَاؤُوا مِنْ بعدُ
-١٧٦ -
كتاب فضائل القرآن وأحكامه
إلى رسول الله ﴿، فأخبروهُ بحقيقةِ أمرِهم. وأنزلَ الله تصديقَهم عليه.
ورسولُ اللهِ ﴿ فلم يُوَلِّ أحداً ولم يَبْعَثْ مُصَدِّقاً وهو بِمَكَّةَ، وإنَّما كان
ذلكَ منهُ وهو بالمدينةِ؛ ولأنَّ فيها: ﴿وَإِنْ طَائِتَانِ مِنَ الْمُؤْمِيْنَاقَلُوا فَأَصْلِحُوا
بينهما .. ﴾ الآية [الحجرات: ٩]، وإنّما كانَ ذلكَ لسببٍ كانَ بين
الأنصارِ حتى تحاربُوا مِنْ أجلِهِ بما تَحَارَبوا به، فأنزلَ الله عَزَّ وجَلَّ هذهِ
في ذلكَ. وسنذكرُ ذلكَ بإسنادِهِ فيما بعدُ مِنْ كتابنا هذا إنْ شاء الله.
وإذا انتفى أن تكونَ الْحُجُراتُ مِنَ الْمُفَصَّلِ لما قد ذكرنا؛ ولأنَّ الْحُجُراتِ
لم تكنْ إلَّ بالمدينةِ كانَ أولُهُ (قاف)(١). ثم نظرنا إلى ما يدلُّ على ذلك
سِوَى هذا الحدیثِ.
٥٨١٦- فوجدنا فَهْداً قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثْنَا أبو نُعيمٍ: قال:
حَدَّثْنَا عبدُ الله بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ يعَلَى التَّقفيُّ، قال: حَدَّثَنَا عثمانُ بنُ
عبدِ الله بنِ أوسٍ، عن جدِّه أَنَّه كانَ في الوفدِ الذينَ وَفَدُوا إلى رسولِ
الله ﴿ٌ مِن بَني مالكٍ - قال أبو جعفرٍ: وهم بنو مالكٍ بنِ كعبِ بنِ
عمرو بنِ سعدِ بنِ عوفِ بنِ ثقيفٍ - فأنزلهم في قُبَّةٍ لهُ بين المسجدِ وبينَ
أهلِهِ، وكانَ يختلفُ إليهم فيحدِّثُهم بعدَ العشاءِ الآخرِة، وأكثرُ ما
يحدِّثُهم تشكّيه قُريشاً، ثم يقولُ: ((لا سواءٌ، كُنْا مُسَضعَفِينَ مُستَذلِينَ
بمكةً، فلمَّا قَدِمْنا المدينةَ كانتْ سِجالُ الحربِ لَا وعلينًا)). فاحتبس
(١) وقال الحافظ في ((الفتح) ٣٠٢/٢: وهو الصحيح، وسمي مفصّلاً لكثرة
الفصل بين سوره بالبسملة على الصحيح.
-١٧٧-
كتاب فضائل القرآن وأحكامه
عنّا ليلةٌ، فقلنا: يا رسولَ الله لَبْتَ عنَّا الليلةَ أكثرَ مِمَّا كنتَ، قال:
((فَعَمْ، طرأ عليّ حِزْبٌ من القرآنِ، فأحبَبْتُ أنْ لا أَخْرُجَ مِنَ المسجدِ
حتى أقضِيَهُ)). فقلنَا لأصحابِ رسولِ اللهِلَّ: إنَّ رسولَ الله ◌ُ﴿ حَدَّثَنَا
أَنَّه طرأ عليه الليلةَ حِزْبٌ مِنَ القرآنِ، فكيفَ كنت تُحَرِّبونَ القرآنَ؟
قالوا: نُحَزِّبُهُ ثلاثَ سُورٍ، وخمسَ سورٍ، وسبعَ سورٍ، وتسع سورٍ،
وإحدى عشرةً سورةٌ، وثلاث عشرةَ سورةٌ، وحزبَ ما بين المفصلِ
وأسفلَ(١).
٥٨١٧ - حَدَّثْنَا عليُّ بنُ عبدِ الرحمن بن محمدِ بنِ المُغيرةِ، قال:
حَدَّثْنَا يحيى بنُ معينٍ، قال: حَدَّثَنَا وَكِيعُ بنُ الجَرَّاحِ، قال: حَدَّثْنَا عبدُ
الله بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ يَعْلَى الثقفيُّ، عن عثمانَ بنِ عبدِ الله بنِ أوسٍ،
عن جدِّهِ أوسِ بنِ حذيفةَ، قال: قدِمْنَا على رسولِ اللهِعَ﴿ وفدَ ثقيفٍ،
فأنْزَلَنا عليه، وأنزلَ إخواننا مِنَ الأحلافِ على المُغيرةِ بنِ شعبةَ، فكانَ
يَأْتِينا ﴿ يُحدثُنا، وكان عامَّةُ حديثِهِ تشكّيهِ قُريشاً، ويقولُ: ((ولا
سواءٌ، كُنَّا بمكّةَ مُستَذَلِينَ مُستَضْعَفِينَ، فلمَّا قَدِمْنا المدينةَ كانت
الحربُ سِجَالاً لَنَا وَعَلَيْنا)، فَأَبْطَأْ علينا ذاتَ ليلةٍ، فقلنَا لَهُ، فقالَ: ((إِنَّه
(١) إسناده ضعيف. عبد الله بن عبد الرحمن ليس بقوي.
ورواه الطبراني (٥٩٩) من طريق أبي نعيم - وهو الفضل بن دکین-، به.
ورواه أحمد ٩/٤ من طريق عبد الرحمن بن مهدي، وأبو داود (١٣٩٣)،
والطبراني (٥٩٩) من طريق قُرَّان بن تمام، والطبراني (٦٠٠) من طريق سفيان،
ثلاثتهم عن عبد الله بن عبد الرحمن، به. وانظر الطرق الآتية.
-١٧٨-
كتاب فضائل القرآن وأحكامه
طَرَأ عليَّ حِزْبٌ مِنَ القرآن، وكنتُ أحَزَّبُهُ)). قال: فَلَقِيتُ بعضَ
أصحابهِ، فقلتُ: كيفَ كانَ رسولُ الله :﴿ يُحَزِّبُ القرآن؟ قال: كان
يُحَزِّبُّهُ ثلاثاً، وخمساً، وسبعاً، وتسعاً، وإحدى عشرة(١).
قال أبو جعفر: وسقط مِنْ هذا الحديثِ مِمَّا هو ثابتٌ في الحديثِ
الذي قبلَهُ ((وثلاثَ عشرةَ).
٥٨١٨- حَدَّثَنَا فَهْدٌ، قال: حَدَّثْنَا يوسفُ بنُ الْبُهْلُول، قال:
حَدَّثَنَا سُليمانُ بنُ حيانَ، عن عبدِ الله بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ يعَلَى بنِ
كعبٍ الطائفيِّ، عن عثمانَ بنِ عبدِ الله بنِ أوسِ بنِ حذيفةً، عن جدِّه
أوسِ بنِ حذيفة، قال: وَفَدْتُ فِي وَفْدِ ثقيفٍ إلى رسولِ الله:﴿ فَنزَلَتِ
الأخْلافُ على المغيرةِ بنِ شعبةً، وأنزلَ رسولُ اللهِ:﴿ بني مالكٍ فِي ◌َّةٍ
لَهُ، فكانَ ينصرفُ عليْنَا النِيُّ : ﴿ِّ بعدَ العِشاءِ، فيحدثْنَا قائماً على رجليهِ
حتى يُراوحَ بينَ قدميهِ مِنْ طُولِ القيامِ، وأكثرُ ما يُحدِّثُنا ما كانَ يلقَى
مِنْ قريشٍ، ثم يقولُ: ((لا سواءٌ، كُنَّا بمكّةَ مستذَلِينَ مُستضعفينَ، فلمَّا
هاجَرْنَا كانت سِجالُ الحربِ بيننا وبينهم، نُدَالُ عليهم ويُدَالُونَ
علينا) فلمَّا كانَ ذاتَ ليلةٍ أَبْطَأْ علينا عَن الوقتِ الذي كانَ يأْتِي فيهِ،
فقلتُ: أَبْطأْتَ علينا الليلةَ، فقال: ((إنَّ طَرَأ عليَّ حِزْبِي من القرآن،
فكرهتُ أنْ أجِيء حتَّى أُتِمَّهُ)) قال أوسُ بنُ حذيفةَ، فسالتُ أصحابَ
رسول الله ﴿: كيفَ تُحَزَّبُونَ القرآنَ؟ قالُوا: ثلاثاً، وخمساً، وسبعاً،
(١) هو مكرر ما قبله. ورواه ابن أبي شيبة ٥٠١/٢ -٥٠٢، والطبراني (٥٩٩)
من طریق و کیع، به.
-١٧٩-
كتاب فضائل القرآن وأحكامه
وتسعاً، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة وحزبُ المفصَّلِ وحدَهُ(١).
قال أبو جعفر: أبو خالدٍ وهو سليمانُ بنُ حيان، فنظرنَا فِيهِ، فإذا
ثلاثةُ سورٍ من أوَّلِ القرآنِ: (البقرة))، و((آل عمرانَ)، ((والنساء)،
والخَمْسُ: (المائدة)، و((الأنعام)، و((الأعراف))، و((الأنفال))، و(براءة)،
والسِّبْع: (يونس))، و((هود))، و((ويوسف)، و((الرعد))، و((إبراهيم))،
و(الحجر))، و((النحل)). والتّسع: ((بني إسرائيل)، و((الكهف))، و((مريم))،
و((طه)، و((الأنبياء))، و((الحج)، و((المؤمنين)، و((النور))، و((الفرقان)).
والإحدى عشرةَ: ((الطواسِينَ))، و(العنكبوت))، و(الروم))، و((لقمان))،
و«السجدة)، و((الأحزاب))، و((سبأ)، و((فاطر))، و(ريس)). والثلاثَ عشرةَ
((الصافات))، و((ص))، و((الزمر))، و((حم)) - يعني آل حميم-، وسورة
(محمد))، و((الفتح)، و((الحجرات))، وحزب المفصَّل.
قال أبو جعفر: ففيما رَويْنَا مِنْ هذه الآثارِ تحقيقُ أَمْرِ ((الحجرات))
أنّها ليستْ من المفصَّلِ، وأنَّ المفصَّلَ ما بعدَها إلى آخر القرآن.
٥٨١٩- حَدَّثْنَا أبو أميةَ، قال: حَدَّثْنَا منصورُ بنُ سُقَيْرِ، قال:
حَدَّثْنَا حَمَّدُ بنُ سلمةَ، عن عاصمٍ بن بهدلَةَ، عن زِرُ، قال: كان أولُ
مُفَصَّلِ ابنِ مسعودٍ (الرحمن))(٢).
(١) هو مكرر ما قبله. ورواه أبو داود (١٣٩٣)، وابن ماجه (١٣٤٥) من طريق
أبي خالد الأحمر، بهذا الإسناد. وقوله: ((ندال عليهم ويُدالون علينا) أي: تكون
الدولة لنا عليهم مرة، ولهم علينا أخرى.
(٢) إسناده ضعيف لضعف منصور بن سُقير.
- ١٨٠ -