النص المفهرس
صفحات 461-480
كتاب العلم
حمّاد، قال: حَدَّثْنَا شُعبة، عن جَرَاد - رجل من بني تميم - عن رجاء بنِ
حَيْوَة، عن مُعاوية، قال: قال رسول الله مَ ﴿: ((مَنْ يُرِدِ الله بِهِ خَيراً
يُفَقّهْهُ في الدِّينِ)).
قال أبو جعفر: وذكر البخاريُّ حراداً هذا، فقال: هو جراد بنُ
مُجَالد، روى عنه شعبة وأبو بكر بنُ عيَّاش.
٥٤٩٣- حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ سِنان، وإبراهيم بن مرزوق، جميعاً،
قالا: حَدَّثْنَا وَهْب بن جَرِير - قال يزيدُ في حديثه: وحَبَّان بن هِلال،
وقال إبراهيم بن مرزوق في حديثه مكان ذلك: ويحيى بن حمّاد- قالوا:
حَدَّثْنَا شُعبة، عن سعد بنِ إبراهيم، عن مَعْبَدٍ الْجُهَنِي، عن مُعاوية أنَّه
كان لا يكادُ يحدِّث عن رسول الله {﴿ بشيءٍ، وكان لا يكادُ يَدَعُ
هؤلاء الكلمات يوم الجمعة يحدِّث أنَّ النبيَّ:﴿ قال: «مَنْ يُرِدِ الله بِهِ
خَيراً يُفَقِّهُهُ في الدِّينِ، وإنَّ هذا المالَ خُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، فَمَنْ أَخَذَها
بَحَقّها، بَارَكَ الله لَهُ فيها، وإِيَّاكُمْ والتّمادُحِ، فَإِنَّهُ الذّبْحُ)).
قال أبو جعفر: وذكر البخاري مَعْبَداً هذا، فقال: هو الذي تكلم
بالقدَرِ بالبصرة أوَّل مَنْ تكلم به فيها، وقال بعضُهم: هو مَعْبَدُ بن عبد
الله بن عُوَيِرْ، وقال بعضهم: هو مَعْبَد بن خالد، قال البخاريُّ: وهذا
يدلُّ على أنه ليس من آل سَبْرَة الذين بالَرْوَة صاحب النبي {/ في
شيء.
٥٤٩٤- حَدَّثَا يونس، قال: أخبرنا ابنُ وَهْب، قال: أخبرني
عمرو بنُ الحارث، أنّ راشد بن أبي سَكْنَةَ حدَّثه، أنه سمع معاوية بن
أبي سفيان وهو على المنبر يقولُ: سمعتُ رسولَ الله﴿ يقولُ: ((مَنْ يُرِدِ
-٤٦١-
كتاب العلم
الله بِهِ خَيراً يُفَقَّهْهُ في الدِّينِ)).
٥٤٩٥- حَدَّثْنَا أحمد بن محمد بن سلام البغدادي العَطَّار، قال:
حَدَّثْنَا عبد الأعلى بن حَمَّد بالنَّرْسِي، قال: حَدَّثْنَا حَمَّاد بن سَلَمة، عن
جَبَلَة بن عطية، عن ابن مُحَيْرِيز، عن معاوية، قال: قال رسولُ اللهَحَ﴾:
((مَنْ يُرِدِ الله بِهِ خَيراً يُفَقَّهْهُ فِي الدِّينِ)).
٥٤٩٦- وحَدَّثْنَا هارونُ بنُ كامل، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ
صالحٍ، قال: حدثني اللَّيثُ بنُ سعدٍ، عن ابنِ عَجْلاَنَ، عن يزيد بنِ
زياد ... ثم ذكر مثلَ حديث يونس الذي ذكرناه عن مالك في هذا
الباب عن يزيد بن زياد في إسناده وفي مَنْتِه.
٥٤٩٧- حَدَّثَنَا أبو أميّة، قال: حَدَّثْنَا سُرَيج بنُ النعمان
الجَوْهري، قال: حَدَّثْنَا عبدُ الواحد بن زياد، عن مَعْمَر، عن الزُّهري،
عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسولُ
الله ﴿: ((مَنْ يُرِدِ الله بِهِ خَيراً يُفَقَّهْهُ فِي الدِّينِ، وإنَّما أنا قَاسمٌ والله
يُعْطِي».
قال أبو جعفر: وقد ذكرنا فيما تقدم منا في كتابنا هذا في المراد
بالفقْه المذكورِ عن رسولِ الله ﴿ بقولِه: «رُبَّ حَامِلٍ فِقْهَ لا فقه لَهُ،
ورُبَّ حامِلٍ فِقْهٍ إلى من هُوَ أفْقَهُ منه) ما نحنُ به مستغنون عن إعادَتِهِ
هاهنا. إذْ كان من شكل ما يحتاجُ إلى إبانِتِهِ في هذا الباب، وقد كان
ثَمّ ذكرنا في ذلك أنَّ الفِقْه: هو الفَهْم، وقد وجدنا عن رسول الله وَطّ
ما يُؤكّد ما قُلنا فيه من ذلك.
٥٤٩٨- وهو ما قد حَدَّثْنَا يُونس بن عبد الأعلى، قال: حَدَّثْنَا
- ٤٦٢-
کتاب العلم
عبدُ الله بنُ وَهْبٍ، قال: أخبرني عمرو بنُ الحارث أنَّ عَّادَ بنَ سالم
حدَّثْه عن سالمٍ بنِ عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب
رضي الله عنه، عن النبي ﴿ أَنَّه قال: ((مَنْ يُرِدِ الله بِهِ خَيراً يُفهِّمْهُ)).
قال أبو جعفرٍ: فعقلنا بذلك أن معنى (يُفْقَّهُهُ)) على معنى ما قد
رويناه في هذا الباب أنه (يفهِّمُهُ)) غير أننا قد ذكرنا في الباب الذي
ذكرنا فيه عن رسول الله ﴿ قوله: «رُبَّ حَامِلٍ فِقْهٍ لا فِقْهَ لَهُ، وَرُبَّ
حامِلٍ فِقْهٍ إلى من هُوَ أفْقَهُ منه) فيما قد تقدم منَّا في كتابنا هذا أنَّه ليس
كلّ مفهوم بمعنى كلِّ ما فقه، وأن لما فقه من أمر الدين درجةً زائدةٌ
على كلِّ مفهوم سواه على ما قد ذكرنا هناك. والله نسأله التوفيق.
٧٨٦- بابُ بیانِ مُشْکِل ما رُوي عن رسول الله ﴾ من قوله:
((مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَّةً فَعَمِلَ بِهَا مَنْ بَعْدَه كانَ لَهُ أجْرُهَا وأجْرُ
مَنْ عِمِلَ بِها من بَعْدِه لا يُنْتَقَصُ من أُجُورهم شَيءٌ، ومَنْ سَنَّ
سُنَّةً سَيِّئَةً، فَعَمِلَ بِهَا مَنْ بَعْدَهُ ... )) فذکر مِنْ وزرها ووزرٍ من
عَمِلَ بِها من بعده مثلَ ما ذكرَ في الحَسَنَّةِ
٥٤٩٩- حَدَّثْنَا يونسُ، قال: حَدَّثْنَا سفيانُ، عن عاصم، عن أبي
وائلٍ، عن حَرِير، أن قوماً أَتَوا النبيَّ :﴿ّ من الأعرابِ مُجْتَابِي النَّمَارِ،
فحث النبيُّ ◌َ﴿ الناسَ على الصدقَة، وكأنَّهم أبطَؤُوا حتى رأوْا ذلك في
وجهِ رسول الله ﴿، فجاء رجلٌ من الأنصارِ بقطعةٍ تبرِ، فَأَلْقَاها، فَتَتَابَعَ
مو
النّاسُ حتى عُرِفَ ذلك في وجْهِ رسولِ اللهِلَ﴿، فقال رسولُ الله ◌ُ له:
((مَنْ سَنَّ سُنّةً- كأنّه يعني حسنةً- فَعَمِلَ بِهَا مَنْ بَعْدَهُ، كانَ له مِثْلُ
-٤٦٣-
كتاب العلم
أجر مَنْ عَمِلَ بها من غيرِ أن يُنْتَقَصَ من أُجورِهِمْ شيءٌ، ومَنْ سَنَّ
سُنّةٌ سَيِّئَةٌ، فَعَمِلَ بِهَا مَنْ بَعْدَهُ، كَانَ عَلَيهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بها من
غَيْرِ أنْ يُنْتَقَصَ من أَوْزَارِهِمْ شَيءٌ).
٥٥٠٠- حَدَّثَنَا أبو أميةَ، قال: حَدَّثْنَا عبيدُ الله بن موسى، قال:
حَدَّثْنَا شيبانُ، عن الأعمش، عن مسلم بن صُبَيْح وعبد الله بنِ يزيد،
عن عبد الرحمن بنِ هِلال العَبْسي، عن جرير بن عبد الله، قال: أتى
رسولَ اللهِ:﴿ قومٌ من الأعرابِ، فأبصرَ عليهم الخَصَاصَةَ والْجَهْدَ،
فحمد الله وأثّنَى عليه، ثم أمرهم بالصَّدقةِ، وحضَّهم عليها، ورغّبهم
فيها، فأبطؤوا حتّى رُئِيَ ذلك في وجْهِهِ، فجاء رجلٌ من الأنصارِ بقبضَةٍ
مِن وَرِقٍ، فأعطّاها إِيَّاهُ، ثم جاء آخرُ، ثم تتابع الناسُ في الصدقة حتى
رُئِيَ في وجهة السُّرورُ، فقال: ((مَنْ سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ، ثم
ذكر بقيّة ما في الحديثِ الذي قبله.
٥٥٠١- حَدَّثْنَا ابنُ أبي داود، قال: حَدَّثَنَا محمد بن عبد الرحمن
العَلاَّفُ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن سَواء، قال: حَدَّثْنَا سعيد بن أبي عَرُوبَة،
عن قتادةَ، عن حُميدٍ بنِ هلال، عن عبد الرحمن الأسدي، عن جرير بن
عبد الله البَحَلِي أنه حدثهم في ناحِيةٍ مسجدِ الكُوفَةِ أنَّ رجلاً من
الأنصار قامَ إلى رسولِ الله ◌ِ ﴿ُ بصرَّةٍ من ذَهَبٍ تملأُ ما بَيْنَ الأصابع،
فقال: يا رسولَ الله، هذه في سبيلِ الله، ثم قامَ أبو بكر، فأعطَى، ثم قام
عمرُ فأعطَى، ثم قام المهاجرون والأنصارُ، فأعطَوْا، فأشرقَ وجهُ رسولٍ
الله ◌َ﴿ حتَّى رأينا الفَرَحَ في وجهه، فقال عند ذلك: (مَنْ سَنَّ سُنَّةً .. ))
ثم ذكر بقيَّةَ الحديثِ الذي قبله.
-٤٦٤-
كتاب العلم
قال أبو جعفر: وقد روينًا مما يدخُلُ في هذا البابِ مما تقدَّم منا في
كتابنا هذا أحاديث في هذا الباب الذي اخترنا فيه قِراءةَ مَنْ قرأ في أول
سورة النساء ﴿والأرحَامَ﴾ بالنصبِ على قراءةٍ من قرأ ﴿وَالأرحامِ﴾
بالجر، فغَنِينا بذلك عن إعادتها هاهنا.
فقال قائلٌ: كيف يكون له أجرُها كما لِمَنْ عمل بها بعدَه
أجرُها، ومع العامل من معاناةِ العمل بها مَا ليس مع الذي قد كمان
سنَّها، فكان معقولاً أن يكونَ في الأجرِ في عملِه بها فَوْقَ الأجر الذي
یکونُ للذي سنها.
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه بعد أن احتجَّ علينا
بشيءٍ يُروى عن رسول الله :﴿ في هذا الباب من غير طريقِ جرير بنِ
عبد الله دلَّه فيما ذكر على ما قال.
٥٥٠٢- وهو ما حَدَّثَنَا بِكَّارٌ، قال: حَدَّثْنَا وَهْبُ بن جرير، قال:
حَدَّثْنَا هِشامُ بن حسان، عن محمد، عن أبي عبيدة بن حذيفة، عن أبيه،
قال: قام سائلٌ فسألَ على عهد رسول الله ﴿، فأمسَكَ القومُ، ثم إنَّ
رجلاً من القومِ أعطَى وأعطَى القومُ، فقال رسولُ اللهِمَ﴿ّ: «مَن سنَّ
خَيراً فاسْتُنَّ بِهِ، فَلَهُ أَجْرُهُ ومِنْ أُجُورٍ مَنْ تَبِعَهُ غَيْرَ مُنْتَقَصٍ مِنْ
أُجورِهم شيئاً، ومَنْ سَنَّ شَرًّا فاستُنَّ بِهِ، فَعَلَيْهِ وِزْرُهُ ومنْ أَوْزَارِ مَنِ
اتْبَعَهُ غيرَ مُنتقصٍ مِنْ أَوْزارِهِمْ شيئاً).
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه: أنّه قد يُحتمل أن
يكون المرادُ بقوله: ((ومثل أجر مَنْ عَمِلَ بها) وقولهِلَ: ((ومِنْ أَجْرٍ
مَنْ عَمِلَ بها)). بمعنى واحد، وتكونُ ((مِنْ)) صلة، وهذا جائز في اللغة،
- ٤٦٥-
كتاب العلم
ومنه قولُ الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقِ غيرُ الله﴾ [فاطر: ٣] بمعنى: هل
خالقٌ غيرُ الله، ومنهُ قولُه عَزَّ وحَلَّ: ﴿وَمَا مِنْ إله إلاّ الله﴾ [آل عمران:
٦٢] . بمعنى: وما إلهٌ إلا الله. فيرجعُ معنى قولِ النِينَ﴾: ((ومِنْ أُجورِ
مَنْ عَمِلَ بها)) في حديث حذيفة إلى معنى ((وأُجُورِ مَنْ عَمِلَ بها)» في
حديث جرير، فيتفقان ولا يتضادَّان.
فقال هذا القائلُ: فقد رُوِيَ عن عبدِ الله بن مسعود ما يدلُّ على
خلافٍ ما ذكرتُ.
٥٥٠٣- وذكر ما قد حَدَّثْنَا أبو أُميةَ، قال: حَدَّثْنَا قَبِيصةُ بن
عُقبة، قال: حَدَّثَنَا سفيان، عن الأعمش، عن عبد الله بنِ مُرَّة، عن
مسروق، عن عبد الله، قال: قال رسول الله﴿: ((لا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْماً
إلا كانَ على ابنِ آدَمَ الأولِ كِفْلٌ مِنْها»(١).
٥٥٠٤ - وما قد حَدَّثَنَا أحمدُ بن عبد المؤمن المَرْوزِيُّ، قال:
حَدَّثْنَا عَبْدَان بنُ عثمان، قال: حَدَّثَنَا أبو حمزة - وهو السُّكّري- عن
(١) إسْناده صحيحٌ. ورواه البخاري (٦٨٦٧) عن قبيصة بن عقبة، بهذا الإسناد.
ورواه الحميدي (١١٨)، وأحمد ٤٣٠/١ و٤٣٣، والبخاري (٧٣٢١)،
والترمذي (٢٦٧٣)، والنسائي ٨١/٧-٨٢، والطبري في ((جامع البيان)) (١١٧٣٨)
و(١١٧٣٩) من طرق عن سفيان، به.
ورواه عبد الرزاق (١٩٧١٨)، وابن أبي شيبة ٣٦٤/٩، وأحمد ٣٨٣/١،
والبخاري (٣٣٣٥)، ومسلم (١٦٧٧)، وابن ماجه (٢٦١٦)، وابن حبَّان
(٥٩٨٣)، والبيهقيُّ ١٥/٨، والبغوي في ((شرح السنة)) (١١١) وفي «معالم التنزيل))
٣١/٢ من طرق عن الأعمش، به.
-٤٦٦-
كتاب العلم
الأعمش ... ثم ذكر بإسناده مثلَه، وزاد ((لأنَّهُ سَنَّ القَتْلَ)(١).
فكان جوابنا له بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ وعونه: أنَّ الكِفْلَ هو المثلُ،
كما قال الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَبِتَيْ كُنَ لَهُ كِفِلْ مِها)
[النساء: ٨٥] بمعنى: مثلٌ منها مِنْ جِنْسِها، وكمثل قوله: ﴿ُؤْتِكُمْ
كِفِلِينِ مِنْ رَحْسَهِ﴾ [الحديد: ٢٨] أي: مِثلين. كما قد: حَدَّثْنَا ولاَّدٌّ،
قال: حَدَّثْنَا الْمَصَادري، عن أبي عبيدة: ﴿كِفَلْنِ مِنْ رَخْصِهِ﴾ قال:
مِثلین.
فكان ما احتجَّ به هذا المخالفُ علينا حجةً لنا عليه كما قد
ذكرنا، ومما يدلُّ على ما ذهبنا إليه في هذا البابِ وحملِنا معناه عليه ما
قد رُوِيَ عن رسول الله ﴿ في الدَّالِّ على الخيرِ أنَّه كفاعله.
٥٥٠٥- كما حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ أبي داود، قال: حَدَّثْنَا محمد بن
المثنى، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ يوسف الأزْرق، عن أبي حنيفةً، عن
علقمةً بن مَرثد، عن سليمان بنِ بُريدة، عن أبيه، قال: قال النبي ◌ِ﴾
(الدَّالُّ على الخَيْرِ كَفَاعِلِهِ)(٢).
٥٥٠٦- وكما قد حَدَّثَنَا أبو أميةَ، قال: حَدَّثْنَا عبيد الله بن
(١) إسناده صحيح. وانظر الحديث السابق.
(٢) إسناده ضعيف لضعف رواية الإمام أبي حنيفة. ورواه أحمد ٣٥٧/٥-٣٥٨
حَدَّثَنَا إسحاقُ بن يوسُف، أخبرنا أبو فلانة، كذا قال أبي! لم يُسمه على عمد!،
وحدثنا غيرُه فسمَّاه، يعني: أبا حنيفة عن علقمة بنِ مَرْتد.
قال الهيثمي في (المجمع) ١٦٦/١: رواه أحمد، وفيه ضعيف، ومع ضعفه لم يسمَّ.
-٤٦٧-
كتاب العلم
موسى العَبْسي، قال: حَدَّثْنَا شيبانُ -يعني النَّحْوِيَّ- عن الأعمش، عن
سعد بن إياس- قال أبو جعفر: وهو أبو عمرو الشيباني- عن أبي
مسعود، عن رسولِ الله ﴿ٌ مثلَه.
٥٥٠٧- وكما حَدَّثْنَا إسحاقُ بن إبراهيم بن يونس البغدادي،
قال: حَدَّثْنَا هارون بنُ عبد الله الحَمَّال، قال: حَدَّثْنَا يَعْلَى ومحمد ابنا
عُبيد، قالا: حَدَّثَنَا الأعمشُ، عن سعد بنِ إيناس، عن أبي مسعود
الأنصاريِّ، وقال يَعْلَى: عن أبي عمرو الشيباني، عن أبي مسعود، قال:
جاء رجلٌ إلى النبيِ﴿ فقال: يا رسولَ الله أُبْدِعَ بِي فاحْمِلْني، فقال:
(ما أجدُ ما أحْمِلْكَ عَلَيهِ، انتِ فُلاَنَا) فأتاه، فحَمَلَهُ، فأتى رسولُ الله
﴿ فأخبرَهُ فقال رسولُ الله ◌َ﴿: ((الدَّالُّ على الخَيْرِ لَهُ مِثْلُ أجْرِ فاعِلِهِ)).
هذا لفظ محمد.
٥٥٠٨- وكما حَدَّثْنَا محمد بنُ على بن داود، قال: حَدَّثَنَا
العَائشي، قال: حَدَّثْنَا عِمرانُ بنُ يزيد القُرَشي، عن أبي حازم، عن
سهل بن سعد، قال: قال رسول الله ﴿: ((الدَّالُّ على الخَيرِ كَفَاعِلِهِ)).
قال أبو جعفر: وإذا كان الدَّالُّ يستحقُّ بدلالته على الخير ما
يستحقُّه العاملُ بذلك الخيرِ، كان من سنَّ سُنَّة حسنةٌ دَلَّ بعملِه بها
الناسَ، فعمِلُوها بعدَه، يكون في سِنَّتِهِ إِيَّاها لهم في الأجرِ كَهُمْ فيه في
عملِهِم إِيَّاهم، وكذلك في الوِزْرِ يكونُ سَنَّهُ إِيَّه لهم في عملِهم بعدَه به
في الوزر کَھُمْ فیه.
وقَمّا يُقوي ذلك أيضاً:
٥٥٠٩- ما قد حَدَّثْنَا إبراهيمُ بن مرزوق ومحمد بنُ علي بن
-٤٦٨-
كتاب العلم
داود، قالا: حَدَّثَنَا عفَّان، قال: حَدَّثَنَا همَّام، قال: حَدَّثَنَا هشامُ بن
عُروة، عن أبيه، عن عبد الله بن عَمرو، قال: إنَّ ابنَ آدم الذي قَتَلَ
أخاه يُقاسِمُ أهلَ النارِ نصفَ عذابِ جهنّم قِسمة صَحاحاً.
فدلَّ ذلك على ما قد ذكرناه في الحديثِ الأوَّل. والله نسألُه
التوفيقَ.
٧٨٧- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴿ من أُمْرِهِ
زيد بن ثابت أنْ یتعلم السُّریانیة وقوله له مع ذلك: «إنّي لا
آمنُ يهوداً علی کُتُبِي»
٥٥١٠- حَدَّثْنَا إبراهيم بن مرزوق، قال: حَدَّثْنَا أبو الوليد
الطَّالِسِي (ح). حَدَّثَنَا فهد بن سليمان، قال: حَدَّثَنَا علي بن مَعْبَد،
قالا: حَدَّثْنَا جرير بنُ عبد الحميد، عن الأعمش، عن ثابت بن عُبَيْد،
قال: قال زيد بنُ ثابت: قال لي رسولُ الله ◌َ﴿: ((أَتُحْسِنُ السُّرِيَانِيَّة؟ إنّه
لِيَأْتِينِي كُبٌ) قال: قلتُ: لاَ. قال: (فَتَعلِّمْهَا) قال: فتعلمتها في سبعة
عشر يوماً(١).
٥٥١١- حَدَّثَنَا إبراهيم بنُ أبي داود، قال: حَدَّثَنَا خلف بنُ
هشام البَزَّار، قال: حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن أبي الزِّنَاد، عن أبيه، عن
خارجة بن زيدٍ، عن أبيه، قال: أمرني رسول الله : ﴿ أَنْ أتعلّمَ له كتابَ
(١) حديث صحيح، ورواه أحمد ١٨٢/٥، ويعقوب بن سفيان في ((تاريخه)
٤٨٣/١-٤٨٤، وابن حبان (٧١٣٦)، والطبراني (٤٩٢٨)، والحاكم ٤٢٢/٣،
وابن أبي داود في ((المصاحف)) ص٧، وأبو يعلى في ((مسنده)، وعلي ابن المديني في
((العلل)) كما في ((تغليق التعليق)) ٣٠٨/٥ من طريق جرير، به.
-٤٦٩-
كتاب العلم
يهود، فَمَا مَرَّ بي نصفُ شهرٍ حتّى تعلمتُ. وقال رسولُ اللهِلَ﴾: ((إِنّي
ما آمنُ يهود على كِتَابي)) فلما تعلمتُ له، كنتُ أكتبُ إلى يَهود إذا
كتبَ إليهم، وإذا كتُبُوا إليه قرأتُ له كِتَابَهم (١).
قال أبو جعفر: فتأمَّلنا هذا الحديث، فوَجَدْنا ما كان يَرِد على
رسُولِ اللهِ﴾ من كُتب يهود بالسريانية، إنَّما كان يقرءه له اليهود
الذين كانوا يحضرونه، وهم غيرُ مأمونين على كِتْمَانِه بعض ما فيه،
وغيرُ مأمونين على تحريفِ ما فيه إلى ما يُريدون، وكان ما ينفذ من
كُتبه إليى اليهود جواباً لكُتُبهم إليه بالعربية، فتحتاج اليهودُ الواردة
عليهم إلى مَنْ يُحْسِنُ العربيَّة ليقرأه عليهم، إذ كانوا لا يُحْسِنُون العربيةَ
فلعلَّهُ أن يحرف ما في كتبه إليهم إلى ما يريد، لا سيَّما إن كان من
عَبَدَةِ الأوثان الذين في قُلوبهم على رسول الله ﴿ مَا لا خفاءَ به وفي
قلوبهم على أهل الكتاب ما فيها، فأمرَ رسولُ اللهِ﴿ زيداً أنْ يتعلَّم له
السريانية ليقرأ كُتُبَهم إذا وردتْ عليه قراءة، فَيَأْمَنُ بها كِتمان ما فيها،
ويأمنُ بها تحريف ما فيها، ويكون كتابهم﴿ّ إذا وردَ على اليهودِ ورد
عليهم كتاب يقرءه عامَّتُهُم يأمن فيه من كتمان بعض ما فيه ومن
تحريفِ ما فيه إلى غير ما كُتِبَ به، فهذا وجه هذا الحديث عندنا. والله
عَزَّ وجَلَّ نسأله التوفيق.
(١) رواه ابن سعد في ((الطبقات) ٣٥٨/٢-٣٥٩، وأحمد ١٨٦/٥، والبخاري
في («تاريخه)) ٣٨٠/٣-٣٨١، وأبو داود (٣٦٤٥)، والترمذي (٢٧١٥)، والطبراني
(٤٨٥٦) و(٤٨٥٧) من طرق عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، به. وقال الترمذي:
حديث حسن صحيح. وعلقه البخاري في ((صحيحه)) (٧١٩٥).
- ٤٧٠-
كتاب العلم
٧٨٨ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عَن رسولِ الله علیه السَّلامُ
في رَفْعِ العلمِ عن الناسِ وقبضِهِ مِنْهم
٥٥١٢ - حَدَّثَنَا الربيعُ، حَدَّثْنَا ابنُ وَهب، سمعت الليثَ، يقول:
حدثني إبراهيم بن أبي عَبْلَةَ، عن الوليد بن عبد الرحمن الجُرَشِيِّ، عن
جُبَيْرِ بِنِ نُفَيْرِ، أَنَّه قال: حدَّثْني عوفُ بنُ مالك الأُشْجَعِيُّ، أنَّ رسولَ
اللهِ عليه السَّلامُ نَظَرَ إلى السماءِ يَوْمَّاً، فقالَ: ((هَذا أوَانُ يُرْفَعُ العِلْمُ)،
فقالَ له رجلٌ من الأنصارِ يُقالُ له: لَبِيدُ بنُ زيادٍ: يا رسولَ اللهِ، يُرْفَعُ
العِلْمُ وقَدْ أُثْبتَ، وَوَعَتْهُ القُلُوبُ! فقالَ له رسولُ الله صلَّى الله عَلَّيه
وسلّم: ((إِن كُنْتُ لِأَحْسِبُكَ مِنْ أَفْقَهِ أهْلِ المَدِينَةِ)) ثم ذكر ضلالةً
اليهودِ والنّصارى على ما في أيديهم من كتابِ اللهِ تعالى، قالَ: فلقيت
شدادَ بنَ أوسٍ، فحدثْتُهُ بحديث عوف، فقال: صدقَ عوفٌ، ألا أخبرك
بأوَّلِ ذلك يُرْفَعُ؟ الخشوعُ حتى لا ترى خاشعاً(١).
٥٥١٣- حَدَّثَنَا إبراهيم بنُ أبي داود، حَدَّثْنَا خَطَّابُ بن عثمان
(١) رواه النسائي في ((الكبرى) كما في ((التحفة)) ٢١١/٨ من طريق ابن وهب،
والطبراني في ((الكبير)) ١٨/(٧٥)، ومن طريقه الخطيب في ((اقتضاء العلم العمل))
(٨٩)، والبزار (٢٣٢) من طريق عبد الله بن صالح، ثلاثتهم عن الليث، به، وصححه
الحاكم ٩٨/١-٩٩، ووافقه الذهبي.
وقوله: ((لبيد بن زياد)): هو مقلوب، صوابه: زياد بن لبيد، وهو صحابي. انظر
ترجمته في ((الإصابة) ٥٤٠/١-٥٤١، وسيذكر الطحاوي الحديث من طريقه على
الصواب فيما بعد.
- ٤٧١-
كتاب العلم
الفَوْزِي، حَدَّثْنَا محمد بن حِمْيَر، حدثني ابن أبي عَبْلَةَ، عن الوليد
الجُرَشِيُّ، حَدَّثَنَا جُبير، عن عوف .. ، ثم ذكر مثلَه إلاَّ أنَّه قالَ مكان لبيد
بن زياد: زياد بن لبيد، وإلا أنه قال: يُرْفَعُ يا رسولَ اللهِ وفينا كتابُ
اللهِ، وقَدْ عَلَّمناه أبناءَنا ونِساءَنا؟(١).
٥٥١٤ - حَدَّثْنَا الربيع الجيزيُّ، والحسينُ بن نصر البغدادي، قالا:
حَدَّثَنَا سعيد بن أبي مريم، أخبرني يحيى بن أيوب، حَدَّثْنَا أبو إسماعيلَ
إبراهيمُ بن أبي عَيْلَةَ، أنَّ الوليد بن عبد الرحمن حَدَّثه، عن جُبير، عن
عَوْفٍ، قال: بينما نحنُ عند رسولِ الله صلَّى الله عَلَّيه وسلَّم، فقال:
(هذا أوَانُ يُرْفَعُ العِلْمُ)، فقلنا: يا رسولَ اللهِ، يُرْفَعُ العلمُ وعندَنا كتابُ
الله قد قرأناه، وعلَّمْنَاهُ صبيانْنَا ونساءنا؟ فذكر ضلالةَ أهلِ الكتابين
اليهودِ والنصارى، ثم قال: ((ذَهَابُهُ بِذَهَابِ أَوْعِيَتِهِ)).
قال جُبَيْرٌ: فلقيت شدادَ بنَ أوْسٍ، فذكرتُ له حديث عَوف،
فقال: صدقَ عوفٌ، وأولُ ما يُرفعُ الخشوعُ حتى لا تَرَى خاشِعاً.
٥٥١٥- وحَدَّثَنَا فَهْدٌ، حَدَّثْنَا عبد الله بن صالح، حَدَّثَنَا معاويةُ
بن صالح، عن عبد الرحمن بن جُبير بن نُفير، عن أبيه، عن أبي الدَّرْدَاءِ،
أَنَّه قال: كُنَّا مَعَ رسولِ الله عليه السَّلامُ، فَشَخَصَ ببصرِهِ إلى السماءِ،
فقال: (هذا أوَانُ يُخْتَلَسُ العِلْمُ مِنَ النَّاسِ حَتَّى لاَ يَقْدِرُوا مِنْهُ عَلَى
شَيءٍ)، فقال زيادُ بنُ لَبيدٍ الأنصاريُّ: يا رسولَ اللهِ، وكيفَ يُخْتَلَسُ
(١) رواه أحمد ٢٦/٦-٢٧ من طريق محمد بن حمير، به. وفي زياد بن لبيد أيضاً
على الصواب.
- ٤٧٢-
كتاب العلم
منّا، وقد قرأْنَا القرآنَ، فواللهِ لَنَقْرَأَنْهُ، وَلَتُقْرِئَنْهُ نساءنا وأبناءنا؟ فقال:
((فَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا زَيَادُ، وإِنْ كُنْتُ لأَعُدُّكَ مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ المَدِينَةِ، هذِهِ
التَّوْرَاةَ والإِنْجِيلُ عندَ اليَهُودِ والنِّصَارَى، فَمَاذا يُغْنِي عَنْهُمْ).
قال جبير: فلقيت عُبادة بنَ الصَّامِتِ، فقلتُ له: ألاَ تَسمع ما
يقولُ أخوك أبو الدرداء، فأخبرتُه بالذي قال، قال: فقال: صَدَقَ أبو
الدَّرْداء، إنْ شئتَ لأحَدِّثَنْكَ بأوَّلِ عِلْمٍ يُرفع مِنَ الناسِ؟ الْخُشُوعُ،
يُوشِكُ أنْ تَدْخُلَ مسجدَ الجماعةِ فلا ترى فيه خاشعاً(١).
٥٥١٦- حَدَّثَنَا الربيع المرادي، حَدَّثْنَا أَسَدُ بن موسى، حَدَّثْنَا
وَكيعُ بن الجَرَّحِ، عن الأعمشِ، عن سالم بن أبي الجَعْدِ، عن زياد بن
لَبيدٍ، قال: ذكر رسول الله صلّى الله عليه وسلم شَيْئاً، وذاك عِنْدَ أوان
ذهابِ العلمِ، قلنا: يا رسول الله، وكيفَ يَذْهَبُ العلمُ ونحن نقرأُ
القرآنَ، ونُقْرِتُهُ أبناءنا ونساءنا، ويُقْرِتُه أبناؤُنا أبناءهم إلى يومِ القيامةِ؟
قال: ((شَكِلَتْكَ أُمُّكَ ابْنَ أُمِّ لَبِيدٍ، إِن كُنْتُ أَرَاكَ مِنْ أَفْقَهِ رَجُلٍ بِالمَدِينَةِ،
أوَ لَيْسَ هذِهِ الْيَهُودُ والِّصَارَى يَقْرَؤُونَ التَّوْرِاةَ والإِنْجِيلَ لا يَفْقَهُونَ
مِمَّا فِيهما شَيئاً)(٢).
(١) رواه الترمذي (٢٦٥٣) من طريق عبد الله بن صالح، به. وقال: حسن
غريب. ورواه الحاكم ٩٩/١ من طريق عبد الله بن صالح، به. وصححه، ووافقه
الذهبي.
(٢) سالم بن أبي الجعد لم يلق زياد بن لبيد، وهو يتقوى بما قبله.
ورواه أحمد ٢١٨/٤ و٢١٩، وابن ماجه (٤٠٤٨)، والحاكم ١٠٠/١، وأبو
خيثمة في العلم (٥٢) من طريق سالم، به.
- ٤٧٣ -
كتاب العلم .
قال أبو جعفر: فأنكرَ منكرٌ هذه الأحاديثَ، وقال: كيف يكونُ
العلم يُرْفَعُ في زمنِ النبي عليه السَّلامُ، وأيامُه هي الأيامُ السعيدة التي لا
أمثالَ لها، والوحيُّ فإِنما كان ينزِلُ عليه فيها، فمحالٌ أن يكونَ العلمُ
الذي ينزِلُ فيها، ويبقى في أيدي الناس ليُبلِّغَهُ بعضُهم بعضاً إلى يوم
القيامة كما أُمروا به فيه يكونُ ذلك مرفوعاً في تلك الأيام، لأن ذلك
لو كان كذلك، انقطع التبليغُ، وبقيَ الناسُ في أيام رسولِ الله بلا علمٍ،
وكانوا بعده في خروجهم عنه أغلط، وهذا يَستحيلُ، لأنَّ العِلْمَ إنَّما
عُلِّمَ لِيأخذه خَلَفٌ عن سَلَفٍ إلى يوم القيامة.
فكان جوابُنا له في ذلك أنَّ هذا الحديث من أحسن الأحاديث،
وأصحِّها، وأنَّ الذي فيهِ من نظر النبي عليه السَّلامُ إلى السماء، ومن
قوله عند ذلك: ((هذا أَوَانُ يُرْفَعُ فيه العلمُ) إِنَّما هو إشارةٌ منه إلى
وقت يُرفعُ فيه العلمُ، قد يجوز أن يكونَ هو وقت يكون بعدَه، لأنَّ هذا
إنما هو كلمة يشار بها إلى الأشياء، من ذلك قولُ الله تعالى: ﴿هَذَا
يَوْمُكُمُ الَّذِينِ كُنْتُمْ تَوْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] ليس هم فيه يومَ أنزل
ذلك على رسولِ الله عليه السَّلامُ، ومنه قوله تعالى: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ
لِكُلّ أَوَّابِ حَفِيظٍ﴾ [ق: ٣٢] ليس على شيءٍ مرئيّ يوم قيل لهم ذلك
في أمثال لهذا كثيرة في القرآن.
فمثلُ ذلك ما في حديث عوف قد يحتمل أن يكونَ رسولُ الله
عليه السَّلامُ لما نظرَ إلى السماءِ أُرِيَ فيها الزمانَ الذي يُرْفِعُ فيه العلمُ،
فقال ما قاله من أجل ذلك.
-٤٧٤-
كتاب العلم
ومما يدُلُّ على ما ذكرنا من هذا احتجاجُه عليه السَّلامُ بضلالةٍ
أهلِ الكتابَينْ اليهودِ والنّصارى، وعندَ اليهودِ منهم التوراةُ، وعندَ
النصارى منهم الإنجيلُ، ولم يمنعاهم منَ الضلالةِ، وإنما كان ذلك بعدَ
ذَهاب أنبيائهم صلواتُ الله عليهم لا في أيامهم.
فكذلك ما تواعد رسولُ الله عليه السَّلامُ به أُمَّنَّه في حديث
عوف هذا يَحْتَمِلُ أن يكون بعدَ أَيَّامِه، وبعدَ ذهابٍ من تَّبَعَهُ، وَخَلَفَهُ
بالرُّشدِ والهداية من أصحابه رضوان الله عليهم، ومن سائر أمته سواهم.
وفي حديث عوفٍ الذي ذكرنا قول جُبير، فلقيتُ شدادَ بنَ
أوسٍ، فذكرتُ ذلك له، فقال: صدقَ عوفٌ، وأولُ ما يُرفعُ من ذلك
الخشوعُ حتى لا ترى خاشعاً.
والخشوع الذي أراد شدادٌ في هذا الحديث - والله أعلمُ - هو
الإِخبات، والتواضع، والتذلل لله عَزَّ وجَلَّ.
وكذلك حَدَّثْنَا الوليد بن محمد التّميمي النّحْوِي أبو القاسم
المعروفُ بوَلاَّدٍ، حَدَّثَنَا أبو جعفر المصادري، عن أبي عُبيدة معمرٍ بنٍ
المثنى في قول الله تعالى: ﴿وَّهَ لَكَيِةٌإِلَ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]،
قال: الخاشعون: المخبتون المتواضعون(١).
قال أبو جعفر: يعني لله تعالى حتى يرى ذلك فيهم، ويكونَ
علامةٌ لهم، كمال قال تعالى في وصفه أصحابَ نبيه: ﴿والذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ
ءَ
(١) ((مجاز القرآن) لأبي عبيدة ٣٩/١.
- ٤٧٥ -
كتاب العلم
عَلَى الكُفَّارِ ... إلى قولِهِ- سِيمَاهُمْ يُ وُجُوهِهِمْ مِن أَسِ السُّجُودِ﴾
[الفتح: ٢٩]، وأثرُ السجود فيما قد رُوِيَ عن المتقدمين: ما قد حَدَّثَنَا
إبراهيم بن مَرْزُوق، حَدَّثْنَا أبو عامر العَقَدي، عن سفيان، عن حُميدٍ
الأعرج، عن مُجاهد ﴿َسِيمَاهُمْ يِ وُجُوهِهِمِ مِنْ أَرِ السُّجُودِ﴾ قال:
الخشوع والتواضع.
وبه عن سفيان، عن منصور، عن مُجاهد ﴿َسِبِمَاهُمْ فيْ وُجُوهِهِمِ
مِن أَثْرِ السُّجُودِ﴾، قال: الخشوع.
وما قد حَدَّثَنَا ابن مرزوق، حَدَّثْنَا حَبَّان بن هلال، عن أبانَ بنِ
يزيد، عن مالك بن دينار، عن مُجاهد، قال: ﴿سِيمَاهُمْفي
وُجُوهِهِم﴾، قال: أثَّرُ التراب(١).
وما قد حَدَّثَنَا ابن مرزوق، حَدَّثَنَا هارون بن إسماعيل الخَرَّز، عن
ابن المبارك، عن مالك بن دينار، قال: سمعت عِكْرمةً، وسُئِلَ
﴿سِمَاهُمْ فيْ وُجُوهِهِمِ مِنِ أَثْرِ السُّجُودِ﴾، قالَ أَثَّرُ التراب(٢).
قال أبو جعفر: وكلُّ هذا، صفاتُ أصحابِ رسول الله صلَّى الله
علَّيه وسلَّم، فكيفَ نَظُنُّ أنَّ هذه الصفات تُرْفَعُ عنهم، وكان فيما
ذكرْنَا مما يقوي التأويلَ الذي تأوَّلْنا عليه، ما رواه عوفٌ عن رسول الله
عليه السَّلامُ مما حملنا عليه ما قد رُوِيَ عن شداد فيه من الدليل على
(١) رجاله ثقات.
(٢) رجاله ثقات.
-٤٧٦-
کتاب العلم
رَفْعِ العلمِ في الأوانِ الذي يُرفعُ فيه، ونعوذُ باللهِ منه، لأنه هو الزمانُ
الذي لا خشوعٌ فيه مع الناس، وإذا لم يكنْ معهم الخشوعُ، كانت
معهم القسوةُ والاستكبارُ، ونعوذُ باللهِ من ذلك.
وفي حديث يحيى بن أيوب الذي يَعُودُ إلى عَوفٍ وشدَّادٍ من قول
رسول الله عليه السَّلامُ في ذهاب العلمِ أَنَّه ذهابُ أوْعِيَتِهِ، ومثُ ذلك ما
قد رُوِيَ عن رسولِ اللهِ عليه السَّلامُ.
٥٥١٧- كما قد حَدَّثْنَا محمد بن عمرو بن يونس، حَدَّثْنَا عبد
الله بن نُمير، عن هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، عن
النبي عليه السَّلامُ، قال: ((إِنَّ اللهَ لا يَقْبِضُ العِلْمَ بأن ينتزِعَهُ انْتِزَاعاً،
ولكنْ يَقْبَضُهُ بِقَبْضِ العُلَماء حتى إذا لم يُبقِ عالماً اتَّخَذَ الناسُ رُؤُوسَاً
جُهَّلاً سُئِلُوا، فَقْتَوْا بِغيرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا)(١).
وكما حَدَّثْنَا علي بن مَعْبَد، حَدَّثْنَا أبو يحيى الأسَدِيُّ محمد بن
عبد الله بن كُنَاسة، حَدَّثَنَا هشام بن عُرْوَة، ثم ذكر بإسناده مثلَه.
٥٥١٩- وكما قد حَدَّثَنَا عبدُ الملك بن مروان الرَّقي، حَدَّثْنَا
شُجاع بنُ الوليد، عن هشام بن عروة، ثم ذكر بإسناده(٢).
(١) إسناده صحيح. ورواه البخاري (١٠٠)، ومسلم (٢٦٧٣)، والترمذي
(٢٦٥٢)، وابن ماجه (٥٢)، والنسائي في ((الكبرى)) كما في ((التحفة)) ٣٦١/٦،
وأحمد ١٦٢/٢ و١٩٠، والبغوي (١٤٧)، والحميدي (٥٨١) من طرق عن هشام،
بهذا الإسناد.
(٢) إسناده حسن. شجاع بن الوليد: صدوق، له أوهام، وباقي رجاله ثقات،
وهو مكرر ما قبله.
-٤٧٧-
کتاب العلم
٥٥٢٠- وكما حَدَّثْنَا فَهْدٌ، حَدَّثْنَا أبو غَسَّان، حَدَّثْنَا زُهير،
أخبرني هشام بن عروة، ثم ذكر بإسناده نحوه.
٥٥٢١- وكما حَدَّثْنَا يونُس، وعبد الغني بن أبي عَقيل جميعاً،
قالا: حَدَّثْنَا ابنُ وهب، حَدَّثْنَا مالك، عن هشام بن عُروةَ، ثم ذكر
بإسناده مثله(١).
٥٥٢٢- وحَدَّثَنَا فهد، حَدَّثْنَا سعيدُ بنُ كثير بن عُفَيْرِ، حَدَّثْنَا ابنُ
وهب، عن يونس، عن ابنِ شِهاب، قال: وأخبرني عُروةُ، عن عائشةَ،
عن رسولِ الله عليه السَّلامُ مثلَه(٢).
قال أبو جعفر: هكذا قال يونس بن يزيدَ في هذا الحديث: عن
عائشةَ، مكانَ: ابن عمرو فيما رويناه قبلَه، وقد خالفه في ذلك معمرٌ،
(١) إستاده صحيح. ورواه البخاري (١٠٠) من طريق إسماعيل بن أبي أويس،
عن مالك، به.
قال الحافظ في (الفتح)) ١٩٥/١: قال الدارقطني: لم يروه في الموطأ إلا معن بن
عيسى، ورواه أصحاب مالك كابن وهب وغيره، عن مالك خارج (الموطأ)، وأفاد
ابن عبد البر أن سليمان بن يزيد رواه أيضاً في (الموطأ)، والله أعلم.
قال الحافظ: وقد اشتهر هذا الحديث من رواية هشام بن عروة، فوقع لنا من رواية
أكثر من سبعين نفساً عنه من أهل الحرمين، والعراقين، والشام، وخراسان، ومصر،
وغيرها. ووافقه على روايته عن أبيه عروة أبو الأسود المدني، وحديثه في ((صحيح أبي
عوانة))، ووافق أباه على روايته عن عبد الله بن عمرو عمرُ بن الحكم بن ثوبان،
وحديثه في مسلم.
(٢) إسناده صحيح. ورواه البزار (٢٣٣) من طريق عبد الله بن صالح، عن
یونس، به.
-٤٧٨-
كتاب العلم .
عن الزُّهري، فقال فيه: عن ابنِ عمروٍ.
٥٥٢٣- كما حَدَّثْنَا عُبَيْدُ بن رِجَالِ، حَدَّثَنَا مؤمَّلُ بنُ بِهَابٍ،
حَدَّثْنَا عبدُ الرزاق، عن معمر، عن الزُّهري، عن عروة، عن عبدِ اللهِ بن
عمرو، عن رسول الله عليه السَّلامُ، فذكر هذا الحديث(١).
ولما وقع في هذا الحديث هذا الاختلاف في إسناده، بحثنا عن لك
لتقف على الصحيح منه.
٥٥٢٤- فوجدنا الربيع بن سليمان الأزدي قد حَدَّثْنَا، قال:
حَدَّثْنَا طَلْقُ بنُ السَّمْحِ اللَّخْمِي، حَدَّثَنَا أبو شُريح عبد الرحمن بن
شُريح، حَدَّثَنَا أبو الأسود، عن عُروةً، عن عائشة، أنها قالت له: يا ابنَ
أخي، إنّي قد أُخْبِرْتُ أَنَّ عبدَ اللهِ بنَ عمروٍ بنِ العاص حاجٌّ في عامي
هذا، وأنّه قد حفظ عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلِّم أحاديثَ
كثيرة، فلقي عروةُ عبدَ الله بن عمرو فأخبرَهُ، فقال: سمعتُ رسولَ الله
عليه السَّلامُ يقول: ثم ذكرَ هذا الحديث(٢).
(١) الحديث في ((مصنف عبد الرزاق)) (٢٠٤٧١).
ورواه من طريقه النسائي في ((الكبرى)) كما في (التحفة)) ٣٦١/٦.
ورواه عبد الزراق أيضاً (٢٠٤٧٧) عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عروة
بن الزبير، عن عبد الله بن عمرو ...
(٢) طلق بن السمح: روى عنه جمع كثير، وقال أبو حاتم: شيخ مصري، ليس
بمعروف، وقال الإمام الذهبي: وقال غيره: محله الصدق إن شاء الله. والحديث في
الصحيحين.
ورواه البخاري (٧٣٠٧)، ومسلم (٢٦٧٣) من طريق عبد الرحمن بن شريح، به.
-٤٧٩-
كتاب العلم .
فَقَوِيَ في قلوبنا أن يكونَ هذا الحديث يَرْجِعُ إلى عبد الله بن
عمرو، لا إلى عائشة حتى وقفنا على ما هو أولى من ذلك.
٥٥٢٥- وهو ما قد حَدَّثْنَا أحمدُ بن شُعيب، أخبرني هارونُ بن
سعید الأُئلي، حدثني خالد بن نزار الأُيْلي، حدثني قاسم بن مَبْرورٍ، عن
يونسَ، عن ابن شِهابٍ، أخبرني عُروةُ بنُ الزُّبير، عن عبد الله بن
عمرو، وعن عائشة، عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم (١)، ثم ذكر
هذا الحديث.
وفي رواية مسلم قالَ عروةُ: فلمَّا حدثتُ عائشةً بذلك أعْظَمَتْ ذلك وأنكرَتْهُ،
قالتُ: أحدَّثَك أَنّهُ سَمِعَ النبيَّ صلّى الله عليه وسلم يقولُ هذا؟ قالَ عروةُ: حتى إذا
كان قابلٌّ، قالت له: إن ابن عمرو قد قَدِمَ، فَالْقَهُ، ثم فَاتِحْهُ حتى تسألَهُ عن الحديث
الذي ذكرَهُ لك في العلم، قال: فلقيته، فسالته، فذكره لي نَحْوَ ما حدَّني به في مرَّته
الأولى.
قال عروة: فلمَّا أخبرتُها بذلك، قالت: ما أحسبه إلا قد صدق، أراه لم يزِدْ فيه
شيئاً ولم ينقُصْ.
ولفظ البخاري: ((والله لقد حفظ عبد الله بن عمرو)).
(١) خالد بن نزار الأيلي: صدوق يخطئ، وباقي رجاله ثقات.
ولما أخرج الترمذي الحدیث من روایة هشام (٢٦٥٢) قال بائره: وقد روى هذا
الحديث الزهري، عن عروة، عن عبد الله بن عمرو، وعن عروة، عن عائشة، عن النبيِّ
صلّى الله عليه وسلّم مثل هذا.
قال الحافظ في ((الفتح)) ٢٨٥/١٣: وهذه الرواية التي أشار إليها رواية يونس بن
يزيد، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أخرجه أبو عوانة في صحيحه، والبزار من
طريق شبيب بن سعيد، عن يونس، وشبيب: في حفظه شيء، وقد شذ بذلك.
- ٤٨٠ -