النص المفهرس
صفحات 181-200
کتاب الأدب - العزلة
هكذا حَدَّثْنَا يونسُ هذا الحديث، فقال في إسناده: عن ابنِ أبي
ذئب، عن سعيد بن خالدٍ، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس.
وقد خُولِفَ عن غيرِ ابنِ وهب في إسناده
٥١٠١- كما حَدَّثْنَا رَبِيعٌ الجيزيُّ، حَدَّثَنَا أُسدُ بنُ موسى، حَدَّثَنَا
ابنُ أبي ذئب، عن سعيد بن خالد، عن إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي
ذؤيبٍ، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بنِ عَبَّاس، عن رسول الله ◌ِ ﴾﴾
ثم ذكر مثلَه، غير أنه لم يذكر في آخره: وأُخْبِرُكم بِشَرِّ النّاسِ منزلاً ..
ے
إلى آخرِ الحديثِ(١).
٥١٠٢- وكما حَدَّثْنَا محمد بن عبد الرحمن الهرويُّ، حَدَّثْنَا آدمُ
بنُ أبي إياس، حَدَّثْنَا ابنُ أبي ذئب، عن إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي
ذؤيب، - ولم يذكر بينَ ابنِ أبي ذئب وبين إسماعيل: سعيدَ بنَ خالد-،
عن عطاء بن يسار، عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: خَرَجَ رسولُ اللهِلَ ﴿ على
أصحابِه وهُمْ جُلُوسٌ، ثم ذكر مثلَ حديثِ يونس، والله أعلم بحقيقة
الصوابِ في ذلك.
وقد روى بُكيرُ بنُ عبدِ الله بنِ الأشج هذا الحديثَ عن أبيه، عن
عطاء بن يسار، قال:
٥١٠٣- كما حَدَّتْنَا إسحاقُ بنُ إبراهيم بن يونس، حَدَّثْنَا محمدُ
(١) رواه ابن المبارك في (الجهاد)) (١٦٩)، وابن أبى شيبة ٢٩٤/٥، وأحمد
(٢١١٦) و(٢٩٢٧) و(٢٩٥٨)، وعبد بن حميد (٦٦٧)، والدارمي ٢٠١/٢
و٢٠٢، وابن أبي عاصم في ((الجهاد)) (١٥٣)، والنسائي ٨٣/٥، وابن حبان
(٦٠٤)، والطبراني في «الكبير)) (١٠٧٦٧) من طرق، عن ابن أبي ذئب، به.
-١٨١-
کتاب الأدب - العزلة
بنُ عبد الرحمن، حَدَّثَنَا هارون بنُ معروف، حَدَّثْنَا ابنُ وهب، أخبرني
عمرو: أن بُكَيْرَ بن الأشجِّ حدَّته عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن ابنِ
عباسٍ: أنَّ رسول الله مَ ﴿، قال: «ألا أُخْبِرُكُم بخيرِ النّاسِ؟ رَجُلٌ
مُمْسِكٌ بِعِنانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وأُخبرُكم بالذي يتلُوه؟: رجلٌ
معتزلٌ فِي غَنَيْمَةٍ يُؤدِّي حقَّ الله فيها، وأُخْبِرُكم بشَرِّ النَّاسِ؟: رجُلٌ
يَسأَلُ باللهِ، ولا يُعْطِي به)(١).
فقال قائلٌ: رويتم عن رسول الله ﴿ ما يُخالِفُ ما في هذا
الحديثِ من تفضيله اعتزال النّاسِ على مخالطَّتِهِمْ، وقد رويتم عنه ما
يخالف ذلك.
٥١٠٤- فذكر ما قد حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ سنان، حَدَّثْنَا أبو عامر
العقديُّ، حَدَّثَنَا شعبةُ، عن سليمان - يعني الأعمش- عن يحيى بن
وثّاب، عن رجلٍ من أصحاب النبيِّ ﴿ - قال: أحسِبه ابن عمر -: أن
(١) رواه سعيد بن منصور (٢٤٣٤)، والطيراني (١٠٧٦٨) من طريق أحمد بن
صالح، كلاهما عن ابن وهب، به.
ورواه ابن حبان (٦٠٥) من طريق حرملة بن يحيى، وابن أبي عاصم في ((الجهاد))
(١٥٢) من طريقه أسامة بن زيد، كلاهما عن عمرو بن الحارث، عن بكير، عن
عطاء، عن ابن عباس بإسقاط ((والد بكير)).
ورواه الترمذي (١٦٥٢) من طريق ابن لهيعة، عن بكير، به. وقال: حديث حسن
غريب من هذا الوجه، ويروى هذا الحديث من غير وجه عن ابن عباس، عن النبي #.
ورواه مالك في («الموطأ)) ٤٤٥/٢ عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر، عن عطاء
بن يسار مرسلاً.
- ١٨٢-
كتاب الأدب - العزلة
رسولَ اللهِ﴿، قال: (المُؤْمِنُ الذي يُخالِطُ النَّاسَ، وَيَصْبِرُ على أَذَاهُمْ
أَفْضَلُ مِن المؤمِنِ الذي لا يُخالِطُ النَّاسَ، ولا يَصْرُ على أُذَاهُمْ)(١).
٥١٠٥- وحَدَّثَنَا أحمدُ بن أبي عمران، حَدَّثَنَا عليُّ بنُ الجعدِ،
أخبرنا شُعْبَةُ، عن الأعمشِ، عن يحيى بنِ وَتَّبٍ، عن شيخٍ من أصحابِ
النبيِّ ◌َ﴿ - حسبته قال: ابن عمر -، عن النبيّ عليه السَّلامُ، قال: «المُسْلِمُ
الذي يُخالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ على أذَاهُمْ أَفْضَلُ مِن الذي لا يُخالِطُ
النَّاسَ، ولا يَصْبِرُ على أذَاهُمْ).
٥١٠٦- وحَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ أبي داود، حَدَّثْنَا عَمْرُو بنُ عون
الواسطي، أخبرنا حفصُ بنُ غياث، عن الأعمشِ، عن يحيى بنِ وَتَّابٍ،
(١) إسناده صحيح، ورواه أحمد ٤٣/٢، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (٣٩٣)،
والترمذي (٢٥٠٧)، والبيهقي ٨٩/١٠، وفي ((شعب الإيمان)) (٨١٠٢)، وفي
((الآداب)) (٢٠٦) من طرق، عن شعبة، به.
ورواه أحمد ٣٦٥/٥، وابن ماجه (٤٠٣٢)، وأبو نعيم ٣٦٥/٧، والبيهقي
٨٩/١٠ من طرق، عن الأعمش، به. ووقع في بعضها: عن رجل.
ورواه هنّاد في (الزهد)) (١٢٤٦) من طريق محمد بن عبيد، عن الأعمش، عن
يحيى بن وثاب وأبي صالح، عن رجل.
وحسَّنه الحافظ في «الفتح)) ٥١٢/١٠.
ورواه أبو نعيم في (الحلية)) ٦٢/٥-٦٣ من طريق حبيب بن أبي ثابت، عن ابن
عمر، وقال: تفرّد به الداهري، وهو متروك.
ورواه أبو نعيم في «تاريخ أصبهان)) ١٧٥/١ من طريق روح، عن الأعمش، عن
يحيى بن وثاب، عن ابن مسعود، ثم رواه من طريق روح، عن أبي إسحاق، عن يحيى
بن وثاب، عن ابن مسعود أيضاً.
-١٨٣-
کتاب الأدب - العزلة
عن ابنِ عُمَرَ، قال: قال رسول الله ﴿: «المُؤْمِنُ الذي يُخالِطُ النَّاسَ
ويَصْبِرُ على أذَاهُمْ أَفْضَلُ مِن المؤمِنِ الذي لا يُخالِطُ النَّاسَ، ولا
يَصْبِرُ على أَذَاهُمْ).
قال: ففي هذا الحديثِ ضِدُّ ما في الحديثِ الأوَّلِ.
فكان جوابنا له في ذلك: أنَّه لا تَضَادَّ في هذا الحديثِ وفي
الحديثِ الأوَّل، لأنَّ الذي في الحديثِ الأوَّلِ مِن قول رسول اللهح﴿ل:
((خَيْرُ النَّاسِ مَنْزِلاً: رَجُلٌ آخِذٌ بعنانِ فرسه في سَبيلِ الله حتّى يُقْتَلَ أو
يَمُوتَ)). خرج مخرجَ العمومِ، والمراد به الخصوص، وهو مِن خيرٍ
النّاسِ، لأنه ﴿ قد ذكر غَيْرَه بمثلِ ذلك، فقال: ((خَيْرُ النّاسِ مَنْ طالَ
عُمُرُه، وحَسُنَ عَمَلُهُ). وقال: ((خِيَارُكُم مَنْ تَعَلَّمَ القُرآنَ وَعَلَّمَهُ).
وكان ذلك لإطلاق اللغة إيّاه، ولاستعمال العربِ مثلَه، فيذكر
بالعمومِ ما يُريدُ به الخصوص حتَّى حاءَ بذلك كتابُ الله في قصة
صاحبة سبأ: ﴿وَأُوِتَبَتْ مِن كُلِّشيءٍ﴾ ولم تُؤْتَ من شيء مما أوتيه
سليمانُ صلواتُ الله عليه من الأشياء التي خَصَّهُ الله بها دونَ الناسِ،
فمثلُ ذلك ما في هذا الحديثِ مما قد جاءَ بالعمومِ هو على الخصوصِ لما
قد دَلَّ عليه مما قد ذكرنا، وكان قولُه مَ﴿ فيه: ((ألا أُخبِرُكُم بالذي
يلِيهِ)). هو على مثل ذلك أيضاً من ذكره إيَّه أنه: خيرُ أهل المنزلة التي
هو مِن أهلها يحتمِلُ أن يكونَ على أنّه من خيرِ أهلِ تلك المنزلةٍ، وإذا
جازَ ذلك في التخصيصِ من أهل المنزلة التي هو منها جازَ أن تكون
المنزلةُ التي هو منها بينَها وَبَيْنَ المنزلةِ المذكورةِ قبلَها منزلةٌ أُخرى، إذ
لعلها فوقَ المنزلةِ التي هي قبلَها أيضاً على ما ذكر في الحديثِ المذكورِ
-١٨٤-
کتاب الأدب ۔ العزلة
فيه، فيكونُ من يُخالِطُ الناسَ مِنَ المؤمِنِينَ، ويَصْبِرُ على أذاهم أفضلَ ممن
لا يُخالِطُهم، ولا يَصْبِرُ على أذاهم باعتزاله شرورهم وانقطاعه عنهم
فیما ذکر انقطاعه عنهم فيه.
وقد رُوِيَ عن رسول الله {# في حديث أبي ذر الذي قد رويناه
فيما تقدَّم من كتابنا هذا في الثلاثة الذين يُحِبُّهُمُ اللهُ، فذكر فيهم رجلاً
له جَارٌ يُؤْذِيه، فيصبرُ على أذاه ويحتسِبُه حتى يُفَرِّجَ الله له منه إمَّا بموتٍ
وإما بغيرِهِ، وإذا كان مَنْ هذه سبيلَه من محبةِ اللهُ عَزَّ وجَلَّ إِيَّاه على ما
هو عليه منها، وإنما هو في صبرِه على إيذاءِ رجلٍ واحد كان مَنْ بذل
نفسَه للناسِ، وخالطهم، وصَبَرَ على أذاهم، واحتسبه بذلك أولى،
وبالزيادة من الله تعالى له فيه أحرى.
وقد يحتمِلُ أن يكونَ الذي أريدَ بالتفضيل في ترك مخالطةِ الناس
أُريد به وقتٌ من الأوقاتِ، ولم يرد به كلّ الأوقاتِ، ويكون الوقتُ
الذي أُريدَ به هو الوقتَ المذكورَ في حديث أبي ثعلبة الخشني مما ذكر
عن رسول الله :﴿ جواباً له عند سؤاله إيَّاه عن المرادِ بقولِ الله عَزّ
وجَلَّ: ﴿يَا أُها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّإذا
اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، فقال: (بلِ اتَّثَمِروا بالمعروفِ، وَتَنَاهَوْا عن
المُنكر حتى إذا رأيْتَ شُحّاً مُطاعاً، وهوىّ متّعاً، ودُنْيا مُؤثرة،
وإعجابَ كلِّ ذي رأي برأيه، ورأيتَ أمراً لا بُدَّ لكَ مِنْه، فعليكَ أمرَ
نفسِك، وإِيَّاك أمرَ العوام، فإنَّ مِنْ ورائِكُم أَيَّامَ الصَّبر، صبرٌ فيهنَّ
على مِثْلِ قبضٍ على الجمرِ، للعَامِلِ يَوْمَئذٍ منكم كأجرٍ خمسينَ رجلاً
يعملونَ مِثْلَ عمله)).
-١٨٥-
کتاب الأدب - العزلة
وقد ذكرنا هذا الحديثَ بأسانيده فيما تقدَّم منا في كتابنا هذا،
فيكونُ اعتزالُ الناس في ذلك الزمان أفضلَ من مخالطتهم، ونعوذُ باللهِ
من ذلك الزمان، ويكون ما سواه من الأزمنةِ بخلافه، ويكونُ المرادُ
بتفضيل مخالطةِ الناسِ فيه على تركِ مخالطتهم هو ذلك الزمان حتى لا
يُضَادَّ شيءٌ من هذين الحديثين اللذينِ ذكرنا شيئاً منهما.
ومما قد رُوِيَّ عن ابنِ عباس حديثُه الذي ذكرناه في هذا الباب
من وجهٍ آخر:
٥١٠٧- كما حَدَّثْنَا عليُّ بنُ شيبة، حَدَّثَنَا روحُ بنُ عُبادة،
حَدَّثَنَا حبيبُ بنُ شِهاب بنِ مُدْبج العنبريُّ، قال: سَمِعْتُ أبي يُحَدِّثُ،
قال: أتيتُ ابنَ عباسٍ أنا وصَاحِبٌ لي، فلقينا أبا هُريرة عندَ بابِ ابنِ
عباس، فَقَالَ: مَنْ أَنْتُمَا؟ فأخبرناه، فقال: انطلقا إلى ناسٍ على تمرٍ وماءٍ،
إنما يَسيلُ كُلُّ وادٍ بِقَدَرِهِ. قُلْنَا كَثُرَ خَيْرُك، استأذِنْ لنا على ابنِ عباس.
فاستأذَن، فسمعنا ابنَ عباسٍ يُحَدِّثُ عن رسول الله لَ﴿، قال: خَطَبَ
رسولُ اللَّهُ﴿ يومَ تَبُوكَ، فقال: «ما في النَّاسِ مِثْلُ رَجُلِ آخِذٍ بعِنانِ
فرسِهِ لِيُجَاهِدَ في سَبِيلِ الله، ويجتنبَ شُرورَ النّاسِ، وَمِعْلُ رَجُلٍ بادٍ في
غنمه يَقْري ضيفه، ويُؤدِّي حَقّه)).
قلتُ: أقالَها؟ قال: قالها. قلتُ: أقالها؟ قال: قالها. قلتُ: أقالها؟
قال: قالَها. قال: فكَبَّرْتُ، وحَمِدْتُ الله عَزَّ وجَلَّ وَشَكَرْتُ(١).
(١) رواه أحمد (٢٨٣٧)، والحاكم ٦٧/٢، عن روح بن عبادة، به.
ورواه أحمد (١٩٨٧)، ومن طريقه أبو نعيم ٣٨٦/٨، وابن أبي عاصم في
(الجهاد)) (١٥٤)، والطبراني (١٢٩٢٤) من طريق يحيى بن سعيد، عن حبيب بن
شهاب، به.
-١٨٦-
كتاب الأدب - العزلة
قال أبو جعفر: ففي هذا الحديثِ ذكرَ النبيُّ عليه السَّلامُ أهلَ
المنزلتين المذكورَتَيْنِ في الحديثِ الأوَّلِ بغيرِ تقديم منه أهل إحداهما
على ذِكْرِ أهلِ الأخرى، ففي ذلك ما قد دَلَّ أنهم قد كانوا يذكرونَ
الأشياءَ بمراتبَ يُقَدِّمُونَ بعضَها على بعضٍ، وهي في الحقيقةِ معها غيرُ
متقدمةٍ عليها.
ومما يؤكّدُ ما تأولنا هذا الحديثَ عليه، وصرفنا معناه إليه مما قد
ذکرنا أنه في زمنٍ خاص
٥١٠٨- ما قد حَدَّثْنَا بكارُ بنُ قُتيبة، حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بنُ إسماعيلَ،
حَدَّثْنَا حمادُ بنُ زيدٍ، عن عثمانَ الشحام، عن مسلم بن أبي بكرة، عن
أبيه، قال: قالَ رسولُ اللهِلَ﴿: (إنّها سَتَكون فِتَنٌ، إلا ثُمَّ تَكُونُ فِتَةٌ،
المضطجِعُ فيها خَيْرٌ من القاعِدِ، والقاعِدُ فيها خيرٌ من القائِمِ، والقائِمُ
فيها خيرٌ من الماشي، والماشِي فيها خيرٌ من السّاعي، فإذا وَقَعَتْ،
فَمَنْ كانَتْ له أرضٌ، فَلَيَلْحَقْ بأرضِهِ، ومن كانت له إِبالٌ فَلَيَلْحَقْ
يابلِهِ، ومن كانت له غَنَمٌ، فَلَيَلْحَقْ بِغَنَمِهِ). فقال رجلٌ: يا رسول الله،
فمن لم يكن له أرضٌ ولا إبلّ ولا غَنَمٌ؟ قال: ((فَلْيُغْمِدْ سيفَه، فَلَيَكْلِمْهُ
ثم ينجو إن استطاعَ النجاةَ). ثم قال: ((اللَّهُمَّ هَلْ بلّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ
بَلَّغْتُ؟) فقالوا: نعم. فقال: ((اللَّهِمَّ فاشهَدْ). فقال رجُلٌ: يا رسولَ الله،
فإن أُكْرِهْتُ حتى يُذهبَ بِي، فأصير بَيْنَ الفِئتين فيجيء الرجل فيقتلني.
فقال: (يَبُوءُ باشِكَ وإثْمِه، ويكونُ مِنْ أصحابِ النّارِ))(١).
(١) رواه مسلم (٢٨٨٧) من طريق فضيل بن حسين، والحاكم ٤٤٠/٤ من
-١٨٧-
کتاب الأدب - العزلة
٥١٠٩- وما قد حَدَّثَنَا عليُّ بنُ معبدٍ، حَدَّثْنَا روحُ بنُ عبادة،
عن عُثمانَ الشحام، ثم ذكر بإسنادِهِ مثلَه إلى قوله: ((ومَنْ كانَتْ لَهُ
غَنَمٌ، فَلَيَلْحَقْ بغنمه))(١)، ولم يذكر ما بعدَ ذلك في حديث بكار إلى
آخره.
قال أبو جعفر: وكان اعتزالُ الناسِ في الحالِ المذكورةِ في هذا
الحديثِ في مرتبةٍ عاليةٍ، فيحتملُ أن تكونَ هي المرتبة المرادة في الحديثِ
الآخرِ، والله عَزَّ وجَلَّ نسألُه التوفيقَ.
طریق سليمان بن حرب، كلاهما عن حماد بن زيد، به.
ورواه ابن أبي شيبة ٧/١٥، وأحمد ٣٩/٥-٤٠، ومسلم (٢٨٨٧)، وأبو داود
(٤٢٥٦)، وابن حيان (٥٩٦٥) من طريق وكيع، والحاكم ٤٤٠/٤ من طريق حماد
بن سلمة، كلاهما عن عثمان الشحام، به.
(١) هو مكرر ما قبله، ورواه أحمد ٤٨/٥، والبيهقي ١٩٠/٨ من طريق محمد بن
عبيد الله، والحارث بن أبي سلمة، ثلاثتهم (أحمد، ومحمد، والحارث) عن روح بن
عبادة، به.
-١٨٨ -
كتاب الأدب - الغنی
٧١٩- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴿ في حُبِّ
الغِنى الذي يَتَوَهَّمُ بعضُ الناسِ أنه الغِنى مِنَ المالِ، وما رُوِيَ
عنه في ذلك من سؤال الله عَزَّ وجَلَّ الغِنى
٥١١٠- حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، حَدَّثْنَا أبو بكر الحنفيُّ،
حَدَّثْنَا بُكَيْرُ بنُ مِسمار، قال: سمعتُ عامرَ بنَ سعد بن أبي وقّاص:
وكان سعدُ بنُ أبي وقّاص في إبلٍ له وغنم، فأتاه ابنُه عُمَرُ، فلما رآه
قال: أعوذُ باللهِ من شرِّ هذا الراكب، فلما انتهى إليه، قال: يا أبتِ،
أرضيتَ أن تكونَ في إبلكَ وغنمكَ والناسُ بالمدينةِ يتنازعون في المُلك؟
فضرب سعدٌ صَدْرَ عُمَرَ بِيدَه، ثم قال: اسْكُتْ يا بني، فإنّي سمعتُ
رسولَ الله ◌َ﴿، يقولُ: ((إِنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ يُحِبُّ العبدَ الَّقِيَّ الغَنِيَّ
الخَفيَّ)(١).
(١) رواه أحمد (١٤٤١)، والدورقي في ((مسند سعد)) (١٨)، ومسلم (٢٩٦٥)،
وأبو يعلى (٧٣٧)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (١٠٣٧٠)، والبغوي (٤٢٢٨) من
طرق، عن أبي بكر الحنفي، به.
ورواه أبو نعيم ٢٤/١-٢٦ و٩٤ من طريق الواقدي، عن بكير بن مسمار، به.
ورواه مطولاً أبو يعلى (٧٤٩) من طريق شريك، عن عامر بن سعد، به.
ورواه أحمد (١٥٢٩)، ومن طريقه أبي نعيم ٩٤/١، ورواه الدورقي (٧٣)،
كلاهما (أحمد، والدورقي) عن أبي عامر العقدي، عن كثير بن زيد الأسلمي، عن
المطلب بن عبد الله بن المطلب بن حنطب، عن عمر بن سعد، عن سعد بن أبي
وقاص، وجاء في روايتي أحمد والدورقي أن القصة حصلت مع عامر بن سعد،
وجاءت رواية أبي نعيم على الصواب.
-١٨٩-
كتاب الأدب - الغنى
٥١١١- وحَدَّثْنَا فهدُ بنُ سليمان، حَدَّثْنَا أبو نُعيمٍ، حَدَّثْنَا
سفيان، [عن أبي إسحاق]، عن أبي الأحوص، عن عبدِ الله، قال: كان
مِنْ دُعاءِ النّبِّ ◌َ﴿: «اللَّهُمَّ، إنِّي أسألُكَ الهُدى، والتّقى، والعِفَّةَ،
والغِنى))(١).
قال أبو جعفر: فقال قائلُ: في الحديثِ الأوَّلِ مِن هذين الحديثين
أن الله تعالى يُحِبُّ من عباده الغَنِيَّ، وفي الحديث الغني منهما سؤالُه مَ﴿ّ
ربَّه عَزَّ وجَلَّ الغنى. ففي ذلك ما قد دَلَّ على تفضيله الغَنِيَّ على
الفقير.
فكان جوابُنا له في ذلك: أن الغِنى المذكورَ في هذينِ الحديثين
ليس هُو الغِنَى بالمالِ، وكيف يُظَنُّ ذلك برسول اللهلح﴿، وقد روى عنه
أبو ذَرُّ ما قد ذكرنا فيما قد تقدَّمَ منا في كتابنا هذا أنه قال: ((ما أُحِبُّ
وقوله: ((الخفي)، أي: الخامل الذكر، المعتزل عن الناس، الذي يخفى عليهم مكانه
ليتفرغ للتعبد، قال ابن حجر: وذكر للتتميم إشارة إلى ترك الرياء.
(١) حديث صحيح، ورواه الطبراني في (الدعاء)) (١٤٠٨) عن علي بن عبد
العزيز، عن أبي نعيم، به.
ورواه أحمد ٤٣٤/١، ومسلم (٢٧٢١)، وابن ماجه (٣٨٣٢)، وأبو يعلى
(٥٢٨٣) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، به.
ورواه الطيالسي (٣٠٣)، وأحمد ٣٨٩/١ و٤١١ و٤١٦ و٤٢٧ و ٤٤٣،
والبخاري في ((الأدب المفرد)) (٦٧٤)، ومسلم (٢٧٢١)، والترمذي (٣٤٨٩)، وابن
حبان (٩٠٠)، والطبراني في ((الكبير)) (١٠٠٩٦)، وفي ((الدعاء)) (١٤٠٨) من طرق،
عن أبي إسحاق، به.
- ١٩٠ -
کتاب الأدب - الغنی
أن لي أُحداً ذهباً يأتي عليَّ لَيْلَةُ وعندي منه دينارٌ إلا ديناراً أرْصُدُه
لِدَيْنِ أو أقولُ به في عبادِ اللهِ هكذا وهكذا وهكذا))، ولكنَّ الغِنى
المذكورَ في هذين الحديثين - واللهُ أعلمُ - غنى النفس القاطِعِ عن المال
الذي يقطع عن طاعاتِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وَيَشْغَلُ القُلُوبَ عما سواه،
ويقطعه عنه.
٥١١٢- كما حَدَّثْنَا يونسُ، أخبرني أنسُ بن عياض، عن محمد
ابن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: عن النبيَّ ®،
قال: ((ليس الغِنَى عن كَثِرَةِ العَرَضِ، إنّما الغِنى غِنَى النّفْسِ)) (١).
فالغِنى المحمودُ في الحديثينِ الأوَّلين هو هذا الغِنى الذي تتفرغ به القلوبُ
عن الدُّنيا، وعن الاهتمامٍ لها، وتقبل معها إلى أضدادٍ ذلك مما يَحْمَدُهُ
اللهُ عَزَّ وجَلَّ من أهله، وكيف يجوزُ أن يُلَنَّ برسولِ اللهِلَ﴿ خلافُ هذا
أو يكون أحدٌ عند الله بمنزلةٍ أفضلَ من المنزلة التي هو صلَّى الله علِّيه
وسلَّم عليها مِن الأحوال التي هي أضدادُ ما ظنَّ هذا القائلُ أنه ◌َّ
أراده في الحديثين اللذينِ ذكرناهما في هذا البابِ، وبالله التوفيق.
(١) رواه أحمد ٢٤٣/٢ و٣١٥ و٣٨٩ و٤٤٣ و٥٣٩، والبخاري (٦٤٤٦)،
وفي («الأدب المفرد)) (٢٧٦)، ومسلم (١٠٥١)، والترمذي (٢٣٧٣)، وابن ماجه
(٤١٣٧)، وأبو يعلى (٦٢٥٩) و(٦٥٨٣) و(٦٥٩٩)، وابن حبان (٦٧٩)
و(٦٢١٧)، والبغوي (٤٠٤٠) من طرق، عن أبي هريرة.
- ١٩١-
كتاب الأدب - الغنی
٧٢٠ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله {﴾ فیمن نَزَلَ
به فاقة، فأنزلها بالله تعالى أو أنزلها بالنَّاس
٥١١٣- حَدَّثَنَا عليٌّ بنُ معيد، حَدَّثْنَا إسماعيلُ بنُ عمر الواسطي
[ح]، وحَدَّثَنَا فهدٌ، وإسماعيلُ بن إسحاق، قالا: حَدَّثَنَا أبو نُعيم [ح]،
وحَدَّثَنَا ابنُ أبي مريم، حَدَّثْنَا الفريابيُّ، قالوا جميعاً: حَدَّثْنَا بشير بنُ
سلمان، قال: سمعتُ سيّاراً أبا الحَكَمِ يَذْكُرُ عن طارق، عن عبدِ الله بنِ
مسعود - رضي الله عنه-، أن النبيِّ ◌َ﴿، قال: ((مَنْ نَزَلَتْ بِهِ فَاقَةٌ،
فأنْزَلَها بِالنّاسِ لم تُسَدَّ فَاقَتُه، وإِنْ أَنْزَلَها بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَوْشَكَ اللّهَ عَزَّ
وجَلَّ لهُ بالْغِنَى، إما عِنَى آجِلٍ، أو غِى عاجلٍ))(١).
(١) إسناده حسن، سيار أبو الحكم: صوابه سيار أبو حمزة، وهم فيه بشير بن
سلمان، قال أحمد في («العلل)) ١٢٥/١ و٢٣٣: إنما هو سيار أبو حمزة، وليس هو
سيار أبو الحكم، أبو الحكم لم يحدث عن طارق بشيء، وقال الدارقطني في (العلل))
١١٦/٥: قولهم: سيار أبو الحكم وهم، إنما هو سيار أبو حمزة الكوفي ... وسيار أبو
الحكم لم يسمع من طارق بن شهاب شيئاً، ولم يرو عنه.
رواه الطبراني (٩٧٨٥)، وأبو نعيم ٣١٤/٨، والبيهقي في ((الشعب)) (١٠٧٨)
و(١٣٥٠) من طريق أبي نعيم الفضل بن دكين، به.
ورواه أحمد ٤٤٢/١، والترمذي (٢٣٢٦)، والطبراني (٩٧٨٦)، والبيهقي في
(الشعب)) (١٠٨٠) من طريق سفيان الثوري، وأبو داود (١٦٤٥)، والحاكم
٤٠٨/١ من طريق عبد الله بن المبارك، وأحمد ٣٨٩/١ و٤٤٢ عن وكيع، و٤٠٧
عن أبي أحمد الزبيري، وأبو داود (١٦٤٥) من طريق عبد الله بن داود، وأبو يعلى
(٥٣١٧) من طريق إسحاق بن سليمان الرازي، و(٥٣٩٩) من طريق محمد بن بشر
العبدي، والدولابي في ((الكتى والأسماء)) ١٥٥/١ من طريق مخلد بن يزيد، والبيهقي
- ١٩٢-
کتاب الأدب - حدیث (سبعة يظلهم الله)
قال أبو جعفر - رحمه الله -: فكان في الحديثِ أن الغِنى الآجل
الذي يُغني من الدُّنيا قد جعله رسولُ اللهِ﴿ْ غِنى بمعنى غِنى المالِ،
وكان قولُه: ((أو غِنِى عاجل)، الذي لا يُلْهِي عن ذكرِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ،
وأداءٍ فرائضِهِ والقيام فيه بحقّه، ويكون مَعَ ذلك قِواماً لِلذي يُؤْتاه في
دُنياه حتى يكونَ فارغاً لِتلك الأشياء الأُخر، وبالله التوفيق.
٧٢١ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴿ في الذین
يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّه يَوْمَ لا ظِلَّ إلاَّ ظِلُّهُ عَزَّ وجَلَّ
٥١١٤- حَدَّثْنَا يونسُ، أخبرنا ابنُ وهبٍ: أن مالكاً أخبره، عن
حُبَيْبِ بنِ عبدِ الرحمن، عن حفص بنِ عاصِمٍ، عن أبي سعيد الخدري،
أو عن أبي هريرة - رضي الله عنهما-، قَالَ: قالَ رسولُ اللهَ﴿هُ: (سَبْعَةٌ
يُظِلُّهم الله في ظِلّه يومَ لا ظِلَّ إلاَّ ظِلُّه: إمامٌ عادِلٌ، وشَابٌّ نَشَأَ في
عِبَادَةِ الله تعالى، ورَجُلٌ قلبُه تعلَّق بالمسجدِ إذا خَرَجَ منه حتّى يَعُودَ
إليه، ورجلان تَحابًّا في اللهِ اجتمعا على ذلك، وتَفرَّقا عليه، ورَجُلٌ
ذَكَرَ الله خالياً، ففاضَتْ عيناه، ورَجُلٌ دعته امرأةٌ ذاتُ حَسَبٍ
وجَمالٍ، فقال: إنّي أخَافُ الله عَزَّ وجَلَّ، وَرَجُلٌ تَصدَّقَ بصدقةٍ،
فأخفاها حتّى لا تعلمَ شِمالُه ما تُنْفِقُ يمينُهُ)(١).
(١٣٥٠) من طريق شعيب بن حرب، كلهم عن بشير بن سلمان، به. وجاء في
الروايات عند أحمد ٤٤٢/١، وأبي داود والبيهقي (١٠٨٠) التصريح بأن سياراً هو
أبو حمزة. وقال الترمذي: حسن صحيح غريب. وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.
(١) إسناده صحيح، وهو في ((الموطأ)) ٩٥٢/٢-٩٥٣.
-١٩٣-
کتاب الأدب - حدیث (سبعة یظلهم الله)
فكان هذا الحديثُ في رواية مالك إِيَّه على الشَّكِّ فيمن أَعَادَه
إليه من أبي سعيدٍ، وأبي هريرة، عن رسول الله ﴿ٍ، مَنْ هو منهما؟
وطلبنا حقيقة الأمر، فوجدنا ذلك من حديث غير مالكٍ.
٥١١٥- ووجدنا فهدَ بنَ سليمانَ قد حَدَّثَنَا، قال: حَدَّثْنَا عبدُ
الله بنُ صالح، حدثني الليثُ بنُ سعدٍ: أن عبيدَ الله بنّ عمر بن حفص
بن عاصمٍ، حدَّثْه عن جدِّه أبي أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله
﴿، أنه قال: «سِتّةٌ يُظِلَّهُم الله تعالى في ظِلِّ عرشِهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلاَّ ظِلُّه:
شابٌّ نَشأ في عِبَادَةِ اللهِ تعالى، وإمامٌ مُقْسِطٌ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امرأةٌ
حَسْنَاءُ ذاتُ حَسَبٍ إلى نَفْسِها، فقال: إنّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ العالمين،
وَرَجُلٌ أخْفَى يِمِينَهُ عن شِمالِه صدقتَه، ورَجُلٌ قلبُه متعلّقُ في مساجدٍ
الله تعالى، ورجلان تواخيا في اللهِ، ثم افْتَرَقًا على ذلك)).
فوقفنا بروايةٍ عُبيدِ الله هذا الحديثَ: أن راويَه عن رسولِ الله ◌ِ *
هو أبو هريرة، لا أبو سعيد.
ثم طلبنا الحقيقة فيه: هل حَدَّث به عُبْدُ الله، عن جدِّه سماعاً أو
غير ذلك؟
٥١١٦- فوجدنا محمدَ بنَ إبراهيم بن زياد الرازيُّ قد حَدَّثْنَا،
أخبرنا عُبيد الله، وعمرو بنُ علي ونوح بن حبيب [ح]،
ورواه أبو عوانة ٤١١/٤ في الإمارة عن عيسى بن أحمد، عن ابن وهب، به.
ورواه مسلم (١٠٣١) (٩١)، والترمذي (١٣٩١)، وابن حبان (٧٣٣٨)،
والبيهقي ٨٧/١٠، وفي (الأسماء والصفات) ص ٣٧٠-٣٧١ من طرق، عن مالك، به.
- ١٩٤-
کتاب الأدب - حدیث (سبعة یظلهم الله) .
٥١١٧- ووجدنا ابنَ أبي داود قد حَدَّثَنَا، قال: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ،
قالوا: أخبرنا يحيى بنُ سعيد القطانُ، حَدَّثْنَا عُبَيْدُ الله بنُ عمر، عن
حبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصمٍ، عن أبي هُريرةً، قال:
قالَ رسولُ اللهِ ﴿ه: «سَبْعَةٌ يُظِلَّهُم اللهُ تحتَ عَرشِهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلاّ ظِلَّهُ:
الإمامُ العادِلُ، وشابٌّ نشأ في عبادة الله تعالى، ورجلان تحابًّا في اللهِ،
اجتمعا عليه وتفرَّقا عليه، ورَجُلٌ طلبَتْهُ ذاتُ حَسَبٍ وجمال، فقال:
إِنّي أخَافُ اللهَ رَبَّ العالمينَ، ورجلٌ ذَكَرَ الله خالياً، فَفَاضَتْ عيناه مِن
خشية الله، ورَجُلٌ قلبُه مُعَلَّقٌ بالمساجدِ، ورجلٌ تصدَّقَ بِصَدَقَةٍ،
فأخفى يسارَه ما أنفقت يمينُهُ))(١).
فوقفنا بذلك على أنَّ عُبيد الله لم يُحدِّثْ بهذا الحديث عن جَدِّه
حفص بن عاصم بسماعه كان إيّاه منه، وعلى أن أخذه إيّاه إنما كان
(١) رواه البخاري (١٤٢٣) عن مسدد، به.
ورواه أحمد ٤٣٩/٢، والبخاري (٦٦٠) و(٦٤٧٩)، ومسلم (١٠٣١) (٩١)،
والترمذي بعد الحديث (٢٣٩١)، وابن خزيمة (٣٥٨)، والبيهقي ١٩٠/٤ و١٦٢/٨
من طرق، عن يحيى بن سعيد القطان، به. وجاء في بعض الروايات عن يحيى: ((حتى
لا تعلم يمينه ما تنفق شماله)، وسائر الرواة قالوا فيه: ((لا تعلم شماله ما تنفق يمينه))،
وانظر ((الفتح)) ١٤٦/٢.
ورواه عبد الله بن المبارك في ((الزهد)) (١٣٤٢)، ومن طريقه البخاري (٦٨٠٦)،
والنسائي ٢٢٢/٨، وفي («الكبرى) (٥٩٢١)، وابن حبان (٤٤٨٦)، والبيهقي
٦٥/٣-٦٦، ورواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٥٤٩)، وابن عبد البر ٢٨١/٢ -
٢٨٢ من طريق حماد بن زيد، كلاهما (عبد الله وحماد) عن عبد الله بن عمر، به.
-١٩٥-
کتاب الأدب - حدیث (سبعة يظلهم الله)
من خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم.
ثم نظرنا في الأصلِ المذكورِ في هذا الحديثِ ما المرادُ به؟ فلم
يكُنْ في حديثِ مالكٍ عن خُبيبِ بنِ عبد الرحمن ما يَدُلُّ على ذلك، ما
هُوَ؟ وهو قوله: (ُظِلَّهُمُ الله في ظِلِّ عرشه)، فأخبر بذلك أن الظُّلَّ المرادَ
في هذا الحديثِ هو ظلُّ عرشِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.
وقد رُوِيَ في مثلِ هذا المعنى من الظل المذكورِ في كتابِ الله عَزَّ
وجَلَّ: ﴿وَظِلَ مَنْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠].
٥١١٨- ما قد حَدَّثْنَا إبراهيمُ بن مرزوق، حَدَّثْنَا سعيدُ بنُ عامر
الضبعي، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سَلَمَة، عن أبي هريرة
رفعه، قال: إنَّ في الجنةِ شجرةٌ يَسيرُ الراكِبُ في ظِلُّها مئةَ عامٍ، اقرؤوا
إن شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍ مَعَدُودٍ)(١).
(١) رواه أحمد ٤٣٨/٢، وهناد في (الزهد)) (١١٣)، والدارمي ٣٣٨/٢، وابن
ماجه (٤٣٣٥)، والطبري ١٨٣/٢٧ و١٨٤ من طرق، عن محمد بن عمرو بن
علقمة، به.
ورواه الحميدي (١١٣١)، وأحمد ٤١٨/٢، والبخاري (٤٨٨١)، ومسلم
(٢٨٢٦) (٧)، وابن حبان (٧٤١١)، وأبو نعيم في ((صفة الجنة)) (٤٠٣)، والبيقهي
في ((البعث) (٢٦٨) من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة.
ورواه أحمد ٤٥٢/٢، ومسلم (٢٨٢٦)، والترمذي (٢٥٢٣)، والنسائي في
((الكبرى)) (١١٥٦٤)، والطبري ١٨٣/٢٧، وأبو نعيم (٤٠١) من طريق الليث، عن
سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة.
ورواه أحمد ٤٨٢/٢، والبخاري (٣٢٥٢)، والطبري ١٨٣/٢٧، وأبو نعيم
- ١٩٦-
کتاب الأدب - حديث (سبعة يظلهم الله)
وكان هذا الظّلُّ خلافَ الظّلِّ المذكورِ في الحديثِ الأول.
ثم نظرنا في الظُّلِّ نفسِهِ، ما هُوَ؟
فوجدنا ولاداً النحويَّ قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثْنَا المصادِرِيُّ، عن أبي
عُبيدة(١)، قال في قوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَظِلْ مَمْدُودٍ﴾، قال: لا تنسخه
الشَّمْسُ دائم، يقال للدهر: ممدود، وللعيش إذا كان دائماً: ممدودٌ. قال
لبیدٌ:
غَلَبَ البَقاءَ وكنتُ غَيْرَ مُغَلِّب
دهْرٌ طَويلٌ دَائِمٌ مَمْدُوهُ(٢)
وذكر الفراءُ في كتابه في ((معاني القرآن) في ﴿ظلّ ممدود﴾، قال:
فلا شمسَ فيه، كمثل ما بَيْنَ طلوع الفجر إلى أن تَطْلَعَ الشمسُ.
(٤٠٣) من طريق فليح بن سليمان، عن هلال بن علي، عن عبد الرحمن بن أبي
عمرة، عن أبي هريرة.
(١) في ((مجاز القرآن)) ٢٥٠/٢.
(٢) البيت في ((ديوان أبيد)) ٢٧/١.
-١٩٧-
کتاب الأدب - خیر الناس
٧٢٢- بابُ بیانِ مُشْکل ما رُوي عن رسول الله ﴾ في خیر
الناس: أنه من طال عمره، وحَسُنَ عملُه
٥١١٩- حَدَّثْنَا عليٌّ بن مَعْبَد، قال: حَدَّثْنَا يزيدُ بن هارون،
قال: أخبرنا حماد بن سَلَمة، عن علي بن زَيْد، عن عبد الرحمن بن أبي
بَكْرة، عن أبيه، قال: سُئِلِ النِيُّ مَ﴿: أيُّ الناس أفضلُ؟ أو قال: خيرٌ؟
قال: (مَنْ طَالَ عُمُرُه، وحَسُنَ عَمَلُه)). قيل: فأيُّ النَّاسِ شَرٌّ؟ قال: ((مَنْ
طَالَ عُمُرُه، وسَاءَ عَمَلُهُ))(١).
٥١٢٠- حَدَّثْنَا عليٌّ، قال: حَدَّثْنَا الأسود بن عامر، قال: حَدَّثَنَا
زهير بن معاوية، عن عليٍّ بن زيد، عن عبد الرحمن بن أبي بَكْرة، عن
أبيه(٢).
وحَدَّثَنَا عليٌّ، قال: حَدَّثَنَا رَوْح بن عُبادة، قال: حَدَّثَنَا حَمَادٌ،
عن يونس، عن الحسن، عن أبي بَكْرَةَ(٢).
(١) إسناده ضعيف لضعف علي بن زيد بن جُدعان، وللحديث طريق آخر يحسنُ
به. ورواه أحمد ٤٠/٥ و ٤٧ عن یزید بن هارون، به.
ورواه أحمد ٤٣/٥-٤٤ و٤٩ و٥٠، والدارمي ٣٠٨/٢ من طرق، عن حماد بن
سلمة، به.
ورواه أحمد ٤٨/٥، والترمذي (٢٣٣٠)، والبغوي (٤٠٩٥) من طريق شعبة،
عن علي بن زيد، به. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وانظر ما بعده.
(٢) رواه أحمد ٤٨/٥، والدارمي ٣٠٨/٢ عن أبي نعيم، عن زهير بن معاوية، به.
(٣) رواه أحمد ٤٧/٥ عن روح بن عبادة، به.
ورواه أحمد ٤٤/٥ و٤٩، والطبراني في ((الصغير)) (٨١٨)، والبغوي (٤٠٩٤) من
-١٩٨-
کتاب الأدب - خیر الناس
وحَدَّثَنَا محمد بن خُزَيمة، قال: حَدَّثْنَا حجاجُ بن مِنْهال، قال:
حَدَّثَنَا حماد، عن يونسَ، عن الحسن، عن أبي بَكْرة، عن النبيِ ﴿: في
هذه الآثار كلّها مثله(١).
قال أبو جعفر: فتأمَّلْنا هذا الحديث، فوجدنا من كانت صفته
الصفةَ المذكورة فيه أنه لا يكون بذلك خيراً من الأنبياء، ولا خيراً من
أصحاب رسول الله ﴿ الذين فَضَّلَهم الله على من سواهم منهم بقوله:
﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُمْ مَنْ أنْفَقَ مِن قبل الَتْحِ وقَلَ أُولِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِن ◌َّذِين
أنْفَقُوا من بعدُ وقَلُوا﴾ [الحديد: ١٠].
فعَقَلْنا بذلك أن ما في هذا الحديث مما عَمَّ به الناس بظاهرِه، لم
يُرَدْ به ما يدلُّ عليه ظاهرُه، وإنما أُريد به: من خيرِ الناس؟ فَعَمَّ بذلك ما
المرادُ بعضُه، والعرب تفعلُ هذا كثيراً، وقد جاء كتاب الله عَزَّ وجَلَّ
بمثل ذلك، قال الله عَزَّ وجَلَّ في قصة صاحبة سليمان: ﴿وَأَوْتَتْ مِن كُلّ
شَيءٍ﴾ [النمل: ٢٣]، ولم تُؤْتَ مما أُوتِي سليمان﴿ شيئاً، وقوله عَزَّ
وجَلَّ فِي الرِّيحِ: ﴿تَدَمّرُ كلَّ شيءٍ بَأمْرِرَبِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥].
وإنما كان ذلك على خاصٌ من الأشياء، لا على كلِّ الأشياء،
طرق، عن حماد بن سلمة، به - بعضهم قرن بيونسَ حميداً، وبعضهم قرن به ثابتاً.
وأورده الهيثمي في «المجمع» ٢٠٣/١٠، ونسبه إلى الطبراني في ((الصغير))
و«الأوسط))، وقال: إسناده جيد.
(١) رواه الحاكم ٣٣٩/١ من طريق علي بن عبد العزيز، عن حجاج بن منهال، به.
-١٩٩-
کتاب الأدب - خیر الناس
فمثل ذلك قوله في هذا الحديث ما قاله هو على بعض مَنْ ذَكَرَه لا
على كلّهم، فيكون قوله: خيرُ الناس، أو أفضلُ الناس، بمعنى: من خيرٍ
الناس، أو مِن أفضلِ الناس.
وقد رُوِيَ عن رسول الله ﴿ في هذا الباب أيضاً
٥١٢١- ما قد حَدَّثْنَا عليٌّ بن مَعْبَد، قال: حَدَّثْنَا الأسود بن
عامر، قال: حَدَّثْنَا شريكٌ، عن سِماكٍ، عن عبد الله بن عَمِيرَة، عن
دُرَّةَ، قالت: كنت عند عائشة، فدَخَلَ النبيُّنَ/، فقال: «ائْتُوني
بِوَضُوءٍ). فبتدرتُ أنا الكوزَ، فتوضَّأْ، ثم رفع طرفَه أو عينه إليَّ، فقال:
((أنتِ مِنِّي، وأنا مِنْكِ). فأتى رجلٌ، فقال: ما أنا فعلتُه، ولكن قِيلَ لي.
قالت: وكان سألَه على الِنْبَرِ: مَنْ خَيرُ الناس؟ فقال: ((أَفْقَهُهُمْ في دِينِ
اللهِ عَزَّ وجَلَّ)(١).
قال أبو جعفر: ومعنى هذا عندنا -والله أعلم- كمعنى الحديث
الأول الذي ذکرناه.
(١) إسناد ضعيف، شريك سيئ الحفظ، وعبد الله بن عميرة لا يعرف، وتفرد
سماك بن حرب بالرواية عنه. ودُرَّة: هي ابنة عمِّ النبي * أبي لهبٍ.
ورواه أحمد ٤٣١/٦-٤٣٢ عن أسود بن عامر، به. وزاد في آخره: ((وأوصلهم
الرحمه))، وقال: ذكر فيه شريك شيئين آخرين لم أحفظهما.
ورواه بنحوه أحمد ٤٣٢/٦، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني)) (٣١٦٦)
و(٣١٦٧)، والطبراني ٢٤/(٦٥٧) من طرق، عن شريك، عن سماك، عن عبد الله
بن عميرة، عن زوج دُرة بنت أبي لهب، عن درة - وفيه: ((خير الناس أتقاهم
وآمرهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر، وأوصلهم للرَّحِم)).
- ٢٠٠ -