النص المفهرس

صفحات 121-140

كتاب الأدب - التحلل من المظالم
يَغِيَانِ﴾ ثم قال: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّ والَمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ١٩-٢٢] وإنما
يخرجان مِن أحدهما دون الآخر.
ومن ذلك قوله: ﴿يَامَمْسَرَ الجِنِ والأنسِ أَلْمِيَأْتِكُمْ مُسُلُ
منْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠]، والرسل فإنّما كانوا من الإنس لا مِنَ
الجن.
وَمِنْ ذلك ما يُروى عن النبي عليه السَّلامُ:
٥٠٢٣- مما قد حدثناه يونس، حَدَّثْنَا سفيانُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن
أبي إدريس، عن عُبَادَة، قال: كنا عندَ النبي عليه السَّلامُ في مجلس،
فقال: (ُبَايِعُوني على أن لا تُشْرِكُوا بِاللّهِ شَيْئاً- الآية .. -فَمَنْ أوفى
منكم، فَأَجْرُهُ على اللهِ، ومَنْ أصابَ شيئاً، فَعُوقِبَ عليهِ، فَهُوَ كَفْارَةٌ
له، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذلك شيئاً، فستره الله عليه، فأمرُهُ إلى اللهِ إن
شاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ رَحِمَهُ(١).
قال أبو جعفر: ونحن نعلمُ أن مَنْ أشرك بالله، فَعُوقِبَ على شركه
لم تكن تلكَ العقوبةُ كفارةً له، لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّاللَّه لاَ يَغْفِرُ أنْ
يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلَكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وأنه إن لم يُعاقَبْ،
وسُتِّرِ عليه، لم يكن ممن قد يجوزُ أن يَغْفِرَ الله له.
(١) إسناده صحيح، ورواه البخاري (٣٨٩٢) و(٣٩٩٩) و(٤٨٩٤)
و(٦٧٨٤) و(٦٨٠١) و(٧٢١٣) و(٧٤٦٨)، ومسلم (١٧٠٩)، والنسائي
١٤١/٧، والترمذي (١٤٣٩)، وأحمد ٣١٤/٥ من طرق عن ابن شهاب، به. وقال
الترمذي: حسن صحيح.
- ١٢١ -

کتاب الأدب ۔ الوفاء بالوعد
فكانَ قولُه عليه السَّلامُ: ((فمن أصاب مِنْ ذلك شيئا)) إنما هو
على بعضِ تلك الأشياء لا على كُلّها.
فكذلك قولُه في تحويل بعضِ حسنات الظالم إلى المظلوم، وفي
تحويلٍ بعضٍ سيئات المظلوم إلى الظالم ليس ذلك في الظّلْمٍ في الأعراض،
وإنما هو في الظلم في الأموال لا الظلم في الأعراض، والله نسألُه التوفيقَ.
٧٠٥ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عنه عليه السَّلامُ في تأخّر
جبريل عليه السَّلامُ عنه في الوقت الذي كان وَعَدَهُ أن یأتیه
فيه في منزله بسبب الجُرْوِ الذي كان في بيته، ولم يَعْلَمُ بهِ
٥٠٢٥- حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ محمد الصيرفيُّ البصريُّ أبو بكر،
حَدَّثْنَا أبو الوليد الطيالسيُّ، حَدَّثْنَا سليمانُ بنُ كثير، عن الزهريِّ، عن
عُبيد بنِ السَّبَّاق، عن ابنِ عباس، عن ميمونة، قالت: خرج علينا رسولُ
اللّه ◌َ﴿ فاتراً، فقلتُ: يا رسولَ الله ما لي أراك فاتراً، فقال: ((إِنَّ جبريلَ
وعدني، فما أخلفني قط) فَظَلَّ يومَه وليلته وفي البيت حَرْوُ كلب تحت
سريرٍ لهم، فأخرجه، ثم أخذ ماءً بيده، فنضحَ مكانه، فأتاه جبريل عليه
السَّلامُ، فقال: ((ما منعك؟) فقال: إنَّا لا نَدْخل بيتاً فيه كَلْبٌ ولا
صورةٌ، فأمرَ بقتلِ الكلابِ، فإنْ كان لَيُّكَلَّمُ في الكلبِ الصغيرِ، فما
يَأْذَنُ فيه(١).
(١) حديث صحيح، وسليمان بن كثير توبع.
ورواه الطبراني في ((الكبير)) ١٠٤٨١/٢٣) و٢٤/(٣٢) عن العباس بن الفضل
الأسفاطي حَدَّثْنَا أبو الوليد الطيالسي، به.
- ١٢٢-

کتاب الأدب - الوفاء بالوعد
٥٠٢٦- حَدَّثَنَا نصرُ بنُ مرزوقٍ، حَدَّثَنَا الْخَصِيبُ بنُ ناصحٍ،
حَدَّثَنَا وُهِيْبُ بنُ خالدٍ، عن أبي حازمٍ، عن أبي سَلَمَة، عن عائشةَ أن
جبريلَ احتبس عن النبيِّ ◌َ﴿، ثم أتاه، فقال له: ((ما حَبَسَكَ؟) قال: حَرْوٌ
في بيتك، فنظروا، فإذا جَرْوٌ تَحْتَ السريرِ، فأمر به النبيُّ عليه السَّلامُ
فَأُخْرِجَ(١).
٥٠٢٧- حَدَّثَنَا فهدٌ، حَدَّثَنَا عليُّ بنُ معبدٍ، حَدَّثَنَا إسماعيلُ بنُ
جعفر، عن محمد بن عمروٍ، عن أبي سلمة، عن عائشةً زوج النبيِّ ◌َّ
أن جبريلَ وَعَدَ البِيَّ نَ﴿ٌ في ساعةٍ يأتيه فيها، فذهبتِ السَّاعة ولم يأته،
فخرج النبيُّ :﴿، فإذا جبريلُ على الباب، فقال: ((ما يَمْنَعُكَ أن تدخُلَ
البيت؟)) قال: إن في البيت كلباً، وإنّا لا نَدْخُلُ بيتاً فيه كلب، ولا
صورةٌ، فأمر رسولُ اللهِ﴿ بالكلب، فَأُخْرِجَ، ثم أمر الكلابَ أن تُقْتَلَ.
٥٠٢٨ - حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمد بنِ سعيد بن أبي مريم، حَدَّثْنَا
نُعَيْمُ بنُ حمادٍ، حَدَّثْنَا عبد العزيز بنُ أبي حازم، عن أبيه، عن أبي
سَلَمَة، عن عائشة قالت: وَعَدَ جبريلُ النبيَّ عليهما السَّلامُ في ساعةٍ يأتيه
فيها، فجاءت الساعةُ ولم يأته، وفي يده عُصيةٌ، فألقاها مِن يده، وقال:
((ما يُخْلِفُ الله وعدَه ولا رُسُلُه) ثم التفت البِيَُّ﴿ٌ، فإذا جَرْوُ كلبٍ
تَحْتَ السرير، فقال رسولُ اللهِلَ﴾: «مِنْ أَيْنَ هذا الكلبُ؟)) قالت: والله
وصححه ابن حبان (٥٨٥٦) من طريق ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، به.
(١) حديث صحيح، رواه مسلم (٢١٠٤) عن ابن راهويه، عن المخزومي - هو
المغيرة بن سلمة- عن وهيب بن خالد، به. وانظر ما بعده.
- ١٢٣-

کتاب الأدب - الوفاء بالوعد
ما دَرَيْتُ به، فأمر به، فأخْرِجَ، وجاءه جبريل، فقال النبيُّ ◌ُّ: ((وعدتني
في ساعة، وجلستُ لك، فلم تأتني))، فقال: ((منعني الكلبُ الذي كان
في بيتك، إنّا لا نَدْخُلُ بيتاً فيه كَلْبٌ ولا صُورة)).
٥٠٢٩- حَدَّثَنَا ابنُ أبي داود، حَدَّثْنَا أبو ثابت محمدُ بنُ عُبيد الله
المدينيُّ، حَدَّثْنَا عبدُ العزيز بنُ محمد، عن ابنِ أبي ذئبٍ، عن الحارث بنٍ
عبد الرحمن، عن كُريب، عن أسامة بن زيدٍ قال: دخلتُ على رسول
الله عليه السَّلامُ وعليه الكآبةُ، فسألته عن ذلك، فقال: ((وَعَدَني جِبْرِيلُ
يأتيني، وكان إذا وَعَدَنِي، لم يُخْلِفْني .. )) وذكره.
ففيما روينا أن جبريلَ وعد رسولَ الله عليهما السَّلامُ أن يأتيه إلى
منزله في ساعةٍ بعينها بلا استثناء كان في وعده إياه بذلك، ثم تأخّر عن
إتيانه إِيَّه فيها إلى منزله، إذ كان فيه ما يَمْنَعُ من دخوله إياه وهو
الكلبُ الذي كان فيه، لأن في الشريعة أنه لا يدخل بيتاً فيه كَلْبٌ ولا
صُورة، وكان ذلك بالشريعة مستثنىً من وعده، وإن لم يكن استثناؤه
منه بلسانه.
فمثلُ ذلك الرجلُ يَعِدُ الرجلَ بالجلوسِ عنده في منزله لما يسأله
الجلوس عنده فيه في وقتٍ یذ کره، فيكونُ في منزله في ذلك الوقت ما
تمنعه الشريعةُ من دخول ذلك المنزل، وهو فيه من خمر يُشْرَبُ فيه، أو
مما سواها من المعاصي التي تمنعه الشريعةُ من حضورها، فيتخلف مِن
دخولٍ منزله لذلك، فلا يدخلُ بتخلفه ذلك في حكم مَنْ وَعَدَ وعداً
فأخلفه.
ومثل ذلك ايضاً أن يَعِدَ زوجتَه بوطئه إيَّها في وقت يذكره لها،
- ١٢٤-

كتاب الأدب - الوفاء بالوعد
فيدركها الحيضُ في وقتها ذلك، فلا يكونُ بتركه وطأها في حكم مَنْ
وَعَدَ وعداً ثم أخلفه.
ومثل ذلك الرجل يجعل على نفسه صومَ غدٍ الليلة التي يَقْدَمُ فيها
فلان، فَيَقْدَمُ فلان في ليلة يكون غدُها الْنّحْرَ، فيترك صومه لحرمة
صومه، فليس بتركه ذلك مذموماً، بل هو محمودٌ فيه، وغيرُ داخل في
من وعد وعداً فأخلفه، إذا كان الذي منعه من الوفاء لما قال الشريعة.
ومثلُ ذلك الرجل يَعِدُ الرجلَ أن يجلِسَ له في مكانه منتظراً له
حتى يأتيه، فتحضر الصلاةُ، فيقوم لها، ويدع انتظارَه، فليس هو بذلك
مُخْلِفَ وعده إذ كان قيامهُ إليها قياماً إلى ما دعاه الله إليه قبلَ وعده
الرجل الذي وعده بانتظاره إيَّاه في مكانه ذلك، وكان ذلك مستثنى
بالشريعة، وإن لم يستثنه مَنْ وَعَدَهُ بلسانه.
وقد رُوِيَ عن إبراهيم النخعي مثلُ ذلك أيضاً.
كما حَدَّثَنَا بكارٌ، حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ أبي الوزير، حَدَّتْنَا إسماعيل
بنُ زكريا الخُلْقاني، عن الحسن بن عُبيد الله قال: قلتُ لإِبراهيم
النخعيّ: الرجل أعِدُه أن أنتظره، فيُبطئ عليَّ، إلى متى أنتظره؟ فقال:
إلى أن يحضر وقتُ صلاة.
فكان ما روينا عن إبراهيم موافقاً لما ذكرنا، والله نسأله التوفيق.
- ١٢٥ -

كتاب الأدب - فتنة المال
٧٠٦- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوي عن رسول الله څ﴾ من قوله:
((إن هذا المالَ حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ)
٥٠٣٠- حَدَّثَنَا الربيعُ بنُ سليمان الجيزِيُّ، قال: حَدَّثَنَا يعقوبُ
بنُ إسحاقَ بنِ أبي عباد، قال: حَدَّثْنَا مُسْلِمُ بنُ خالدٍ، عن إسماعيل بنِ
أمية، عن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُرِيِّ، عن خولةَ، قال: جِئْنَاهَا لِنسألها
عن حديثٍ سمعته مِن رسولِ اللهِ﴿، وكانت تحتَ حمزةً بنِ عبدِ
المطلب رضي الله عنه فخلف عليها بَعْدَهُ رجلٌ من بني زريق، فجاء
زَوْجُها، ونحنُ عندها، فقال: ما جَاءَ بِكُمْ؟ قلنا: جئناها لنسألها عن
حديثٍ سَمِعَتْهُ من رسولِ اللهِ وَ﴿، فقال لها: انْظُرِي ما تُحدِّثين عن
رسول الله ﴿، فإنَّ كَذِباً على رسول الله ﴿ لَيْسَ كالكَذِب، قالت:
أَشهَدُ أَنّي سمعتُ رسولَ الله ◌َ﴿، وقد دَخَلَ على عَمِّه يَعودُه، يقول:
(إِنَّ هذا المالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ بُورِكَ له فِهِ، وَرُبَّ
متخوّض فيما اشْتَهَتْ نَفْسُه مِن مَالِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ ورسولِه، له النّارُ
يَوْمَ القِيامَةِ))(١).
فتأملنا هذا الحديثَ، فوجدناه مِنْ حديث إسماعيلَ بنِ أُمَيَّة، عن
المَقْبُرِيِّ بتحقيقِ أخذه إيَّه عن خولةَ سماعاً له منها، ووجدنا الذي
حَدَّثَ به عنه مسلمُ بنُ خالدٍ.
ثم وجدنا داودَ بنَ عبد الرحمن العطار قد خالف مسلماً في إسنادٍ
هذا الحديثِ، فذكر أنه عن إسماعيلَ، عن سعيدٍ، عن أبي هُريرة، لا عن
حَوْلَةَ:
(١) إسناده ضعيف، مسلم بن خالد ضعيف. وسيأتي من طرق أخرى قوية.
-١٢٦-

کتاب الأدب - فتنة المال
٥٠٣١- كما قد حَدَّثْنَا الربيعُ المراديُّ، قال: حَدَّثَنَا أَسَدٌ، قال:
حَدَّثَنَا داودُ بن عبد الرحمن العطار، عن إسماعيل، عن سعيدٍ، عن أبي
هُريرة أن النبيَّ ◌َ﴿ قال: ((إِنَّ هذا المالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بحقّه
بُورِكَ له فيه، ورُبَّ مُتَخوِّضٍ في مالِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ورسولِهِ﴾، فيما
اشتهت نَفْسُهُ، له النارُ يَوْمَ الْقِيامَةِ)(١).
٥٠٣١م- وكما حَدَّثْنَا عبيد بنُ رِجال، قال: حَدَّثْنَا إبراهيمُ بن
محمد الشافعي، قال: حَدَّثْنَا داودُ العطار، ثم ذكر بإسنادِه مثله.
وتأملنا روايةً مسلم لهذا الحديث عن إسماعيلَ بنِ أمية، عن سعيدٍ
المقبري، عن خولة: هل هو في الحقيقة كما رواه عنها
٥٠٣٢- فوجدنا الربيعَ بنَ سليمان المراديَّ ومحمدَ بن عبد الله
بن [عبد] الحكم، قد حدثانا، قال الربيعُ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بنُ الليثِ،
قال: أخبرنا الليثُ، وقال محمد: أخبرنا أبي وشعيبُ بنُ الليث، قالا:
حَدَّثَنَا الليثُ، ثم اجتمعا، فقالا: عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن
عُبيد أبي الوليد، قال: سمعتُ خولةَ ابنةَ قيسِ بنِ قهد، وكانت تَحْتَ
حمزة بن عبد المطلب، تقول: سمعتُ رسولَ اللهِ وَ﴿، يقول: ((إِنَّ هذا
المَالَ حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، مَنْ أصابَه بحقّهُ بُورِكَ له فيه، ورُبَّ مُتخوض فيما
شَاءَتْ نفسُهُ مِن مالِ الله عَزَّ وجَلَّ ورسولِهِ، لَيْسَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ إلا
النَّارُ(٢).
(١) رواه أبو يعلى (٦٦٠٦) عن عبد الأعلى، عن داود العطار، به.
(٢) رواه أحمد ٣٧٨/٦ عن هاشم، والترمذي (٢٣٧٤) عن قتيبة، والطبراني
-١٢٧-

کتاب الأدب - فتنة المال
فوقفنا بذلك على أن سعيداً المقبريَّ لم يسمع هذا الحديثُ مِن
خولة، وأنه إنما سَمِعَهُ مِن عُبَيْد أبي الوليد عنها، وعُبيد هذا هو الذي
يُقُالُ لَهُ: سَنُوطا، قد ذكر ذلك يحيى بنُ سعيد الأنصاري:
٥٠٣٣- كما قد حَدَّثْنَا الربيعُ المراديُّ، قال: حَدَّثَنَا أَسَدٌ، قال:
حَدَّثَنَا حمادُ بنُ سلمة، عن يحيى بن سعيد، عن عُمَرَ بنِ كثير بن أفلح،
عن عُبَيْدٍ سَنُوطا، عن خولة ابنة قيس، عن النبي ﴿*، ثم ذكر هذا
الحديث(١).
٥٠٣٤- وكما حَدَّثَنَا المطلبُ بنُ شعيب بن حيان الأزديُّ، قال:
حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ صالح، قال: حدثني الليثُ، قال: حدثني يحيى بنُ
سعيد، عن عُمَرَ بنِ كثير بن أفلح، عن عُبيدٍ سَنُوطا، عن خولة ابنة
قيس، عن رسول الله ﴿ مثلَه.
٢٤/(٥٧٨) من طريق عبد الله بن صالح، ثلاثتهم عن الليث، به.
(١) رواه عبد بن حميد (١٥٨٨) عن محمد بن الفضل، والطبراني ٢٤/(٥٨٤)
من طريق هدبة بن خالد، و٢٤/(٥٨٧) من طريق مؤمل بن إسماعيل، ثلاثتهم عن
حماد بن سلمة، به.
ورواه الحميدي (٣٥٣)، وأحمد ٣٦٤/٦، والطبراني ٥٨٠١/٢٤) و(٥٨١)
و(٥٨٢) و(٥٨٥) و(٥٨٦)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء)) ٣١١/٧ من طرق، عن
يحيى بن سعيد، به. واللفظ عند الطبراني: ((إن الدنيا حلوة خضرة ... ).
ورواه الطبراني ٢٤/(٥٧٧) و(٥٧٩)، وأبو نعيم في (الحلية) ٦٤/٢، من طريق
سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن عبيد سنوطا، عن خولة بنت قيس. ولفظ الطبراني:
((الدنيا حلوة خضرة ... ).
-١٢٨-

کتاب الأدب - فتنة المال
ثم تأمَّلنا ما في هذا الحديث من ذكر خولةً، هل هو على ما في
هذا الحديثِ أم لا؟
٥٠٣٥- فوجدنا يونسَ بنَ عبد الأعلى قد حَدَّثَنَا، قال: حَدَّثَنَا
عبدُ الله بنُ وهبٍ، قال: سمعتُ حيوة بنَ شريح، قال: أخبرني أبو
الأسود: أنَّه سَمِعَ النعمان بن أبي عَيَّاش الأنصاري يقولُ: إنّه سَمِعَ
خَوْلَةَ ابنةَ تَامِر تقولُ: سمعتُ رسولَ اللهِلَ﴿، يقولُ: ((إِنَّ هذا المالَ
خَضِرَةٌ حُلوة، وكم من مُتَخوضٍ في مالِ الله عَزَّ وَجَلَّ ورسوله ﴾
بغيرِ الحق، لَهُ يومَ القِيامَةِ النَّارُ)(١).
٥٠٣٦- ووجدنا الربيعَ بنَ سليمان الجيزيَّ قد حَدَّثْنَا، قال:
حَدَّثْنَا أبو زُرْعَةَ، قال: أخبرنا حَيْوَةُ، ثم ذكر بإسنادِهِ مثلَه.
فكان في هذا الحديث نسبة خولة إلى ثامر، فاحتملَ أن يكونَ
قيسُ بنُ قهد الذي نُسب إليه فيما روينا قبلَ هذا، كان يُلقب بثامر،
فروى بعضُهم حديثها بحقيقة اسمٍ أبيها، ورواه بعضهم باللقبِ الذي
کان یُلَقِّبُ به.
ثم تأملنا قولَه ﴿: (إِنَّ هذا المالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فذكر المالَ وهو
مُذَكِّرٌ بمثل ما يُذكر به المؤنثُ، فقال: ((خَضِرَةٌ حُلوة))، ولم يقل: خَضِراً
(١) إسناده صحيح، ورواه عبد بن حميد (١٥٨٧)، وأحمد ٤١٠/٦، والبخاري
(٣١١٨) من طريق سعيد بن أبي أيوب، عن أبي الأسود، به. بلفظ: ((إن الدنيا
حلوة خضرة، وإن رجالاً يتخوضون في مال الله عَزَّ وجَلَّ بغير حق، لهم النار يوم
القيامة))، أما لفظ البخاري فهو مختصر ولفظه: ((إن رجالاً يتخوضون في مال الله
بغير حق، فلهم النار يوم القيامة)).
-١٢٩-

كتاب الأدب - فتنة المال
حُلوّاً، فكان ذلك عندنا -والله أعلم - على ردِّه المال إلى الدُّنيا(١)، إذ
كان المالُ لا يكون إلا فيها، وَوَكَّدَ ذلك بما تؤكّدُ العربُ الأشياءَ التي
تُؤكِّدها، فإنها كانت إذا أرادت ذلك استعمَلَتْ فيه مثل هذا في الخير
والشرِّ جميعاً، فتقول في الخير: فلان علاّمةٌ، وفلان نسَّابة، وتقول في
الشر: فلان هُمَزَةٌ، فلان لُمَزَةٌ، في أشياء من هذا النوع فيما ذكرناه
منها كفاية، والله نسأله التوفيق.
وقد رُوِيَ هذا الحديث عن معاوية بن أبي سفيان، عن رسولِ الله
أيضاً
٥٠٣٧- كما حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حَدَّثَنَا وهبُ بنُ
جريرٍ، قال: حَدَّثْنَا شُعبةٌ، عن منصورِ، عن إبراهيمَ، عن معبدٍ الْجُهِيِّ،
عن مُعاوية: أنه كان لا يَكَادُ يُحّدِّثُ عن رسول اللهِلَ﴿ٌ بشيءٍ، وكان
لا يَدَعُ هؤلاء الكَلِمَاتِ كُلَّ يَوْمٍ جُمُعَةٍ يُحَدِّثُ عن النِيِّ ◌ِ﴿، أنه قال:
((مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْراً يُفَقَّهُهُ فِي الدِّينِ، وإن هذا المالَ حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ،
فمن أخذه بحقّه بَارَكَ الله فيها، وإِيَّاكُم والتمادحِ فإنه الذُّبْحُ)(٢).
(١) وقد جاء مصرحاً به في رواية أحمد وأبي نعيم في (الحلية) ٣١١/٧، وقال في
(الفتح)) ٢١٩/٦: أُنْثَ على تأويل الغنيمة بدليل قوله: (من مال الله).
(٢) حديث صحيح، وهذا إسناد حسن. وانظر البخاري (٧١).
- ١٣٠ -

کتاب الأدب - کراھیة ذهب المعادن
٧٠٧- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴾ في كراهية
ذهبِ المعادن، وإخباره أنّه لا خیر فیه
٥٠٣٨- حَدَّثْنَا ابنُ خزيمة وفهدُ بن سليمان، قالا: حَدَّثْنَا
القعبيُّ، قال: حَدَّثَنَا الدَّرَاوَرْدِيُّ، عن عمرو بنِ أبي عمرو، عن عكرمة،
عن ابنِ عباس: أن رجلاً لَزِمَ غريماً له بعشرةٍ دنانيرَ، فقال: واللهِ ما
عندي شيءٌ أقضيكه اليومَ، فقال: واللهِ لا أُفارِقُك حتى تُعطيني، أو
تأتيني بجميلٍ يتحمَّلُ عنك، قال: والله ما عندي قضاءٌ، وما أجدُ أحداً
يتحمَّلُ عني، قال: فجرَّه إلى رسول الله ﴿، فقال: يا رسولَ الله، إن
هذا الزمني، واستنظرته شهراً واحداً فأبى حتى أقضيه، أو آتيَه بحميلٍ،
فقلتُ: والله ما عندي حميلٌ، ولا أجدُ قضاءً اليوم، فقال رسولُ الله ◌ِصل:
((هل تستنظِرُه إلا شهراً واحداً؟)) قال: لا، قال: ((فإِنا أَحْمِلُ بِهَا عنه)،
فحَمَلَ بها رسولُ اللهِلَ﴾َ، فذهبَ الرجلُ، فأتاه بقَدْرِ ما وَعَدَهُ، فقال
رسولُ اللَّهِ: ((مِنْ أَيْنَ أَصَبْتَ هذه الذهبَ؟)) قال: مِنْ مَعْدِن، قال:
((لا حاجةَ لنا بها، ليس فيها خيرٌ))، فقضاها رسولُ اللهِلُ﴿ عنه(١).
قال أبو جعفر: ففي هذا الحديث مِن قولِ رسولِ الله {18 في
الذهب الذي جاءَهُ به ذلك الرجلُ لما أخبره أنه أخذه مِن بعض المعادن
(١) رواه عبد بن حميد (٥٩٦)، وأبو داود (٣٣٢٨)، والطبراني (١١٥٤٧)،
والحاكم ١٠/٢-١١ و٢٩ -٣٠، والبيهقي ٧٤/٦ من طرق، عن عبد الله بن مسلمة
القعني، به. ورواه ابن ماجه (٢٤٠٦) من طريق محمد بن الصباح، والبيهقي ٧٤/٦
من طريق إبراهيم بن حمزة، كلاهما عن عبد العزيز بن محمد الدراوري، به.
- ١٣١ -

کتاب الأدب - کراھیة ذهب المعادن
((أنه لا خيرَ فيه). فقال قائل: وهل جميعُ الذهب الذي في أيدي الناس
يصرفونه في زَكَواتِهم، وفي مهورِ نسائهم، وفي أثمانٍ بِياعاتهم إلا من
المعادن التي يُوجَدُ فيها، ودفع بذلك هذا الحديثَ أن يكونَ مقبولاً عن
رسول الله﴿، وقال: قد رُوِيَ عن رسول الله ﴿ فيما أخَذَ مِن المعَادِن
ما فيه خلافُ ما في هذا الحديث:
٥٠٣٩- فذكر ما قد حَدَّثْنَا عليُّ بن شيبة، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ
هارون، قال: أخبرنا محمدُ بنُ إسحاق، عن عاصم بنِ عُمَر بن قتادة،
عن محمود بن لبيدٍ، عن جابر بنِ عبد الله، قال: جاء رجل إلى رسول
الله ◌َ﴿ بيضة من ذهب أصابها في بعض المعادن، فقال: خُذْهَا يا
رسولَ الله، فواللهِ ما أصبحتُ أمْلِكُ غيرها، فأعرضَ عنه، ثم أتها عن
شِمالِه، فقال مثلَ ذلك فأعرض عنه، ثم أتاه مِنْ بين يَدَيْه، فقال مثلَ
ذلك، فقال: ((هاتِها) مغضباً فأخذها، فحذفه بها حَذْفَةٌ لو أصابَهُ لَشَجَّه
أو عَقَرَهُ، ثم قال: ((يَأْتِي أحَدُكُم بماله كُلّهِ، فيتصدقُ به، ثم يجلسُ
يتكفّفُ الناسَ، إِنَّه لا صَدَقَة إلا عن ظَهْرِ غِنِىَ)(١).
(١) محمد بن إسحاق مدلس، وقد عنعن.
ورواه ابن خزيمة (٢٤٤١) عن محمد بن رافع، عن يزيد بن هارون، به.
ورواه عبد بن حميد (١١٢٠) و(١١٢١)، والدارمي (١٦٥٩)، وأبو داود
(١٦٧٣) و(١٦٧٤)، وأبو يعلى (٢٠٨٤)، وابن خزيمة (٢٤٤١)، وابن حبان
(٣٣٧٢)، والحاكم ٤١٣/١، والبيهقي ١٨١/٤ من طرق، عن محمد بن إسحاق،
به. وقع في رواية يعلى بن عبيد ويزيد بن زريع، عن ابن إسحاق: ((أصابها في بعض
المغازي))، وفي رواية يعلى بن عبيد، عنه، عند البيهقي على الشك: ((في بعض المغازي
أو المعادن)، وفي رواية الباقين عنه: ((في بعض المعادن))، قال الدارمي: وهو الصواب.
- ١٣٢ -

کتاب الأدب - کراهیة ذهب المعادن
٥٠٤٠- وما قد حَدَّثْنَا فهدٌ، قال: حَدَّثْنَا يوسفُ بنُّ بُهلول،
قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ إدريس، قال: حَدَّثْنَا محمدُ بنُ إسحاق، عن
عاصمٍ بِنِ عُمَرَ بنِ قتادة، عن محمود بن لبيد، عن ابنِ عباسٍ، قال:
حدثني سلمانُ الفارسيُّ حديثَه مِنْ فيه، فذكر حديثَه بطولِه، وقال فيه:
فقال لي رسولُ الله ﴿: ((كَاتِب). فسألتُ صاحبي ذلك، فلم أزَلْ بنه
حتَّى كاتبني على أن أُحيي له ثلاثَ مئة نخلةٍ، وبأربعين أوقيةٌ مِن وَرِقٍ،
ء
فقال رسولُ اللَّهَّ: ((أَعِينُوا أخاكُم بالنّخْلِ)). فأعانني كُلُّ رجلٍ يَقْدِرُ
بالثلاثين، والعشرين، والخمس عشرة، والعشر، ثم قال لي: (يا سلمان،
اذهب فَفَقِّرْ لها، فإذا أردتَ أن تضعها، فلا تضعها حتى تأتي،
فَتُؤْذِنِنِي، فَأَكونَ أنا الذي أَضَعُها بِيَدِي)). فقمتُ في تفقيري، وأعانني
أصحابي حتى فَقِّرْنا شَربها ثلاث مئة ودِيَّة، وجاء كُلُّ رجل بما أعانني
به من النخل، ثم جاء رسول الله ﴿ّ، فَجَعَلَ يَضَعُها بيده، وجعل
يُسَوِّي عليها ترابَها وينزل حتّى فرغ منها جميعاً، فلا والذي نفسي بيده
ما نَفَقَتْ منها واحدة، وبقيت الدراهمُ، فبينا رسولُ اللهِمُ﴿مِّ ذاتَ يومٍ
في أصحابه إذا أتاه رجلٌ من أصحابه بمثل البيضةِ مِن ذهب أصابَها من
بعض المعادن، فتصدَّق بها، فقال رسول الله :﴿: «ما فَعَلَ الفارِسيُّ
المسكينُ المكاتبُ؟ ادعوه لي))، فَدُعِيتُ له فجئتُ، فقال: ((إِذْهَبْ،
فأدِّها عنك مما عليكَ من المال). قلت: وأين تقعُ هذه مما عليَّ يا
رسولَ الله؟ فقال: (إن الله سيؤدي بها عنك)(١).
(١) إسناده حسن، محمد بن إسحاق حسن الحديث، وقد صرح بالتحديث في
-١٣٣-

کتاب الأدب - کراھیة ذهب المعادن
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيقِ الله عَزَّ وجَلَّ وعوِه: أن الأمرَ في
ذلك لا نعلمُه كما حكي، إذ كان قد يحتمِلُ أن يكونَ رسولُ الله ◌َّ
إنما قال في ذلك الحديثِ ما قاله فيه قبل أن تُحِلَّ المعادِنُ للناسِ، لأنَّها
عندَ قومٍ من أهل العلمٍ مِن الغنائم، والخمسُ واجبٌ فيها لوجوبه في
الغنائم، ومِمن كان يقولُ ذلك في المعادِنِ أبو حنيفة وأصحابُه، وقد
كانت الغنائمُ محرمةٌ على من قَبْلَ هذه الأُمَّةِ من الأمم، وعلى هذه الأُمة
في مُدَّةٍ مِن الإِسْلامِ حتّى أحلَّها الله عَزَّ وجَلَّ لهم رحمةً منه إِيَّاهم،
وتخفيفاً منه عليهم، فكانت قبلَ إحلالِ الله عَزَّ وجَلَّ إِيَّها لهم لا خَيْرَ
لهم في الموجود فيها، وهي عندَ قومٍ آخرين مِن أهل العلمٍ مِن أموالِ
الصَّدقات، وهُمْ أهلُ الحجاز، فاحتمل أن يكون ذلك قبلَ فرضِ اللهِ عَزَّ
وجَلَّ الزكاةَ على عباده في أموالهم، فلم يَكُنْ ما وجد مما إذا أخذوه مِنَ
المعادِن كان مالاً لهم [فيه] خيرٌ لذلك، ثم فرض اللهُ عَزَّ وجَلَّ فيها
الزكاة، فعادت إلى خلافِ ما كانت عليه قَبْلَ ذلك، وصَارَتْ مما فيه
الخيرُ والقُربة إلى اللهِ عَّ وجَلَّ، وأدى المفروضَ في ذلك إليه، فكان ما
ذكرنا مما قد دَلَّ على أن ذلك إنما كان على ما ذكر في ذلك الحديثِ
(السيرة))، وعند أحمد وأبي نعيم والبيهقي.
ورواه ابن سعد في ((الطبقات)) ٧٥/٤ - ٨٠ عن يوسف بن بهلول، به.
وهو في ((السيرة)) لابن إسحاق ٢٢٨/١-٢٣٥، ومن طريق ابن إسحاق رواه
أحمد ٤٤١/٥ -٤٤٤، والطبراني (٦٠٦٥)، وأبو نعيم في ((دلائل النبوة)) (١٩٩)،
والبيهقي في ((دلائل النبوة)) ٩٢/٢-٩٧. ووقع عند أحمد والطبراني: ((أصابها من
بعض المغازي))، بدل: ((المعادن)).
- ١٣٤ -

كتاب الأدب - كراهية ذهب المعادن
في حال الحُكْم كان فيها في الموجودِ في المعادِن خلافَ الحُكم في
الموجود فيها مِنْ بعدِ ذلك، وقد يحتملُ أيضاً وجهٌ آخر، وهو أن رسولَ
الله ◌َ﴿ لما كان قد تَحَمَّلَ عن ذلك الرجلِ بالدَّيْنِ الذي كان عليه، صارَ
ذلك الدينُ على رسولِ اللهِمَ﴿®، وكان عليه قضاؤه لمن هو له، وإنما
كان ذلك الدينُ عشرةَ دنانير مضروبة، فلما جاءه ذلك الرجلُ المتحمل
عنه بما جاءه به مما وجده في المَعْدِنِ الذي وجده، وليس بدنانير
مضروبة، إنما هو ذهبٌ غيرُ مضروبٍ، وذلك عندَ الناسِ دونَ الدنانير
المضروبة مِن مِثْلِهِ، وكان أداءُ ذلك قضاءً عن ما قد كان، صار على
رسول الله ﴿ بتحمُّلِهِ إِيَّه عما قد كان عليه، وقد كان مِن شريعة
رسولِ الله ﴿ أن خيارَ الناسِ أحسنُهم قضاءً، وكان هو أولى الناسِ
بذلك، فكان أن دَفَعَ إلى الرجلِ الذي يحمل له ذلك الذهب قضاء عن
الدنانير الذي يحمل له بها المضروبة لم يحسن قضاءه، وهو # أبعدُ
الناسِ من ذلك، فكره أخذها لِذلك، وأدَّى إلى الذي تَحَمَّلَ له بها مِن
ماله دنانير لا نقصَ عليه فيها، ولا كراهةً عنده في أخذه إيّاها، وهذا
تأويلٌ حَسَنٌ، وكان ما قد ذكرنا في هذا الباب مما حملنا ما رويناه فيه
على ما حملناه عليه، ومن صرفنا إيَّاه إلى ما صرفناه إليه ما قد انتفى عن
رسولِ الله # أن يكونَ في شيءٍ مما قد رويناه عنه في تضادٌّ أو
اختلافٌ، والله نسأله التوفيق.
- ١٣٥ -

کتاب الأدب - النهي عن المنكر
٧٠٨ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله﴾ فيما ينبغِي
أن يَفْعَلَ بِمَنْ رأى منه مُنْكَراً وبقولِهِ في ذلك: ((ولتأْطُرُنَّهُ على
الحقِّ أطْراً).
٥٠٤١- حَدَّثْنَا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ يحيى بنِ جنادٍ البغداديُّ،
قال: حَدَّثَنَا عمرو بنُ عونِ الواسطيُّ، قال: حَدَّثَنَا خالدُ بنُ عبدِ الله
الواسطيُّ، عن العلاءِ بنِ المسبّبِ، عن عمرو بنِ مرَّةً، عن أبي عُبيدةَ،
عن أبي موسى، قال: قال رسولُ الله ◌ِ﴿٣: ((كانَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنْ
بَنِي إسرائِيلَ إذا عَمِلَ العاملُ منهم بالخطيئَةِ نهاهُم الناهِي تعزيراً،
فإِذا كانَ من الغَدِ، جالَسَهُ، وَآكَلَهُ وشَارَبَهُ كأنّه لم يَرَهُ على خطيئةٍ
بالأمسِ، فلما رأى الله عَزَّ وجَلَّ ذلك منهم، ضَرَبَ قلوبَ بعضِهم
على بعضٍ، ثم لَعَنَهم على لسانِ نبِّهم داودَ وعيسى ابنِ مريمَ صلَّى
الله عليهما، ذلكَ بِما عَصَوْا وكانوا يَعْتَدُون، والذِي نَفْسُ محمدٍ﴾
يدِهِ لَتَأُمُرَنَّ بالمعروفِ وَلَتَنْهَونَ عن المنكرِ، ولتَأْخُذُنَّ على يَدَي
السَّفيهِ، ولَأُطُرُّنَّهُ على الحقِّ أَطْراً، أو لَيَضْرِبَنَّ الله قلوبَ بعضِكُم
على بعضٍ، ويَلْعَنَكُمْ كما لَعَنَهُمْ)(١).
(١) ضعيف، كما قال الدارقطني في ((العلل)) ٢٨٧/٥-٢٨٨، الرواية الآتية عن
علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه،
فالإسناد ضعيف. وانظر ((العلل)) ١٠٣/٢ لابن أبي حاتم.
وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ٢٦٩/٧ وقال: رواه الطبراني، ورجاله رجال
- ١٣٦ -

کتاب الأدب ۔ النھي عن المنكر
٥٠٤٢ - حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ سِنان، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بنُ مَعْبَدٍ، قال:
حَدَّثْنَا موسَى بِنُ أعْيَنَ، عن عليٍّ بنِ بَذِمَةَ، عن أبي عُبيدةً، عن عبدِ الله
بنِ مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَ﴿: «هَلْ تَدْرُونَ كيفَ دَخَلَ بن
إسرائيلَ النّقْصُ؟)) قالوا: الله عَزَّ وجَلَّ ورسولُهُ أعلمُ. قال: ((إِنَّ الرجلَ
منهم كانَ يَعِيبُ على أخيهِ الأمرَ يُنْكِرُهُ، فما يَمْنَعُهُ ما يَرَى منه أن
يكونَ أكيلَهُ وشرِيبَهُ، فَضَرَبَ الله عَزَّ وَجَلَّ قلوبَ بعضِهم ببعضٍ،
وأنزلَ فيهم: ﴿لِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن ◌َنِي إِسرائيلَ﴾ .. أربعَ آياتٍ
مُتَوالِياتٍ، قال: وقالَ رسولُ اللهِلَ﴿ُ: ((فَوَرَبِّ محمدٍ، لَتَأْمُرُنَّ بالمعروفِ،
ولتنهَوُنَّ عن المنكرِ، ولتأخُذُنَّ على يَدَيِ الظالمِ، وَتَأْطُرُّنْهُ على الحقِّ
أطراً، أو لَيَضْرِبَنَّ الله قلوبَ بعضِكِم ببعضٍ))(١).
الصحيح، وانظر ما بعده.
(١) ضعيف لانقطاعه، أبو عبيدة - وهو ابن عبد الله بن مسعود- لم يسمع من
أبيه. ورواه أحمد ٣٩١/١، وأبو داود (٤٣٣٦)، والترمذي (٣٠٤٧)، وابن ماجه
بعد الحديث (٤٠٠٦)، وابن جرير الطبري (١٢٣٠٧) و(١٢٣١٠)، والطبراني
(١٠٢٦٤) و(١٠٢٦٥) و(١٠٢٦٦)، والدارقطني في ((العلل)) ٢٨٨/٥ من طرق عن
علي بن بذيمة، به. وبعضهم يزيد فيه على بعض.
ورواه أبو داود (٤٣٣٧) من طريق أبي شهاب الحقاط، وابن جرير (١٢٣٠٦)
من طريق عبد الرحمن بن محمد المحاربي، كلاهما عن العلاء بن المسيب، عن عمرو بن
مرة، عن سالم الأفطس، عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود.
ورواه ابن جرير (١٢٣٠٨) من طريق مؤمَّل بن إسماعيل، عن سفيان، عن علي
-١٣٧ -

كتاب الأدب - النهي عن المنكر
قال أبو جعفر: فتأملَنَا قولَه ﴿ في هذا الحديثِ: ((ولتَأْطِرُنْه على
الحقِّ أطرا) فوجدنا أهلَ اللغةِ يحكُون في ذلكَ عن الخليلِ بنِ أحمدَ أَنَّه
قالَ: يقالُ: أطرتُ الشَّيءَ: إذا ثنيْتَهُ وعطفْتَهُ، وأَطْرُ كُلِّ شيءٍ: عطفُه،
كالمِحْحَنِ والِنْحَلِ والصَّوْلَجان. ووجدناهُم يحكُون في ذلكَ عن
الأصمعيِّ، أنه قالَ: يقالُ: أطرتُ الشَّيءَ، وأَصَرَّتُهُ: إذا أمَلْتَهُ إِلَيْكَ،
ورَدَدْتَهُ إلى حَاجَتِك. فكانَ ما في هذا الحديثِ من قولِ النبيِّ 19َ:
(ولَتَأْطِرُنَّهُ على الحقِّ أطراً) أيْ: تَرُدُّونَهُ إليهِ، وَتَعْطِفُونَه عليه، وتُميلُونَه
إليه، حتى يكونَ فيما تفعلونَهُ بِهِ من ذلك كالمِحْحَنِ والمِنْحَلِ
وكالصَّوْلَجَانِ الذي لا يستطيعُ أنْ يخرجَ مما عُطِفَ عليه، وتُّنِي عليه،
وَرُدَّ إليه إلى خلافِ ذلكَ أبداً، والله نسألَهُ التوفيقَ.
بن بذيمة، عن أبي عبيدة، أظنه عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود.
ورواه الترمذي (٣٠٤٨)، وابن ماجه (٤٠٠٦)، وابن جرير (١٢٣٠٩)، من
طريق عبد الرحمن بن مهدي، وابن جرير (١٢٣١١) من طريق وكيع، كلاهما عن
سفيان التوري، عن علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة، عن رسول الله 8*، مرسلاً.
-١٣٨-

کتاب الأدب - البر والصلة
٧٠٩- بابُ بیانِ مُشْکل ما روي عن رسول الله ﴾ من قوله:
((أَنْتَ ومَالكَ لأبِيكَ))
٥٠٤٣- حَدَّثْنَا الربيعُ بنُ سليمان الأزْدي الحِيريُّ، وإبراهيمُ بن
أبي داود الأسَدِي جميعاً، قالا: حَدَّثْنَا عَبدُ الله بنُ يوسف التنيسي قال:
حَدَّثْنَا عيسى بن يونس، قال: حَدَّثْنَا يُوسف بن إسحاق بنِ أبي
إسحاق، عن ابن المُنكَدِر، عن جابرِ بنِ عبد الله، أنَّ رجلاً جاءَ إلى
رسول الله﴿ فقال: إنَّ لي مالاً وعيالاً، وإنَّ لأبي مَالاَ وعيالاً، وإنَّه
يريدُ أن يأخذَ مَالي إلى مالِه، فقال رسول الله﴿: ((أنْتَ ومالُكَ
لأبيكَ))(١).
فسألتُ أبا جعفر محمد بن العباس عن المُراد بهذا الحديث، فقال:
المرادُ به موجودٌ فيه، وذلك أنَّ النبيَّمَّ قال فيه: ((أَنْت ومالُكَ لأبيكَ))
فجمعَ فيه الابنَ ومالَ الابنِ فجعلَهما لأبيه، فلم يكن جعلُه إياهما لأبيه
على مِلك أبيه إِيَّاه، ولكن على أنْ لا يخرجَ عن قول أبيه فيه، فمثل
ذلك قولُه: مالُك لأبيكَ، ليس على معنى تمليكِه إياه مَالَه، ولكن على
معنى أن لا يخرجَ عن قولِه فيه.
وسألتُ ابنَ أبي عمران عنه، فقال قوله® في هذا الحديث:
(أنتَ ومالُكَ لأبيكَ)) كقولِ أبي بكرٍ رضي الله عنه النبيِّلَ﴿: إنّما أنا
ومَالي لكَ يا رسولَ الله، لما قال رسول الله مَ﴿هُ: ((ما نَفَعَنِي مَالٌ ما
نَفَعَنِي مالُ أبي بكرٍ» يعني بذلك:
(١) إسناده صحيح، ورواه في ((شرح معاني الآثار)) ١٥٨/٤ به.
ورواه ابن ماجه (٢٢٩١) عن هشام بن عمار، عن عیسی بن یونس، به.
-١٣٩ -

کتاب الأدب - البر والصلة
٥٠٤٤- ما قد حَدَّثْنَا فهدُ بنُ سليمان، قال: حَدَّثْنَا ابن سعيد
بن الأصبهاني، قال: حَدَّثْنَا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح،
عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ﴿: ((ما نَفَعَنِي مالٌ قَطُّ، ما نَفَعَنِي
مالُ أبي بَكْرٍ)) قال: فقال أبو بكر رضي الله عنه: إنّما أنا ومَالي لك يا
رسولَ الله.
فكان مراد أبي بكر رضي الله عنه بقولِه هذا: أي: أنَّ أقوالَك
وأفعالَك نافِذَةٌ فيَّ وفي مالِي ما تَنْفُذُ الأقوالُ والأفعالُ من مَالِكي الأشياء
في الأشياء. فمثلُ ذلك قولُ رسول اللهِنَ﴿ لسائِلِه المذكور في هذا
الحديث وهو على هذا المعنى والله أعلم.
وقد جاء كتابُ الله بما كَشَف لنا عن المُشكل في هذا الجوابِ من
رسول الله ﴿ هَما يوجبُ انتفاءَ ملكِ الأَبِ عمَّا يَمْلِكُ الابنُ، قال الله:
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوحِهِمْ حَافِظُونَإلَّ عَلَى أَنْوَاجِهِمْ أَوْمَا مَلَكَتْ أِسَانُهُم
فَإِنْهِمْ غَيرُ مَلُومِنَ﴾ [المعارج: ٢٩، ٣٠]، فكان ما يَمْلِكُهُ الابنُ من الإماءِ
حلالاً لهُ وَطْؤُهنَّ، وحراماً على أبيه وَطْؤُهُنَّ. فدلَّ ذلك على أن مِلكَه
فيهنَّ ملكٌ تامٌ صحيحٌ، وأن أباه فيهن بخلاف ذلك، وقد قال الله عَزَّ
وجَلَّ في آية المواريث: ﴿وَلَأيِوَهِ لِكُلْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١]
فجعلَ لأَمِّه نصيباً في ماله بموته، ومحال أن تستحقَّ بموت ابنها جزءاً من
مال لأبيه دُونَه. ثم قال عَزَّ وجَلَّ: ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةِ يُوصِي بِها أوْدَيْنِ﴾
[النساء: ١١] فاستحالَ أن يَجِبَ قضاءُ ما عليه من دَيْنِ من مالٍ لأبيه
دونه، أو تجوز وصية منه في مالٍ لأبيه دونه، قال: وفيما ذكرت من
هذا ما قد دَلَّ على ما وصفته فيه.
- ١٤٠ -