النص المفهرس

صفحات 581-600

كتاب الأدب - المناهي
٤٧٤٩- حَدَّثْنَا علي بن عبد العزيز، قال: حَدَّثْنَا أُبو عُبيد، قال:
حَدَّثْنَا عَبَّاد بن العَوَّامِ ومروان بن مُعَاوية الْفَزَارِي ويزيد بن هارون، عن
سفيان بن حسين. ثم ذكر بإسناده مثله(١).
قال أبو جعفر: فكان المراد في هذا الحديث -والله أعلم - أنَّ
الرجلين يتسابقان بالفَرَسَيْن ويُدْخِلان بينهما دَخيلاً، ويجعلان بينهما
جُعْلاً، وذلك الدخيل تُسمِيه العربُ مُحَلّلاً، فيضع الأوَّلان رهَنَيْن، ولا
يضعُ المُحَلِّلُ شيئاً، ثم يُرسلون الأفراسَ الثلاثة، فإِنْ سبق أحدُ الأوَّلَين
أخذ رهنَ صاحبه، فكان طيباً له مع رهنهِ، وإنْ سَبَقَ الْمُحَلِّل ولم يسبقْ
واحدٌ من الأوَّلين أخذ الرَّهْنَين جميعاً فكانا له طيِّبين، وإنْ سُبق هو لم
يكن عليه شيء للأوَّلَیْن.
وتأملنا معنى قوله{َ﴿ٌ: ((إن كان لا يؤمَنْ أن يسبقَ فلا بأسَ به،
قال أبو داود: رواه معمر وشعيب وعقيل، عن الزهري، عن رجال من أهل العلم،
وهذا أصحُّ عندنا.
وقال ابن أبي حاتم في («العلل)) ٣١٨/٢-٣١٩: سألت أبي عن حديث رواه
حصين بن نمير عن سفيان بن عيينة ... فذكره، ثم قال: قال أبي: لا أعلم روى هذا
الحديثَ غير حصين بن نمير، عن سفيان بن حسين وسعيد بن بشير، وأرى أنه كلامُ
سعيد بن المسيب.
(١) إسناده ضعيف كسابقه. وهو في ((غريب الحديث)) لأبي عبيد ١٤٣/٢.
ورواه البغوي (٢٦٥٤) من طريق علي بن عبد العزيز، به.
ورواه أحمد ٥٠٥/٢، وابن أبي شيبة ٤٩٩/١٢، وابن ماجه (٢٨٧٦)، والبيهقي
٢٠/١٠ من طريق يزيد بن هارون، به.
- ٥٨١-

كتاب الأدب - المناهي
وإن كان يؤمنُ أن يسبقَ فلا خير فيه)). فوجدنا أهلَ العلمٍ لا يختلفون
أنَّه يُرادُ بذلك البطيءُ من الخيلِ الذي يؤمَن منه أنْ يسبق.
وقد حَدَّثْنَا علي بن عبد العزيز، قال: حَدَّثْنَا أبو عُبَيْدٍ (١)، قال:
سمعتُ محمد بن الحسن وغيرَ واحد يُفسِّرون هذا التفسير. وكذلك
تأولنا محمد بن أحمد بن العباس، عن موسى بن نصر، عن هشام بن
عبيد الله، عن محمد بن الحسن في رواياته التي تأولنا إياها عنه. وخبرنا
أَنَّه سمعها من موسى، وأنَّ موسى حدثهم أنّها عن هشام، عن محمد
بهذه المعاني، وأنّه لم يحك لهم فيها خلافاً بينه وبين أحد من أصحابه.
قال أبو جعفر: وجعل الدَّخيل في هذا في حُكمٍ المسابِقَيْن
أنفسهما بلا دَخِيلِ بينهما برهنٍ يجعلانِهِ بينهما أنْ يسبقَ الذي هو من
عنده سلَّم له، ولم يكن له على المسبوق شيءٌ، وإنْ سبقَ الذي ليس هو
له أخذ ذلك الرَّهْنَ فكان طيباً حلالاً، وإنْ كان الرِّهَان وقعَ بينهما
على أنه إنْ سبق غَرِمَ شيئاً لصاحبه سَمِّيا ذلك الشيء، كان ذلك
قِماراً، ولم يحلّ، فسلك بالُحَلِّل الدَّخيلِ بينهما هذا المعنى أنْ سبقَ أحدُ
الرَّاهَنَيْنِ جميعاً، فكانا طيّبين له، وإن سبق لم يكُن عليه شيءٌ لصاحبَيْهِ،
ولا لواحدٍ منهما.
قال أبو جعفر: وقد رُوِيَ في الرَّهَان عن رسول اللهمُ ﴿ حديثٌ
واحدٌ لا نعلَمُهُ رُوِيَ عنه ◌َ﴿وَ فِي الرِّهان غيره.
٤٧٥٠- وهو ما قد حَدَّثْنَا سليمانُ بن شعيب، قال: حَدَّثَنَا
(١) في ((غريب الحديث)) ١٤٣/٢ - ١٤٤.
- ٥٨٢-

كتاب الأدب - المناهي
يَحيى بن حسَّان، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بن زيدٍ، قال: حدثني الزُّبير بن
الخِرِّيت، قال: حَدَّثْنَا أبو لَبيدٍ، قال: أُرسلتِ الخيلُ زمنَ الحجّاجِ بن
يُوسف والحكمُ بنُ أيوب أميرٌ على البصرةِ، فلما انصرَفْنا من الرِّهان،
قلنا: لو مِلْنا إلى أنس بن مالكٍ فسألناهُ: هل كان رسولُ اللهَ وَّ يُراهِنُ
على الخيلِ؟ قال: فسُئِلَ أنسٌ عن ذلك، فقال: نعم واللهِ لقد راهَنَ على
فرسٍ له يُقالُ له: سُبْحَة. فسبقتِ النَّاسَ، فَأُبهشَ لذلك وأعجَبَهُ(١).
قال أبو جعفر: وهذا من حديث البَّصريين أيضاً، وإنْ كان سعيد
بن زيدٍ ليس بالقويِّ في روايته عند أهلِ الإسناد، فأمَّا السبق بغير ذكر
رهان كان فيه، فقد رُوِيَت عن رسولِ الله ﴿ آثارٌ صحاح:
٤٧٥١- فمنها ما قد حَدَّثْنَا يونس، قال: أخبرنا ابن وَهْب أنَّ
مالكاً أخبره.
وما قد حَدَّثْنَا الْمُزَنِي، قال: حَدَّثْنَا الشَّافعي، عن مالك، عن نافع،
عن عبد اللهِ بن عُمر رضي الله عنهما، أنَّ رسولَ الله ل ◌َ﴿ سابقً بين
الخيلِ التي قد أُضْمِرَتْ من الحَفْيَاءِ، وكان أمدُها ثنيَةَ الوداعِ، وسابقَ
بين الخيلِ التي لم تُضَمَّر من الثّنَّةِ إلى مسجدٍ بني زُرَيقٍ، وأنَّ عبد الله بن
عمر فیمن سابق بها(٢).
(١) رواه أحمد ٢٥٦/٣، والدارمي ٢١٢/٢-٢١٣ عن عفان بن مسلم، وأحمد
١٦٠/٣ عن أبي كامل، وابن أبي شيبة ٥٠٠/١٢ - ٥٠١ عن يزيد بن هارون،
والبيهقي ٢١/١٠ من طريق حجاج بن منهال، أربعتهم عن سعيد بن زيد، به.
(٢) إسناده صحيح، وهو في («الموطأ) ٤٦٧/٢ -٤٦٨، وفي («السنن المأثورة))
(٦٧٩) للشافعي، برواية أبي جعفر عن خاله المزني.
- ٥٨٣-

كتاب الأدب - المناهي
٤٧٥٢- ومنها ما قد حَدَّثْنَا الْمُزنيُّ، قال: حَدَّثْنَا الشَّافعيُّ قال:
حَدَّثْنَا سُفيان، قال: أخبرنا إسماعيل بن أمية، عن نافع، عن ابن عمر
رضي الله عنهما قال: سابق رسولُ اللهِلٌَّ بِينَ الخيل، فأرسلَ ما أُضْمِرَ
منها من الحَفْياءِ إلى ثنَّةِ الوَدَاعِ، ومَا لم تُضَمَّرْ من ثَنَّةِ الودَاعِ إلى
مسجدٍ بَنِي زُريقِ(١).
٤٧٥٣- ومنها ما قد حَدَّثْنَا ابن أبي داود، قال: حَدَّثْنَا سليمان
بن حرب، قال: حَدَّثًا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس قال:
كانت ناقةٌ لرسول الله ◌َّ تُسمَّى الْعَضْبَاء لا تُسبَقُ، فجاء أعرابيٌّ على
قَعُودٍ له فسابَقها فسَبَقها، فاشتدَّ ذلك على أصحاب رسول الله صل﴿،
فقال رسول الله ﴿: ((حقُّ على اللهِ أَن لا يَرْفَع شيئاً في الدُّنيا إلاَّ
وَضَعَهُ).
٤٧٥٤- ومنها ما قد حَدَّثْنَا إبراهيم بن مرزوق، قال: حَدَّثْنَا
عبد الله بن بكر السَّهْمي، قال: حَدَّثَنَا حُميد، عن أنس، قال: كانت
ناقةٌ لرسول الله :﴿ تُسمَّى الْعَضْبَاءِ، وكانت لا تُسبَق، فجاء أعرابي
على قَعُودٍ له فسبَقَها، فشقَّ ذلك على المسلمين، فلما رأى ما في
وجوههم قالوا: يا رسول الله، سُبقَت العَضْبَاءُ. قال: ((إنَّ حقّاً على الله
(١) إسناده صحيح، وهو في (السنن المأثورة)) (٦٧٦).
ورواه أحمد ١١/٢، ومسلم (١٨٧٠) من طريق سفيان بن عيينة، به.
ورواه ابن حبان (٤٦٨) من طريق سفيان، عن عُبيد الله بن عمر، عن نافع، به.
ورواه القضاعي في ((مسند الشهاب)) (١٠٠٩) من طريق سفيان بن حسين، عن
ثابت، به. وانظر ما بعده.
-٥٨٤-

كتاب الأدب - المناهي
عَزَّ وَجَلَّ أَن لا يَرفَعَ من الدنيا شيئاً إلاَّ وَضعَهُ))(١). والله نسأله
التوفيق.
٦٦١- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴾ في تركه
مالك البعير الذي اشتكى إليه أنَّه يُجيعُه ويُدْئِبُه في العملِ
بتركِ أخذِهِ إِيَّاه بِعَلَفِهِ
٤٧٥٥- حَدَّثْنَا الربيعُ المرادِيُّ، حَدَّثْنَا أَسَدُ بنُ موسى، حَدَّثْنَا
مهديُّ بنُ ميمون، حَدَّثْنَا محمدُ بنُ عبد الله بن أبي يعقوب، عن الحسن
بنِ سعدٍ -مولى الحسن بن علي-، عن عبد الله بن جعفر، قال: أردفني
رسولُ اللهِ﴿ ذاتَ يومٍ خَلْقَهُ، وأسَرَّ إليَّ حَدِيثاً لا أُحَدِّثُ به أحداً مِن
النَّاسِ، وكان أحبَّ ما استتر به النبيُّ:﴿ْ لِحاجته هدفٌ أو حائِشُ نخلٍ،
فدخلَ حائطَ رجل من الأنصارِ، فإِذا جَمَلٌ، فلما رأى النِيَّ:﴿ حَنَّ
وذَرَفَتْ عيناه، فأتاه النبيُّ:﴿ فمسح سَرْوَ رأسِهِ، وذِفْراه، فشكا، فقال:
((من رَبُّ هذا الجمل)؟ فجاء فتى مِن الأنصارِ، فقال: هُوَ لي يا رسول
الله. فقال: (أَوَلا تَتَّقِي الله فِي الْبَهِيمَةِ التي مَلَّكَكَ الله تعالى، شكا إليَّ
أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْبُه في العَمَلِ))(٢).
(١) إسناده صحيح، ورواه من طرق عن حميد، به: أحمد ١٠٣/٣، والبخاري
(٢٨٧١) و(٢٨٧٢) و(٦٥٠١)، وأبو داود (٤٨٠٣)، والنسائي ٢٢٧/٦ و٢٢٨،
وابن حبان (٧٠٣)، وأبو الشيخ في ((أخلاق النبي)) ص١٥٣، والبيهقي ٢٥/١٠،
والبغوي (٢٦٥٢).
(٢) ورواه ابن أبي شيبة ٤٩٣/١١، وأحمد (١٧٤٥)، والدارمي ١٧٠/١
-٥٨٥-

كتاب الأدب - المناهي
وكان ما في هذا الحديثِ من ذِفرى الْبَعيرِ هو ما بعدَ أذنيه،
ومعنى السروِ المذكورِ فيه: هو أسرى ما فيه وأعلاه، فأضافَ ذلك إليه
يقول راويه، أي: مسح بيده على ذِفراه، وعلى سرو ما فيه، ليكون
ذلك سبباً لسكونه.
وكان في هذا الحديثِ من قول النبي * لصاحب ذلك البعير بعدَ
وقوفه على تشكِّيه إليه أنه يُحيعه ويُدْئِبه في العمل: ((ألا تتّقي الله في
البهيمة التي ملكك الله إياها))، يعني أخذته بإعلافه بما يُخرجه من
مالکي بن آدم في ممالیکهم الذین یُجيعونهم.
وهذه مسألةٌ من الفقه اختلف أهلُ الفقه فيها، فطائفةٌ منهم
تقول: مَنْ كانت له دأَبَّةٌ يُحِيعُهَا، لم يُؤخذ بإعلافها، ولكن يُؤمر
بذلك، ولا يُجبر عليه، ويؤمر بتقوى الله تعالى في ذلك، وتركه
إجاعتها، وممن كان يقول ذلك منهم: أبو حنيفة، وأصحابه.
وطائفة منهم تقول: بل يُجبر على ذلك، ويُؤخذ به ويُحبس فيه،
كما يفعل به فيمن يملكه من بني آدم ممن تدعو الضرورة إلى ذلك منه،
و١٩٣، ومسلم (٣٤٢) و(٢٤٢٩)، وأبو داود (٢٥٤٩)، وابن ماجه (٣٤٠)، وابن
أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (٤٣٧)، وأبو يعلى (٦٧٨٧) و(٦٧٨٨)، وابن
خزيمة (٥٣)، وأبو عوانة ١٩٧/١، وفي ((الدلائل)) ٢٦/٦-٢٧ من طرق، عن مهدي
بن ميمون، به. وبعضهم اختصره.
ورواه أحمد (١٧٥٤)، وابن حبان (١٤١٢) من طريق وهب بن جرير، عن أبيه
جرير بن حازم، عن محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب، به. ولم يذكر ابن حبان قصة
الجمل.
-٥٨٦-

كتاب الأدب - المناهي
وقد كان أبو يوسف يقولُ بهذا القول بأخرة.
واحتج أهلُ هذا القولِ الأخيرِ لِقولهم هذا بإجماعهم، وإجماع
مخالفيهم على الأخذ بالإنفاق على المملوكين الآدميين.
فكان من الحجة لمخالفيهم في ذلك: أن الآدميين تجب لهم
الحقوقُ كما تجبُ عليهم الحقوق، فمن ذلك: أن المماليك الآدميين
يجنون الجنايات، فيؤخذون بها، فلما كانت الحقوقُ تحبُ عليهم أيضاً
يجب لهم على من تجب لهم عليه وكانت إليها، ثم لا تجبُ عليهم
الحقوق بجناياتهم، فكانوا كذلك أيضاً في تركه وجوبَ الحقوقِ لهم
على مالكيهم، ولكنهم بخلاف مَنْ سِواهم مِن الناس يؤمرونَ فيهم
بتقوى الله عَزَّ وجَلَّ، وبتركِ التضييعِ لهم، وإن كان ما على مالكيهم في
التجاوز ما على غيرٍ مالكيهم فيه.
٦٦٢ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله# في قطع
السِّدْر مِن نهي ومن إباحة
٤٧٥٦- حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ أبي داود، قال: حَدَّثْنَا مَلِيحُ بنُ وكيع
بن الجرَّاحِ، قال: حَدَّثْنَا أبي، قال: حَدَّثْنَا محمدُ بنُ شريك، عن عمرو
بنٍ دينار، عن عمرو بنِ أوسٍ، عن عروة بنِ الزبير، عن عائشةَ رَضِيَ
الله عنها، قالت: قَالَ رسولُ اللهِمَ﴿: ((إِنَّ الَّذِينَ يَقْطَعُونَ - كأنه يعني
السِّدْرَ - يُصَبُّون في النّارِ على رُؤُوسِهِمْ صَبََّ)(١).
(١) مليح بن وكيع روى عنه جمعٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) ١٩٥/٩،
وقال: مستقيم الحديث. ورواه الخطيب في ((موضح أوهام الجمع والتفريق)) ٣٨/١-
-٥٨٧-

كتاب الأدب - المناهي
٤٧٥٧- حَدَّثْنَا القاسمُ بنُ جعفر بن محمد البصري أبو محمد،
قال: حَدَّثْنَا محمد بنُ عبد الأعلى الصنعاني، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الرزاق بن
همَّامٍ، عن إبراهيم بنِ يزيد - يعني الخُوزِي-، عن عمرو بنِ دينار، عن
عمرو بنِ أوسٍ، قال: أدركتُ شيخاً من ثقيفَ قد أفسد السِّدْرُ زرعَهُ،
فقلتُ: ألا تَقْطَعُهُ فإِنَّ رسولَ اللهِمَ﴿ قال: ((إلا مِنْ زَرْعِ)) قال: أنا
سمعتُ رسولَ اللهِ﴿ يقول: «مَنْ قَطَعَ سِدْراً إلا مِنْ زَرْعٍ، صَبَّ اللهُ
عليه العَذَابَ صَّ)(١) فأنا أكره أن أقطعه مِن الزرع ومِن غيره.
ففي هذا الحديث الأول من هذين الحديثين ما يمنع مِن قطع
السِّدْرِ كُلِّه، وفي الحديث الثاني منهما استثناءُ ما كان مِن ذلك في
زرعٍ.
فتأملنا هذين الحديثين، وما هما عليه من صحة في أسانيدهما ومما
سوى ذلك
فوجدنا رَوْحَ بنِ الفَرَج قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثْنَا حامدُ بنُ يحيى،
قال: حَدَّثَنَا أبو أسامة حمّادُ بن أسامة، عن ابن حُريجٍ، قال: أخبرني
عمرو بن دينار، عن عُروة بنِ الزبير، ولم يتجاوزه به، قال: مَنْ قَطَعَ
سِدْرَةُ، صَبَّ الله عليه العَذَابَ صِبَّاً.
٣٩ من طريق مليح بن وكيع، والبيهقي من طريق القاسم بن أبي شيبة، كلاهما عن
این و کیع، به.
(١) إسناده ضعيف جداً. إبراهيم بن يزيد الخوزي، قال أحمد والنسائي: متروك
الحديث. وقال أبو زرعة وأبو حاتم: منكر الحديث ضعيف جداً.
-٥٨٨-

كتاب الأدب - المناهي
ففي هذا الحديث إيقافُه على عُروةً بغير تجاوز به أَيَّاه إلى عائشة
ولا إلى مَنْ سواها ممن ذكر في الحديثين الأولين، وفيه أيضاً شيئ ذره
لنا رَوْح قال: سمعتُ حامداً يقول: ذكرتُ هذا الحديث لسفيان بن
عيينة، فقال: ذهبتُ إلى عمرو بنِ دينار، فسألتهُ عنه، فقال لي: اذهب
إلى عثمان بن أبي سليمان، فإنه يُحَدِّثُ به، فذهبتُ إلى عثمان،
فحدثني في بحديثين اختلط عليَّ إسنادُهما، قال سفيانُ: فسألتُ هشام
بنَ عُروة عن قطع السِّدْرِ فقال: هذه الأبوابُ مِن سدرةٍ كانت لأبي
قطعها، فجعل منها هذه الأبواب.
ففيما ذكرنا عن سفيان في هذا الحديث من سؤاله عمرو بنَ
دينار، عن الحديث الذي ذكرناه في هذا الباب عنه، أعني عمرو بن
دينار، وجوابه فيه بما أجابه، فَدَلَّ ما ذكرنا فيه عن هشام بن عروة عن
أبيه أن الحديثين الأوَّلَيْنِ إن كانا صحيحين، فقد كان لحقهما نسخ عاد
به ما كان فيهما مِن نهي إلى الإباحة لما في ذلك النهي، لأن عُرْوَةً مع
عدله وعلمه وجلالةِ منزلته في العلم لا يَدَعُ شيئاً قد ثبت عنده عن
النبيِّ ◌َ﴿ إلى ضِدِّهِ إلا لما يُوجب ذلك له.
فثبت بما ذكرنا نسخَ هذين الحديثين مع ما قد دَخَلَ الحديثَ
الثاني منهما مِن خلاف ابن جريج راويه - وهو إبراهيم بن يزيد-
وإيقافه على عُروة، وهو حجة على إبراهيم بن يزيد، وإبراهيمُ ليس
بحجة عليه، بل أهلُ الإسناد يُضعفون روايته في هذا وفي غيره، مع أن
إبراهيم هذا قد كان اضطرب في هذا الحديثِ، فحدَّث به مرةً هكذا
عن عمرو بن دينار، وحدَّث به مرةً أخرى عن عمرو بنِ أوس.
-٥٨٩ -

كتاب الأدب - المناهي
ومما قد رُوِيَ عن عُروة أيضاً في إباحة قطع السِّدْرِ: ما قد حَدَّثْنَا
محمد بن جعفر بن أعْيَن، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بنُ حرب الطائي، قال:
حَدَّثْنَا عبدُ الله بنُ داود الهَمْدَاني -قال محمد: يعني الخُرَيْابي-، عن
هشامٍ بنٍ مُروة، عن أبيه أنه كان يقطع السِّدْرَ يَجْعَلُهُ أبواباً(١).
وممن قد خالف إبراهيم بن يزيد في حديثه الذي رويناه عنه في
هذا الباب: محمدُ بنُ مُسْلِمٍ الطائفيُّ، فرواه عن عمرو بن دينار
كما حَدَّثَنَا محمدُ بنُ جعفر بن محمد بن أعين، قال: حَدَّثْنَا عليُّ
بنُ الْجَعْدِ، قال: حَدَّثَنَا محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن رجل
من ثقيف، سمعَ ابن الزبير يقول: مَنْ قَطَعَ السِّدْرَ، صَبَّ اللهُ العَذَابَ
عليه صَبَّاً (٢).
فهذا محمدُ بنُ مسلم قد خالف إبراهيمَ في هذا الحديث، فردَّه إلى
ابنِ الزبير، وهو فوقَ إبراهيم هذا ودونَ ابنِ جُرَیج.
فأما حديثُ عثمان بن أبي سليمان الذي ذكره سفيان:
٤٧٥٨- فهو ما قد حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حَدَّثَنَا أبو
(١) إسناده قوي، ورواه أبو داود (٥٢٤١) عن عُبيد الله بن عمر بن ميسرة
وحميد بن مسعدة، كلاهما عن حسان بن إبراهيم، قال: سألتُ هشامَ بنَ عُروة عن
قطع السِّدْرِ وهو مستند إلى قصر عروة، فقال: أترى هذه الأبواب والمصاريح؟ إنما هي
من سِدْرِ عُروة، كان عروة يقطعه من أرضه، وقال: لا بأس به: زاد حميد، فقال: هِيْ
يا عراقي جئتني ببدعة، قال: قلت: إنما البدعةُ من قبلكم سمعتُ من يقولُ بمكة: لعن
رسولُ الله * من قطع السِّدْرَ، ثم ساق معناه.
(٢) إسناده ضعيف.
- ٥٩٠-

كتاب الأدب - المناهي
عاصمٍ، عن ابنِ جُريج، عن عثمان بنِ أبي سليمان، عن محمد بنِ
سعيد، عن عبد الله بنِ حُبْشِي، قال: قال رسولُ اللهِمَ﴿هُ: ((مَنْ قَطَعَ
سِدْرَةَ صَبَّ اللهُ عَزَّ وجَلَّ على رأسِهِ العَذَابَ صَبٌَّ)(١).
٤٧٥٩- وما قد حَدَّثَنَا أبو أُمية، قال: حَدَّثْنَا أبو عاصمٍ، عن ابنِ
جُرَيْجٍ، عن عثمانَ بنِ أبي سُليمان، عن سعيدِ بنِ محمد، عن عبدِ الله
بنِ حُبشي، قال: قال رسولُ الله ◌َ﴿: ((مَنْ قَطَعَ سِدْرَةً صَوَّبَ اللهُ رَأْسَهُ
في النّارِ)).
فاختلف إبراهيمُ وأبو أُمية في الرجل الذي اختلفا فيه مِن رواة
هذا الحديث، فقال إبراهيم: هو محمدُ بنُ سعيد، وقال أبو أُمية: هو
سعيد بن محمد، وكان في ذلك ما يوجبُ اضطرابَ رُواته، غير أن
الصوابَ فيه ما رواه أبو أمية لِموافقة غير أبي عاصم في ذلك على ما
رواه عن أبي عاصم.
(١) محمد بن سعيد -والأصح سعيد بن محمد كما سيبينه الطحاوي- لم يوثقه
غيرُ ابن حبان، وليس له في الكتب الستة غيرُ هذا الحديث، ويستبعد أن يَكُونَ لقي
عبد الله بن حبشي. وابن جريج عنعنه وهو مدلس.
ورواه الطبراني في «الأوسط)) (٢٤٦٢) عن أبي مسلم الكَشِّي، عن أبي عاصم،
به. وزاد: ((يعني من سِدْرِ الْحَرَم)».
ورواه أبو داود (٥٢٣٩) من طريقه البيهقي ١٣٩/٦ من طريق أبي أسامة،
والنسائي كما في ((التحفة))٣١٠/٤ من طريق مخلد بن يزيد وهما عن ابن جريج، به.
وقال أبو داود بإثره: هذا الحديثُ مختصر يعني: من قطع سدرة في فلاة يَسْتَطِلُّ بها
ابنُ السبيل والبهائم عبثاً وظلماً بغيرِ حق يكونُ له فيها، صوَّب الله رأسه في النار.
-٥٩١-

كتاب الأدب - المناهي
٤٧٦٠- كما حَدَّثْنَا إسماعيلُ بن إسحاق الكوفي، قال: حَدَّثْنَا
عُبَيْدُ الله بنُ موسى العَبْسِي، قال: حَدَّثْنَا ابن جُرَيج، عن عثمان بن أبي
سليمان، عن سعيد بن محمد بن جُبير بن مُطعِم، عن عبد الله بن
حُبشي، قال: قال رسولُ الله ﴿: «مَنْ قَطَعَ سِدْرةً صَوَّبَ اللهُ رَأْسَهُ في
النّارِ)).
غير أن هذا الرجلَ المختَلَفَ في اسمه ليس مِن المشهورين برواية
الحديث، ولم تَجِدْ له ذكراً في غيرِ هذا الحديث، ومثلُ هذا لا يقومُ بمن
هذه سبيلُه، ثم حديثهُ هذا قد ذكره عن عبد الله بن حُبْشِي، ويَبْعُدُ مِن
القلوب أن يكونَ لَقِيه، لأَنَّا لم نَجِدْ شيئاً من حديث عبد الله بن حُبشي
إلا عن مَنْ سِنَّه فَوْقَ سِنِّ هذا الرجل وهو عُبَيْدُ بنُ عمر، وحديثُه عنه
في أفضلِ الصلاة أنها طولُ القنوت، وقد كان سفيانُ الثوري أيضاً
يُنْكِرُ هذا الحديث، ويأمر بالعملِ بضده.
كما حَدَّثْنَا ابنُ أبي عمران، قال: حَدَّثَنَا علي بنُ الجعد، قال:
سمعتُ سفيان بن سعيدَ، - وسئل عن قطع السِّدر - فقال: قد سَمِعْنا فيه
بحديثٍ لا ندري الذي جاء به عليه.
٤٧٦١- كما قد حَدَّثَنَا أحمد بن داود، قال: حَدَّثْنَا يعقوبُ بنُ
حُمَيْدٍ، قال: حَدَّثْنَا هشامُ بنُ سليمان المخزومي، عن إبراهيم بن یزید،
عن عمرو بن دينار، عن الحسن بن محمد، عن علي رضي الله عنه أن
رسولَ اللهِ ﴿ قال له: «قُمْ يَا عَلِيُّ فَآذِنِ النَّاسَ: لَعَنَ اللهُ قَاطِعَ
.(١)
السِّدْرِ))(١).
(١) إبراهيم بن يزيد - وهو الخوري - متروك.
- ٥٩٢-

کتاب الأدب - المناهي
والحسنُ بنُ محمد لم يسمع من علي ولم يُولد في زمنه.
فقّي توهين سفيان إياه ما يَسْقُطُ به مثلُه، مع أن سائرَ أهلِ العلمِ
مِن فقهاء الأمصارِ الذين تدورُ عليهم الفتيا على إباحةٍ قطعه، وفي ذلك
ما قد دَلَّ على أن الأولى فيه إباحةُ قطعه لا المنع منه. والله عَزَّ وجَلَّ
نسأله التوفيقَ.
٦٦٣ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴾ من قوله
للناس لما أمَرَهم بترك تأبير النَّخْلِ ففعلُوا ذلك فَشَيَّصَ- ما
قالَه لهم عندَ ذلك
٤٧٦٢- حَدَّثَنَا يزيد بن سِنان، قال: حَدَّثَنَا أبو الوليد الطِّبَالِسِيُّ
ويحيى بن حمّاد، قالا: حَدَّثْنَا أبو عَوَانة، عن سِمَاك بن حرب، عن
موسى بن طَلْحة، عن أبيه رضي الله عنه، قال: كنتُ أمشِي مع رسولِ
الله﴿ْ فِمرَّ بقومٍ في رُؤوس النخلِ، فقال: ((ما يَصْنَعُ هؤلاء)؟ قلتُ:
يُلَفِّحُونَهُ يجعلونَ الذِّكَرَ فِي الْأُنْشَى، قال: ((ها أظُنُّ ذلك يُغْنِي شَيْئاً))
فتركوهُ، فَأُخْبِرَ به النِيُّ ◌َ﴿: فقال: ((إِنْ كانَ يَنْفَعُهُمْ، فَلْيَفْعَلُوهُ، فإِنّ
إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنّاً، فَلاَ تُؤَاخِذوني بِالظَّنِّ، ولكنْ إذا حَدَّثْتُكُمْ عن اللهِ
شَيْئاً، فَخُذوهُ، فإِنِّي لَنْ أَكْذِبَ على اللّهِ)(١).
(١) رواه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٤٨/٣ عن يزيد بن سنان، به.
ورواه الطيالسي (٢٣٠)، ومسلم (٢٣٦١)، وأحمد ٦٢/١، وأبو يعلى (٦٣٩)،
والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٤٨/٣ من طرق عن أبي عوانة، به.
-٥٩٣-

كتاب الأدب - المناهي ----
٤٧٦٣- حَدَّثَنَا يزيدُ بن سِنان، قال: حَدَّثْنَا أبو عامر العَقَدِيُّ،
قال: حَدَّثَنَا إسرائيلُ بنُ يُونس، قال: حَدَّثَنَا سِمَاكِ، عن مُوسى بن
طَلْحة، عن أبيه، فذكر مثله، غير أنّه لم يقلْ: ((وَلاَ تُؤَاخِذُونِي بالظَّنِّ)
وقال مكانه: (والظَّنُّ يُخْطِئُ ويُصِيب)(١).
٤٧٦٤- وحَدَّثَنَا إبراهيمُ ابن أبي دَواد، قال: حَدَّثْنَا محمدُ بنُ
كثير العَبْدِيُّ، قال: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بنُ سَلَمة، عن ثابتٍ، عن أنسٍ وهشام
بنُ عُروة، عن أبيه، عن عائشة أنَّ النبيَّ:﴿ مرَّ على قومٍ فِي رُؤُوس
النخل فقال: ((ما يَصنعُ هؤلاء)؟ قالوا: يُؤَبِّرُونَ النَّخْلَ. قال: (لَوْ تَرَكُوهُ
لَصَلُحَ) فتركوه فَشَيَّصَ، فقال: ((ما كَانَ مِنْ أَمْرٍ دُنْيَاكُمْ، فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ
بِأمْرِ دُنْيَاكُمْ، وَمَا، كَانَ مِنْ أَمْرِ دِينِكُمْ فَإِلَيَّ)(٢).
٤٧٦٥- حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ داود بنِ موسى، قال: حَدَّثْنَا عيَّاش بنُ
الوليد الرَّقَّام، قال: حَدَّثَنَا محمد بن الفُضَيلِ، قال: حَدَّثَنَا مُحَالِد بنُ
سعيدٍ، عن الشَّعْبي، عن جابر بنِ عبدِ الله، قال: أبْصَرَ رسولُ الله ◌َّ
الناسَ يُلَقِّحُونَ، فقال: ((مَا لِلنَّاس))؟ فقالُوا: يُلَقِّحون يا رسولَ الله، قال:
((لاَ لِفَاحَ) أو: ((ما أرى اللَّقَاحِ شَيْئاً) فتركوا اللَّقَاحَ فجاء تمرُ الناس
شِيصاً، فقال النبيُّ ◌َ﴿: «مَا لَهُ! ما أَنَا بِصَاحِبِ زَرْعٍ ولا نَخْلٍ،
لَقّحُوا))(٣).
(١) رواه أحمد ١٦٢/١ و١٦٢، وابن ماجه (٢٤٧٠) من طرق عن إسرائيل، به.
(٢) إسناده صحيح، ورواه ابن حبان (٢٢) من طريق حماد بن سلمة، به.
(٣) رواه البزار (٢٠٢) عن محمد بن المثنى، حَدَّثْنَا عياش بن أبان، حَدَّثْنَا محمد
- ٥٩٤-

كتاب الأدب - المناهي
قال قائل: فيما رَوَيْتُم اضطرابٌ شديدٌ، فمن ذلك ما في حديث
طِلْحة أنَّ الْبِيِ﴿ قال: (مَا أَظُنُّ ذاكَ يُغْنِي شَيئاً) وفي حديثَيْ عائشة
وأنس أَنَّه قال: (لَوْ تَرَكُوهُ لَصَلَحَ) وفي حديث جابر: (لا لِقَاحَ) أو:
((مَا أَرَى اللَّقَاحَ شَيْئًا) فما وجه ذلك.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ وعونه: أنَّه قد
يحتمل أنْ يكون الذي كان عند رسول الله:﴿ من ذلك أنَّ الإناث في
غيرِ بني آدم لا تأخُذُ من الذُّكْرَان شيئاً، وهو الذي يَغْلِبُ على القلوب،
ولم يكنْ ذلك منه ﴿ إخباراً عن وحي، وإنَّما كان منه على قولٍ غيرِ
معقول ظاهر ممّا يَتَسَاوى فيه الناسُ في القولِ، ثم يختلفونَ، فَيَتَّنُ ذوو
العلمٍ به عمَّن سِواهم من غيرِ أهلِ العلم به. ولم يكنْ رسولُ اللهَ﴿ٌ قَمن
كان يُعانِي ذلك ولا مِنْ بلدٍ يُعانيه أهلُه، لأَنَّهِ ﴿ إنّما بلدُه مكّة، ولم
تكنْ دارَ نخلٍ يومئذٍ، وإنّما كان النخلُ فيما سواها من المدينة التي صارَ
إليها﴾. وكانَ مع أهلِها من مُعاناة النخل والعملِ ما يُصلِحها ما ليس
مثله مع أهل مكّة. وكان القولُ في الأمر الذي قال فيه ما قالَ واسعاً له
أن يقولَ فيه، وأنْ يكونَ ذلك القولُ منه على ما نفى ما يَستحيلُ
عنده، ويكونُ منه على الظنِّ به، فقال﴿ ما حكاه عنه طلحةُ لبعضِ
مَنْ رَآه يُعاني اللّقاح، ثم قال ما حكنْهُ عنه عائشةُ وأنسٌ في قومٍ آخرين
مِمَّن رآهم يُعَانون التلقيح، وقال ما في حديث جابرٍ لقومٍ آخرين،
بن فضيل، به. وأورده الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) ١٧٩/١، وقال: رواه البزار
والطبراني في ((الأوسط)) بمعناه، وفيه محالد بن سعيد، وقد اختلط.
-٥٩٥-

كتاب الأدب - المناهي
وأَنّهم يُعانون التلقيحَ، فحكى كلُّ مَنْ سَمِعِهِوَ يقولُ شيئاً فَّا سِعَه
يقولُه، وكلُّهم صادقٌ فيما حكاه عنه، وكلُّ أقوالِهِ التِينَ﴿ مَّا حكاه
عنه هؤلاء القومُ كما قال. وبالله التوفيق.
٦٦٤- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله # في أخْتَعِ
الأسماء ما هو مِنْها
٤٧٦٦- حَدَّثْنَا عبدُ الغنيِّ بنُ أبي عقيلِ اللَّخْمِيُّ، قال: حَدَّثَنَا
سُفيانُ بن عُيينةَ، عن أبي الزِّنَادِ، عن الأعرجِ، عن أبي هريرةً يَبْلُغُ به
النبيَّ ◌َ﴿، قال: «أَخْتَعُ الأسماءِ عِنْدَ الله رَجُلٌ تَسَمَّى باسمِ مَلِكِ
الأمْلاكِ))(١).
قال أبو جعفر: فتأمَّلْنا هذا الحديثَ لِنَقِفَ على ما المرادُ به مَا هُو؟
فوجدنا الخَنْعَ إنما يُراد به الذُّلُّ والخُضُوعُ، يقالُ منه: خَنَعَ الرجلُ
خنوعا: إذا حَضَعَ فَذَلَّ، فكان الخضوعُ والذّلَةُ إِنما وقعتْ في هذا على
ذِي الاسمِ لا الاسمِ نَفْسِهِ، لأَنَّه الاسمَ لا يلحقُهُ ذَمٌّ، ولا مَدْحٌ. وكان
(١) إسناده صحيح، ورواه أحمد ٢٤٤/٢، والبخاري (٦٢٠٦)، ومسلم
(٢١٤٣) (٢٠)، وأبو داود (٤٩٦١)، والترمذي (٢٨٣٧)، وابن حبان (٥٨٣٥)،
والبيهقي ٣٠٧/٩ من طرق عن سفيان، به.
ورواه البخاري (٦٢٠٥)، وفي ((الأدب المفرد)) (٨١٧)، والبغوي (٣٣٦٩) من
طريق شعيب بن حمزة، عن أبي الزناد، به. ورواه مسلم (٢١٤٣) (٢١)، والبغوي
(٣٣٧٠) من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة. ورواه أحمد
٣٩٢/٢، والبغوي (٣٣٧١) من طريق خلاس بن عمرو، عن أبي هريرة.
-٥٩٦-

كتاب الأدب - المناهي
ذلك كقولِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿سَبْحِ اسْمَ مَرَبِّكَ الأعْلَى﴾ [الأعلى: ١] في
معنى سبِّح اسمَ ربِّك الأعلى باسِه، فكقولِه عَزَّ وجَلَّ في قصةٍ نبيِّه لوط
﴿ُ: ﴿وَخََّاهُ مِنَ القريةِالَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الخَبَائِكَ﴾ [الأنبياء: ٧٤]، ليسَ
يريدُ بذلك القريةَ نفسَها، وإنما يُريدُ أهلَها الذين كانوا يعملونَ
الخبائثَ، وكقولهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَضَرَبَ الله مثلاً قَرَبَّةً كَانَتْ آمنةَ مُطْفَنَّة يأتيها
سِرُهَا رَغَداً مِنْ كُلِ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْهُمِ اللّه فَأَذَاقَهَا اللّهِبَاسَ الجُوعِ
والخَوفِ بِمَا كَانوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢]، يريدُ أهلُها لا هِيَ نفسَها،
ثم بين عَزَّ وجَلَّ مُرادَهُ ذلك فيها بقوله: ﴿وَقَدْ جَاءَ هُمْ مَسُولٌ مِنْهُمْ﴾
[النحل: ١١٣]، وكانَ المُرادُ بِمَلِكِ الأملاكِ الله عَزَّ وجَلَّ، فكان
المُسَمَّى باسمٍ من أسمائِهِ عَرَّ وجَلَّ مُتَكِّراً، فردَّهُ الله عَزَّ وجَلَّ بذلك إلى
الخضوعِ والذّلةِ، إذا كانَ أكبرُ أسمائِهِ عَزَّ وجَلَّ إنما هي صفاتُه التي يَبِينُ
بها عَزَّ وجَلَّ عن خلقِهِ من الرحمةِ، ومن العِزَّةِ، ومن العظمةِ، ومن
الجلالِ، ومن مَا سِوى ذلك عَزَّ وجَلَّ، فكانَ بما سِوَى ذلك من أسمائِهِ
عَّ وجَلَّ كاسِهِ الأعظمِ ثَّا قد قالَ جَلَّ وعز: ﴿هَلْ تَعْلَمُ له سَمِيّاً﴾
[مريم: ٦٥]، فقصر بالخلقِ عن ذلك، وتفرَّد به تبارك وتعالىَ، وأضافَ
أسماءَهُ إليه، فقال عَزَّ وحَلَّ: ﴿وَكَلِ الأسماءُ الْحُسَنِى فَادْعُوهُ بِها﴾ [الأعراف:
١٨٠]، وباللهِ التوفيقُ.
-٥٩٧-

كتاب الأدب - المناهي
٦٦٥- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴾ في التسمِّي
برَبَاح وأفْلَح ويَسَار ويَسِير وعلاء ونافع وبر كةً من كراهته، ومما
يدلُّ على إباحته
٤٧٦٧- حَدَّثْنَا الربيعُ بن سُليمان الُرَادِي، قال: حَدَّثَنَا أسدُ بن
موسى، قال: حَدَّثْنَا سعيدُ بنُ سالم، عن ابنِ ◌ُريج، قال: أخبرني أبو
الزُّبير أنه سَمِعَ جابرَ بنَ عبدِ الله يقول: أرادَ رسولُ اللهِ ﴿ٌ أن ينْهَى أنْ
يُسمَّى بعَلاَءَ وبَرَكة وأفْلَح ونحو ذلك، ثمَّ إنّه سكتَ بعدُ عنها، فلم
يَقُلْ شَيْئاً(١).
٤٧٦٨- حَدَّثْنَا يزيد بن سنان، قال: حَدَّثْنَا محمد بن كثير
العَبْدي، قال: حَدَّثْنَا سُفيان الثَّوْرِي، قال: حَدَّثَنَا أبو الزبير، عن جابر
بن عبد الله، قال: قال رسولُ الله ﴿: (لَئِنْ عِشْتُ إلَى قَابِلِ، لأَنْهَيَنَّ أَنْ
يُسمَّى نَافِعاً ويَسَاراً وبَرَكَةَ) قال: ولاَ أدْرِي أَقَال رافع أم لا؟!(٢).
٤٧٦٩- حَدَّثْنَا فهد، قال: حَدَّثْنَا عُمَرُ بنُ حفصِ بنِ غِياث،
قال: حَدَّثْنَا أبي، عن الأعمش، قال: حَدَّثْنَا أبو سُفْيان، عن جابر، عن
النَِّ﴿، قال: ((إِنْ عِشْتُ نَهَيْتُ أُمَِّي إن شاءَ الله أن يُسَمِّيَ أحدٌ منهم
بركةَ ونافِعاً وأفْلَح) ولا أدْرِي قال: رافع، «يُقَال: هاهنا بَرَكة؟ فيقال
لا). فَقُبِضَ النبيُّ:﴿ ولم ينْهَ عن ذلك(٣).
(١) إسناده صحيح، ورواه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٨٣٤)، ومسلم
(٢١٣٨)، والبيهقي ٣٠٦/٩، وابن حبان (٥٨٤٠) من طرق عن ابن جريج، به.
(٢) إسناده صحيح، ورواه ابن حبان (٥٨٤١)، والحاكم ٢٧٤/٤.
(٣) رواه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٨٣٣) عن عمر بن حفص بن غياث، به.
-٥٩٨-

كتاب الأدب - المناهي
قال أبو جعفر: ففي هذه الآثار عن رسول الله م38: قوله: لئن
عشتُ إلى قابلٍ، لأنهين أنْ يسمَّى بهذه الأسماء المذكورة في هذا
الحديث. وفي ذلك ما قد دَلَّ على أنَّ التّسميَ بها ليس بحرامٍ، لأنّه لو
كان حراماً لنَهَى عِنه ◌َ﴿، ولم يؤخِرْ ذلك إلى وقت آخر والله أعلم.
وفي بعضها أنه سكتَ عن ذلك، ولم ينْهَ عنه حتّى تُوفّي، ففي
ذلك ما قد دَلَّ أَنَّه لم يحقها نهيٌ منه {﴾. وإذا كان ذلك كذلك،
كانت الإباحةُ في التسمِّي بها قائمةٌ، ثم نظرنا هل رَوَى عن رسول الله
* غيرُ جابرِ في ذلك نهياً أم لا؟
٤٧٧٠- فوجدنا بكّار بن قُتَيْبَة قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثَنَا أبو داود،
قال: حَدَّثَا شُعبة، عن منصور، قال: سمعتُ هِلالَ بن يِسَاف، عن
الربيع بن عُمَيْلَةَ الفَزارِي، عن سَمُرَة بن حُنْدُبٍ، أنَّ رسولَ اللهِ﴾.
قال: ((لا تُسَمِّ غُلاَمَكَ رَبَاحاً ولا أفْلَحَ ولا يَسِيراً أو قالَ: يَسَاراً،
يقال: ثَمَّ فُلاَتٌ، فيُقالُ: لَ)(١).
٤٧٧١- ووجدنا سليمانَ بن شُعيب قد حَدَّثْنَا قال: حَدَّثْنَا عبدُ
الرحمن بن زياد، قال: حَدَّثَنَا زُهيرُ بن مُعَاوية، عن منصور، عن هِلاَل
ورواه ابن أبي شيبة ٦٦/٨-٦٦٧، وعنه أبو داود (٤٩٦٠) عن محمد بن عبيد،
عن الأعمش، به.
(١) إسناده صحيح، وهو في مسند أبي داود الطيالسي (٨٩٣)، ومن طريقه رواه
الترمذي (٢٨٣٦)، وقال: حسن صحيح.
ورواه أحمد ٧/٥، ومسلم (٢١٣٧) من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة، به.
-٥٩٩-

كتاب الأدب - المناهي
بن يِسَاف، عن ربيع بنِ عُمَيلة، عن سَمُرَة، عن رسول الله : ﴿ّ فذكرَ
مثله.
٤٧٧٢- ووجدنا أبا أمَّة قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثْنَا محمد بن سابق،
قال: حَدَّثَنَا إبراهيم بن طَهْمَان، عن منصور، ثمَّ ذكر بإسنادِهِ مثلَه(١).
ووجدنا ابنَ أبي داود قد حَدَّثَنَا، قال: حَدَّثْنَا أبو مَعْمر عبد الله
بن عمرو بن أبي الحجاج، قال: حَدَّثَنَا عبد الوارث، قال: حَدَّثْنَا محمد
بن ◌ُحَادَة، عن منصور بنِ الْمُعْتَمِر، عن عمارة بنِ عُمير الّيمي، عن
ربيع بن عَمِيلَةَ، عن سَمُرَة، عن رسول الله:﴿ فذكر مثله.
٤٧٧٣- ووجدنا بكّار بن قُتَيْبَة قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بنُ
إسماعيل، قال: حَدَّثْنَا سفيان، قال: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بن كُهَيْل، عن هِلاَل
بنٍ بِسَاف، عن سَمُرَة بن حُنْدُب، قال: قال لِي رسولُ اللهَ﴿: ((لا
تُسَمِّيَنَّ عَبْدَكَ أفْلَحِ وَلاَ رَبَاحاً وَلاَ يَسَاراً).
قال أبو جعفرٍ: ففي بعض هذه الآثارِ فإنّك تقولُ: أَثَمَّ هو؟ فلا
يكونُ فيقولُ: لَاَ. ففي ذلك ما قد دَلَّ على أنَّ النهي عن هذه الأسماء
إنما كانَ خوفَ الطِِّرَةِ بها، كما نُهِي أَنْ يُورَدَ مُمْرِضٌ على مصحٌ:
فُيُصيبه مَا أصابَ الْمُمْرِضَ. فيقال: أصابَه، لأَنَّه أورَدَ عليه. وقد ذكرنا
ذلك فيما تقدَّم منا في كتابنا هذا، ثم كان من رسول الله 8* نهيه عن
الطَّيْرَةِ.
(١) رواه أحمد ١٠/٥ و٢١، ومسلم (٢١٣٧)، وأبو داود (٤٩٥٨)، والطبراني
(٦٧٩٣)، والبيهقي ٣٠٦/٩ من طرق عن زهير بن معاوية، به.
- ٦٠٠ -