النص المفهرس

صفحات 461-480

كتاب الأطعمة والأشربة
٤٥٨٢- حَدَّثْنَا يونس، قال: أخبرنا ابنُ وهب، قال: أخبرني ابنُ
أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن القاسم بن محمد، عن أسلم مولى عمر،
أن عُمَرَ رضي الله عنه أُتي بالطّلاء، وهو بالجابية، وهو يومئذٍ يُطبخ،
وهو كعقيد الرُّبِّ، فقال: إن في هذا الشراب ما انتهى إليه، ولا يُشرب
خلٌّ من خمرٍ أُفسِدَت حتى يبدأ الله عَزَّ وجَلَّ فسادَها، فعند ذلك يطيبُ
الخلُّ، ولا بأس على امرئٍ يَبْتَاعُ خلاً وجده مع أهلِ الكتاب ما لم يعلم
أنهم تعمَّدوا فسادها بعدما عادت حمراً (١).
(١) إسناده صحيح، ورواه البيهقي في ((سنته)) ٣٧/٦ من طريق محمد بن عبد الله
بن عبد الحکم، عن ابن وهب، به.
وقال البيهقي بإثره: قوله: (أَفْسِدَتْ)، يعني: عولجت.
ورواه أبو عبيد في ((الأموال» (٢٨٨) عن يحيى بن سعيد ويزيد بن هارون،
كلاهما عن ابن أبي ذئب، به.
ورواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٧١١٦) عن معمر، عن الزهري، به.
والطّلاء: هو ما طُبِخَ من العصير حتى ذهب ثلثاه، شبه بطلاء الإبل وهو القطران
الذي يطلى به الحرب.
قلت: قال البخاري في ((صحيحه) في كتاب الأشربة تحت: باب الباذق ومن نهى
عن كل مسكر من الأشربة: ورأى عمر، وأبو عبيدة، ومعاذ شُربَ الطِّلاء على
الثلث.
قال الحافظ: أي: رأوا جواز شرب الطلاء إذا طبخ فصار على الثلث، ونقص منه
الثلثان، وذلك بَيِّنٌ مِن سياق ألفاظ هذه الآثار، فأما أُثَرُ عمر، فأخرجه مالك في
(الموطأ) ٨٤٧/٢ عن داود بن الحصين، عن واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ، عن
محمود بن لبيد الأنصاري، أن عمر بن الخطاب حين قدم الشام شكا إليه أهل الشام
-٤٦١-

كتاب الأطعمة والأشربة
قال: فكان من حُجة مُخالِفِهم في ذلك أن الذي في هذا الحديث:
(ولا يشرب من خمر أفسدت حتى يبدأ الله عَزَّ وجَلَّ فسادها)) ليس
من كلامٍ عمر إنما هو من كلام الزهري، وصله بكلام عمر لما أتي
بالطِّلاء، فقال: ((إن في هذا الشراب ما انتهى إليه))، والدليلُ على ذلك
وباء الأرض وثِقَلها، وقالوا: لا صلحنا إلا هذا الشراب، قال عمر: اشربوا هنا
العسل، قالوا: لا يصلحنا العسل، فقال رجال من أهل الأرض: هل لك أن نجعل لك
من هذا الشراب شيئاً لا يسكر؟ قال: نعم، فطبخوه حتى ذهب منه الثلثان، وبقي
الثلث، فأتوه به عمر، فأدخل فيه عمر أصبعه، ثم رفع يده، فتبعها يتمطط، فقال: هذا
الطّلاء، هذا مثلُ طلاء الإبل، فأمرهم عمر أن يشربوه، فقال له عبادةُ بنُ الصامت:
أحللتَها والله، فقال عمر: كلا والله، اللهم إني لا أُحِلُّ لهم شيئٍ حَرَّمْتَه عليهم، ولا
أُحَرِّمُ عليهم شيئاً أحللتَه لهم.
وأما أثر أبي عُبيدة ومعاذ بن جبل، فأخرجه أبو مسلم الكجي، وسعيد بن
منصور، وابنُ أبي شيبة ١٧٠/٨ من طريق قتادة، عن أنس أن أبا عبيدة ومعاذ بن
جبل وأبا طلحة كانوا يشربون الطّلاء ما ذهب ثلثاه، وبقي ثُلُه.
قال الحافظ: والطلاء بكسر المهملة والمد: هو الدبس شبه بطلاء الإبل، وهو
القطران الذي يدهن به، فإذا طبخ عصيرُ العنب حتى تمدد أشبه طلاء الإبل وهو في
تلك الحالة غالباً لا يسكر.
وقد وافق عمرَ ومن ذكر معه على الحكم المذكور أبو موسى وأبو الدرداء،
أخرجه النسائي عنهما، وأبو أمامة، وخالد بن الوليد وغيرهم، أخرجها ابنُ أبي شيبة
١٧٠/٨-١٧٦ وغيره، ومن التابعين ابن المسيب والحسن وعكرمة، ومن الفقهاء
الثوري والليث ومالك وأحمد والجمهور، وشرط تناوله عندهم ما لم يسكر، وكرهه
طائفة تورعاً (من تعليق الأصل).
-٤٦٢ -

كتاب الأطعمة والأشربة
ما قال له موسى بنُ عقبة: افْصِلْ كلامَ النبي ◌ُ﴿ من كلامك، لما كان
يُحدِّث به من أحاديث النبيِّ {﴾، فيخلطه بكلامه.
ومما يدل على ذلك أيضاً روايةُ غير ابن أبي ذئب لهذا الحديث
عنه وهو يونسُ بنُ يزيد، كما حَدَّثْنَا يونسُ، قال: حَدَّثْنَا ابنُ وهبٍ،
قال: حدثني يونسُ، عن ابنِ شهابٍ أنه كان يقولُ: لا خيرَ في خَلِّ من
ثمر أُفسدت حتى يكون الله عَزَّ وجَلَّ يُفْسِدُها، عند ذلك يطيب الخلُّ،
ولا بأس على امرئ أن يبتاعَ خلاً وجده مع أهلِ الكتاب ما لم يعلم
أنها كانت حمراً، فتعمدوا فسادها بالماء، فإن كانت حمراً فتعمَّدُوا
فسادها، فتكون خلاً، فلا خير في أکل ذلك.
قال أبو جعفر: فبان بهذا الحديث أن ما أُضِيفَ في حديث ابن
أبي ذئب يعني إلى عمر رضي الله عنه إنما هو قولُه الذي قاله في الشراب
الذي أتي به في هذا الشراب ما انتهى إليه خاصة، وأن ما فيه سوى
ذلك إنما هو من كلامٍ ابنِ شهاب، لا من كلام مَنْ سواه، فقال الذين
منعوا من ذلك للذين أباحوه -وممن أباحه كثيرٌ من أهل الكوفةِ، منهم
أبو حنيفة وأصحابه -: هل تقدَّمكم في قولكم هذا أحدٌ من أصحاب
رسولِ اللهِوَ﴿ يكون إماماً فيما قُلْتُمُوه منه؟ فكان من حجتهم في ذلك
٤٥٨٣- ما قد حَدَّثْنَا يونسُ، قال: حَدَّثْنَا يحيى بنُ حسان، قال:
حَدَّثَنَا هُشيمٌ، قال: أخبرنا داودُ بنُ عمر، عن بُسْر بنِ عُبيد الله، عن
أبي إدريس الخَوْلاني، أنَّ أبا الدرداء كان يأكل المُرِّيَّ يجعل فيه الخمر
ويقول: ذبحته الشمس والملح.
-٤٦٣ -

كتاب الأطعمة والأشربة
ثم قالوا لهم: فما معنى أمرِ رسولِ الله ﴿ بإهراق خمرِ الأيتام،
ومنع من أن يُجعل خلاً، والأيتام إذا لم يجز فيهم غيرُ ذلك، كان في
غيرهم أحرى أن لا يجوز.
فكان مِن جوابهم في ذلك أن الخمرَ ليست للأيتام مالاً بعدما
حرَّمها الله عَزَّ وجَلَّ، وإنما كانت لهم قبل ذلك، ثم خرجت أن تكونَ
مالاً لهم، فكانوا - وإن كانوا أيتاماً- في ذلك كمن سواهم من البالغين،
وقد كان من رسول الله : #: عندما نزل تحريم الخمر
٤٥٨٤- كما قد حَدَّثْنَا يونس، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال:
أخبرني عبدُ الرحمن بنُ شريح، وابنُ لهيعة، والليثُ بنُ سعد، عن خالد
بن يزيد، عن ثابت بن يزيد الخولاني أخبره، قال: لقيتُ عبدَ الله بن
عمر، فسألته عن ثمن الخمر، فقال: سأُخبركم عن الخمر، إني كنتُ
عندَ رسولِ الله ◌ِّ في المسجدِ، فبينا هو محتبٍ حَلَّ حبوتَه، ثم قال: (مَنْ
كان عندَه من هذه الخمر شيءٌ، فَلْيُؤْذِنِي به))، فجعل الناسُ يأتونه،
فيقول أحدهم: عندي راوية، ويقول الآخرُ: عندي راوية، ويقول
الآخر: عندي زِقٌّ، أو ما شاء الله أن يكونَ عنده، فقال رسولُ الله ◌َلاّ
((اجتمعوا بنقيعٍ كذا وكذا، ثم آذنوني))، ففعلوا، ثم آذوه، فقام وقمتُ
معه، فمشيتُ عن يمينه وهو متوكئ علي، فلحقنا أبو بكر، فأخّرني
رسولُ اللهِ:﴿، وجعل أبا بكر مكاني، ثم لحقنا عُمَرُ بن الخطاب،
فأخّرني، وجعله عن يساره، فمشى بينما، حتى إذا وقف على الخمر،
-٤٦٤-

كتاب الأطعمة والأشربة
قال للناس: ((أتعرفون هذه؟) فقالو: نعم يا رسولَ الله هذه الخمرُ،
فقال: (صدَقْتُمْ)، فقال: ((إِنَّ الله عَزَّ وجَلَّ لَعَنَ الخمرَ وعاصِرَهَا
ومُعْتَصِرَهَا، وشارِبَها وساقِيَها، وحامِلَها والمَحْمولَةَ إليهِ، وبائِعَها
ومُشترَيَها، وآكِلَ ثَمنها))، ثم دعا بسكين، فقال: ((اشحذوها» ففعلوا،
ثم أخذَها رسولُ الله:﴿ يخرق بها الزِّقَاق، فقال الناسُ: إن في هذه
الزقاق منفعة، قال: («أجل، ولكنّي إنما أفعل ذلك غضباً لله عَزَّ وجَلَّ،
لما فيها من سخطه))، فقال عمر: أنا أكفيك، فقال: (لا)) (١). وبعضُهم
يزيد على بعضٍ في قِصَّةِ الحديثِ.
٤٥٨٥ - وما قد حَدَّثْنَا يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال:
حدثني ابنُ لهيعة أن أبا طُعمةِ حدَّثْه أنه سَمِعَ عبد الله بن عمر بن
الخطاب يُحدِّث بهذا الحديث عن رسولِ الله ◌ِ﴾(٢).
(١) رواه الحاكم ١٤٤/٤-١٤٥، والبيهقي ٢٨٧/٨ من طريق أبي العباس محمد
بن يعقوب، أنبأ محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أنبأنا ابن وهب، به. وقال الحاكم:
صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.
(٢) رواه أحمد ٧١/٢ عن حسن، عن ابن لهيعة، به.
ورواه أحمد ٢٥/٢ و٧١، وأبو داود (٣٦٧٤)، وابن ماجه (٣٣٨٠) من طرق
عن وكيع، حَدَّثَنَا عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، عن أبي طعمة، مولاهم، وعن
عبد الرحمن الغافقي أنهما سمعا ابن عمر يقول: قال رسول الله #: ((لعنت الخمر على
عشرة وجوه: لعنت الخمر بعينها، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها،
وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وآكل ثمنها)).
- ٤٦٥-

كتاب الأطعمة والأشربة
٤٥٨٦- وما قد حَدَّثَنَا الربيعُ بنُ سليمان الأزديُّ الجيزيُ، قال:
حَدَّثَنَا طلقُ بنُ السمح اللخميُّ، قال: حدثني أبو شريح عبدُ الرحمن بنُ
شريح، عن خالد بن يزيد، عن شراحيل بنٍ بكيل، عن عبد الله بن عمر
بن الخطاب، قال: كنتُ مَعَ رسولِ الله ﴿ حين نزلَ تحريمُ الخمر، فأمر
بآنيةِ الخمر، فجمعها في موضعٍ واحدٍ، ثم إنَّ رسولَ الله مح﴿ْ غَدَا وهو
آخِذٌ بيدي اليُسرى بيدِه اليُمنى، وأقبل عُمَرُ بنُ الخطاب، فحوَّلني عن
يساره، وأخذ رسولُ الله ◌َ﴿ بيدي اليُمنى بيده اليُسرى، وأخذ عمر
بيده اليمنى يدَه اليسرى، فسرنا رسولُ اللهِلَ﴿ٌ فيما بيننا، فأقبل أبو بكر
الصديقُ رضي الله عنه، فسرح رسولُ الله:# يدي وحوَّل عمر عن
يساره، وأخذ بيدٍ أبي بكر بيده اليمنى يده اليسرى، فسرنا حتى أتينا
الآنية التي جُمِعَتْ، وفيها الخمر والزِّقاق، فقال: ((ائتوني بشفرةٍ أو
مُدّيَةٍ)، فحسر رسولُ اللهِ :﴿ عن ذِراعيه وأخذ الشفرةَ، فقال أبو بكر
وعمر: يا رسول الله نحن نكفيك، فقال: ((شُقُّوها على ما فيها من
غضب الله، الخمر حرامٌ، لعن الله شاربَها، وبائعَها ومشتريَها،
وحامِلَها والمحمولَة إليه، وعاصِرَها ومعتصرَها، والقيِّمَ عليها، وآكلَ
ورواه أبو يعلى (٥٥٨٣) عن أبي خيثمة، عن يونس بن محمد، عن فليح، عن
سعيد بن عبد الرحمن الأنصاري، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه.
ورواه البيهقي ٢٨٧/٨ من طريق يزيد بن هارون، عن شريك، عن عبد الله بن
عيسى، عن أبي طعمة، عن ابن عمر.
-٤٦٦-

كتاب الأطعمة والأشربة
ثمنها)».
فكان في هذا الحديثِ شقُّ رسولِ الله ◌ِ﴾# الزِّقاق وليست من
الخمر في شيء غضباً لله عَزَّ وجَلَّ في تأخير من كانت عنده بعدَ تحريم
الله عَزَّ وجَلَّ إِيَّها، فعاقبهم بشقِّ زِقاقهم، لأنه قد كان عليهم أن
يُسارِعُوا إلى إتلافِ ما حرَّمه الله عليهم حتى لا يَصِلَ أحدٌ إلى المنفعة
به، كما كانوا ينتفعون بها قبلَ تحريم الله عَزَّ وجَلَّ إِيَّاها عليهم، وحين
لم يكونوا في ذلك كما كانت المشيخة من الأنصار كأُبيّ، وأبي
طلحة، وكسهيل بن بيضاء، أمروا أنس بن مالك وهم يشربون ما
كانوا يشربونه يومئذ، وأنس ساقيهم، إذ مرَّ رجلٌ، فقال: ألا هل
شعرتُم أن الخمر قد حرمت؟ قالوا: أَكْفَأ ما في إنائك يا أنس، قال
أنس: فما عادوا إليها حتى لَقُوا الله عَزَّ وحَلَّ رِضوانُ الله عليهم، وكان
مَنْ سواهم ممن تخلَّفَ عن مثلٍ فعلهم ليس في ذلك كَهُمْ، فَعُوقِبُوا
بتخلُّفهم عن ذلك بشقِّ زقاقهم وإتلافِها عليهم، ومنعهم من الانتفاع
بها، وكان ذلك عندنا - والله أعلم- في الحال التي كانت العقوباتُ
على الذنوب تكونُ في الأموال كما قال رسول الله 8# في مانع الزكاة:
((فَإِنّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مالِه عَزْمَةٌ مِنْ عَزَمَاتِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ)(١)، وكما
(١) رواه أحمد ٢/٥ و٤، وأبو داود (١٥٧٥)، والنسائي ١٥/٥-١٧ و٢٥ وفي
(الكبرى)) (٢١٤٦) و(٢١٥١)، والدارمي ٣٩٦/١ من طرق عن بهز بن حكيم بن
معاوية القشيري، عن أبيه، عن جده رفعه: «في كل إبلٍ سائمة في كل أربعين ابنة
-٤٦٧ -

كتاب الأطعمة والأشربة
قال في سارق الحَرِيسَةِ من الجبل: «عَلَيْهِمْ مِثْلُ غُرمٍ مِثْلَيْهَا وَجَلَدَاتُ
نَكَالٍ)(١)، وكما قال بعد تحريم صيد المدينة: ((من وَجَدْتُموه يَصِيدُ في
شيءٍ مِنْها فَخُذُوا سَلَه))(٢).
وقد ذهبَ غيرُ واحدٍ من أصحابِ رسولِ اللهِمَ﴿ وهُمْ عُمرُ بنُ
الخطاب، وسعد بن أبي وقاص إلى أن ذلك الحكم كان باقياً بَعْدَ
لبون، لا يفرق إبل عن حسابها، من أعطاها مؤتجراً، فله أجرها، ومن أبى، فإنا
آخذوها وشطرَ ماله، عزمةٌ من عزمات ربنا عَزَّ وجَلَّ، لا يحل لآل محمد منها
شيء)).
(١) حديث حسن. وراه أحمد ١٨٠/٢ و١٨٦، وأبو داود (١٧١٠)، والنسائي
٨٥/٨، ٨٦ من طرق عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسولَ الله ◌ِ﴾
سئل عن الثمر المعلق، فقال: ((ما أصاب من ذي حاجة غير متخذ خبنة (أي: لا
يأخذ منه في ثوبه) فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه، فعليه غرامة مِثْلَيْهِ
والعقوبة، ومن سرق شيئاً بعد أن يُؤويه الجرين (هو موضع تجفيف التمر)، فبلغ ثمن
· المجن، فعليه القطع، ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثليه والعقوبة)).
وفي رواية للنسائي أن رجلاً من مزينة أتى رسول الله ﴾، فقال: يا رسول الله،
كيف ترى في حريسة الجبل؟ فقال: «هي ومثلها والنكال، وليس في الماشية قطع إلا
فيما آواه المراح، فبلغ ثمن المجن، ففيه قطع اليد، وما لم يبلغ ثمن المجن، ففيه غرامة
مثليه، وجلداتُ نكال). قال: يا رسولَ الله، كيف ترى في الثمر المعلق؟ قال: ((هو
ومثله معه، والنكال، وليس في شيء من الثمر المعلق قطع إلا فيما آواه الجرين،
فما أخذ من الجرين فبلغ ثمن المجن، ففيه القطع، وما لم يبلغ ثمن المجن، ففيه غرامة
مثليه وجلدات نكال)).
(٢) انظر أحمد ١٧٠/١، وأبو داود (٢٠٣٧)، ومسلم (١٣٦٤).
-٤٦٨-

كتاب الأطعمة والأشربة
النبيِّ﴾(١)، فمن ذلك ما قد رُوِيَ عن عمر فيه
٤٥٨٧- كما حَدَّثْنَا عُبيد بن رِجال، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن
صالح، قال: حَدَّثْنَا إسماعيلُ بنُ أبي أويس، عن أخيه، عن سليمانَ، وهو
ابنُ بلال، عن ابنِ أبي ذئبٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن سالمٍ، عن أبيه، عن
عُمَرَ بنِ الخطاب رضي الله عنه أنه كان يغدو فينظُر إلى الأسواق، فإذا
رأى اللبنَ، أمَرَ بالأسقيةِ ففُتِحَتْ، فإن وجد منها شيئاً مغشوشاً قد
جعل فيه ماء غشَّ به، أَهْرَاقها.
قال: ونحن نعلم أن اللبنَ وإن غُشَّ، ففيه بعد ذلك منفعة قد ينتفع
به أهلُه وهو كذلك، وإن عمر لم يُهرِقْه إلا خوفاً من أهله أن يَغُشُّوا به
الناسَ، فأهراقَه لذلك.
وقد يحتمل أيضاً أن يكونَ منع رسولُ اللهِ مَّ مَنْ سأله أن يجعل
الخمر خلاّ لمثلِ ذلك خوفَ أن يَخْلُوَ بها، فيأتي منها ما حرَّم الله عليه
منها، فأمره بإهراقِها لذلك. وقد شدَّ هذا التأويلَ ما كان منه في الزقاق
التي خرقها، وقد رأى زِقاقاً غيرها وفيها خمر، فلم يخرقها إذا كان أهلُها
لم يفعلوا فيها مثلَ الذي فعله أهلُ تلك فيها.
٤٥٨٨- كما حَدَّثَنَا يونس، قال: أخبرنا ابنُ وهب، قال:
أخبرني مالك بن أنس وغيره، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن
وَعْلَة السيائي من أهل مصر أنه سأل ابنَ عباسٍ عما يُعْصَرُ من العنب؟
(١) انظر كلام ابن القيم في ((إعلام الموقعين)) ١١٧/٢.
-٤٦٩-

كتاب الأطعمة والأشربة
فقال ابنُ عباس: إن رجلاً أهدى لِرسول الله وَ﴿ٌ راويةَ خمر، فقال له
رسولُ الله ﴿: «هل عَلِمتَ أنَّ الله عَزَّ وجَلَّ قد حرَّمها؟)) فقال: لا،
فسارَّ إنساناً عنده، فقال له رسولُ اللهِ مَّ: ((بِمَ سارَرَتَه؟)، قال: أمرته،
أو فقال: أمرته أن يبيعَها، فقال: ((إن الذي حرَّمَ شُرْبَها، حَرَّمَ بِيعَهَا))،
قال: ففتح المزادتَيْنِ حتى ذهب ما فيهما (١).
٤٥٨٩- وكما حَدَّثْنَا يونسُ، قال: أنبأنا ابنُ وهب، قال:
أخبرني سليمانُ بنُ بلال، عن يحيى بنِ سعيد، عن عبد الرحمن بن
وعلة، عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما، عن رسولِ الله ﴿ مثلَه.
أفلا ترى أن رسولَ الله :﴿ لم يخرِقَ الرَّاويةَ التي كان فيها الخمرُ
كما خرق الزِّقَاق التي كان فيها الخمرُ في حديثِ ابنِ عمر، فدلَّ ذلك
أن التخريق إنما كان لما في حديث ابن عمر غضباً على مَنْ غيبها بعدَ
تحريمها، فقد يجوزُ أيضاً أن يكونَ من غيبها ممن سأل رسولَ اللهِمُ﴿₪ عن
(١) إسناده صحيح، وهو في (الموطأ) ٨٤٦/٢.
ورواه من طريق مالك أحمد ٣٥٨/١، ومسلم (١٥٧٩) (٣٨)، والبيهقي
١١/٦. ورواه أحمد ٢٣٠/١، والدارمي ١١٤/٢، وأبو يعلى (٢٤٦٨) من طريقين
عن محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن أبي زيد، عن القعقاع بن الحكيم، عن عبد
الرحمن بن وعلة، به.
ورواه أحمد ٢٤٤/١ من طريق فليح و٣٢٣ - ٣٢٤، وأبو يعلى (٢٥٩٠) من
طريق عبد الرحمن بن إسحاق، ومسلم (١٥٧٩) من طريق حفص بن ميسرة،
ثلاثتهم عن زيد بن أسلم، به.
- ٤٧٠-

كتاب الأطعمة والأشربة
تخليلها منعه من ذلك عقوبةً له، لا لأنها لو خللت لم تحل له.
فإن قال قائل: فما الذي يوجبه القياسُ في هذا الاختلاف الذي
ذكرته عن أهل العلم فيما ذكرته فيه؟
قيل له: القياسُ يوجبُ أن يكونَ بذلك طلقاً، لأن رأينا العصيرَ
الحلال إذا صار خمراً مِن نفسه، أو صار خمراً بعلاج مِن غيرِه أن ذلك
سواء، وأنها حرام للعلة التي حدثت فيها، ولم تفترق في ذلك ما كان
من ذاتها، ولا مما كان فعل أحد من الناس ذلك بها. وكان مثل ذلك
إذا كانت خمراً، ثم انقلبت خلاً أن يستويّ ذلك فيها، وأن يكونَ
انقلابُها بذاتها، وانقلابُها بفعل أحد من الناس بها بمعنى واحد، ويكون
حدوثُ صفة الخل فيها يُوجب لها حُكْمَ الخل، فيعود إلى حِلّه، ويزول
عن حكم الخمر التي كانت عليه في حرمته، ومثلُ ذلك أيضاً دباغُ الميتة
أنه يستوي علاجُها وهي حرام حتى تعود حلالاً كما تعود حلالاً لو
تركت حتى تجف في الشمس وتَسْفِيَ عليها الرياحُ، فيكون ذلك سبباً
الذهاب وَضَرِ الميتةِ عنها، وإعادة لها إلى حكم الأُهب التي من المذكى
من أجناسها. والله عَزَّ وجَلَّ نسأله التوفيق.
- ٤٧١ -

كتاب الأطعمة والأشربة
٦٣٨ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله﴾ في أحْكامِ
أقوالِ السَّكْرَانِ وأفعالِه، وفي الحُكمِ الذي يكونُ به سكراناً ما
هو؟
قال أبو جعفر: أوَّلُ ما نبتدِئُ به في هذا البابِ قولُ اللهِ جَلَّ
ثناؤُهُ: ﴿يَا أَّها الّذِينَ آَمُوا لَ نَقْرَبُوا الصَّلَ وأُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعَلَمُوا ما
تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، فكان في هذه الآية نهيُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ إِيَّاهُم في
الحال التي كانت الخمرُ فيها حلالاً لهم أن يَقْرَبُوا الصَّلاةَ إذا شَرِبوها
حتى صارُوا لا يعلمون ما يقولُون، وقد روينا فيما تقدَّمَ منا في كتابنا
هذا حديثَ عمرَ رضي الله عنه أن مناديَ رسول الله {/* كان إذا
أُقيمت الصلاةُ يُنادي: لا يَقْرَبَنَّ الصلاةَ سكران(١).
وفي هذا ما قد دَلَّ على أنهم لمّا كانوا قد نُهوا عن ما نُهوا عنه
من هذا، قد كانت بقيت من عقولهم بقيةٌ يعلمونَ بها ما نُهوا عنه. ولا
يدخُلُونَ الصلاةَ عليه، وفي ذلك ما قد دَلَّ أن السكرانَ المستحقَّ لاسمٍ
السُّكْرِ ليس هو الذي لا يعقلُ الأرضَ من السماءِ، ولا المرأةً من
الرجلِ، كما كان أبو حنيفةً يقولُه في ذلك، ولكنه الذي معه التخليطُ
من أجْلِ السُّكْرِ الذي قد صار مِن أهله، فصار يلحقُه به التخليطُ في
أقوالِه وفي أفعالِه حتى لا يَمْلِكَ مِن نفسه الامتناعَ مِن ذلك، كما كان
أبو يوسُفَ يقولُه فيه، وقد رُوِيَ في ذلك ما قد دَلَّ على هذا المعنى
(١) رواه أبو داود (٣٦٧٠)، والترمذي (٣٠٤٩)، والنسائي ٢٨٦/٨-٢٨٧.
- ٤٧٢-

كتاب الأطعمة والأشربة
٤٥٩٠- كما قد حَدَّثْنَا ابنُ أبي مريمَ، قال: حَدَّثْنَا الفريابيُّ،
قال: حَدَّثنَا سفيان، عن عطاءِ بنِ السائب، عن أبي عبد الرحمن
السُّلَمِيِّ، قال: دعا رجلٌ من الأنصارِ علياً وعبد الرحمن بن عوف،
فأصابوا مِن الخمر - يعني قبلَ أن تُحرَّمَ - فَقَدَّموا عليّاً في صلاة المغرب،
فقرأ: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ [الكافرون: ١]، فخلط فيها، فنزلت: ﴿،
أُهَا الَّذِيِ آمنوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأُمْ سُكَارَى﴾(١).
قال: فعقلنا بذلك أن السُّكْرَ الذي يُسَمَّى صاحِبُه سَكْراناً،
ويَدْخُلُ في أحكامِ أهلِهِ هو الَّذِي جعلَه أبو يوسُفَ سَكْراناً بما يحدث
فيه بالسُّكْرِ لا السَّكرانُ الآخرُ الذي جعله أبو حنيفة سكراناً بالأحوال
التي ذكرها مما يحدث فيه.
فقال قائل: هذا حديثٌ منقطعٌ ليسَ مِما يَنبغي أن يُحتجَّ في هذا
الباب بمثله. فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيقِ الله عَزَّ وجَلَّ وعونه أنَّه وإن
كان منقطعاً في رواية الفريابي، عن سفيان، فإن غيرَهُ مِن رواةٍ سُفيانَ
(١) في إسناده انقطاع لكنه روى موصولاً.
رواه أبو داود (٣٦٧١) عن مسدد، عن يحيى، عن سفيان، عن عطاء بن السائب،
عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي، وهذا إسناده متصل.
ورواه موصولاً الحاكم ٣٠٧/٢ من طريق أبي نعيم وقبيصة، عن سفيان، به. وفيه
أن الذي أمَّهم رجل، ولم يذكر أنه علي.
ورواه الحاكم أيضاً ١٤٢/٤ من طريق أحمد بن حنبل، عن وكيع، عن سفيان، به
موصولاً، وفيه أن الذي أمَّهم هو عبدُ الرحمن بن عوف، وقال الحاكم: هذا حديث
صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وقد اختلف فيه على عطاء بن السائب من ثلاثة أوجه،
هذا أولها وأصحها.
-٤٧٣-

كتاب الأطعمة والأشربة
قد رَفَعهُ، منهم: عبد الرحمن بن مهدي وغيرُه، فذكروه عن أبي عبد
الرحمن، عن علي. وقد رواه أبو جعفر الرازي، عن عطاء بن السائب
مرفوعاً، کما ذکرنا
٤٥٩١- مما ناوَلَناه أحمدُ بنُ شعيبٍ في كتابه بخطّه أمرنا
بانتساخه لِيحدثنا به، فكان فيه أن أحمدَ بنَ سعيدٍ - يعني الرِّبَاطي -
أخبره، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله - يعني ابن سعد الدَّشْتَكي-
، قال: حَدَّثْنَا أبو جعفر - يعني الرَّازي-، عن عطاء بن السائب، عن
أبي عبد الرحمن، عن على، قال: صنع لنا عبدُ الرحمن بن عوف رضي
الله عنه طعاماً، فدعانا فأكَلنا، وسَقَانا مِن الخمر، فَأَخَذَتْ فينا،
وحَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَقَدَّمُوني، فقرأت: ﴿قُلْ يَا أَيِها الڪَافِرِونَ، لا أَعْبُدُما
تعبُدُونَ﴾، ونحن نعبدُ ما تَعْبُدُونَ، فأنزل الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ
وأُمْ سُكَارَى﴾(١).
فعادَ هذا الحديثُ متصلَ الإِسنادٍ، ولَمَّا وقَفْنا على السكرانِ
الذي تزولُ به أحكامُه عن أحكامِ الأصحَّاء، ويَرجِعُ إلى خلافِها من
أحكام أضدَادِهم، التمسنا ما قد رُوِيَ عن رسول اللهمَ﴿ٌ في ذلك المعنى
أيضاً:
٤٥٩٢- فوجدنا فهدَ بن سليمانَ قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثَا أبو
(١) أبو جعفر الرازي ضعيف. ورواه عبد بن حميد (٨٢)، وعنه الترمذي
(٣٠٢٦)، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد، به. وقال الترمذي: حسن صحيح
غريب.
-٤٧٤ -

كتاب الأطعمة والأشربة
نُعيم، قال: حَدَّثْنَا بَشيرُ بنُ المهاجر الغَنَوي، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ
بريدة، عن أبيه، قال: كنت جالساً عند النبيِّ لَ﴿، فأتاه رجلٌ يقال له:
ماعِزُ بنُ مالك، فقال: يا نبيَّ الله، إنّي قد زَنَّيْتُ، وإني أُرِيدُ أن
تُطَهِّرَني، قال له: ((ارجع)، فلما كان من الغداةِ أتماه أيضاً، فاعترف
عنده بالزِّنى، فقال له النبيَُّ﴿: (رْجِعْ)، ثم أرسل النبيُّ لَ﴿﴿ إلى قومه،
فسألهم عنه، فقالَ: ((ما تَقُولُون في ماعِزِ بنِ مالك؟ هل ترون به بأساً،
أو تُنْكِرُونَ مِن عقله شيئاً؟) فقالوا: يا رسول الله، ما نرى به بأساً،
وما نُنكِرُ من عقله شيئاً، ثم عاد إلى النبيِّ:﴿ الثالثةَ، فاعترف عنده
بالزِّنى، وقال: يا رسول الله طَهِّرْني، فأرسل النبيُّ﴿، فسألهم عنه،
فقالوا كما قالوا في المرة الأولى: ما نرى به بأساً، وما نُنكِرُ من عقله
شيئاً، ثم رجع إلى النبي﴿، فأقرَّ عنده بالزنى، فأمر به النبيُّ ◌َ﴿،
فَحُفِرَتْ له حفرةٌ، فجُعِلَ فيها إلى صَدْرِهِ، ثم أمر الناس أن يَرْجُمُوهُ.؟
قال بُرَيدةُ: كُنَّا نَتَحدَّثُ بيننا أصحابَ النبيِّ﴿: أن ماعزَ بن مالكٍ لو
جلس في رَحْله بعدَ اعتِرافِه ثلاثَ مراتٍ لم يَطْلُبْهُ، وإنما رجَمَه عند
الرابعةِ (١).
فكان في هذا الحديث من قول رسول الله # في سؤاله قوم ماعز
(١) رواه ابن أبي شيبة ٧٣/١٠، ومسلم (١٦٩٥) (٢٣)، والنسائي في
(الكبرى) (٧١٦٧) و(٧٢٠٢)، والحاكم ٣٦٢/٤، والبيهقي ٢٢١/٨ من طرق عن
بشير بن المهاجر، به. وبعضهم يزيد عليه قصة الغامدية.
ورواه أبو داود (٤٤٣٤) من طريق أبي أحمد الزبيري، عن بشير بن المهاجر، به،
مقتصراً على قول بريدة في آخر الحديث.
- ٤٧٥-

کتاب الأطعمة والأشربة
عنه: ((هل تُنكرون من عقله شيئاً؟))، ولم يُخَصِّصْ في ذلك سبباً مما
ينكر به عقلُه من سُكْرٍ ومِنْ غيره، عقلنا بذلك: أنّه إذا أُنْكِرَ من عقله
شيءٌ، خرج به من أحكام الأصحَّاء المقبولةِ إقراراتهم إلى من سواهم
ممن لا يُقبل إقرارُه، وأنه يستوي في ذلك حكمُ الأسبابِ التي بها يُنكِر
من عقولِ أصحابها ما يُنكِرِ من الجنون، ومِن غيره، وفي ذلك دخولُ
السُّكْرِ في ذلك المعنى، ووجدنا عن رسول الله ﴿ أيضاً في أمر ماعزِ ما
يَزِيدُ على ما في هذا الحديث.
٤٥٩٣- وهو ما قد حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال: أخبرني
إبراهيمُ بنُ يعقوب بن إسحاق الجوز جاني، قال: حدَّثْني يحيى بنُ يعلى
بن الحارثن قال: حَدَّثَنَا أبي، قال: حَدَّثْنَا غيلانُ بنُ جامعٍ، عن علقمة
بِنِ مَرْتَد، عن سليمانَ بن بُريدة، عن أبيه، قال: جاء ماعِزُ بنُ مالكٍ إلى
البِّ ◌َ﴿، فقال: يا رسول الله طَهِّرْني، فقال: ((وَيْحَكَ، ارْجِعْ، فَاسْتَغْفِر
الله، وَتُبْ إليه)، ثم جاءهُ، فقال: يا رَسول الله طَهِّرْني، فقال:
((وَيْحَكَ، ارْجِعْ، فَاسْتَغْفِرِ الله عَزَّ وجَلَّ، وَتُبْ إليه))، فَرَجَع غيرَ بعيدٍ،
ثم جاء، فقال: يا رسولَ الله طَهِّرني، فقال النبيُّ ◌َ﴿ِ مثلَ ذلك، حتى
إذا كانتِ الرَّابعةُ، قال له النبيُّنَ﴿: ((مِما أُطَهِّرُكَ؟)) قال: مِن الرِّنى،
فسألَ النبيُّ ◌َ﴿: ((أبِهِ جُنونٌ؟) فأُخْبِر أنه ليس بمجنون، فسأل: «أشَرِبْتَ
ثمراً؟) فقام رجل، فاستَنْكَهَهُ، فلم يجد فيه ريحَ خمرٍ، فقال النبيُّ ◌َّ:
((أَيِّبٌ أنت؟) قال: نعم، فأمر به فَرُجِمَ (١).
(١) إسناده صحيح، وهو في ((السنن الكبرى) للنسائي (٧١٦٣).
ورواه مسلم (١٦٩٥) (٢٢) عن محمد بن العلاء الهمداني، والبيهقي ٢١٤/٨ من
-٤٧٦-

كتاب الأطعمة والأشربة
فكان في هذا الحديث الكشفُ عن أحوالِ ماعزِ التي بها يندفعُ
عنه إقرارُه بالزِّنى، ووجوبُ الحدِّ به عليه، وأنَّ السُّكَر منها، وأن ذلك
السكر هو السكر الذي ذكرناه عن أبي يوسف، لا السُّكر الذي
ذكرناه عن أبي حنيفة.
وفي ذلك ما قد دَلَّ على أن السَّكرانَ الذي معه التخليطُ الذي لا
يملكه من نفسه فيدخل بذلك في أحكام من معه ذلك التخليط بالجنون،
فيكون في أحكامه فيما كان سببُّه السكر كالمجنون في أحكامه مما يُشبه
الجنونَ الذي هو به، ثم طلبنا الوجهَ في ذلك من أقوالِ أصحابِ رسولِ
٤٥٩٤- فوجدنا الربيعَ بنَ سليمانَ المراديَّ قد حَدَّثْنَا، قال:
حَدَّثَنَا خالدُ بنُ عبد الرحمن الخراساني، قال: حَدَّثْنَا ابنُ أبي ذئب،
قال: حَدَّثَنَا الزهري، قال: أُتيَ عمرُ بنُ عبد العزيز بسكران، فقيل: إنه
طَلِّقَ امرأَتَه، فكان رأيُ عمرَ أن يجلدَه، وأن يُفَرِّقَ بينه وبينها، فحدثه
طريق جعفر بن محمد الصائغ، كلاهما عن يحيى بن يعلى، به. لكن سقط يعلى بن
الحارث أبو يحيى من مطبوعة مسلم. وأثبت في يالتحفة)) ٧٣/٢-٧٤. قال النووي في
((شرح مسلم)) ٢٠٠/١١: هكذا في النسخ: عن يحيى بن يعلى، عن أبيه، عن
غيلان .... ثم ذكر تتمة كلام القاضي عياض، وقال بعده: وهو صحيح كما قال،
ولم يذكر أحد سماعاً ليحيى بن يعلى هذا من غيلان، بل قالوا: سمع أباه وزائدة.
وعلقه البخاري (٥١٢٧) من طريق يحيى بن سليمان، عن ابن وهب، به.
وروى أبو داود (٤٤٣٣) عن محمد بن أبي بكر بن أبي شيبة، عن یحیی بن یعلی،
به أن النبي # استنكه ماعزاً.
-٤٧٧-

كتاب الأطعمة والأشربة
أبانُ بنُ عثمانَ أن عثمانَ قال: ليس للمجنون ولا للسكران طلاقٌ،
فقال عمرُ: هذا يخبرني عن عثمان، فجلده وردَّ امرأته. قال الزّهريُّ:
فذكرته لرجاء بن حيوة، فقال: قرأ علينا عبدُ الملكِ بنُ مروان كتاباً مِن
معاوية في السنن: أنَّ كلَّ طلاق جائزٌ إلا طلاقَ المجنون.
فقال قائل: فقد رويتَ عن عثمانَ ما قد رويته في هذا الباب،
ورويتَ فيه عن معاويةً ما يُخالِفُه فيه، قد رُوِيَ مثلُ ذلك عن علي بن
أبي طالب عليه السَّلامُ
٤٥٩٥- فذكر ما قد حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوقٍ، قال: حَدَّثْنَا
بشر بنُ عمرَ الزهرانيُّ، قال: حَدَّثَنَا شعبةُ، عن سليمانَ الأعمش، قال:
سمعت إبراهيمَ، عن عابس بن ربيعة، أن علياً عليه السَّلامُ، قال: مَنْ
طَلَّق، أجَزنا طلاقَه إلا طلاقَ المعتوه(١).
٤٥٩٦- وما قد حَدَّثْنَا عليٌّ بنُ شيبةَ، قال: حَدَّثَنَا أبو نُعيم،
قال: حَدَّثْنَا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن عابس بن ربيعة،
عن علي، قال: كُلُّ طلاقٍ جائزٌ، إلا طَلَاقَ المعتوهِ.
وكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عَزَّ وحَلَّ وعونه: أنَّ الذي
رويناه عن علي، وعن معاوية ليس بمخالفٍ لما ريناه عن عُثمان مما
ذكرنا، لأن العَتَهَ قد يكون من الجُنونِ، وقد يكون من السُّكْرِ كما
يكونُ من الجنون، فعادَ معنى قولِهما في ذلك إلى قولِ عُثمان فيه.
(١) رواه عبد الرزاق (١٢٢٧٧)، وابن أبي شيبة ٣١/٥، والبغوي في
(الجعديات)) (٧٦٤) و(٧٦٦)، والبيهقي ٣٥٩/٧، وابن حجر في ((التعليق) ٤٥٩/٤
من طرق عن الأعمش، به.
-٤٧٨-

كتاب الأطعمة والأشربة
فقال قائل: إن السَّكرانَ، وإن كان قد ذهبٌ عقلُهُ بسُكره، فهو
الذي أدخل السُّكْرَ على نفسه بفعله، فلم يَكُنْ إذ كان كذلك كالمجنون
الذي دَخَلَ عليه الجُنونُ مِن غيرِ فعله.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ وعونه: أنّا رأينا
المجنونَ لا تَختلفُ أحكامُه في حالِ جُنونه باختلافِ أسبابٍ جنونه في
أن يكونَ بأفعاله وفي أخذه أشياءَ كانت أسباباً لِذهابِ عقلِه، وفي
حدوث الجنونِ به مما لا سببَ له فيه في لزومِ أحكامِ المجانين إيّاهُ في
سقوطِ الفروض عنهُم، وفي ارتفاع العَمْدِ عنهم في جناياتِهم في القتلِ
حتى لا يكونَ عليهم فيه قَوَدٌ، وحتّى يكون دياتُ من قُتِلُوا على
عواقِلهم، ولما كان ذلك كذلك، وكان المُراعَى في ذهاب عقولِ
الأصحاء ذهابَ عقولهم لا الأسباب التي كانت أسباباً لِذهاب عقولهم،
كان كذلك السكرانُ: يكون عليه ذهابُ عقلِه لا السببُ الذي كان به
ذهبَ عقله، فيكون بذهابِ عقله له حكمُ من لا عقل له، ولا يُراعى
في ذلك اختلافُ أسبابِ ذهاب عقلِه، ومثلُ ذلك أيضاً ما قد أجمع
عليه في الصحيح المطيقِ للصلاة قائماً الذي فَرَضَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ عليه أن
يُصلَّهَا كذلك لو كسر رِجْلَه حتى عاد عاجزاً عن القيام للصلاة، وأن
يُصليها كذلك، أن فرضَه أن يُصليها قاعداً على ما يُطيقُ صلاتَها عليهِ،
وأن ذلك مما یکون حکمه فيه في العجر عن القيام وصلاته، كذلك في
حكم العجزِ عن القيامِ بما يَحِلُّ به مما يُعيده إلى تلك الحالِ مِن افعالِ اللهِ
جَلَّ وعَزَّ به، ثم من أفعالِ عبادِهِ مثلَه به، وأنه لا يجبُ عليه قضاءُ
الصلاةِ قائماً، وإن عاد إلى القُدرةِ على ذلك، وفيما ذكرنا دليلٌ على
-٤٧٩-

كتاب الأطعمة والأشربة
أنَّ طلاقَ السَّكرانِ وسائرَ أقواله وسائرَ أفعاله يعودُ إلى أحكامِ أقوالِ
ذاهبي العقولِ سِواه. وإلى أحكام أفعالِ ذاهبي العُقول سواه، وهذا
خلافُ ما كان أبو حنيفة وأصحابُه والشافعيُّ يقولونه فيه، وخلافُ ما
كان مالكٌ يقولُه فيه من إجازتهم طلاقه، غير أن مالكاً قال: لو علمتُ
أنه لم يَكُنْ يَعْقِلُ، ما أجزت طلاقه، فكأنه أعذرُ من غيره في ذلك، لا
أنه قد كان يلزمه أن لا يُطَلِّقَ بالشكِّ حتى يعلمَ باليقين وجوبٌ
الطلاق، لأن ما عُلم يقيناً لم يرتفع إلا بما يزيله يقيناً، كذلك فرائض الله
عَزَّ وجَلَّ على عباده في صلواتهم، وفيما سواها من عباداتهم، وما رأينا
فقيهاً ممن ينسب إليه النظرُ من أهل الفِرَقِ إلا على ما ذكرناه، وهو
القولُ عندنا الذي لا يجوز خلافُه، ولا يسعُ ذا فهم أن يتقلَّد غيرَه. والله
نسأله التوفيق.
- ٤٨٠-