النص المفهرس
صفحات 181-200
كتاب المواريث والوصية والهبة
[الرقبى]
٥٨٧- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول اللهِ ﴾ في الرُّقْبی
٤١٠١- حَدَّثَنَا يونسُ، حَدَّثْنَا سفيانُ، عن ابن حُريج، عن
عطاء، عن جابرٍ، عن النبيَِّ﴿ قال: (لا تُعْمِروا ولا تُرْقِيُوا، فمن أُعْمِرَ
شيئاً أو أُرْقِبَهُ، فهو لِلوارث إذا ماتَ)(١).
٤١٠٢- وحَدَّثَنَا أحمدُ بنُ شعيبٍ، حَدَّثْنَا إسحاقُ بنُ إبراهيم،
أخبرنا عبدُ الرزاق، حَدَّثْنَا ابنُ جريج، عن عطاء، قال: أخبرني حبيبٌ
بنُ أبي ثابت، عن ابنِ عُمر أنَّ رسول الله:﴿ٍ قال: «لا عُمْرَى ولا
رُقِى، فمن أُغْمِرَ شيئاً، أو أُرْقِبَهُ، فهو له حياته ومماته)(٢).
٤١٠٣- وحَدَّثَنَا أحمدُ، أخبرنا عبدة بن عبد الرحيم، أخبرنا
وكيع، عن يزيد بن زياد بن أبي الجعد، عن حبيب بن أبي ثابت، قال:
سمعتُ ابنَّ عمر يقولُ: نهى رسولُ اللهِ﴿ عن الرُّقبى، قال: ((ومَنْ
أُرْقِبَ رُقْبی، فهي له».
فكان فى هذا الحديثِ عن رسول الله ﴿ أنَّ الرقبى تكونُ لِمَنْ
(١) الحديث في ((شرح معاني الآثار)) ٩٣/٤. ورواه الشافعي ١٦٨/١،
والحميدي (١٢٩٠)، وأبو داود (٣٥٥٦)، والنسائي ٢٧٣/٦، وابن حبان
(٥١٢٧)، والبيهقي ١٧٥/٦، والبغوي (٢١٩٨) من طريق ابن عيينة، به. ورواه
الطبراني (١٧٤٧) من طريق يعقوب بن عطاء، عن عطاء، به. وانظر الباب التالي.
(٢) رواه النسائي في ((سنته) ٢٧٣/٦، به. ورواه أحمد ٣٤/٢ و ٧٣، وابن ماجه
(٢٣٨٢)، وابن الجارود (٩٩٠) من طرق، عن عبد الرزاق، به.
- ١٨١ -
كتاب المواريث والوصية والهبة
أُرْقبها، وأن الشرط الذي اشترط عليه فيها يَبْطُلُ، ولا يكونُ له معنى.
وهذه مسأله قد اختلف أهلُ العِلْمِ فيها، وفي كَيْفِيَّةِ الرُّقبى التي لها
هذا الحكم.
فقالت طائفة منهم: هي قولُ الرجلِ للرجل: قد جَعَلْتُ داري
هذه رُقبى لك إن مُتَّ قبلي، فهي لي، وإن مُتُّ قبلَك، فهي لك،
فجعلوها كالعارية ولم يوجبوا بها ملكاً للمُرْقَب فيما أُرقبه كذلك،
وممن قال ذلك منهم: أبو حنيفة، ومحمدُ بنُ الحسن، وكانوا يذهبون في
كيفيتها إلى ما ذكرناه مما قد قيل فيها، وقد ذكر عبدُ الرحمن بنُ القاسم
جواباً لأسد لمّا سأله عن قولٍ مالك فيها أن مالكاً لم يكن يَعْرِفُها، وأنه
فَسَّرها له كالتفسير الذي ذكرناه فيها عن أبي حنيفة ومحمد، فقال: لا
خیر فیها.
قال أبو جعفر: وهذا الذي ذكرناه عن أبي حنيفة ومالك ومحمد
ليسَ بصحيح عندنا، لأن فيه أن المرقبَ إن مات، كان ما أرقبه لمن
أرقبه إياه، فقد كان ينبغي لهم أن يُحروا ذلك منه مجرى الوصيةٍ به
للذي ارقبه، لأن الوصايا تكون كذلك.
وقالت طائفة منهم في كيفيتها خلاف هذا القول، وقالوا: هي أن
يقولَ الرجل للرجلِ: قد ملكتُك داري هذه على أن نتراقب فيها، فإن
مِتَّ قبلي رَجَعت إليَّ، وإن مُتُّ قبلك، سلمت لك، فيكون التراقبُ في
الرجوع لها إلى صاحبها أو إلى الذي أُرقبها، لا في نفس التمليك لها،
وجعلوها جائزة للمرقَب غير راجعة إلى المرقِب في حال من الأحوال،
منهم: الثوريُّ، وأبو يوسف، والشافعي، وهو أولى القولَيْنِ عندنا، والله
أعلم.
- ١٨٢ -
كتاب المواريث والوصية والهبة
[العمرى]
٥٨٨- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله {# في
العُمْری: في کیفیتها، وفي الحُكْمِ فيها
٤١٠٤ - حَدَّثْنَا يونس، حَدَّثَنَا سفيانُ، عن عمرو بنِ دينار، عن
سُليمانَ بنِ يسار: أن أميراً كان على المدينةِ يقالُ له: طَارِقٌ قضى
بالعُمْرى للوارِث، عن قولِ جابر، عن النبيِّ (١).
٤١٠٥- حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ سنان، حَدَّثنَا أبو عاصم، أخبرنا ابنُ
جريج، عن أبي الزبير، قال: أشهدُ لَسَمِعْتُ جابرَ بنَ عبدِ الله، يقولُ:
قال النبيُّ ◌َ﴿: ((مَنْ أُعْمِرَ شيئاً فَهُوَ لَهُ حَيّاته ومَمَاتَم)(٢).
(١) إسناده صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار)) ٩١/٤ بإسناده ومتنه.
ورواه الشافعي ١٦٩/٢، والحميدي (١٢٥٦)، وأحمد ٣٨١/٣، ومسلم
(١٦٢٥) (٢٩)، وأبو يعلى (١٨٣٥)، والبيهقي ١٧٣/٦ من طرق، عن سفيان، به.
ورواه أبو داود (٣٥٥٧)، ومن طريقه البيهقي ١٧٤/٦ من طريق حميد، عن
طارق، به. وطارق هو ابن عمرو الأموي قاضي مكة.
(٢) صحيح، ورواه النسائي ٢٧٤/٦ من طريق عمرو بن علي، وابن حبان
(٥١٤٠) من طريق محمد بن معمر، كلاهما عن أبي عاصم، به.
ورواه عبد الرزاق (١٦٨٧٧) و(١٦٨٨٦)، ومسلم (١٦٢٥) (٢٨)، والبيهقي
١٧٣/٦ عن ابن جريج، به. وعند بعضهم فيه قصة.
ورواه عبد الرزاق (١٦٨٧٦) من طريق الثوري، عن أبي الزبير، به.
ورواه أحمد ٣٠٣/٣، وأبو داود (٣٥٥٩)، والنسائي ٢٧٤/٦، والترمذي
(١٣٥١)، وابن ماجه (٢٣٨٣)، وأبو يعلى (١٨٢١) و(٢٢١٤)، وابن الجارود
- ١٨٣-
کتاب المواريث والوصية والهبة
٤١٠٦- وحَدَّثْنَا بكارُ بنُ قُتيبة، حَدَّثْنَا حَبَّانُ بنُ هِلال، حَدَّثَنَا
أباثُ العطار، عن یحیی - وهو ابنُ أبي کثیر، حدثني أبو سَلَمَة، عن جابر
بنِ عبدِ الله: أن رسولَ اللهِ ﴿، قال: ((العُمْرى لمن وُهِبَتْ لَهُ)(١).
٤١٠٧- وحَدَّثْنَا يونسُ، أخبرنا بشرُ بنُ بكر، أخبرني الأوزاعيُّ،
عن ابن شهاب، عن عروة بن الزُّبير، عن جابر بنِ عبدِ الله: أن رسولَ
الله ◌َّ، قال: (مَنْ أُعْمِرَ عُمْرَى، فَهِيَ له ولِعقبه، يَرِثُها مَنْ يَرِثُهُ مِنْ
عقیمِ)(٢).
ففي هذه الآثار: أن العُمرى لمن أُعْمِرَها في حياته وبعدَ وفاته،
وكانت هذه العُمرى مما قد اختلف أهلُ العلم في كيفيتها.
(٩٨٩)، والبيهقي ١٧٥/٦ من طريق داود بن أبي هند، عن أبي الزبير، عن جابر
بلفظ: ((العمرى جائزة، والرقبى جائزة)).
ورواه مسلم بائر الحديث (١٦٢٥) (٢٥) من طريق زهير، عن أبي الزبير، عن
جابر، بلفظ: ((العمرى لمن وهبت له)).
(١) إسناده صحيح، ورواه أبو داود (٣٥٥٠) من طريق موسى بن إسماعيل، عن
أبان العطار، به. ورواه الطيالسي (١٤٢٢)، وأحمد ٣٠٤/٣ و٣٩٣، والبخاري
(٢٦٢٥)، ومسلم (١٦٢٥) (٢٥)، والنسائي ٢٧٧/٦، والطحاوي ٩٢/٤، وابن
حبان (٥١٣٠)، والبيهقي ١٧٣/٦ من طرق، عن يحيى بن أبي كثير، به.
(٢) رواه أبو داود (٣٥٥١) من طريق محمد بن شعيب، ومن طريقه البيهقي
١٧٣/٦، والنسائي ٢٧٤/٦ من طريق بقية بن الوليد، وأبو داود (٣٥٥٢)،
والنسائي ٢٧٥/٦، والبيهقي ١٧٣/٦ من طريق الوليد بن مسلم، ثلاثتهم عن
الأوزاعي، به. ووقع في بعض طرقه: عروة بن الزبير وأبو سلمة، عن جابر.
- ١٨٤-
،کتاب المواريث والوصية والهبة
فقالت طائفةٌ منهم: هي قولُ الرجلِ للرجل: قد ملكتُكَ داري
هذه أيام حياتِك، فتكون له بذلك في حياته، وتكونُ لِورثته بعدَ وفاته،
وممن ذهب إلى ذلك: أبو حنيفة، والثوري، وأصحابهما، والشافعي.
وقال آخرون: العُمرى التي لها هذا الحكم هي العُمْرى التي يقولُ
الرجلُ للرجل: قد أعمرتُك ولِعقبك داري هذه، فتكونُ له في حياته،
وإن لم يَذْكُرْ فيها: ولِعقبك، رجعت إلى المُعْمِرِ بعدَ موتِ المُعْمَرِ، ومن
كان يقولُ ذلك منهم: ابن شهابٍ، ومالكٌ، وكثيرٌ من أهل المدينة،
واحتج القائلون لقوهم في ذلك:
٤١٠٨- بما قد حَدَّثْنَا عبيدُ بن رِجال، حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ صالح،
حَدَّثْنَا عبدُ الرزاق، أخبرنا مَعْمَرٌ، عن الزهريِّ، عن أبي سلمة بنِ عبدٍ
الرحمن، عن جابر بنِ عبدِ الله، قال: إنّما العُمْرَى التي أجازَ رسولَ
اللّهِ: أن يقولَ: هي لَكَ ولِعَقِكَ، فأما إذا قالَ: هي لك ما عِشت،
فإنّها تَرْجِعُ إلى صاحِبها. وكان الزهريُّ يُفتيّ بذلك(١).
وكان هذا الحديثُ عند مخالفيهم إنما يدل على كلام الزُّهريِّ،
فَغَلِظَ فيه عبدُ الرزاق فجعله عَنْ مَعمِر، عن الزُّهري، عن أبي سَلَمَة،
عن جابرِ بذلك الكلام، والدليلُ عليه: أن مَنْ هُوَ أحفظُ من عبد
مے
الرزاق -وهو ابنُ المبارك- قد رواه عن معمر بخلاف ذلك:
(١) إسناده صحيح، ورواه عبد الرزاق (١٦٨٨٧)، ومن طريقه مسلم (١٦٢٥)
(٢٣)، وأحمد ٢٩٤/٣، وأبو داود (٣٥٥٥)، وابن الجارود (٩٨٨)، وابن حبان
(٥١٣٩)، والبيهقي ١٧٢/٦.
- ١٨٥ -
كتاب المواريث والوصية والهبة
٤١٠٩- كما حَدَّثْنَا يحيى بنُ عثمان، حَدَّثْنَا نعيمُ بنُ حَمَّاد،
حَدَّثَنَا ابنُ المبارك، أخبرنا معمرٌ، عن الزهري، حدثني أبو سلمة بنُ عبدِ
الرحمن: أن جابرَ بنَ عبدِ الله، أخبره: أن رسولَ اللهِلَ﴿ٌ قضى أنه من
أعمر رجلاً عُمرى، فهي للذي أُعْمِرَها ولِورثته مِنْ بَعْدِهِ(١).
وقد روى هذا الحديثَ غيرُ معمر، عن الزهريِّ بما يَدُلُّ على هذا
المعنى أيضاً.
٤١١٠- كما حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ سِنان، حَدَّثَنَا أبو بكر الحنفيُّ،
قال: حَدَّثْنَا ابنُ أبي ذئب، عن الزهريِّ، عن أبي سَلَمَة بنِ عبد الرحمن،
عن جابر بنِ عبدِ الله: أن رسولَ الله ﴿ قضى فيمن أُعْمِرَ عُمرى أنَّها
له ولِعَقِبِه، فهي له بَتَّةً لا يجوزُ للمعطي فيها شرطٌ ولا رِضا(٢).
قال أبو سلمة: لأنه أعطى عطاءً وقعت فيه المواريثُ، فقطت
المواريث شرَطه.
٤١١١- وكما حَدَّثْنَا يزيدُ، حَدَّثْنَا بشرُ بنُ عمر، حَدَّثْنَا مالكُ
بنُ أنسٍ، عن ابنِ شهاب، عن أبي سلمة بنِ عبد الرحمن، عن جابرِ بنِ
(١) رواه النسائي ٢٧٥/٦، وأبو داود (٣٥٥٢)، وابن حبان (٥١٣٥) من
طرق، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن الزهري به.
(٢) إسناده صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار)) ٩٤/٤ بإسناده ومتنه.
ورواه الطيالسي (١٤٢٤)، ورواه مسلم (١٣٢٥) (٢٤)، والنسائي ٢٧٦/٦،
والبيهقي ١٧٢/٦ من طريق ابن قديك، ورواه أبو يعلى (٢٠٩٢) من طريق يزيد بن
هارون، ورواه البيهقي ٧٢/٦ من طريق عبيد الله بن موسى، أربعتهم عن ابن ذئب،
به.
-١٨٦-
كتاب المواريث والوصية والهبة
عبد الله رضي الله عنه: أن النبيََّ﴿ّ، قال: ((أَيُّما رَجُلٌ أُغْمِرَ عُمرى له
ولِعَقِبه، فإنّها للذي أُعْطِيْها لا تَرْجعُ إلى الذي أعطاها، لأنه أعطى
عطاءً وقعت فيها المواريثُ)(١).
٤١١٢- وكما حَدَّثْنَا يونسُ، أخبرنا ابنُ وهبٍ، أخبرنا مالكٌ،
ثم ذكر بإسناده مثله.
٤١١٣- وكما حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ سِنان، وهارونُ بنُ كامل، قالا:
حَدَّثَا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، حدَّثْني الليثُ، حدثني ابنُ شهابٍ، عن أبي
سَلَمَة بنِ عبدِ الرحمن، عن جابرِ بنِ عبدِ الله، أنَّه قالَ: سمعتُ رسولَ
اللّهِ﴾، يقولُ: ((مَنْ أَعْمَرَ رجلاً عُمرى له ولِعقبه، فَقَدْ قَطَعَ قولُه حَقِّه
مِنْها، وهِيَ لِمَنْ أُعْمِرَها ولِعَقِهِ))(٢).
(١) إسناده صحيح، ورواه أبو داود (٣٥٥٣) من طريق محمد بن يحيى، ومحمد
بن المثنى، وابن الجارود (٩٨٧) من طريق محمد بن يحيى، كلاهما عن بشر بن عمر،
به.
ورواه مالك في ((الموطأ) ٧٥٦/٢، ومن طريقه الشافعي في ((مسنده)) ١٦٨/٢،
ومسلم (١٦٢٥)، والترمذي (١٣٦٠)، والنسائي ٢٧٥/٦، وابن الجارود (٩٨٧)،
وابن حبان (٥١٣٧)، والبيهقي ١٧١/٦-١٧٢، والبغوي (٢١٩٦).
ورواه أبو داود (٣٥٥٤)، والنساي ٢٧٦/٦، وأبو يعلى (٢٠٩٣)، والبيهقي
١٧٢/٦ من طريق صالح، ورواه عبد الزراق (١٦٨٩٧)، ومن طريقه مسلم
(١٦٢٥) (٢٢)، والبيهقي ١٧٢/٦ عن ابن جريج، ورواه النسائي ٢٧٦/٦ من
طريق شعيب، ورواه البيهقي ١٧٢/٦ من طريق فليح، أربعتهم عن ابن شهاب، به.
(٢) رواه مسلم (١٦٢٥) (٢١)، والنسائي ٢٧٥/٦، وابن ماجه (٢٣٨٠)،
والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٩٣/٤، وابن حبان (٥١٣٨)، والبيهقي ١٧٢/٦
-١٨٧ -
کتاب المواريث والوصية والهبة
فقال قائل: في هذا الحديثِ مِن روايةِ ابنِ أبي ذئبٍ، ومالك،
والليثِ، عن الزُّهري: ((مَنْ أُعمر عمرى له ولِعقبه)) ففيها ذكر العُمرى
للعقب، فقد حقق ذلك حديث عبد الرزاق، عن معمر الذي ذكرت.
وكان جوابُنا له في ذلك: أنَّ ذلك لم يخرج عما قد حَمَلْنا عليه
حديثَ معمر، وأن هذا الكلام الذي فيهِ إنما هُوَ مِنْ كلامٍ غَيْرِ النبيِّ
﴿، وقد دلَّ على ذلك ما في حديثِ ابنِ أبي ذئبٍ من إضافته بعضَ
ذلك الكلام إلى أبي سَلَمَة وإخراجه إِيَّاه مِنْ كلام النبيِّلَ﴿، وقد دَلَّ
على ذلك أيضاً ما قد كان بَيْنَ قتادة وبَيْنَ الزُّهريِّ في ذلك مِن
الاختلافِ في المكان الذي اجتمعا فيه، واحتجاج قتادة علیه فيه بما
احتجَّ عليه فيه.
٤١١٤- كما حَدَّثْنَا ابنُ أبي داود، حَدَّثْنَا أبو عمر الحوضي،
حَدَّثْنَا همامُ بنُ يحيى، حَدَّثْنَا قتادةُ، قال: قال لي سليمانُ بنُ هشام: ما
تقولُ في العُمْرى؟ قلتُ: حدثني النضرُ بن أنس، عن بشيرِ بنِ نَهِيكٍ،
عن أبي هريرة: أن رسول اللهل﴿، قال: «العُمْرِى جَائِزَةٌ)(١).
من طرق، عن اللیث بن سعد، به.
(١) إسناده صحيح، ورواه الطحاوي ٩٢/٤ عن أحمد بن داود، وابن أبي داود،
به. ورواه البيهقي ١٧٤/٦ من طريق العباس الدوري، عن أبي عمرو الحوضي، به.
ورواه البخاري (٢٦٢٦)، ومن طريقه البغوي (٢١٩٧) عن حفص بن عمر.
ورواه أبو داود (٢٥٤٨) من طريق أبي الوليد الطيالسي، كلاهما عن همام، به.
ورواه أحمد ٤٢٩/٢ و ٤٨٩ و٣١٩/٣، وابن أبي شيبة ١٤٣/٧، وابن الجارود
(٩٨٥) من طريق سعيد بن أبي عروبة، ورواه الطيالسي (١٤٢٣)، وأحمد ٤٦٨/٢،
-١٨٨-
کتاب المواریث والوصية والھبة
فقال الزهري: إنّها لا تكونُ عُمرى حتى تُحْعَلَ له وَلِعَقِبهِ، قال:
فقال لعطاء - يعني ابنَ أبي رباح - ما تقولُ؟ فقال: حدثني جابرٌ: أنَّ
رسولَ الله ل﴿، قال: «العُمْرى جائزة)).
أفلا ترى إلى سُكوتِ الزُّهريِّ عندما حَدَّث عطاءٌ عن جابرٍ بما
حَدَّثَ به عنه مِن تركه ذِكْرَ العَقِبِ، وترك الزهري الردَّ عليه بأن يقولَ
۶
له: فقد حدثني أبو سلمة، عن جابرٍ بخلافِ الذي يُحدثه عن جابر،
وفي سُكوته عن ذلك دليلٌ أن ذكرَ العَقِبِ لَيْسَ في حديث جابر من
حديث أبي سلمة، كما ليس هو في حديث جابر من حديث عطاء.
وقد روى أبو الزبير المكيُّ هذا الحديثَ عن جابر مفسراً
٤١١٥- كما حَدَّثَنَا يزيدُ بن سنان، حَدَّثَنَا وهبُ بنُ جريج،
حَدَّثَنَا هشامٌ - يعني الدّستوائي-، عن أبي الزُبير، عن جابرٍ، قال: قالَ
رسول الله ﴿: ((مَنْ أُغْمِرَ عُمْرَى حَياتَه، فهي لَهُ حَيّاتَه وبَعْدَ موتِهِ)).
فدلَّ ذلك: أن العُمرى المرويةَ عن النبيِّ نَ#ٌ لَيْسَ فيها لِعَقِبِ المُعْمَر
ذكرٌ، وأنها تجري بخلافٍ ما اشترطه المعمر فيها، وأن شرطه فيها كلا
شرطٍ، وقد دَلَّ على ذلك حديثُ حبيب بنِ أبي ثابت، عن ابنِ عمر،
عن النبيِّ/ فيها الذي ذكرناه في الباب الذي قبل هذا الباب، وأن مَنْ
أُعْمِرَها حياته، فهي له حياته وبَعْدَ وفاتِه.
ثم هذا عبدُ الله بن عمر قد أفتى بذلك بعدَ النبيِّ ◌َ﴾
ومسلم (١٦٢٦)، والنسائي ٢٧٧/٦، والبيهقي ١٧٤/٦ من طريق شعبة.
ورواه النسائي ٢٧٧/٦ من طريق هشام، ثلاثتهم عن قتادة، به.
-١٨٩ -
كتاب المواريث والوصية والهبة
٤١١٦- كما حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، حَدَّثْنَا بشرُ بنُ عمر،
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: سمعتُ ابنَ عمر، وسأله
رجلٌ عن رجلٍ وَهَبَ لِرجل ناقة حياته فُتِحَتْ، قال: هِيَ له وأولادها،
قال: فسألتُه بَعْدَ ذلك، فقال: هِيَ لَهُ حيًّ وميتاً (١).
قال أبو جعفر: ومعقولٌ من حديث رسول اللهم# هذا المعنى
الإجماعِهِمْ أَنَّه إذا حَعَلَها له ولِعقبه فماتَ المجعولُ له، وله زوجة أنها
تَرِثُ منها ما تَرِثُ الزوجةُ مِن سائِرٍ مالهِ سِواها، وأنها تُباع في قضاء
دينه إن كان عليه دينٌ، وأنّه تَنْفُذُ فيها وصاياه إن كان أوصى فيها
بشيءٍ، وفي ذلك ما قد دَلَّ أن الشرطَ فيها منتفٍ عنها، وأنّه لا يُعْمَلُ
فيها، لأنّه لو كان يُعمل فيها لم تَخْرُجْ عنه إلى غيره، وفي خُروجها عنه
إلى غيرِه فيما ذكرنا دليلٌ على أنها تخرج عنه في الأحوالِ كُلِّهَا.
وقد روى عن رسول الله :﴿ في العُمرى جوازَها غيرُ واحدٍ من
أصحابِ رسولِ الله ﴿ٌ سِوى مَنْ ذَكرنا.
٤١١٧- كما حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، حَدَّثْنَا أبو الوليد،
حَدَّثْنَا حمادُ بنُ سلمة، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد بن
علي، عن معاوية: أنَّ رسولَ اللهِ ﴿، قال: ((العُمْرى جائزةٌ لأهْلِها)(٢).
(١) إسناده صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار)) ٩٤/٤ بإسناده ومتنه.
ورواه الشافعي ١٦٨/٢ و١٦٩، ومن طريقه البيهقي ١٧٤/٦، ورواه عبد الرزاق
(١٩٨٧٧) و(١٩٨٧٩) من طرق، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عمر.
(٢) رواه الطبراني في «الكبير) ٧٣٣١/١٩) من طريق الفضل بن الحباب وأبي
يوسف القاضي، عن أبي الوليد، وعبد الواحد بن غياث، عن حماد، به.
- ١٩٠ -
کتاب المواریث والوصية والھبة
٤١١٨- وكما حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، حَدَّتَنّا أبو عاصمٍ، عن
ابنِ جُريج، عن عمرو بن دينار، عن طاووس، عن حُجر بن قيس، عن
زيدِ بنِ ثابت: أن رسولَ الله ﴿، قال: (العُمْرِى مِيرَاثٌ)(١).
٤١١٩- وكما حَدَّثْنَا ابنُ أبي داود، حَدَّثْنَا محمدُ بنُ المِنهال،
حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ زُريعٍ، حَدَّثْنَا روحُ بنُ القاسم، عن عمرو بن دينار، عن
طاووس، عن حُجرِ المَدَرِيِّ، عن زيد بن ثابت: أن رسولَ اللهِ لَه
قال: ((سَبِيلُ العُمرى سَبِيلُ المِيرَاث))(٢).
ورواه أحمد ٩٧/٤ ٩٩، وأبو يعلى (٧٣٦٩)، والطحاوي ٩١/٤، وأبو نعيم في
((الحلية) ١٨٠/٣ من طريق عبد الأعلى بن حماد، عن حماد بن سلمة، به.
ورواه الطبراني ١٩/(٧٣٤)، والطحاوي ٩١/٤ من طريق محمد بن إسحاق،
والطبراني في «الكبير)) ٧٣٥/١٩) وفي «الأوسط)) (٢٦٦) من طريق سعيد بن أبي
أيوب، كلاهما عن عبد الله بن محمد بن عقيل، به.
(١) الحديث في ((شرح معاني الآثار)) ٩١/٤. ورواه عبد الرزاق (٦٨٧٣)، ومن
طريقة الطبراني (٤٩٤١) عن ابن جريج، به. ورواه عبد الرزاق (١٦٨٧٤)، وأحمد
١٨٩/٥، والنسائي ٢٧١/٦، وأبو داود (٣٥٥٩)، والنسائي ٢٧١/٦-٢٧٢، وابن
حبان (٥١٣٣) و(٥١٣٤)، والطبراني في ((الكبير)) (٤٩٤٢) و(٤٩٤٣) و(٤٩٤٥)
و(٤٩٤٦) و(٤٩٤٧) و(٤٩٤٨) و(٤٩٤٩) و(٤٩٥١) و(٤٩٥٢) و(٤٩٥٣)
و(٤٩٤٥)، وفي ((الصغير)) (٧١٧)، والبيهقي ١٧٥/٦، من طرق، عن عمرو بن
دينار، به.
(٢) رواه الطبراني (٤٩٥٠) من طريق معاذ بن المثنى، عن محمد بن المنهال، به.
ورواه ابن حبان (٥١٣٢) من طريق يزيد بن زريع، به.
ورواه أحمد ١٨٩/٥ من طريقين، عن روح بن القاسم، وابن جريج، به.
- ١٩١-
كتاب المواريث والوصية والهبة
٤١٢٠- وكما حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بحر بن مطر، حَدَّثْنَا أبو النضر
هاشمُ بنُ القاسم، حَدَّثَنَا محمدُ بنُ مسلم الطائفي، عن إبراهيمَ بنِ
مَيْسَرَةَ، عن طاووس، عن زيدِ بنِ ثابت - ولم يذكر بينهما أحداً -: أن
رسولَ اللهِ ﴿، قال: ((مَنْ أُغْمِرَ شيئاً حياتَهُ، فَهُوَ لَهُ ولِوارِثِه)).
٤١٢١- وكما حَدَّثْنَا يونسُ، حَدَّثَنَا سفيانُ، عن عمرٍو، عن
طاووس، عن حُجر، عن زيد بن ثابت: أن النبيَّ :﴿ قضى بالعُمرى
للوارثِ.
٤١٢٢- وكما حَدَّثَنَا فهدٌ، حَدَّثَنَا عليُّ بنُ معبدٍ، حَدَّثْنَا إسماعيلُ
بنُ أبي كثيرٍ - يعني ابنَ جعفر -، عن محمدٍ بنِ عمرو، عن أبي سَلَمَةَ،
عن أبي هريرة: أن رسولَ اللهِ﴿، قال: ((لا عُمْرَى، فمن أُعْمِرَ شيئاً،
فهو لَهُ).
٤١٢٣- وكما حَدَّثْنَا إبراهيم بن مرزوق، حَدَّثْنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا
هَمَّمٌ، حَدَّثَنَا قتادةُ، عن الْحَسَنِ، عن سَمُرَةَ، قال: قالَ رسول الله ◌ِ ﴾:
(العُمْرَى جائزٌ)(١).
وفيما ذكرنا مِن هذا ما قد بَانَ به صحةُ ما قد ذَهَبَ إليه في
العُمْرى أبو حنيفة، وأصحابه، والشافعيُّ، وانتفى به ما قال مخالفوهم
(١) رواه أحمد ٢٢/٥، والبيهقي ١٧٤/٦ من طريق عفان، به.
ورواه أحمد ٨/٥ و١٣ عن بهز بن أسد، وأبو داود (٣٥٤٩)، والطبراني
(٦٨٤٤) من طريق أبي الوليد، وهما عن همام، به. ورواه أحمد ٨/٥، والترمذي
(١٣٤٩)، والطبراني (٦٨٤٥) و(٦٨٤٦) من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن
قتادة، به.
- ١٩٢-
كتاب المواريث والوصية والهبة
فيها.
وقد ذكرنا حديث أبي الزبير من حديث هشام في هذا الباب،
وأغفلنا أن نَذْكُرَ معه الثوريَّ إذ كان قد رواه عن هشامٍ، فاحتجنا إلى
ذكره هاهنا.
وهو ما قد حَدَّثْنَا فهد، حَدَّثْنَا أبو نعيم، حَدَّثْنَا سفيانُ، عن أبي
الزبير، عن جابرٍ، قال: قالَ رسول الله ﴿: ((امْسِكُوا عَلَيْكُمْ أموالَكُم
لا تُعْمِرُوها، فمَنْ أُعْمِرَ شيئاً، فَهُوَ لَهُ)(١).
وأغفلنا أن نذكُرَ موافقةَ زهير بن معاوية هشاماً على ذلك،
وذلك أنَّ
٤١٢٤- روحَ بنَ الفَرَجِ قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثْنَا عمرُو بنُ خالدٍ،
حَدَّثْنَا زُهيرُ بنُ معاوية، حَدَّثْنَا أبو الزُّبَيْرِ، عن جابرٍ، قال: قالَ رسول
الَّ: ((أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوالَكُمْ لا تُفْسِدُوها، فَإِنَّه مَنْ أُغْمِرَ عُمْرَى،
فَهِيَ لَهُ حَيّاً ومَيْتاً، ولِعَقِهِ)(٢).
قال أبو جعفر: وعَقِبُه: كُلُّ مَنْ أُعقبه في مالِه بميراثٍ عنه، أو
بوصيةٍ منه به لَه، والله نسألُه التوفيق.
(١) رواه مسلم (١٦٢٥) (٢٧) من طريق وكيع، والبيهقي ١٧٣/٦ من طريق
يحيى بن سعيد، كلاهما عن سفيان، به.
(٢) رواه الطيالسي (١٤٢٦)، ومسلم (١٦٢٥) (٢٦) و(٢٧)، والنسائي
٢٧٤/٦، والطحاوي ٩٢/٤، وابن حبان (٥١٤١)، والبيهقي ١٧٣/٦ من طرق،
عن أبي الزبير، به.
-١٩٣-
کتاب المواریث والوصية والھبة
٥٨٩- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِي عن رسول الله ﴾ في هدایا
34
الكفّار إلیه من قبول منه لها، ومن ردّ منه إِیَّاها
٤١٢٥- حَدَّثَنَا عُبيدُ الله بنُ عُبيد بنِ عِمْران الأُرْدِنِيُّ أبو أُيُوب
بِطَبَرِيَّة، قال: حَدَّثَنَا خلفُ بنُ هشام المقرئ البزار، قال: حَدَّثْنَا حمادُ بنُ
زيد، عن أبي التّيَّاح، عن الحسن، عن عياض بن حِمَار، قال: وكان
حَرَمِيَّ رسول الله ﴿ في الجاهلية، فأهدَى له هديّة فردَّها وقال: (إِنّا لا
نَقْبَلُ زَبْدَ الْمُشرِكِينَ)(١).
وحَدَّثْنَا عُبيد الله بن عُبيد، قال: حَدَّثَنَا خلفُ بنُ هشام، قال:
حَدَّثْنَا جَّاد بنُ زيد، عن ابن عَوْن، قال: سألتُ الحسن ما زَبْدُ
المُشْرِكِينَ؟ قال: رِفْدُهُمْ.
٤١٢٦- وحَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ أبي داود، قال: حَدَّثَنَا أبو مَعْمَر
عبدُ الله بنُ عَمْرو بن أبي الحجَّاج، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الوارث بنُ سعيد،
قال: حَدَّثْنَا أبو التِيَّاح، قال: حدثني الحسن، أن عِياض بنَ حَمَار،
وكان حَرَمِيَّ رسول الله ◌َ﴿ في الجاهلية، فلما بُعِثَ النبي ◌ُ﴿، أتاه بناقةٍ
(١) رجاله ثقات إلا أن الحسن لم يصرح بالسماع من عياض، إلا أنه توبع.
والحديث رواه الطيالسي (١٠٨٢)، والبيهقي ٢١٦/٩، وابن زنجويه في (الأموال))
(٩٦٥) من طريق حماد بن زيد، به.
ورواه أحمد ١٦٢/٤ عن هشيم، أخبرنا ابنُّ عون، عن الحسن، عن عياض بن
حمار، ورواه الطبراني ١٧/(٩٩٨) من طريق مطر، عن الحسن.
ورواه الطيالسي (١٠٨٣) ومن طريقه الترمذي (١٥٧٧)، وأبو داود (٣٠٥٧)
عن عمران القطان، عن قتادة، عن يزيد بن عبد الله الشِّخير، عن عياض بن حمار.
-١٩٤-
کتاب المواريث والوصية والهبة
يهدِيهَا إليه، فلما رآها قال: (يا عِيَاض: ما هذه)؟ قال: أهديتُها لكَ.
قال: (قُدْهَا) فقادَهَا، قال: ((رُدَّهَا) فرَدَّهَا، قال: (يا عياضُ هْ أسلَمْتَ
بعدُ)؟ قال: لا. قال: فلم يقبلها، وقال: ((إِنَّ اللّهَ حَرَّمَ عَلَيْنَا زَبْدَ
المُشْرِكِينَ)).
قال: والعرب تسمي الهدية الزَّبْدَ.
قال أبو عبيدة: الحَرَمِي يكون من أهل الحرم، ويكونُ الصديقَ
أيضاً يقال له: حَرَمِي.
٤١٢٧- وحَدَّثَنَا موسى بنُ الحسن بن عبد الله البغداديُّ
المعروف بالصّقلي، قال: حَدَّثْنَا محمد بنُ عبَّاد المكّي، قال: حَدَّثْنَا حائِمُ
بنُ إسماعيل، عن بَشِيرِ بنِ الْمُهاجر، عن عبد الله بن بُرَيْدة، عن أبيه، قال:
أُهْدَى أميرُ القِبْطِ لرسول اللهلَ﴿ جاريتين أُختين قِبْطِيَّتَيْنِ وبِغْلَةٌ، فأمَّا
البغلة، فكان رسولُ الله ﴿ يركبُها، وأمَّا إحدى الجاريتين، فَتَسَرَّاها،
فولدت له إبراهيمَ، وأمَّ الأُخرى، فأعطاها حسَّان بن ثابت الأنصاري.
٤١٢٨ - حَدَّثْنَا يونسُ بنُ عبد الأعلى، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بن
وَهْب، قال: أخبرني يونسُ بنُ يزيد، عن ابنِ شِهاب، قال: حدثني عبدُ
الرحمن بنُ عبد القَارِّي أنَّ رسول الله ◌َّ بعثَ حَاطِبَ بِنَ أبي بَلْتَعَةَ إلى
المُقَوْقِسِ صاحب الإسكندرِيَّةِ - يعني بكتابه معه إليه-، فَقَبَّلَ كتابه،
وأكرمَ حاطباً، وأحسن نُزُلَهُ، ثم سَرَّحَهُ إلى رسول الله :﴿، وأهدَى له
مع حاطب كسوةٌ وبَغْلَةً بسرجها وجَارِيتين: إحداهما أمُّ إبراهيم، وأمَّا
الأُخرى، فوهبها لَجَهْمِ بنِ قَيْس العَبْدَرِي، فهي أمّ زكريا بن جَهْم الذي
كان خليفة لعَمْرو بن العاص على مصر.
- ١٩٥ -
کتاب المواريث والوصية والهبة
قال أبو جعفر: وإنما أُدخلنا هذا الحديثَ في هذا الباب، لأنَّ عبد
الرحمن بن عبد القَارِّي ممن وُلِدَ في زمن النِيِّن﴿ ويقال: إنّه قد رآه
فدخل بذلك في صحابته ێ₪.
فسأله سائل عن الوجه الذي به ردَّ رسول الله﴿ عن عياض
هديته، وعن الوجه الذي به قبل من المُقَوْقِس هديته، وكلاهما كافر.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ وعونه أنَّ كُفْرَ
عِياض كان كفرَ شركٍ بالله عَزَّ وجَلَّ، وجحودٍ للبعث مِنْ بعد الموت،
وكفرُ المقوقس لم يكن كذلك، لأنه كان مُقِرّاً بالبعث من بعد الموت
ومؤمناً بني من أنبياء الله عَزَّ وجَلَّ وهو عيسى ®. وكان عِياض ومن
كان على مثلٍ ما كان عليه مطلوبين بالزَّوَال عن ما هُمْ عليه، وبتركِهِ
إلى ضدِّه، وهو التصديقُ برسولِ الله:﴿ والإيمان به، وكان المقوقِسُ
ومَنْ سواه من أهل الكتاب مطلوبين بالتصديق برسول الله ﴿ والإيمان
به والثبوتِ على ما هُمْ عليه من دين عيسى {﴾، وكان عياض ومَنْ
كان على مثل ما كان عليه غيرَ مأكولة ذبائحهم ولا منكوحة
نساؤهم، وكان المقوقسُ ومن كان على مثل ما كان عليه مأكولة
ذبائحهم ومنكوحة نساؤهم.
فكان الفريقان - وإن كانوا جميعاً مِن أهل الكفر - يختلف كُفْرُهُمْ
وتتباين أحاكمُهم، وكان كلُّ شرك بالله عَزَّ وحَلَّ كفراً، وليس كلُّ
كفر بالله عَزَّ وجَلَّ شركاً، وكان الله عَزَّ وجَلَّ قد أمر نبيَّهُ ﴿ٌ أنْ لا
يجادل أهل الكتاب إلاَّ بالتي هي أحسن بقوله جلَّ وعزَّ: ﴿وَلا تُجَادِلُوا
أهْلَ الكِتَابِ إِلَّ بالتي هي أحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] فدخل في ذلك
-١٩٦-
کتاب المواريث والوصية والھبة
المقوقس ومَنْ كان على مثلٍ ما كان عليه من التمسك بالكتابِ الذي
أُنزِلَ على عيسى ﴿، وكان المشركون الذين يَحْحَدُونَ كُتُبَ الله عَزَّ
وجَلَّ التي أنزلها على أنبيائه صلواتُ الله عليهم بخلاف ذلك، فَقَبِلَ هديةً
مَنْ أمره ربُّه عَزَّ وجَلَّ أنْ لا يُجَادِلَهُ إلاَّ بالتي هي أحسنُ، لأن الأحسنَ
قبولُ هديته منه، وردِّ هدايا المشركين، لأنهم بخلاف ذلك، ولأنَّ ربَّه
عَزَّ وجَلَّ أمرِه ◌ِمْنَابَذَتِهِم وبقتالِهم حتى يكونَ الدِّين كله لله عَزَّ وجَلَّ،
وفصل بينهم عَزَّ وجَلَّ في كتابه، فخالف بَيْنَ أسمائهم وبين ما نسبهم
إليه فقال: ﴿إِنَّ الذِينَآمَنُوا وَالّذِينَ هَادُوا﴾ [البقرة: ٦٢] وهم اليهود
﴿وَالصَّابْنِ﴾ وهم أُمَّة بين اليهود والنصارى، لهم أحكامٌ سنأتي بها في
غيرِ هذا الموضعِ من كتابنا هذا إن شاء الله، ﴿وَالنّصَارَى﴾ وَهُمُ الذين
منهم المُقَوْقِسُ، والمجوس وهم مُشرِكو العجم الذين لا يُقرُّون ببعثٍ،
ولا يؤمِنُون بكتابٍ من كتب الله عَزَّ وجَلَّ التي أنزلها على أنبيائه، وهُمْ
في العجم كعَبَدَةِ الأوثانِ في العرب إلاَّ فيما يُخالفونهم فيه من أخذ
الجزية منهم لما قد ذكرناه في ذلك مما قد تقدم مِنّا في كتابنا هذا
وَالّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ وهم عَبْدَةُ الأوثان مِن العرب الذين لا يُقِرُّون
ببعثٍ ولا يُؤمنون بكتاب من كتب الله عَزَّ وجَلَّ، وكذلك كان من
رسول اللَّه ◌َ﴿ في خطبته في حِجَّة الوَدَاع من تفريقه بين هذين الفريقين
في الأسماء وفي الأحكام.
٤٠٨٧- كما قد حَدَّثْنَا يونسُ بنُ عبد الأعلى، قال: أخبرنا عبدُ
الله بن وَهْب، قال: حدثني الليثُ بنُ سعد وعبدُ الله بنُ لَهِيعة، عن
-١٩٧-
كتاب المواريث والوصية والهبة
سليمان بنِ عبد الرحمن، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أُمَامَةً
الْبَاهِلِي، قال: شهدتُ خطبةَ رسولِ اللهِلَ﴿ يومَ حَجَّةِ الوداعِ، فقال
قولاً كثيراً حسناً جميلاً وكان فيها: ((مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ، فَلَهُ
أجْرُهُ مَرَّتَيْنِ، ولَهُ مثلُ الذي لَنَا، وعليه مثلُ الذي عَلَيْنا، ومَنْ أَسْلَمَ
من المُشْرِكِينَ، فَلَهُ أجرُهُ، وله مثلُ الذِي لَنا، وعَلَيْهِ مثلُ الذي
عَلَيْنا)(١).
فكان فيما تلونا مِن كتاب اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وفيما روينا مِن حديث
رسول الله ﴿ ما قد دَلَّ على تَبَأيُنِ الفريقين اللذين ذكرنا في الكفر
الذي هُمْ عليه، وفي منابذة أهل الشرك منهما، وفي أنْ لا يُجادل أهل
الكتاب منهم إلاَّ بالتي هي أحسنُ إلاّ الذين ظلموا منهم، وفي ذلك ما
قد دَلَّ على اتساعٍ قبوله هداياهم منهم، فَقَبِلَ رسولُ اللهِ﴿ هدية من
قبل هديته منهم لذلك، وردَّ هدية من ردَّ هديته عليه من الفريق الآخر
للأسباب التي فيه مما ذكرناها في هذا الباب. والله نسألُه التوفيق.
(١) رواه أحمد ٢٥٩/٥ عن يحيى بن إسحاق السليحني، عن ابن لهيعة، عن
سليمان بن عبد الرحمن، به.
ورواه الطبراني (٧٧٨٦) عن مطلب بن شعيب الأزدي، عن عبد الله بن صالح،
عن اللیث، عن سليمان بنِ عبد الرحمن، به.
-١٩٨-
کتاب المواريث والوصية والهبة
[الهدية]
٥٩٠- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيّ عن رسول الله﴾ في الهدايا
إلى ولاة الأمورِ
٤١٢٩- حَدَّثْنَا يونسُ بنُ عبد الأعلى، أنبأنا أنَّسُ بنُ عِياضٍ
الليثيُّ، عن هشامٍ بنِ عُروة، عن أبيه، أنَّ أبا حُمَيْدٍ صَاحِبَ رسولٍ
اللَّه ◌َ﴿ أخا بني ساعِدَةَ حدَّثَّهُ أن رسولَ الله ◌َ﴿ استعملَ ابنَ اللُتَبِيَّة أحدٌ
الأزديين على صدقاتٍ بني سُلَيْمٍ، وأنّه جاء رسولَ اللهلَ﴾، فلَمَّا
حاسَبَهُ، قال: هذا لَكُم وهذا أُهْدِيَ إليَّ، فقال رسولُ اللهِوَ﴿و: (ألا
جَلَسْتَ في بيتِ أبيكَ أو أُمِّك حَتّى تَأتِيَكَ هَدِيَّتُكَ إنْ كُنْتَ صادِقاً))
ثم قام خطيباً، فحَمِدَ الله، وأثنى عليه، ثم قالَ: ((أما بَعْدُ، فإنّي أستعمِلُ
الرجُلَ مِنْكُم على العملِ مما ولّني الله تعالى، فيأتيني، فيقولُ: هذا
لَكُم وهذا أُهْدِيَ إليَّ، أفلا جَلَسَ في بيتِ أبيه أو أُمه حتَّى تأتيه
هَدِيَتُه، والّذي نفسي بيده لا يأخُذُ مِنْكُم أحدٌ شَيئاً بِغَيرٍ حَقّه إلا لَقِيَ
اللهَ يَحْمِلُهُ يَوْمَ القيامَةِ، فلا أعْرِفَنَّ أحداً مِنْكُم مَا لَقِيَ اللهَ يَحْمِلُ بعيراً
له رُغَاءٌ أو بَقَرةً لها خُوَارٌ أو شاةَّ تَيْعَرُ)، ثم رَفَعَ يدَيْه حتى إنّي لأَنْظُرُ
إلى بياضِ ما تَحْتَ مَنْكِبَيْهِ، ثم قال: ((هَلْ بَلَّغْتُ) قال أبو حميد: بَصُرَتْ
عيناي، وسَمِعَتْ أُذَنَايَ(١).
(١) إسناده صحيح، ورواه عبد الرزاق (٦٩٥٠) و(٦٩٥١)، وابن أبي شيبة
٥٤٧/٦ و٤٩٣/١٢-٤٩٤، والبخاري (٦٩٧٩) و(٧١٩٧)، ومسلم (١٨٣٢)
-١٩٩-
کتاب المواریث والوصیة والهبة
٤١٣٠- وحَدَّثْنَا فهدٌ، حَدَّثَنَا حجاجُ بنُ مِنْهالِ، حَدَّثْنَا حمادُ بنُ
سَلَمَة، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، قال: سمعتُ أبا حُميد الساعديّ
يقولُ: استعملَ رسولُ الله ﴿ رجلاً يُقال له ابنُ اللَّتْبيَّة الأزديُّ على
الصدقة، فلما جاء، حاسبه رسولُ الله ◌َ﴿ . .... ثم ذكر بقية الحديث.
٤١٣١- وحدثني الحسينُ بنُ محمد بنِ داود العبسيُّ أبو القاسم
مأمون، حَدَّثَنَا عيسى بنُ حماد زُغْبَةُ، حَدَّثَنَا الليثُ بنُ سعدٍ، عن هشامٍ،
عن عُروة، أنَّ أبا حُمَيْدٍ صاحِبَ رسولِ الله ﴿ حَدَّثَه أن رسولَ اللهِ لَّ
استعملَ ابنَ اللَّتْبيَّةِ الأزديَّ على بني سُلَيْمِ، وأنه جاء رسولَ اللهِ لَّه
فلما حاسبه ... ثم ذكر بقيةً الحديث.
٤١٣٢- حَدَّثْنَا محمدُ بنُ علي بن داود، حَدَّثْنَا سليمانُ بنُ داود
الهاشمي، حَدَّثْنَا عبدُ الرحمن بنُ أبي الزنادٍ، عن أبي الزنادٍ، عن عُروة،
قال: أخبرني أبو حُمَّيْدٍ الساعديُّ أنَّ رسولَ الله :﴿ استعمل ابن اللُّتبية
أحد الأزْدِ، فلما حاسبه حِينَ قَدِمَ ... ثم ذكر بقية الحديث. ففي هذا
الحديثِ محاسبةُ رسول الله﴿ ابن اللُّتبية على ما جرى على يده مما
كان رسولُ اللهِ وَ﴿ استعملَه عَلَيْه، وقولُ ابنِ اللُّتبية بعدَ ذلك ما قال مما
هو مذكورٌ في هذا الحديثِ، وقولُ رسول الله ﴿ ما قال له جواباً عن
ذلك مما هو مذكورٌ في هذا الحديث أيضاً.
(٢٧) و(٢٨) من طرق عن هشام بن عروة، به. ورواه البخاري (١٥٠٠) من طريق
أبي أسامة، عن هشام، به مختصراً، وانظر ما بعده.
الرغاء: صوتُ البعير، والخوار: صوت البقرة، واليَعار: صوتُ الشاة.
- ٢٠٠ -