النص المفهرس

صفحات 121-140

کتاب المواريث والوصية والھبة
٥٧٥- بابُ بیانِ مُشْکل ما روي عن رسول الله ټ فیما کان
منه في بَرْوَعَ ابنةٍ واشقٍ، وتصحیح أسانيده عنه،
وبيان ما فيه من الأحكام
٤٠١٥- حَدَّثْنَا إبراهيمُ بن أبي داود، قال: حَدَّثَنَا أبو الوليد
الطيالسي، قال: حَدَّثَنَا همامٌ، عن قتادة، عن خِلاَس بن عمرو، عن عبد
الله بن عتبة، وعن أبي حسان، عن عبد الله بن عُتبة: أنه اختُلِف إلى ابنٍ
مسعود في رجلٍ تَزَوَّجَ امرأةٌ، فمات عنها، ولم يَفْرِضْ لها، ولم يَدْخُلْ
بها، فاختلفوا إليه شهراً، ثم قَضَى أَنَّ لها صَدْقَةَ نسائِها، ولها المِيراث،
وعليها العِدَّة، ثم قال: إِنْ يكُ صواباً، فمِنَ الله عَزَّ وجَلَّ، وإن يكُ
خطأً، فمِنِّي. فقام الجَرَّاحُ وأبو سنان، فشَهدا أن رسول الله مُ﴿ قضى به
في بروعَ ابنةِ واشقِ الأشجعية، وكانٌ زوجُها هلالَ بن مروان(١).
قال أبو جعفر: ولا نعلمُ أحداً خالف هماماً في إسنادٍ هذا
الحديث.
٤٠١٦- وحَدَّثْنَا عليُّ بن شيبة، قال: حَدَّثْنَا يزيد بن هارون،
قال: أخبرنا سفيان التّوْرِي، عن منصورٍ، عن إبراهيم، عن علقمة، قال:
أُتِيَ عبدُ الله في امرأةٍ تُوفّيَ عنها زوجُها، ولم يَفْرِضْ لها صَداقاً، ولم
يَدخُلْ بها، فَتَرَدَّدُوا إليه، فلم يُفْتِهِمْ، فلم يزالوا به حتى قال: إني
(١) رواه أبو داود (٣١٦٦)، والبيهقي ٢٤٦/٧ من طريق سعيد بن أبي عروبة،
عن قتادة، عن خلاس وأبي حسان، به. وصحح البيهقي إسناده.
والصَّدُقة: مَهْر المرأة.
- ١٢١ -

كتاب المواريث والوصية والهبة
سأقولُ برأيي، إني أرى لها صَدُقَّة نِسائِها، لا وَكْسَ، ولا شَطَطَ،
وعليها العِدَّةُ، ولها الميراثُ. فقام مَعقِلُ بن سِنان، فشَهدَ أن رسول الله
﴿ قَضَى في بَرْوع ابنةِ واشقِ الأشجعيةِ بمثل ما قضيتَ، ففَرِحَ عبدُ
الله(١).
٤٠١٧- وحَدَّثَنَا فَهْدُ بن سليمان، قال: حَدَّثَنَا أبو نعيم، قال:
حَدَّثَنَا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، ثم
ذكر مثله سواء، غير أنه لم يقل: صَدُقَةَ نسائِها، وقال: صداقُ مِثْلِها.
قال سفيان: وبه ناخُذُ.
قال أبو جعفر: ولا نعلمُ أحداً من رُواة هذا الحديث عن منصور
خالفَ الثوريَّ فيما رواه عليه عنه، ولا في الإسناد الذي رواه عليه به
عنه، وقد رواه أيضاً عن منصور، زائدةُ بن قُدَامَةَ، فوافَقَ الثوريَّ في
مَتْنِهِ، وفي إسنادِهِ، غير أنه زاد فيه الأسودَ مع عَلْقَمَة.
(١) إسناده صحيح، ورواه أحمد ٤٨٠/٣، وأبو داود (٢١١٥)، والترمذي
(١١٤٥)، والنسائي ١٢١/٦، وفي (الكبرى) (٥٥١٦)، والبيهقي ٢٤٥/٧ من
طرق، عن يزيد بن هارون، به.
ورواه عبد الرزاق (١٠٨٩٨) و(١١٧٤٥)، ومن طريقه رواه الترمذي
(١١٤٥)، وابن الجارود في ((المنتقى)) (٧١٨)، والطبراني ٥٤٣/٢٠، والبيهقي
٢٤٥/٧ عن سفيان، به.
ورواه ابن أبي شيبة ٣٠٠/٤، وأحمد ٢٨٠/٤، والدارمي (٢٢٥٢)، وابن ماجه
(١٨٩١)، والترمذي (١١٤٥)، والنسائي ١٢٢/٦ و١٩٨، وابن الجارود (٧١٨)،
وابن حبان (٤٠٩٩)، والطبراني ٥٤٤/٢٠، والبيهقي ٢٤٥/٧ من طرق، عن
سفيان، به. وقال الترمذي: حسن صحيح.
- ١٢٢ -

کتاب المواريث والوصية والهبة
٤٠١٨- كما حَدَّثْنَا أحمدُ بن شعيب، قال: أخبرنا عبد الله بن
محمد بن عبد الرحمن الزُّهْري، قال: حَدَّثَنَا أبو سعيدٍ عبدُ الرحمن بن
عبد الله - قال أبو جعفر: يعني مولى بني هاشم-، عن زائدة بن قُدامة،
عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود، قالا: أُتِيَ عبدُ الله في
رجلٍ تَزَوَّجَ امرأةٌ، ولم يَغْرِضْ لها، فتوفي قبل أن يَدْخُلَ بها، فقال عبد
الله: سَلُوا: هل تَجدونَ فيها أثراً؟ فقالوا: يا أبا عبد الرحمن، ما نَحدُ
فيها أثراً، فقال: أقولُ برأيي، فإن كان صواباً، فَمِنَ اللهِ عَزَّ وحَلَّ: لها
مَهْرُ نسائِها، لا وَكْسَ، ولا شَطِطَ، ولها الميراثُ، وعليها العِدَّةُ، فقام
رجلٌ من أشجَعَ، فقال: في مثلِ هذا قضى رسولُ الله فِينا في امرأةٍ يُقال
لها: بروعُ ابنةُ واشقِ تَزَوَّجَتْ رجلاً، فمات قبلَ أنْ يَدْخُلَ بها، فقَضى
لها رسول اللّه ◌َ﴿ِ مثلَ صَداق نسائِها، ولها المِيراثُ، وعليها العِدَّةُ. فرفع
عبدُ الله يديه وكَبَّرَ.
وأما الشعبيُّ فقد اختُلِفُ عنه في من أخَذ هذا الحديث عنه، فأما
عبدُ الله بن عَوْن، فروى عنه أنه أَخَذَه عن الأشجعيِّ، ولم يُسَمِّه في
حديثه.
٤٠١٩- كما حَدَّثَنَا عليُّ بن شَيْبة، قال: حَدَّثْنَا يزيد بن هارون،
قال: أخبرنا عبد الله بن عَوْن، عن الشعبي، عن الأشجعي، قال: رأيتُ
ابنَ مسعودٍ فَرِحَ فرحةً لم أرَه فَرِحَ مثلَها، أتاه إنسانٌ، فسأله عن رجلٍ
تَزَوَّجَ امرأةً، ولم يَفْرِضْ لها صَداقاً، ولم يدخُلْ بها، فمات عنها، فقال:
ما سمعتُ فيها شيئاً، فقال الرجل: لو تَرَّدْت شهراً، ما سألتُ عنها
أحداً غيرك، وما وَجَدْتُ أحداً أسأل عنها غيرَك، فقال: إني سأقولُ
-١٢٣-

كتاب المواريث والوصية والهبة
فيها برأيي، فإن أصبتُ، فالله عَزَّ وجَلَّ يُوَفِّقُني: أرى لها صَدُقَةَ نسائِها،
لا وَكْسَ، ولا شَطَطَ، وعليها العِدَّةُ، فقال الأشجعيُّ: أشهدُ أن رسول
اللَّه ◌َ﴿ قضى يمثلٍ ما قضيتَ.
قال أبو جعفر: والأشجعيُّ المذكور الذي أخذ الشعبيُّ هذا
الحديثَ عنه هو مَعقِلُ بن سنان، وهو ممن تأخّر موتُه من أصحاب
رسول اللّه/، وإنما كان موتُه في يوم الحَرَّةِ، وهو أحدُ المقتولينَ بها من
أصحاب رسول الله چ#
وأما داود بن أبي هند، فذكر عن الشعبيِّ أنه أخَذَه عن علقمة
٤٠٢٠- كما حَدَّثَنَا الربيعُ بن سليمان المرادي، قال: حَدَّثْنَا أسد
بن موسى، قال: حَدَّثْنَا حماد بن سَلَمة، عن داود بن أبي هِنْد، عن
الشعبيِّ، عن عَلْقَمة، عن ابن مسعودٍ: أنهم سألوه عن رجلٍ تزوَّجَ
امرأةٌ، فمات ولم يَفْرِضْ لها صَداقاً، قال: فردَّدَهُم شهراً، ثم قال: أقولُ
فيها برأيي، فإِنْ يَكُ صواباً، فمن قِبَلِ الله، وإن يَكُ خطأ، فمِن قِيَلِي:
لها صَداقُ نسائِها، لا وَكْسَ، ولا شَطَطَ، لها الميراثُ، وعليها العِدَّةُ،
فقام مَعْقِلُ بن سنان، فقال: أشهدُ أن رسول الله:﴿ قضى به في امرأة
منا، يقال: لها: بَرْوَعُ ابنةُ واشقٍ.
وأما إسماعيلُ بن أبي خالد، فذكر أيضاً عنه أنه أخَذَه عن علقمة.
٤٠٢١- كما حَدَّثَنَا رَوْحُ بن الفرج، قال: حَدَّثَنَا يحيى بن
سليمان الجُعْفِي، قال: حَدَّثْني محمد بن فُضَيل، قال: حَدَّثَنَا إسماعيل بن
أبي خالدٍ، عن الشَّعبي، فذكره عن علقمة، ثم ذكره بمعنى ما ذكره به
داود عنه.
- ١٢٤ -

كتاب المواريث والوصية والهبة
وأما فِراسُ بن يحيى، فذكر أنه -يعني الشعبي - أخذه عن
مسروق.
٤٠٢٢- كما حَدَّثَنَا أحمدُ بن يحيى الصُّوري، قال: حَدَّثْنَا الهيثم
بن جميل، قال: حَدَّثْنَا شريكُ بن عبد الله، عن فِراسٍ، عن عامر، عن
مسروق، عن ابن مسعود، ثم ذكر مثل حديث الربيع، عن أسد، عن
حماد، عن داود.
٤٠٢٣- وكما حَدَّثْنَا أحمد بن شعيب، قال: أخبرنا إسحاقُ بن
منصور - يعني الكَوْسَج-، قال: حَدَّثْنَا عبد الرحمن - يعني ابن مَهْدي-،
قال: أخبرنا سفيانُ، عن فراسٍ، عن الشعبيِّ، عن مسروق، ثم ذكر مثله
سواء.
قال أبو جعفر: وقد يحتملُ أن يكون الشعبيُّ أخَذه عن هؤلاء
الثلاثة جميعاً، فحَدَّثَ به مرةً عن أحدهم، وحدَّثَ به مرةً أخرى عن
آخَرَ منهم، وحَدَّثَ به مرةً أُخرى عن آخر منهم.
وأما عبدُ خيرِ، فرواه عن مَعْقِل بغير اختلاف عنه في إسناده.
٤٠٢٤- كما حَدَّثْنَا رَوْحُ بن الفرج، قال: حَدَّثْنَا يحيى بن
سليمان الجُعْفيّ، قال: حدثني محمد بن فضيل، قال: حَدَّثْنَا عطاءُ بن
السائب، عن عبد خير، قال: جاء رجلٌ إلى عبد الله بن مسعود، فسأله
عن رجلٍ تزوَّجَ امرأةٌ، ولم يَغْرِضْ لها، ثم مات، ولم يَدْخُلْ بها، فجعل
عبدُ الله يردِّدُهم، ثم قال: أقولُ فيها برأيي، فإنْ يَكُ صواباً، فمن الله
عَزَّ وجَلَّ، وإنْ يَكُ خطأً، فمَنِّي ومن الشيطان: أرى لها صَداقَ نسائِها،
وعليها العِدَّةُ، ولها الميراثُ. فقال معقل بن سنان الأشجعيُّ، وكان
-١٢٥-

کتاب المواریث والوصية والھبة
حاضراً: أشهدُ لَقَضَى بذلك رسولُ اللهِ ﴾ في امرأةٍ منا، يقال لها:
بَرْوعُ ابنةُ واشقِ قال: فما رُبِي عبدُ الله أشدَّ فرحاً منه يومئذٍ، لموافقتِه
قضاء رسول الله چ
ثم رَجَعْنا إلى ما في هذا الحديث من الأحكام، فكان فيه جواز
التزويج بلا صَداقٍ مسمى فيه كما يقول أبو حنيفة، والثوري،
وأصحاب أبي حنيفة، والشافعي، بخلاف ما يقول مالك في ذلك من
فَسْخِهِ إياه في حياة الزَّوجين قبل الدخول، ومن تركه فسخه بعد
الدخول، وبعد موت أحدٍ الزوجين، وكان كتابُ الله عَزَّ وجَلَّ يَشْهَدُ
لما قاله الأولون في ذلك مما ذكرناه عنهم، وهو قوله عَزَّ وَجَلَّ فيه: ﴿٧
جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَقْتُمِ النّساءِ مِالمُتَاسُّوهُنَّ(١) أو تَغْرِضُوا لهنَّ فَرِضَةً
وسَعُوهَنَّ﴾ الآية [البقرة: ٢٣٦].
ولا يقعُ الطلاقُ من زوجٍ على زوجة إلى في تزويجٍ صحيح،
فَثَبَتَ ما ذكرنا بكتاب الله عَزَّ وجَلَّ، ثم بسُنّةِ رسول الله ◌ِ﴿، ثم بما
دَلَّ عليه من إجماع المسلمين عليه، لأنهم لا يختلفون أنَّ الميراثَ واجبٌ
للباقي منهما بعد موت من يُتَوفِى منهما من تَرِكَتِه، ولا يجبُ الميراث
لأحدهما من صاحبه إلا بصحة التزويج الذي كان بينهما قبل الوت
الذي كان أوجَبَ ذلك الميراثَ، ثم لإجماعهم جميعاً أنه إذا دخل بها لم
(١) كذا قرأ حمزة والكسائي بضم التاء وبالألف، وقرأ الباقون: (تَمَسُّوهن)) بغير
ألفٍ وبفتح التاء: انظر (حجة القراءات) لزنجلة ص١٣٧-١٣٨، و((زاد المسير) لابن
الجوزي ٢٧٩/١.
-١٢٦-

کتاب المواريث والوصية والهبة
يُفْسَح ذلك التزويج الذي كان بينهما، وكان الدخول لا يُصْلِحُ فاسداً.
فعَقَلْنا بذلك: أن التزويج يقومُ بنفسه، لا بالصَّداقِ الذي يُوجِبُه،
ثم قد وجدنا أصحابَ رسول الله :﴿ قد أجمعوا على وجوب صحة
العَقْد إذا وَقَعَ كذلك، وعلى وجوب الميراثِ فيه عن الباقي من الزوجين
بعد موت أحدِهما للباقي منهما، وإنما اختلفوا في وجوب الصَّداق
للزوجة بعد موت الزوج أو بعد موتها.
فقال بعضُهم: لها الصَّداقُ على زوجها إن كان حيّاً، وفي تركته
إن كان ميتاً، وممن قال ذلك منهم: عبدُ الله بن مسعود فيما قد رويناه
عنه في هذا الباب.
وممن قال: لا صَداقَ لها: عليُّ بن أبي طالب، وعبدُ الله بن
عباس، وعبدُ الله بن عمر، وزيدُ بن ثابت رضي الله عنهم.
٤٠٢٥- كما حَدَّثَنَا إبراهيم بن مرزوق، قال: حَدَّثَنَا أُبو
حُذَيفة، قال: حَدَّثْنَا سفيان، عن عطاء بن السائب، قال: حدثني عبدُ
خيرِ، عن علي عليه السَّلامُ في الرجل يتزوج المرأةَ فيموتُ عنها، ولم
يَفْرِضْ لهَا صَداقاً، ولم يَدْخُلْ بها، قال: لها الميراثُ، وعليها العِدَّةُ، ولا
صَداقَ لها.
٤٠٢٦- وكما حَدَّثْنَا صالح بنُ عبد الرحمن الأنصاري، قال:
حَدَّثَنَا سعيد بن منصور، قال: حَدَّثْنَا خالد بن عبد الله، عن عطاء بن
السائب، عن عبدٍ خيرٍ، عن عليّ نحوه.
٤٠٢٧- وكما حَدَّثْنَا أبو زُرْعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي،
قال: حَدَّثْنَا أبو نعيم، قال: حَدَّثْنَا القاسم بن مَعْن، قال: سألت ابن
-١٢٧-

كتاب المواريث والوصية والهبة
جريج عن المتوفى عنها زوجُها قبل الدخولِ، ولم يسمِّ لها مهراً،
فحدثني عن عطاء، عن ابن عباس، قال: حَسْبُها الميراثُ.
٤٠٢٨- حَدَّثْنَا يونس، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ: أن مالكاً أخبره
عن نافع: أنَّ ابنةَ عُبيد الله بن عمر، وأمُّها ابنةُ زيدِ بنِ الخَطَّاب، كانت
تحتَ ابنِ لعَبْد الله بن عمر، فمات ولم يَدْخُلْ بها، فابتغت أمُّها
صَداقَها، فقال عبدُ الله بن عمر: ليس لها صداقٌ، ولو كان لها صداقٌ
لم نُمسِكْه ولم نَظْلِمُها، فَأَبَتْ أن تقبلَ ذلك، فجعلوا بينهم زيد بن
ثابتٍ، فقضى أن لا صَداقَ لها، ولها المِيراثُ.
٤٠٢٩- وكما حَدَّثَنَا يوسف بن يزيد، قال: حَدَّثْنَا سعيدُ بن
منصور، قال: حَدَّثْنَا هُشيمٌ، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن سليمان
بن يسار: أن ابن عمر زَوَّجَ ابناً له ابنةَ أخيه عُبيد الله بن عمر، وابنُه
يومئذٍ صغيرٌ، ولم يَفْرِضْ لها صَداقاً، فمَكَثَ الغلامُ ما مَكَثَ، ثم مات،
فخاصم خالُ الجاريةِ ابنَ عمر إلى زيد بن ثابت، فقال ابنُ عمر لزيد بن
ثابت: زَوَّجْتُ ابني، وأنا أحدِّثُ نفسي أن أصنَعَ به خيراً، فمات قبل
ذلك، ولم يَفْرِضْ للجاريةِ صَداقً، فقال زيدٌ: لها الميراثُ إن كان للغلام
مالٌ، وعليها العِدَّةُ، ولا صَداقَ لها.
ثم رَجَعْنا إلى ما يوجبُه القياس في ذلك، فوجدنا الأصلَ المتّفَقُّ
عليه أن المطلقة قبلَ الدخولِ، وقد سُمِّي لها صداقٌ، لها نصف ذلك
الصداق، ولا عِدَّةً عليها، وإن كان لم يُسَمَّ لها صداقٌ، كانت لها المُتْعَة،
ولا عِدَّةَ عليها، وكان لو دَخَلَ بها ثم طلِّقَها، كان لها صداقُ مِثْلِها إن
كان لم يُسَمِّ لها صداقاً، وكان لها جميعُ ما سماه لها إن كان سَمَّى لها
-١٢٨-

کتاب المواریث والوصية والهبة
صداقاً، وكانت عليها العِدَّةُ في ذلك.
فكان الموضع الذي يكون عليها فيه العدة يكون لها فيه الصداقُ،
والموضع الذي لا يكون عليها فيه عِدَّةٌ، يكون لها فيه نصفُ الصداق
إن كان سَمَّى لها صداقاً، أو المتعة إن كان لم يُسَمِّ لها صداقاً.
وكان إذا تُوُفِّيَ عنها، ولم يسمّ لها صداقاً، ولم يدخل بها، عليها
العِدَّةُ في قولهم جميعاً، فكان في ذلك ما قد دَلَّ أن الموت إذا كان من
المواضع التي تجبُ العِدَّةُ فيها أن يكون من المواضع التي يجب الصداقُ
فیھا.
وكان في حديث بَرْوَع ابنة واشق من الأحكام أيضاً قضاءُ رسول
الله ﴿ لها بصداق مِثْلِها من نسائها، لا وَكْسَ، ولا شَطَطَ، وكان
نساؤُها المعقولات هنَّ نساء عشيرتها، كذلك هو موجود في كلام
العرب حتى تعالى ذلك إلى أن جاء به كتابُ الله عَزَّ وجَلَّ، وهو قوله:
﴿َعَالْ نَدْعُ أبناءنا وأبناءكُمْ ونساءنا ونساءُكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١]،
فكان أولئك النساءُ هن أمثالها من نساءِ رسول الله ﴿، ونساءِ مَنْ دعاه
إلى المباهَلَة لا من سِواهُم، فكان مثل ذلك نساء المرأة المرجوع في
صَداقِها فيما يجبُ لها في صداقُ مثلها من نسائِها، وهذا معنى أبي
حَنِيفةَ وأصحابِه، والشافعي.
وأما ابنُ أبي ليلى، فكان يقول: نساؤُها: هنَّ هؤلاء اللائي من
قِبَلٍ أبيها، وهنَّ عماتُها أخواتُ أبيها لأبيه وأمه أو لأمه، وأخواتُها
لأبيها وأمها أو لأبيها، وخالاتُها أخواتُ أمها.
وأما مالك فكان يقولُ: هن أمثالُها في منصبها وجمالها، ولا
-١٢٩-

كتاب المواريث والوصية والهبة
يُراعى أنسابها.
وكان الذي دَلَّ عليه حديثُ رسول الله:﴿ أوْلى ما قيل في ذلك،
فأما ما قال ابنُ أبي ليلى في ذلك من إدخاله خالاتها في ذلك، فلا
معنى له عندنا، لأنه قد تكونُ المرأةُ من قريش وتكونُ خالاتُها إماءً،
ولَمَّا فَسَدَ قولُه هذا، اعتبرنا القولين الآخرين، فكان ما قال مالكٌ منهما
هو الذي يقعُ في القلوب قَبُولُه، لا ما روي عن رسول اللهمُ﴿ من ما
يخالفه، غير أنا اعتَبَرْنا ما قال مالكٌ في ذلك، فوجدناه مراعاةً أحوال
المرأة التي يرغبُ فيها منها من أجلها، وهي جمالها وعقلها، والأشياء
التي ذكرنا مما يرغب فيها من أجلها، ووجدناه يرغب فيها بنسبها
وبشرفها وبأحوالها التي تَبِينُ به عن أحوال مَنْ سواها ممن هو مثلها في
جمالها وعقلها، وإذا كان جمالها وعقلها يعتبر في أمرها لرغبة الناس في
مثلها من أجله، كان مثل ذلك جنسها وبيتها الذي هي منه وآباؤها
التي يرغب فيها لمكانهم، يعتبر ذلك أيضاً فيها.
ولقد قال مالكٌ في المرأة تختلطُ عليها حَيْضَتُها: إنها تَعْتُبُرِ في ذلك
أيامُ نسائها في مثلِه، وإذا كان ذلك معتبراً في الحيض الذي قد تختلفُ
فيه المراةُ وأمّها، والمرأةُ وأُخْتُها، فتكون كلُّ واحدةٍ منها ومن نسائها
هؤلاء بخلاف ما عليه سواها من نسائها في ذلك، كان اعتبار ذلك لها
في الصَّداق أولى، وكان بالقول به في ذلك أحرى، والله نسأله التوفيق.
- ١٣٠ -

كتاب المواريث والوصية والهبة
٥٧٦- بابُ بيانِ مُشْكِل حديث النبي ﴾ في تركِهِ أخذَ میراثِ
مولاه الذي سقط من نخلةٍ فمات، فأمرهُ بدفع میراثه إلى
أهل قريته
٤٠٣٠- حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، حَدَّثَنَا بِشْرُ بنُ عُمر
الزَهْرَانِيُّ، حَدَّثْنَا شعبةُ، عن عبد الرحمن بن الأصْبَهانيِّ، عن مجاهدِ بنِ
وَرْدَان، عن عُروةَ بنِ الزبير، عن عائشة، أن مولىِّ لرسولِ الله ◌َ﴿ّ تُوفّيَ،
فقال: ((هاهنا أحدٌ مِنْ أهْلِ قَرْيَتِهِ))؟ فأعطاه أياه(١).
٤٠٣١- حَدَّثَنَا عليُّ بنُ شيبةَ، حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ هارون، أخبرنا
سفيانُ، عن عبد الرحمن بنِ الأصبهانيِّ، عن مجاهدٍ، عن عروةً، عن
عائشةً، أن مولىٌّ للنبي ﴿ وقعَ من نخلةٍ، فماتَ، فقال النبيِ﴿: «انْظُرُوا
هَلْ لَهُ وارثٌ)؟ قالوا: لا. قال: (اعْطُوه بَعْضَ القرابةٍ)(٢).
٤٠٣٢ - حَدَّثْنَا الربيعُ بنُ سليمان المؤذنُ، حَدَّثْنَا أَسَدُ بنُ موسى،
حَدَّثْنَا قيسُ بنُ الربيع، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، عن مجاهدِ بنِ
(١) رواه الطيالسي (١٤٦٥)، وأحمد ١٧٤/٦-١٧٥، وأبو داود (٢٩٠٢)،
وأبو يعلى (٤٦٤٧)، والبيهقي ٢٤٣/٦، والبغوي (٢٢٣٠) من طرق عن شعبة به.
(٢) إسناده صحيح، ورواه في ((شرح معاني الآثار)) ٤٠٤/٤ بإسناده ومتنه.
ورواه الترمذي (٢١٠٥) عن بندار، عن يزيد بن هارون، به.
ورواه ابن أبي شيبة ٤١٢/١١، وأبو داود (٢٩٠٢)، وابن ماجه (٢٧٣٣)،
والبيهقي ٢٤٣/٦ من طريق وكيع، ووراه أحمد ١٨١/٦، والنّسائي في (الكبرى)
كما في «التحفة)) ٢١/١٢ من طريق عبد الرحمن بن مهدي، كلاهما عن سفيان، به.
- ١٣١ -

کتاب المواریث والوصية والهبة
وَرْدَان، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، قالت: وقعَ مولىّ لرسول
اللَّه ◌َ﴿ من عِذْقِ نخلةٍ، فمات، وتركَ شيئاً، فذُكر ذلك لرسول الله وَلّ
فقال: (هل تركَ من وَلَدٍ أو حَمِيمٍ))؟ قالوا: لا، قال: ((انظروا أهلَ
قريتهِ، فادفَعُوه إليهم)).
٤٠٣٣- حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ شعيبٍ، حَدَّثْنَا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ
تميمٍ، حَدَّثْنَا حَجَّاجُ بنُ محمدٍ، حدثني شُعْبَةُ، عن عبدِ الرحمن بنِ
الأصبهاني، عن مجاهدٍ بنِ وردان - رجلٍ من أهلِ المدينة، وأثنى عليه
خيراً- عن عروةً، عن عائشة، مثلَه (١).
وقد روى عن مجاهدٍ هذا، سوى ابنِ الأصبهانيِّ ربيعةُ بنُ سیفٍ
المعافريُّ.
٤٠٣٤- كما حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، حَدَّثْنَا أبو عبد الرحمن
المقرئُ، حَدَّثْنَا سعيدُ بنُ أبي أيوبٍ، حَدَّثْنَا ربيعةُ بنُ سيفٍ، عن مجاهدٍ،
عن عروةَ، عن عائشةً أنها كانت عند أبي بكرِ الصديق حينَ حضرتْهُ
الوفاةُ، فَتَمَثِّلتْ بهذه الأبياتِ:
مَنْ لا يَزَالُ دَمْعُهُ مُقَنَّعا
يُوشِكُ أن يكُونَ مرة مُدَفَّقا
هكذا أخبرناهُ إبراهيمُ («مدفقاً) وأهلُ العلمِ بالشعرِ يقولون: إنه
(هُدَفَّعًا) فقال: لا تقولي هذا يا بُنِيَّةُ، ولكن قولي: ﴿وجَاءتْ سَكْرَةُ
(١) إسناده صحيح، وهو في ((السنن الكبرى) كما في ((التحفة)) ٢١/١٢.
ورواه أحمد ١٧٤/٦-١٧٥ عن محمد بن جعفر، عن حجاج بن محمد الأعور،
به.
- ١٣٢ -

كتاب المواريث والوصية والهبة
المَوْتِ بالْحَقّ ◌ِلِكَ مَا كُنْتَمِنْهُ تَحِيِدُ﴾ [ق: ١٩]، ثم قال: يا بُنَّهُ فِي كَمْ
كُفْنَ رسول الله ﴿؟ قالت: في ثَلاثةِ أثوابٍ. قال: كَفْنُوني في ثوبيَّ
هذين، واشْتَرُوا إليهما ثوباً، فإنَّ الحيَّ أَحْوَجُ إلى الجديدِ من الميتِ، إنما
هما للمُهلة، يعني الصديد(١).
هكذا يقول أصحابُ الحديثِ، وغيرُهم من أهلِ اللغةِ، يقولون:
للمهلة بكسر الميم.
وذكرَ البخاريُّ أنَّ مجاهداً هذا من أهلِ المدينة، وأنَّ مما رَوَى عنه
جعفرُ بنُ ربيعة. وقد ذكر عبدُ الرحمن بنُ القاسم، عن مالكِ بن أنسٍ،
أن خارجةَ بن زيد ومجاهداً كانا يَقْسِمان للناسِ بالمدينةِ بغيرِ أجرٍ، فلم
يُدْرَ مَنْ مجاهدٌ الذي أرادَه مالكٌ الذي وقفنا على ما ذكرنا، فعلمنا أنه
مجاهد، وأردنا بما ذكرنا أن يُعلم أنه خلافُ مجاهد بن جبر، إذ كان
مجاهدُ بن جبر إنَّما كان يكون مرَّةً بمكةَ، ومرةً بالكوفة، ولا ذِكْرَ له في
أهل المدينةِ.
فقالَ قائلٌ: ما كان معنى تركِ رسولِ اللهِمُ﴿ ميراثَ هذا المتوفّى
وهو مَوْلاه الذي مِنْ سببه وجوبُ ميراث مولى النّعمة ودفعُه إلى أهلِ
المدينةِ الذين ليسوا من ميراثِه في شيءٍ.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق اللهِ وعونِهِ: أنَّ الله شرَّفَهِ ﴿ ورفعَ
(١) ربيعة بن سيف المعافري. قال البخاري: عنده مناكيرُ، وقال النسائي: ليس به
بأسِّ، وقال الدارقطني: مصري صالح، وذكره ابن حبان في (الثقات) وقال: كان
يُخطئ كثيراً.
- ١٣٣ -

کتاب المواريث والوصية والهبة
منزلَتَه، وجعلَه في أعلى مرات الدُّنيا الآخرةِ، وأخرجَه مِنْ أخلاقِ مَنْ
سواه مِنْ أهلِ الرَّغبةِ في الدُّنيا، وكان فيما أُنْزِلَ عليه: ﴿كُلاَّبَلْلا
تُكْرِمُنَ الَيْمَ وَلا يَحُصُونَ على طَعامِ المِسْكِينِ وَيَأْكُلُونَ التّراثَ أككْلاَتَفَاً
ويُحُّونَ المالَ حَبَّاَ جَمَاً﴾(١) [الفجر: ١٧ - ٢٠]، فوصفَهم بذلك بأخلاق لا
يحمدُها، وجعلَهم بذلك في منزلةٍ سُفلى، وأخرجَه ﴿ مِنْ ذلك إلى
أرفعِ المنازلِ، وجعل حُكْمَه ◌َما أخرجَه إليه أُعلى الأحكامِ، فلم يجعلْهُ
ممن يَرِثُ مَنْ سِواه مِنْ ذِي نسبٍ، ولا ذي ولاءٍ، ولا مِن ذواتٍ
تزويجٍ، وخالفَ بينَهُ وبَيْنَ سائرٍ أُمته في ذلك، زيادةُ في فَضْله وفي
تشريفِه إِيَّاه، وفي رِفعةٍ منزلته فيه، فأمرَ ﴿ بذلك في ميراثِ مولاه الذي
ذُكِرُ في هذا الحديثِ، لَّا لم يَكُنْ له ولدٌ ولا حَمِيمٌ يستحقُّ ميراثَه، أن
يَدفعَ ميراثَه إلى أهل قريته كما يكون للأئمة في الأموال التي لا مالك لها
أن تُدْفَعَ إلَى مَنْ يَرَوْنَ دفعَها إليه مِنَ الناسِ.
فإن قالَ قائلٌ: فقد كان مِنْ أنبياء الله صلواتُ الله عليهم يَرِثُون
ويُورَتُون، مِنْ ذلك ما حكى جَلَّ وعزَّ في كتابه عن نبيه :﴿ زكريا مِنْ
سؤالِهِ إِيَّه أن يَهَبَ له مِنْ لَدُنْهُ ولِيّاً يرثُه ويرثُ مِنْ آل يعقوبَ لِ﴿ّ،
وأن يجعلَه نبيّاً، ومِنْ أهلِ إجابته عَزَّ وجَلَّ إِيَّاه إلى ذلك وهبته له يحيى
﴿*، وإصلاحُه له زوجه.
فكانَ جوابُنا له بتوفيقِ اللهِ وعونِه: أنَّ ما كان من زكريًّا ﴿ في
(١) قرأ أبو عمرو: (كلا بل لا يكرمون ... ولا يحضُّون ... ويأكلون ... ويحبون)
بالياء، وقرأ الباقون: بالتاء على المخاطبة، انظر (حجة القراءات)) ص ٧٦٢.
- ١٣٤ -

كتاب المواريث والوصية والهبة
ذلكَ مَّا سألَهُ ربَّه عَزَّ وجَلَّ أن يَهَبَ له من يرثُه، لم يكن ذلك لمالِ يَرِثُه
عنه، وأيُّ مال كان له مَ﴿، وإنّما كان زاهداً بجَّاراً يعملُ بيدِه.
٤٠٣٥- كما حَدَّثْنَا محمدُ بنُ عليٍّ بنِ داودَ البغداديُّ، حَدَّثَنَا
عفائُ بن مسلمٍ، حَدَّثَنَا حمادُ بن سلمةَ، عن ثابتٍ البنانيِّ، عن أبي
رافعٍ، عن أبي هُرِيرَةً قال: قال رسول الله :﴿: ((كان زكريًّا عليه
السَّلامُ تجاراٌ)(١).
قال أبو جعفر: ولما كان نجاراً ﴿، ليسَ من ذوي الأموالِ، عَقَلْنا
بذلك أنَّ الذي سأل ربَّه عَزَّ وجَلَّ أن يرثَه عنه من يَهَبُ له غيرُ الأموالِ
وهي النُّبوةُ كمثل الذي سَأَلَّه أن يرثَه مِنْ آلِ يعقوبَ مِ ﴾، وكذلك
سائرُ أنبياء الله عَزَّ وحَلَّ صلواتُ اللهِ عليهم، فلم يُوَرِّثُوا ديناراً ولا
درهماً، وإنما وَرَُّوا العلمَ.
٤٠٣٦- حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ مرزوقٍ، حَدَّثَنَا عبدُ الله بن داود
الخُرَيْيُّ، عن عاصمٍ بن رجاء بن حيوةَ، عن داودَ بن جميلٍ، عن كثيرٍ
بنِ قيسٍ، قال: كنتُ جالساً مع أبي الدرداءِ في مسجدٍ دمشقَ، فأتاه
رجلٌ، فقال: يا أبا الدرداء جئتُك من المدينة - مدينة الرسول *:-
بحديثٍ، بَلَغَني أَنَّكَ تُحَدَّثُه عن رسول الله:﴿ قال: ولا جئتُ لحاجةٍ؟
قال: لا، قال: ولا جئتَ لتجارةٍ؟ قال: لا. قال: ولا جئتَ إلاَّ لهذا
الحديثِ؟ قال: نعم. قال: فإنّي سَمِعْتُ رسولَ الله {#* يقولُ: ((مَنْ
(١) إسناده صحيح، ورواه أحمد ٢٩٦/٢ و٤٠٥، ومسلم (٢٣٧٩)، وابن ماجه
(٢١٥٠)، وابن حبان (٥١٤٢)، والحاكم ٥٩٠/٢ من طرق عن حماد بن سلمة،
به.
- ١٣٥ -

کتاب المواریث والوصية والھبة
سَلَكَ طَرِيقاً يَطْلُبُ عِلْمً، سلكَ الله به طريقاً مِنْ طُرق الجنّة، وإِنَّ
الملائكَة تضعُ أجنحتها رِضاً لطالبِ العلمِ، وإنَّ فضلَ العالِمِ على
العابدِ كَفَضْلِ القمرِ لَيلةَ البَدْرِ على سائرِ الكواكبِ، وأنَّ العالِمَ
يستغفِرُ له مَنْ في السماوات ومَنْ في الأرضِ وكلُّ شيءٍ حَتّى الحيتانُ
في جوفِ الماء، إنَّ العلماء ورثةُ الأنبياء، إنَّ الأنبياء صلواتُ الله
عليهم لم يُوَرِّثُوا ديناراً ولا دِرْهماً، وَوَرَّثُوا العلمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ، أَخَذَ
بحظٍّ وافٍ)).
قال أبو جعفر: وزكريا ﴿ منهم، فلم يُؤَرِّثْ شيئاً من المال.
فإن قال قائلٌ: فقد قال الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَوَمَرَثَ سليمانُ داودَ﴾
[النمل: ١٦]. فإنَّ ذلك عندنا -والله أعلمُ - هو ما كانتِ الأنبياءُ تُوَرِّتُه
ثَمّا هو سِوَى الأموالِ.
فإن قالَ: فقد كانَ سليمانُ في حياةٍ داودَ صلى الله عليهما نبياً،
فما الذي وَرِثَه عنه؟
قِيلَ له: وَرِثَ عنه حكمتَه، وما يُورَثُ عن مثلِه. وكانَ ذلك
مضافاً إلى نُوَّتِه التي كانت معهُ قبلَ ذلك.
فإن قال: فقد وَرِثَ رسولُ اللهِ﴿ أَبَوَيْهِ، فَوَرِثَ عن أبيه منزلَه
ومملوكَتَهُ أُمَّ أَيْمَن وشُقْرَانَ اللذين أعْتَقَهُمَا مَوْلَيْنِ لهُ.
قِيلَ له: إنما كان ذلك قبلَ أن يؤتيه الله النبوةَ، فلما آتاهُ إياه أعادَ
أحكامَه إلى الأحكامِ التي توفّهُ عليها مِنْ مَنْعِه الميراثَ عن غيرِهِ، ومِن
منعٍ غيرِه الميراثَ عنه، وإنما يرثُ الناسُ من حيثُ يرثون، فإذا كان ◌ِ﴿.
غيرَ موروثٍ، كان غيرَ وارثٍ. وفيما ذكرنا بيانُ لما وصفنا. والله نسأله
التوفيق
-١٣٦-

کتاب المواريث والوصية والهبة
٥٧٧- بابُ بيانٍ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴾ فيما أجاب
به مَنْ سأله عن ميراث رجلٍ من الأزْد في يده لما ذكر له أنَّه
لم يَجِدْ أزدیّاً
٤٠٣٧- حَدَّثَنَا يحيى بنُ عُثمان بن صالح، قال: حَدَّثْنَا يوسفُ
بن عَدِيّ، قال: حَدَّثْنَا عبدُ الرحمن بن محمد المُحَاربيُّ، عن جبريل بنِ
أحْمَر، عن عبد الله بن بُرَيْدة، عن أبيه أنَّ رجلاً أتى النبيَّ: ﴿ فقال: يا
رسولَ الله إنَّ عندي ميراثَ رَجُلٍ من الأزْدِ، وإنّي لم أجدْ أحداً أزدياً
أدفعُهُ إليه، قال: ((انْطَلِقْ ابْتَغِ أزدياً عَامٌ) أو قال: ((حولاً) فانطلق، ثم
رَجَعَ في العامِ الثاني، فقال: يا رسولَ اللهِ والله ما وَجَدْتُ أَزْدِياً أدْفَعُهُ
إليه، قال: ((انطلِقْ فانظر أوَّل خُزَاعِي، فادفعْه إليه))(١).
٤٠٣٨- حَدَّثْنَا يحيى بنُ عثمان، قال: حَدَّثْنَا نُعَيْم بن حماد (ح)،
قال: وحَدَّثْنَا محمد بن سِنَان الشَّيْزَرِي، قال: حَدَّثَنَا عيسى بنُ سليمان
الشَّيْزَرِي، قال: حَدَّثْنَا عَبَّاد بنُ العَوَّامِ، قال: يحيى: عن جبريلَ بنِ أَحْمَر
أبي بكر، وقال محمد: عن جبريل بن أحْمَر، ثم اجتمعا، فقالا: عن عبد
الله بن بُرَيْدَة، عن أبيه، ثم ذكر مثلَه، غير أنه قال: ((انطلق فادفعه إلى
أوَّل خُزَاعِي تَلْقَاهُ)) فلما قَفَا، قال: عليَّ به، قال: فرجع. قال: ((انطلق
فاذْفَعْهُ إلى أكبرِ خُزَاعَةَ)).
قال أبو جعفر: ومعنى أكبر خُزاعة عندنا - والله أعلم - أكبرُها في
(١) رواه أبو داود (٢٩٠٣) من طريق عبد الرحمن بن محمد المحاربي، به.
-١٣٧ -

کتاب المواريث والوصية والهبة
النّسَبِ ومنه (الوَلاَءُ للكُبْرِ)».
٤٠٣٩- حَدَّثَنَا فهدُ بنُ سليمان، قال: حَدَّثَنَا أبو غَسَّان مالكُ
بنُ إسماعيل، قال: حَدَّثَنَا موسى بنُ محمد الأنصاري، قال: أخبرنا
جبريلُ بنُ أحْمَر، عن عبد الله بن بُرَيْدة، عن أبيه، قال: جاء إلى النبيِّ
﴿ رجلٌ، فقال: عندي ميراثُ رَجُلٍ من الأزد لا أجدُ أزدياً أدفعه إليه،
قال: (تَرَبَّصْ بِهِ حَوْلاً) قال: ففعل، ثم أتاه فقال: ((اذْهَبْ، فادفعْهُ إلى
أكْبر خُزَاعَةٍ)).
قال أبو جعفر: فتأملنا هذا الحديث فوجدنا ما أمر به رسولُ
اللّه ◌ّ فيه الذي سأله عمَّن سأله عنه فيه من ابتغاء أزدي حولاً قد أمر
في ذلك كمثل ما أمر به في اللَّقَطَةِ، وفي ابتغاء صاحبها حولاً، ثم
تُصْرَفُ فيما يجب صرفها فيه بعد الحول، فجعل مثل ذلك ما أمر به
السائل له في الحديث الذي روينا مِن طلب أزدي حولاً، ومن ردِّ ذلك
الميراث إنْ لم يجده حتى يمضيَ الحولُ إلى الأكبرِ من خزاعة، لأنّهم مِن
الأزد، وإنما التخزعوا منهم لمّا خرجوا من اليمن، فصاروا إلى مكة، وهم
بنو مازن بنِ الأسود بنِ الغَوْث بن نَبْتِ بنِ مالك بن زيد بنِ كهلان
بنِ سبأ بن يَشْجُبَ بن يَعْرُب بن قَحْطَان، فحالفوا بمكة من حالفوه
بها، فصاروا بذلك حلفاء بني هاشم.
فقال قائل: فكيف يجوزُ أن يكونَ ما في هذا الحديث كما ذكر
فيه من عدم الذي كان ذلك الميراث عندَه وجود أزدي يستحقه حتّى
يطلبه من خزاعة، والأنصارُ مع رسول الله :﴿ وَهُمْ من الأزد وهُمْ
أقربُ إلى ذلك المتوفّى من خُزاعة، لأنَّ خُزاعة لما الخزعت سُمِّيَت
-١٣٨ -

کتاب المواريث والوصية والهبة
بذلك وهي من بطنٍ بعينه من الأزدٍ، ومَنْ سواها مِن الأزدٍ ليس من
ذلك البطن، فنسِبت هي إلى ما نُسِبّت إليه وبانت بذلك من الأزد،
وبقي مَنْ سواها مِنْ بطونِ الأزد على ما كانوا عليه قبلَ ذلك من
النسبة إلى الأزد، كما قد بانت أفخاذ قريش من قريش بما هي من
أفخاذ قريش، فقيل: الهاشيمون للهاشميين والعَبْشَمِيُّونَ لعبدِ شمس، حتى
قيل في بطون قريش كذلك وقريش تجمعها كُلُّها.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه أنَّ هذا يَحْتمل أن
يكونَ كان بمكة قبل أنْ يُهَاجِرَ رسولُ اللهِ﴿ منها إلى المدينة وقبل
إسلام الأنصار، ومِمَّا يقرب أن ذلك كذلك في القلوب أنَّ الذي رَوَى
هذا الحديث عن النبي :﴿ هو بُرَيْدة بن الحُصِيْب وهو رجلٌ من أسلم،
وأسلم من خزاعة، [إسلام أسلم و] إسلام خزاعة كان والنبيُّمَ/ بمكة.
فكان ما أمر به رسولُ الله :﴿ الذي سأله عن ما سأله عنه في
حديثه وجواب البي ﴿ إِيَّاه بما أجابه به فيه، ولا أنصارَ حينئذٍ ولا أحد
أقعدُ حينئذٍ بالأزدِ منهم ذلك المُتَوَّفَّى إلا خُزاعة، وفي ذلك ما قد دَلَّ
على أن ذلك ممن قد كان أسْلَمَ، فردَّ رسولُ اللهِ مَّ ميراثه إلى الأقعد
من مُسلمي ◌ُزاعة.
وقد روى شَرِيكُ بن عبد الله النّخَعِي عن جبريل بن أحمر،
فخالف فيه موسى بن محمد الأنصاري، وعبد الرحمن بن محمد
المُحَاربي، وعَّدَ بنَ العوَّامِ
٤٠٤٠- كما حَدَّثْنَا يونس بن عبد الأعلى ومحمد بن خُزَيْمة،
قالا: حَدَّثْنَا عَمْرو بن خالد، قال: أخبرنا شَرِيك بن عبد الله، قال:
-١٣٩-

کتاب المواريث والوصية والهبة
حَدَّثْنَا جبريل بن أحْمر، عن ابن بُرَيْدة، عن أبيه، قال: أُتي النبي
بميراث رجل من خُزَاعة، فقال: ((اطْلُبوا له وَارِثً) فطلبوه، فلم يجدوه،
فقال: ((اطْلُبُوا له قَرَابَةٌ) فطلبوا، فلم يجدوا، فقال: ((اطْلُبوا له ذا رَحِمٍ))
فطلبوا فلم يجدوا، فقال (ادفعُوا مَالَه إلى أكْبَرِ خُزَاعَةَ)(١).
قال أبو جعفر: ما كان عند يونس لعَمرو بن خالد إلاّ حديثان:
هذا الحديثُ وآخر.
٤٠٤١- وكما حَدَّثْنَا فهد، حَدَّثَنَا محمدُ بن سعيد بن
الأصْبَهَاني، قال: أخبرنا شَرِيك، قال: حَدَّثْنَا جبريل بن أحْمر، عن ابن
بُرَيدة، عن أبيه، قال: أُتي النبيُّ: ﴿ بميراث رجلٍ من خزاعة، ثم ذكر
مثله.
قال أبو جعفر: فكان ما رواه سوى شَرِيكٍ، فهذا الحديث عليه
أوْلى عندنا مما رواه شَرِيك عليه لِعددهم، ولأنَّ ثلاثة أوْلى بالحفظ من
واحد، ولاستحالة بعضٍ ما في حديث شريك مما ذكر فيه من قول
النبيِحَ﴿: ((اطْلُبوا له ذا رَحِمٍ)) وهذا لا يجوز في العرب، لأنَّ العرب لا
تُوَرِّثُ بالأَرْحَامِ، وإنما تُوَرِّثُ بالعَصَباتِ إلا حيث ورَّث الله عَزَّ وجَلَّ
ذوي الفرائض المسماة منهم والأخوات للأب والأمّ أو للأب مع
البنات، لأنهم إذا لم يوجد عَصَبَاتهم من أفخاذهم وُجدت من الأفخاذ
التي تتلو أفخاذَهم كما يفعلُ فيهم في عُقُول جناياتهم تحمل أفخاذهم
الذين يحملون أُرُوش الجنايات، فإن قَصْر عددُهم عن احتمال أرُوشِها،
(١) إسناده ضعيف، ورواه أبو داود (٢٩٠٤)، والنسائي في ((الكبرى) كما في
((التحفة)) ٧٩/٢ من طريقين عن شريك، به.
- ١٤٠ -