النص المفهرس
صفحات 101-120
كتاب المواريث والوصية والهبة
إني لأَدَعُ مالاً، وليس لي وارثٌ إلا الكلالة، أفأُوصي عالي كلّه؟ قال:
(لا). قال فِنِصْفِه؟ قال: (لا). قال: فبتُلُثِهِ؟ قال: «الثُّلثُ، والثُّلثُ
كثيرٌ، إنّكَ إِن تَدَعَ أهلَكَ بعَيْشٍ -أو قال: بخيرٍ - خيرٌ لك من أن
تَدَعَهُم يَتَكفّفُونَ الناسَ)(١).
فكان في هذا الحديث قولُ سعدٍ لرسول الله ﴿ .: ليس لي وارثٌ
إلا الكلالة، وكانت له ابنةٌ قد ذكرها الزهريُّ، عن عامر بن سعد فيما
رويناه في الباب الذي قبل هذا الباب، فعَقَلْنا بتصحيح أحاديثه: أن
معنى قوله: ((وليس لي وارثٌ إلا الكلالة))، أي: ليس لي وارثٌ مع
ابنتي إلا الكلالة، لأن الابنة ليست بكلالةٍ عند أهل العلم جميعاً.
ثم نظرنا هل رُوِيَ عن رسول الله 8# في الكلالة غير ما ذكرنا،
أم لا؟
٣٩٩٩ - فوجدنا أحمدَ بنَ الحسن الكوفي قد حَدَّثْنَا، قال: سمعت
سفيان يقول: سمع ابنُ المنكدرِ جابرَ بن عبد الله، يقول: مرضتُ،
فأتاني رسول الله ﴿ يَعودُني، فوَجَدَني قد أُغْمِي عليَّ ومعه أبو بكرٍ
يمشيان، فتوضَّأ رسول الله ﴿، فصَبَّ وَضُوءه عليَّ، فأفقتُ، فقلتُ: يا
رسول الله، كيف أقضي في مالي، كيف أصنعُ في مالي؟ فلم يُحِبْنِي،
حتى نزلت آيةُ الميراث. قال: فكان له سبعُ أخوات، ولم يكن له والد
ولا ولد.
فقالوا: أيُّها هذه الآية؟ فقال: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّ ◌َفْسِكُم في
(١) إسناده صحيح كسابقه. وهو في ((سنن سعيد بن منصور)) (٣٣١).
-١٠١-
کتاب المواریث والوصية والھبة
الكَلاَةِ﴾ إلى آخر الآية [النساء: ١٧٦].
وقال محمد بن المنكدر، قال جابر: فيَّ نزلت هذه الآية(١).
٤٠٠٠- ووجدنا يزيد بن سنان قد حَدَّثَنَا، قال: حَدَّثْنَا وهب
بن جرير وبشر بن عمر، قالا: حَدَّثْنَا شعبة، عن محمد بن المنكدر، عن
جابر بن عبد الله، قال: أتاني رسولُ اللهِمَ﴿ يعودُني وأنا مريضٌ لا
أعقِلُ، فتوضَّأْ، فصَبَّ الوَضوء عليَّ، فعَقَلْتُ، فقلت: كيف الميراثُ،
فإِنما تَرِثُني كلالةٌ؟ فنزلت آيةُ الفرائضِ.
ففي هذا الحديثِ: أن جابراً قال للنبي ﴿: إنما تَرِثُي كلالةٌ، ولم
يُنكِرْ ذلك رسولُ الله:﴿ٌّ من قوله، فدَلَّ ذلك أن الكلالة هي الوارث لا
الموروث.
٤٠٠١- ووجدنا يزيد قد حَدَّثَنَا، قال: حَدَّثْنَا وهبٌ، قال:
حَدَّثَا هشام، عن أبي الزُّبير، عن جابر بن عبد الله، قال: اشتكيتُ
وعندي سبعُ أخواتٍ لي، فدخل عليَّ رسولُ الله لح /، فنفخ في وجهي
ماءً، فأفَقْتُ، فقلت: يا رسول الله، أُوصي لأخواتي بالثلثين؟ قال:
((أَحْسِنْ)). قلت: الشَّطْر؟ قال: ((أحْسِنْ)). ثم خرج رسولُ اللهَلَ﴿،
(١) إسناده صحيح، ورواه الحميدي (١٢٢٩)، وأحمد ٣٠٧/٣، والبخاري
(٥٦٥٤) و(٦٧٢٣) و(٧٣٠٩)، وفي (الأدب المفرد)) (٥١١)، ومسلم (١٦١٦)
(٥)، وأبو داود (٢٨٨٦)، وابن ماجه (١٤٣٦) و(٢٧٢٨)، والترمذي (٢٠٩٧)
و(٣٠١٥)، والنسائي ٨٧/١، وابن خزيمة (١٠٦)، وأبو يعلى (٢٠١٨)، والطبري
(١٠٨٦٩)، والبيهقي ٢٢٣/٦ و٢٢٤ من طرق، عن سفيان بن عيينة، به. وانظر
الفتح ٢٤٤/٨.
-١٠٢ -
كتاب المواريث والوصية والهبة
وتركني، ثم رَجَعَ فقال: (يا جابرُ، إنَّ الله قد أَنْزَلَ، فَيَّنَ الذي
لأخَواتِك، فَجَعَل لهنَّ الثَّلُثين)) فكان جابرٌ يقول: فيَّ نَزَلَتْ هؤلاء
الآيات: ﴿ يَسْتَقْتُونَكَ قُلِالله ◌ُعِكُمْ في الكَلاَةِ﴾.
ففي هذا الحديث: أن الأخواتِ اللاتي ذَكَرَ جابرٌ للنبيِّ مَ﴿ أنه
كلالةٌ مما لم ينكره رسول الله :﴿ وكان الولد، وقد تكون بحَحْبٍ
الأخوات إذا كان ذكراً، ولا يَحْجُبُهُنَّ إذا كان أنثى، ليس بكلالة،
كانَ الوالدُ الذي لا يحجبهنَّ في الأحوال كلها، أحرى أن لا يكون
كلالة.
وفيما قد ذكرنا ما قد دَلَّ أن الكلالة من يَرِثُ لا من يُورَثُ، وفي
ذلك ما قد دَلَّ على صحة قراءة من قرأ: ﴿وإن كان رجلٌ يُورِثُ
كلالةٌ﴾ [النساء: ١٢]، والله أعلم.
وقد حَدَّثَنَا وَلَّدٌ النحوي، قال: حَدَّثْنَا أبو جعفر المَصَادِري، قال:
حَدَّثْنَا أبو عبيدة مَعْمر بن المثنى، قال: الكلالةُ: كلُّ من أورَتَ غيرَ أبٍ
أو ابنِ أو أخٍ، فهو عند العرب كلالةٌ: (يورث كلالة): وهي مصدرٌ
من تَكَلِّلَهُ النسبُ.
الكلالة: ما يُكُلِّلُ به النسبُ من الأعمام، وبني العم، والعصبة.
قال: وقال بعضهم: الإخوة من الكلالةِ.
قال أبو جعفر: والقولُ عندنا في ذلك ما رويناه في حديثيْ جابر
وسعد: أن الكلالة هم الوارثون، لا الموروث، وقد روي أن آية الكلالة
هي آخرُ آيةٍ أُنزلت.
-١٠٣-
كتاب المواريث والوصية والهبة
٤٠٠٢- كما قد حَدَّثْنَا فهدٌ، قال: حَدَّثْنَا أبو الوليد الطيالسي،
قال: حَدَّثَنَا شعبةُ، قال: حَدَّثْنَا أبو إسحاق، قال: سمعت البراء يقول:
آخرُ آيةٍ أُنزلت: ﴿يَسْتَغْتُونَكَ قُلِ الله ◌ُفْتِهِكُمْ فِيَ الكَلَةِ﴾، وآخرُ سورةٍ
نَزَّلَتْ براءةُ(١).
وقد رُوِيَ عن ابن عباس في الكلالة أيضاً.
٤٠٠٣- كما قد حَدَّثْنَا عيسى بن إبراهيم، قال: حَدَّثْنَا سفيان
بن عيينة، عن عمرو، قال: أخبرنا الحسن بن محمد، قال: سألتُ ابن
عباس عن الكلالة، قال: هو من لا ولدَ له ولا والد. قلت: فإن الله
يقول: ﴿إِن اسرُّ هَلَكَ ليس له ولدٌّ﴾ [النساء: ١٧٦] فَغَضِبَ عليَّ
وانتهرني.
وقد يحتمل أن يكون الذّكْرُ للولدِ في هذه الآية، وتركُ الذّكر
الوالد، لأن المخاطَبين في ذلك يعلمون أن الوالد في هذا المعنى أوكدُ
من الولد، فيكون الذّكر للولد يُغني عن ذكر الوالد، كما قال جل
(١) رواه البخاري (٤٦٥٤) عن أبي الوليد الطيالسي، به.
ورواه البخاري (٤٦٠٥)، ومسلم (١٦١٨) (١١)، وأبو داود (٢٨٨٨)،
والنسائي في ((الكبرى)) كما في ((التحفة)) ٥٢/٢، وأبو يعلى (١٧٢٣) من طرق، عن
شعبة، به.
ورواه أحمد ٢٩٨/٤، والبخاري (٤٣٦٤) و(٦٧٤٤)، ومسلم (١٦١٨)،
والنسائي في ((الكبرى)) كما في ((التحفة)) ٤٣/٢، والطبري (١٠٨٧٠) و(١٠٨٧١)
و(١٠٨٧٣)، والبيهقي ٢٢٤/٦ من طرق، عن أبي إسحاق، به.
-١٠٤ -
کتاب المواریث والوصية والھبة
وعز: ﴿ وَأُّهَاتُكُمُ اللَّتِي أمر ضَغَكُم وأخَوَاتُكُم من الرَّضَاعَةِ﴾
[النساء: ٢٣]، وسكت عما سوى هؤلاء مما تُحرِّمه الرضاعةُ من
العمات والخالات وما أشبههنَّ، لعلم المخاطَبين بما خاطبهم به بمراده
عَزَّ وجَلَّ فيما سكت عنه، وهكذا كلامُ العرب: تُخاطِب بالشيء حتى
إذا علمت فَهْمَ المخاطَبين بما أُريد منهم، أمسكوا عن بقيته، لأنهم قد
علموا عنه.
والقرآن قد جاء بهذا، قال الله: ﴿ولو أنَّ قُرآناً سُيّرَت به الجبالَ أو
قُطّعَتْ بِه الأرضُ أو كُلّمَ به الموتى)، ثم قال: ﴿بل للَّه الأمرُ جميعاً﴾
[الرعد: ٣١].
فلم يخبر بغير ذلك مما قد اختلف أهل العلم باللغة في مراده عَزَّ
وجَلَّ بذلك، فقال بعضهم: هو: لكان هذا القرآن، وقال بعضهم: هو:
لَكَفَروا به، والله أعلم بمراده في ذلك.
وقال عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عليكم ورَجَمْتُهُ﴾ [النور: ١٠]،
ولم يذكر ما كان يكون له، ووَصَلَ ذلك بقوله: ﴿وأنَّالله تَوَّابُ
حَكِبرُ﴾.
وهذا كثيرٌ في كلام العرب، وكان معقولاً أن الكلالةَ ما يُكَلِّل
على الموروث والميراث الذي تركه من يستحقُّه بالسبب الذي يتكلَّل به
عليه، وكان الولدُ غيرَ متكلَّل عليه، لأنه منه، فكان مثل ذلك الوالد غير
متكلَّل عليه، لأنه منه، فثبت بذلك: أن الكلالة ما عدا الوالد والولد
جميعاً، والله نسألُه التوفيق.
- ١٠٥ -
كتاب المواريث والوصية والهبة
٥٧١- بابُ بيانٍ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله/# في المراد
بقولِ الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِساءً فوقَ اثنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا ما
ترك﴾ [النساء: ١١]
٤٠٠٤- حَدَّثَنَا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: حَدَّثْنَا عليُّ بنُ
سعيد بنِ شدّادٍ، قال: حَدَّثَنَا عبيدُ الله بنُ عمرو، عن عبدِ الله بنِ محمدِ
بنِ عقيلٍ، عن جابر بنِ عبدِ الله، قال: جاءتِ امرأةُ سعدِ بنِ الرَّبِيعِ
بابنتَيّْها من سعدٍ، فقالتْ: يا رسولَ اللهِ، هاتان ابنّئًا سعدٍ بنِ الربيعِ، قُتِلَ
أَبُوهما معكَ يومَ أُحدٍ شهيداً، وإِنَّ عَمَّهُما أخذَ مَالَهُما، فاسْتَفاءهُ، فلم
يَدَعُ لَهُمَا مالاً، ولا يُنكحان إلاّ ولَهُما مالٌ، فقالَ: ((سيقضِي الله في
ذلكَ)) فأنزلَ اللهُ آيةَ الميراثِ، فبعثَ إلى عَمِّهما، فقالَ: ((اعطِ ابنتَيْ
سعدٍ الثُّلُثَين، وأعطِ أُمَّهُما الثُّمُنَ، ولكَ ما بَقِيَ) (١).
قال أبو جعفر: وآيةُ الميراثِ المذكورةُ في هذا الحديث هي قولُ
الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿أُوْصِبِكُمُ الله ◌ِ أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكرِ ثْلُ حظِ الْثَيْنِ
فَإِنْ كُنَّ نساءَ فوقَالٍَ فَهُنَّ ◌ُهَا مَا تَرِكَ﴾ الآية.
٤٠٠٥- حَدَّثْنَا يونس وبحر بن نصر، قالا: حَدَّثْنَا عبدُ الله بنُ
وهبٍ، قال: وأخبرني داودُ بنُ قيسٍ، عن عبدِ الله بنِ محمدِ بن عقيلِ بنِ
(١) رواه أحمد ٣٥٢/٣، والترمذي (٢٠٩٢) من طريق زكريا بن عديّ، وابن
سعد ٥٢٤/٣ عن عبد الله بن جعفر الرقي، والحاكم ٣٣٣/٤-٣٣٤ من طريق العلاء
الرقي، ثلاثتهم عن عُبيد الله بن عمر الرقي، به.
-١٠٦-
كتاب المواريث والوصية والهبة
أبي طالبٍ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله أنَّ امرأةً سعدِ بنِ الربيعِ، قالتْ: يا
رسولَ الله، إنَّ سعداً هَلَكَ، وتركَ ابنَتَيْهِ وأخاهُ، فَعَمَدَ أخوهُ، فقَبَضَ ما
تركَ سعدٌ، وإنما تُنْكَحُ النساءُ على أموالِهِنَّ، فلمُ يُحِبْها في مجلِسِهِ ذلك،
ثم جاءتّهُ فقالتُ: يا رسولَ الله، ابنتَا سعدٍ، فقالَ رسولُ اللهِمَ: ((ادْعِي
أخاهُ) فجاء، فقالَ: ((ادفع إلى ابنتيهِ الثّلثينِ، وإلى امرأتِهِ الثُّمُنَ وَلَكَ ما
بَقِيَ)).
قال أبو جعفر: فتأمَّنا قولَه عَّ وجَلَّ: ﴿فَإِنَّ كُنَّ نساءَ فوقَاثَينٍ فَلَهُنَّ
تُكاما ترك﴾ فكانَ ظاهرُهُ على أنَّ التلتينِ في هذهِ الآيةِ إنما جُعِلَ لِمَنْ
فوقَ الاثنتينِ من البناتِ لا الاثنتينِ منهنَّ، وكانَ ذلكَ مما قد تعلَّقَ به
قومٌ وذهبُوا إلى ما يُروى عن عبدِ الله بنِ عباسٍ في الاثنتين من البناتِ أنَّ
لهما النصفَ من ميراثِ أبيهمَا كما يكونُ للواحدةِ من النباتِ من
ميراثٍ أبيهما، وأنَّ الثَّلثينِ إنما يَستحقُّ في ذلك من النباتِ مَنْ كان
عَددُهُ فوقَ الاثنتين ثلاث أو أكثر مِنْ ذلكَ، وهذا قولٌ لم نَحِدْهُ عند
أحدٍ من أصحابِ رسولِ اللهِ ﴿ سوى عبدِ الله بنِ عباسٍ. ووجدنا قولَ
فقهاءِ الأمصارِ من بعدِ عبدِ الله بن عباسٍ إلى يومِنا هذا على خلافٍ ما
رُوِيَ عن ابنِ عباسٍ فيه، وكانَ قولُ الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَوقَ اثْنَيْنِ﴾ في هذا
عندهم في معنى: فإنْ كنَّ نساءً اثنتينِ، وقولُه: ﴿فوقَ﴾ صلةٌ كما قالَ
عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَاضْرِهُوا فَوْقَ الْأغْنَاقِ﴾ [الأنفال: ١٢] في معنى: فاضرِبُوا
الأعناقَ، وقال: ﴿فَإذا لَقِيْتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤]
وهي الأعناقُ، و((فوق) صلةٌ، لأَنَّ ما فوقَ الأعناقِ هو عظامُ الرأسِ،
-١٠٧-
كتاب المواريث والوصية والهبة
وليست الأعناقُ منها في شيءٍ، والضربُ المرادُ بذلك المستعملُ فيه هو
ضَربُ الأعناقِ، لا مَا سواها.
ووجدنا ما قد دَلَّ على مَا قَالُوا من تورِيثِهم البنتينِ الثّلْثَينِ ما في
آخر السُّورةِ المذكورةِ فيها هذه الآيةُ، وهي سورةُ النساء، وهي قولُه
عَّ وجَلَّ: ﴿ يَسْتَفْتُوَكَ قُلِ اللّه ◌ُقِبِكُمْ ◌ِ الكَلَاَلِ امْرُوْ هَلَكَ لَيسَ لَهُ وَكَدْ
وَلَهُ أُخْتُّ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ إلى قوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَإِنْ كَنَا اثْنَيْنَ فَلْهُما
الثّثَانِ مِمَّاتَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] فكانَ عَزَّ وجَلَّ قد جعل للأختِ
الواحدةِ من ميراثِ أُختِها في هذه الآيةِ، كما جعلَ للبنتِ الواحدةِ من
ميراثِ أبيها في الآية ألأُخرَى، وكانت البنتُ أوْكَدَ نسباً من أبيها من
الأختِ من أختِها، ثم قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وإنْ كانَا اثنتين﴾ يعني منِ
الأخواتِ: ﴿فَلْهُمَا الْتَّكَانِ مِنَّا تَرَكَ﴾ يعني ما تَرَكَهُ أخوهُما، فلما كانَّ
للاثنتين من الأخوات الثلثان فَمّا تركهُ أخوهُما كانت الاثنتان من
البناتِ فيما تركَهُ أبوهُما بذلكَ أوْلَى، واستحقاقُهما إيّاهُ منه أحْرَى،
والله نسألُهُ التوفيقَ.
-١٠٨ -
کتاب المواريث والوصية والهبة
٥٧٢- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِي عن رسول الله / من قوله:
والخالُ وارثُ من لا وارِثَ لَهُ
٤٠٠٦- حَدَّثْنَا عبدُ الله بن أحمد بن زكريا بن الحارث بن أبي
ميسرة المكي أبو يحيى وإبراهيمُ بنُ أبي داود جميعاً، قالا: حَدَّثَنَا سليمانُ
بنُ حربٍ، قال: حَدَّثْنَا حمادُ بنُ زيدٍ، عن بُدَيْلِ بنِ مَّيْسَرَةَ العُقيلي، عن
علي بنِ أبي طلحة، عن راشد بنِ سعدٍ، عن أبي عامر الهُوْزَنِي، عن
المقدام الكِنديِّ، قال: قال رسولُ اللهَمَ﴿ه: «أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤمنٍ مِنْ
نفسِهِ، فمن تَرَكَ كَلاَّ أو ضيعةً، فإليَّ، ومَنْ تَرَكَ مالاً، فَهُوَ لِوَرِثِهِ،
وأنَا مولى مَنْ لا مَوْلَى له، أرثُ مَالَهُ، وأَفُتُّ عَانَةُ، والخالُ وارِثُ مَنْ
لا وَارِثَ له، يَرِثُ مَالَه وَيَفُكُّ عَانَهُ))(١).
قال: فكان هذا الحديث مما يَحْتَجُّ به من كان يذهب إلى توریثٍ
ذوي الأرحام، ويقتدي في ذلك من كان يذهب إليه من أصحابٍ
رسولِ اللهِ﴿ وهم: عمرُ بنُ الخطاب، وعليُّ بن أبي طالب، وعبدُ الله
بنُ مسعود رضي الله عنهم، فعارض الذاهبون إلى ذلك، المحتجون فيه
بهذا الحديث، المقتدون فيه بمن ذكرنا مِن أصحاب رسول الله {#: بأن
قال: إن الخالَ الذي عناه رسولُ الله ﴿ في هذا الحديث إنما هو الذي
يجمع مَعَ الخؤولة للمتوفى العصبة له مِن قِبَلٍ آبائه، وذكر في ذلك
(١) رواه أحمد ١٣٣/٤، وأبو داود (٢٩٠٠)، وابن ماجه (٢٦٣٤)، والدارقطني
٨٥/٤ و٨٦، وابن الجارود (٩٦٥)، والبغوي (٢٢٢٩)، والبيهقي ٢١٤/٦ من
طرق عن حماد بن زيد، به.
-١٠٩-
کتاب المواريث والوصية والھبة
٤٠٠٧- ما قد حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حَدَّثَنَا وهبُ بنُ
جرير، وما قد حَدَّثْنَا ابنُ أبي مغيرة قال: حَدَّثَنَا بَدَلُ بنُ الْمُحَبَّر، قالا:
حَدَّثَنَا شعبةُ، عن بُدَيْلِ بنِ ميسرة، عن علي بن أبي طلحة، عن راشدٍ
بن سعد، عن أبي عامر، عن المقدامِ الكندي، أن رسولَ اللهل﴿ قال:
((مَنْ تَرَكَ كَلاَّ، فَإِلَيْنا أو إلَى اللهِ عَزَّ وجَلَّ ورسوله مَ﴿، ومَنْ تَرَكَ مَالاً،
فِلِوَرَتَتِهِ، وأَنَا وَارِثُ مَنْ لا وَارِثَ لَهُ أَرِثُ مَالَه، وأعْقِلُ عنه، والخالُ
وارِثُ مَنْ لا وَارِثَ لَه يَرِثُ مَالَه، ويَعْقِلُ عنه)(١).
فقال هذا المعارضُ: إنما ذلك الخالُ الذي قَصَدَ إليه رسولُ الله ﴿ ﴿.
بما قصد به إليه هو الخالُ الذي يَعْقِلُ الجناياتِ وهُوَ من كان من
الخؤولةِ عصبةً دون مَنْ سواه مِن الخؤولة الذين لا يَعْقِلُون الجنايات،
لأنّهم ليسوا عصباتٍ.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيقَ الله عَزَّ وجَلَّ وعونه أنَّ الذي
ذكر من ذلك ليس كما ذكر، وأن هذا الحديثَ حقيقته على ما رواه
حمادُ بنُ زيد عليه، لا على ما رواه شعبة عليه، وإنما أُتِيَ شعبةُ في ذلك،
لأنه كان يُحَدِّثُ مِن حفظه، ولا يَرْجِعُ إلى كتابه، ويُحَدِّثُ بمعاني ما
سَمِعَ لا بألفاظه التي سمعها ممن حَدَّثَّه، إذ كان ذلك مما يَعْجِزُ عنه، ولم
(١) رواه أحمد ١٣١/٤، وسعيد بن منصور (١٧٢)، وابن أبي شيبة ٢٦٤/١١،
والنسائي في ((الكبرى)) كما في ((التحفة) ٥١٠/٨٨، وابن ماجه (٢٧٣٨، والطحاوي
في ((شرح معاني الآثار)) ٣٩٧/٤-٣٩٨، وابن حبان (٦٠٣٥)، والبيهقي ٢١٤/٦
من طرق عن شعبة، به.
-١١٠ -
كتاب المواريث والوصية والهبة
يكن فقيهاً، فيرد ذلك إلى الفقه حتى تَتَمّيَّزَ معانيه في قلبه كمالكٍ
والتوري. والدليلُ على فساد ما روى هذا الحديث عليه، وعلى أن
الأولى منه ما رواه حمادُ بنُ زيد عليه أن في حديثيهما جميعاً، أن رسولَ
الله ◌َّ قال: ((والخالُ وارثُ مَنْ لا وَارِثَ له)) فدلَّ ذلك أنهمَ﴿ إنما
قصد بذلك إلى الخالِ الذي لا يَرِثُ مع وارثٍ سواه من ذوي الأنساب.
وقد وجدنا أهل العلم جميعاً لا يختلِفُونَ فيمن كان عصبة ممن هو
خالٌ، وممن هو ليس بخالٍ يرث مع ذوي الفرائض المسماة من ذوي
الأرحام فَيَرِثُ مع الأم ما يَفْضُلْ مِن الميراث بَعْدَ نصيبها وهو الثلثُ أو
السدسُ، ويرِثُ مع البنتِ الواحدةِ، ومع البناتِ اللاتي فَوْقَ الواحدة ما
يَفْضُلُ عن أنصبائهن وهو النصفُ للواحدة، والثّلشان لمن هو فَوْقَ
الواحدة منهن أعني بذلك أنصباء من يرثه من البنات، ويرث مع
الأُخت الواحدة إما لأبِ وأم، وإما لأب ما يَفْضُلُ عنها، ومع من
فوقها من الأخوات اللاتي مِن أشكالها ما يَفْضُلُ عنهن مِن مواريثهن
عنه.
فدل ذلك أنَّ الخالَ الذي عناه النبيُّمَ#ٌ هو الخالُ الذي ليس
بعصبةٍ مع تِبيانه ذلك ﴿ لنا بقوله: ((والخالُ وارثُ من لا وارثَ له))
فأوضح بذلك أنه إنما قَصَدَ مِن الخؤولة من لا يرث مع ذوي الفرائضِ
المسماة ممن ذكرناه، وهو من ليس بعصبةٍ من الأحوال.
ثم وجدنا غيرَ حمادٍ بنِ زيد وغيرَ شعبةَ قد رَوَىَ هذا الحديث
بمثل ما رواه حمادُ بن زيد به، لا كمثل ما رواه شعبة به.
٤٠٠٨- كما قد حَدَّثَنَا الربيعُ بنُ سليمان المراديُّ، قال: حَدَّثَنَا
- ١١١-
کتاب المواریث والوصية والھبة
أسدُ بنُ موسى، قال: حَدَّثْنَا معاويةُ بنُ صالح، قال: حدثني راشدُ بنُ
سعدٍ، أنه سَمِعَ المقدامَ بنَ معدي كرب يُحِدِّثُ عن رسول الله في ال أنه
قال: (الله ورَسُولُه مولى مَنْ لا مولى له، يَرِثُ مَالَه، ويفُكُّ عُنُوَّهُ،
والخالُ وَارِثُ مَن لا وَارِثَ له، يَرِثُ مَالَه، وَيَفُكُّ عُنُوَّهُ)).
٤٠٠٩- وكما حَدَّثَنَا فهد بن سليمان، وأبو زرعة عبد الرحمن
بنُ عمرو الدمشقي، واللفظ لِفهد قالا: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ صالح، قال:
حدثني معاویةُ بنُ صالح، ثم ذكر بإسناده مثلَه.
وكان هذا الحديثُ حَدَّثَ به معاويةُ بن صالح، عن راشد بن
سعد وهو الذي حدث به بديلُ بنُ ميسرة الذي أخذ شعبة وحمادُ بنُ
زيد هذا الحديثَ عنه، فاختلفا عليه فيه، فكان يجب على مذاهب أهلٍ
الحديثِ أن يكونا لما اختلفا عليه يه، فتكافاً في ذلك، يرتفعان، ويكونُ
أولى بالحديث منهما مَنْ رواه سواهما بما لم يختلف عنه فيه.
فإن قال قائل: فإن معاويةَ بنَ صالح لم يَذْكُرْ في هذا الحديثِ بين
راشد بن سعد وبَيْنَ المقدام بنٍ معدي كرب أبا عامر الهوزني.
قيل له: ليس يُنكر على راشد بنِ سعد أن يكونَ سَمِعَ المقدامَ بنَ
معدي كرب، لأَنَّه قد سَمِعَ ممن كان في أيامه من أصحاب رسول
اللَّه ◌ُّ، قد سَمِعَ من معاوية بن أبي سفيان، وأهلُ الحديث قد يختلفون
في أسانيدِ الحديث، فيزيد بعضهم فيها على بعضِ الرجلَ ومَنْ هُوَ أكثرُ
منه في العدد، فوجب أن يُحْمَلَ أمرُ معاوية بن صالح في ذلك على مثل
ما حملوه عليه فيه.
والذي نعقله من بعده أنه يستحيلُ عندنا أن يكونَ رسولُ الله ◌ِ ﴿
-١١٢-
کتاب المواریث والوصية والهبة
قَصَدَ إلى خال هو عصبةٌ يذكره بالميراث بالخؤولة، وترك ذِكْرَهُ بالميراثِ
بالعصبة، لأن العصبةَ أقوى في الميراثِ مِن الخال الذي ليس بعصبة،
ولأن الخالَ الذي ليس بعصبة إنما يَرِثُ حيث لا عصبة، وحيث لا ذوي
فروض مسماة، فيستحيلُ أن يكونَ رسولُ الله :﴿ يَقْصِدُ بذكره إلى
أضعف حالته، وترك ذكره بأقوى حالته، وما سوى ما يحتاج إليه في
توريث ذوي الأرحام بأرحامهم ليس هذا موضعه فيتقصاه، ويأتي فيه
بأكثرَ مما أتينا فيه، لأنا إنما أتينا منه ببيان المشكل الذي قد رُوِيَ عن
رسول الله ﴿ فيه لا لما سواه، وأما ما يحتاج إليه في ذلك مما سوى ما
ذكرنا في هذا البابِ، فقد جئنا به في كتابنا في ((أحكام القرآن)» وفي
((شرح الآثار)) فغنينا بذلك عن إعادته هاهنا والله عَزَّ وجَلَّ نسألُه
التوفيق.
٥٧٣- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴾ مِن قوله:
«تُحرِزُ المرأةُ ثلاثةَ مواريث: عتيقَها ولقيطَها وولدَها الذي
تُلامِنُ علیه))
٤٠١٠- حَدَّثْنَا أحمدُ بن شعيب، قال: حَدَّثْنَا عمرو بنُ عثمان
الحِمْصِيُّ، قال: حَدَّثْنَا بقيةُ بنُ الوليد، قال: حَدَّثْنَا أبو سلمةَ بنُ سليمان
بن سليم، عن عمرو بنِ رُؤبة، عن عبدِ الواحد النصريّ، عن واثلةً بن
الأسقع رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ الله ◌ِ﴿: «تُحرِزُ المرأةُ ثلاثَةَ
-١١٣-
کتاب المواريث والوصية والهبة
مواريثَ: عتيقَها، وَلَقيطَها، وولدَها الذي تُلاعِنُ عليه))(١).
قال أبو جعفر: ففي هذا الحديث عن رسول الله﴿ أنَّ المرأةَ
تُحْرِزُ ولاء مَن التقطنْهُ، فتأمَّلْنا ذلك، فوجدناه محتمِلاً أن يكونَ ولاء
مَن التقطتْهُ يجبُ لها بالتقاطِها إِيَّاهُ، ويحتمِلُ أن يكونَ إذا كان لا وَلاء
عليه لأحدٍ، كما لا نَسَبَ له من أحدٍ، يكونُ حكمُه كحكمٍ سائرٍ
الناس سواه ممن لا ولاء عليه، فيكونُ له موالاةٌ مَنْ شاء من الناس
ويكون الأولى به منهم في ذلك الذي التقطه وكفله حتى كان ذلك منه
سبباً لحياته، فلا ينبغي له أن يُوالِيَ سواه مِن الناسِ إِذْ لا أَحَدَ منهم له
عليه مثلُ الذي له عليه مما ذكرنا، فيكونُ الأَوْلى به موالاَتُهُ دونَ غيره
مِنَ الناس، كمثلِ الذي قد ذكرناه في إسلام الرجل علي يدَي الرجل
أنّه يكونُ بذلك مولاهُ، وما صَرَفْنا إليه من التأويل له في الباب الذي
ذكرناه فيه مِمَّا تَقدَّم منا في كتابنا هذا، ويكونُ ما حرزتهُ المرأةُ من
الذي التقطته هو ما يلزمُهُ لها، فيكون الأولى به لذلك أن لا يُواليَ
غيرَها، إلا أنَّه يكونُ بذلك مولىٌّ لها قبل أن يواليها، وقد رُوِيَ عن عمر
بن الخطاب رضي الله عنه في هذا المعنى:
(١) إسناده ضعيف. عمرو بن رؤبة: ضعيف.
وهو في («السنن الكبرى)) للنسائي كما في ((التحفة) ٧٨/٩.
ورواه أحمد ٤٩٠/٣، والحاكم ٣٤٠/٤-٣٤١ من طريقين عن بقية، به.
ورواه أحمد ٤٩٠/٣ و١٠٦/٤-١٠٧، وأبو داود (٢٩٠٦)، والترمذي
(٢١١٥)، وابن ماجه (٢٧٤٢)، والنسائي في ((الكبرى))، والبيهقي ٢٤٠/٦، وابن
عدي في ((الكامل)) ١٧٠٧/٥ من طرق عن محمد بن حرب، عن عمرو بن رؤبة، به.
-١١٤-
کتاب المواريث والوصية والهبة
ما قد حَدَّثْنَا يونُسُ بنُ عبد الأعلى، قال: أنبأنا عبدُ الله بن
وهب، أنَّ مالكاً حدَّتَّهُ عن ابن شهابٍ، عن سُنَيْنِ أبي جَميلةَ رجلٍ من
بني سُلَيْمٍ أَنَّه وَجَدَ مَنْبوذاً في زمنٍ عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فجاء
به إلى عُمرَ بن الخطاب، فقال: ما حَمَلَك على أخْذِ هذه النَّسَمَةِ؟
فقال: وفحدّتُها ضائعةً، فأخَذّتُها، فقال له عَريفيٌّ: يا أميرَ المؤمنين، إنّه
رجلٌ صالح، قال: أكذاك؟ قال: نعم، قال عمر رضي الله عنه: فاذهَبْ،
فهو حُرٌّ ولكَ ولاؤُهُ، وعلينا نفقتُهُ(١).
قال مالك: والأمرُ عندنا في المنبوذِ أنَّه حرٌّ، وأن ولاءهُ للمُسلمين
يَرِثُونَه ويَعْقِلُونَ عنه.
٤٠١١- وما قد حَدَّثْنَا عليُّ بن شيبةَ، قال: حَدَّثْنَا يحيى بنُ يحيى
النّيسابوريُّ، قال: أنبأنا سفيانُ، عن الزهري، قال: سمعتُ سُنْناً أبا
جَميلةَ يُحدثُ سعيد بن المسيب، قال: وَجَدْتُ منبوذًا على عهدٍ عمر
بن الخطاب رضي الله عنه، فذكره ريفي لِعُمَرَ، قال: ادعُهُ، فَجِئْتُهُ،
فقال: مالَك وهذ؟ قلتُ: وَجَدْتُ نفساً مضيعَةٌ، فأحببتُ أن يأْجُرَنِي
الله فيها، فقال: هو حُرٌّ، ولكَ ولاءُهُ، وعلينا نفقتُه(٢).
(١) الأثر في ((الموطأ)) ٧٣٨/٢، ومن طريق مالك رواه عبد الرزاق (١٦١٨٢)،
والطبراني (٦٤٩٩)، والبيهقي ٢٠١/٦-٢٠٢. وقال الحافظ في ((التغليق)) ٣٩١/٣:
إسناده صحيح.
(٢) رواه عبد الرزاق (١٣٨٣٩)، واليهقي ٢٩٨/١٠ من طريق سفيان، به.
ورواه البيهقي ٢٠٢/٦، وابن حجر في ((التغليق) ٣٩٠/٣ من طريق يحيى بن
سعید، عن ابن شهاب، به.
- ١١٥ -
کتاب المواريث والوصية والهبة
قال أبو جعفر: وقد كان محمدُ بن الحسن رحمه الله يَذْهَبُ إلى أنَّ
قولَ عمر رضي الله عنه لأبي جميلةَ فِي لَقيطه هذا: «هو حرٍّ، ولكَ
ولاؤُهُ) أي: يجعلي إِيَّه لَكَ، لأنَّ للإمامِ الذي يدُهُ على الصبي الذي لا
ولاء له أنْ يجعَلَ لاءهُ لِمَنْ شاء من المسلمين، فيكونُ بذلك مولاهُ كما
يكونُ مولاهُ لو والاه وهو بالغّ صحيح العِقِل وهذا مُحتملٌ لما قالَ.
وكذلك كان أبو حنيفة رحمه الله وأصحابه جميعاً يقولون في
اللقيط: إنّه حرّ، ويُوالِي مَنْ شاء إذا كَبِرَ، فإنْ لم يُوالِ أحداً حتى مات
كان ولاؤُه لجميع المسلمين، وكان ميراثُه يوضَعُ في بيت مالِهم، وإن
جنى جَناية قبل أن يُواليَ أحداً، فعقله على المسلمين في بيت مالهم،
ومعنى ما في حديث عمر رضي الله عنه: هو حرّ لَيْسَ وجهُه عندنا -
والله أعلم - بحقيقة الحرية له، لأنه قد يجوزُ أن يكونَ عبداً في الحقيقة،
ولكنَّ قولَه رضي الله عنه: هو حرٌّ، على ظاهره، لأنَّ الناسَ جميعاً على
الحرية حتى تقومَ الحجةُ عليهم بخلافها.
وقد رُوِيَ عن عليٍّ بن أبي طالب رضي الله عنه في اللَّقيطِ أيضاً:
٤٠١٢- ما قد حَدَّثْنَا فَهْدُ بنُ سُلَيْمان، قال: حَدَّثَنَا عبيدُ بن
ورواه عبد الرزاق (١٣٨٤٠) عن معمر، عن ابن شهاب، به.
ورواه عبد الرزاق (١٣٨٣٨) و(١٦١٨٣)، ومن طريقه الطبراني (٦٤٩٨) عن
معمر، عن الزهري أن رجلاً حدثه أنه جاء إلى أهله وقد التقطوا منبوذاً، فذهب به إلى
عمر، فذكر له ... ولم يذكر أبا جميلة.
-١١٦-
کتاب المواریث والوصية والھبة
إسحاقَ العَطَّار، قال: حَدَّثْنَا حاتُمُ بنُ إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن
أبيه، قال: قال عليٍّ رضيَ الله عنه: المنبوذُ حُرٍّ - يعني اللَّقِيطَ-، فإنْ
أحَبَّ أنْ يُوالِيَ الذي التقطه والاه، وإنْ أحبَّ أن يُوالِيَ غيرَه والاه(١).
قال أبو جعفر: فمعنى قول علي رضي الله عنه: (هو حرِّ) كمعنى
قول عمر رضي الله عنه: ((هو حرٌّ)) في حديثه الذي رويناه قبل هذا
الحدیث.
وفي قول علي: ((فإن أحبَّ أن يُوالي الذي التقطه والاه، وإن
أحَبَّ أنْ يُوالِيَ غيره والاه)، ما قد دَلَّ أنَّ قولَ عمر رضي الله عنه
لأبي جميلة: (لَك ولاؤُه) بمعنى: يجعلنا إيّاه لك، لا أنَّ لك ولاءه
بالتقاطِكَ إِيَّاهُ دون مُوالاتِه إياك، والله عَزَّ وجَلَّ نسأُه التوفيقَ.
(١) إسناده ضعيف. عبيد بن إسحاق العطار ضعيف، وفيه انقطاع بين محمد بن
على بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وجدٌّ أبيه.
-١١٧-
كتاب المواريث والوصية والهبة
٥٧٤- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله # في المقدار
الذي ورِثَه الجَدُّ من ابن ابنه
٤٠١٣- حَدَّثْنَا عليُّ بنُ شيبة، حَدَّثَا يزيدُ بنُ هارون، أخبرنا
هَمَّامُ بنُ يحيى، عن قتادة، عن الحسن، عن عِمَرانَ بنِ حُصين، قال:
جاء رجلٌ إلى رسولِ الله:﴿، فقال: إنَّ ابنَ ابني مات، فما لي مِن
مِيراثه؟ قال: (َكَ السُّدُسُ)) فلما ولَّى، دعاه، قال: ((لك سُدُسٌ آخر)»
فلما ولَّى دعه، فقال: (إِنَّ السُّدُسُ الآخرِ طُعْمَةٌ)(١).
فكان في هذا الحديثِ ما يحتاجُ إلى الوقوفَ على المعنى المرادِ به،
وذلك أنَّ فيه أن رسولَ الله ﴿ قال للحدِّ الذي سأله ما له مِن ميراث
ابنِ ابنه، فقال: لك السُّدُسُ. وقد علمنا أنه لم يقتصر به على السُّدُس
إلا ولبقية الميراث مستحق سواه، إذ كان لا اختلافَ بَيْنَ أهلِ العلم في
الجد أبي الأب إذا لم يَكُنْ غيرُه أنه يَسْتَحِقُّ جميعَ ميراثِ ابن ابنه، ثم
قال له: لَكَ سُدسٌ آخر، ثم أعلمه أن ذلك السُّدسَ طُعْمَةٌ، فعقلنا أنه لم
يُطعمه إلا مما لا مستحقَّ له بمورثه له عن ذلك المتوفى، وكان هذا
عندنا قَبْلَ أن يُنْزِلَ الله تعالى على نبيه في ميراثِ الجدِّ أبي الأب من ابنِ
(١) رجاله ثقات ولكن يُخشى من تدليس الحسن. ورواه ابن أبي شيبة
٢٩٠/١١-٢٩١، والترمذي (٢٠٩٩)، والنسائي في (الكبرى)) (٦٣٣٧) من طريق
يزيد بن هارون، به. ورواه الطيالسي (٨٣٤)، وأحمد ٤٢٨/٤-٤٢٩، وأبو داود
(٢٨٩٦)، والنسائي في ((الكبرى) (٦٣٣٧)، والدارقطني ٨٤/٤، والبيهقي ٢٤٤/٦
من طرق عن همام بن يحيى، به.
-١١٨-
كتاب المواريث والوصية والهبة
ابنه إلا السدس الذي أعطاه رسولُ الله ﴿ أولاً الجدّ الذي سأله، وكان
ما بقي من ميراثه أنه مما أطعم النبي ﴿ منه ذلك الجدَّ السدسَ الآخر مما
لم يُنزل الله على نبيه ﴿ فيه شيئاً. فكان حكم ذلك في حكم مال
تركه تاركٌ لا مستحقَّ له بميراثه عنه، فأعطى النِيُّ ◌َ﴿ الجدَّ منه ما أعطاه
منه طعمةً له، وأرجأ ما بقي منه ليرى فيه رأيه. وقد كانت المواريثُ
في أولِ الإسلامِ إنما تجري على سبيل الوصايا بها، ومنه قولُ الله تبارك
وتعالى: ﴿كُتِبَ عليكُم إذا حَضَرَ أحَدَ كَمِ المَوْتُ إن تركَ خيراً الوصِيَّةُ
لِلوالدَيْنِ وَالأَقْرَينَ﴾، فدلَّ ذلك أن الوالِدَيْنِ لم يكونا مستحقين من ميراث
ولدهما إلا ما أوصى به لهما منه، وإذا كان ذلك كذلك، كان حكم
ذلك الميراثِ إذا لم يكن منه فيه وصيةٌ هما في حكم مال لا مستحق له
مما يَرْجِعُ حكمُه إلى النبيِّ وَ يَضَعُهُ فيما يرى وَضْعَهُ فيه، ثم نسخ اللهُ
تعالى ذلك بالمواريثِ التي فرضها في تركات المتوفين، ولم يُنزلها جملةً،
وإنما أنزلَ بعضَها بَعْدَ بعض، فاحتمل أن يكونَ الذي كان أنزله منها
حينئذ السدس مِن مال المتوفى لجده فدفعَ النِيُّنَ﴾ ذلك السدسَ إلى
الجدِّ الذي سله مالَه مِن ميراث ابن ابنه، وأطعمه بعد ذلك مِن بقيته ما
أطعمه منه، وبَقِيَ ما سوى ذلك مِن ذلك الميراثِ لا فرضَ الله عَزَّ وجَلَّ
فيه، وكان حُكْمُه حُكْمَ المواريثِ التي ليست لوارثٍ بعينه، فهذا أحسنُ
ما وجدناه في تأويلٍ هذا الحديث، والله أعلم بحقيقة الأمر فيه.
وقد رُوِيَ في هذا الباب أيضاً حديثٌ آخر وهو
٤٠١٤- ما قد حَدَّثَنَا أبو أُمية، حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمد بنُ أبي
شيبة، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بنُ سوار، عن يونس - يعني ابن أبي إسحاق-، عن
-١١٩-
كتاب المواريث والوصية والهبة .
أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن مَعْقِلٍ بنِ يسار، قال: سمعتُ
رسولَ اللهِ﴿ أُتِيَ بفريضةٍ فيها حَدٌّ، فأعطاه سدساً أو ثلثاً(١).
وكان هذا الحديثُ عندنا غيرَ مخالفٍ للحديثِ الأوَّلِ، لأن الذي
في هذا الحديث مما أعطاه رسولُ الله ﴿ جَدّ ذلك المتوفى هو الثلثُ أو
السدسُ، وكان الأولى بنا أن نجعلَه السدسَ الذي حفظه عِمرانُ عنه،
فيكون الذي أعطاه ذلك السدس بموروثه إياه عن ذلك المتوفى، ولم
يحفظ مَعْقِلٌ ما كان منه في بقيةِ ذلك الميراثِ، وحفظه عمرانُ، فكان
من حفظ شيئاً أولى به ممن قَصُرَ عنه، وبالله التوفيق.
(١) رواه ابن أبي شيبة ٢٩١/١١، ومن طريقه ابن ماجه (٢٧٢٢) به.
ورواه أحمد ٢٧/٥ عن أبي القطن عمرو بن الهيثم، والنسائي في «الكبرى»
(٦٣٣٣) من طريق النضر بن شميل، كلاهما عن يونس بن أبي إسحاق، به. ولفظه:
أن عمر جمع أصحاب رسول الله في شأن الجد، فنشدهم من سمع رسول الله
ذكر في الجد شيئاً؟ فقام معقل بن يسار المزني، فقال: سمعت رسول الله * أتي
يفريضة فيها جد، فأعطاه ثلثاً أو سدساً، فقال عمر: ما الفريضة؟ قال: لا أدري،
فركله عمر بقدمه، ثم قال: لا دريت.
ورواه ابن ماجه (٢٧٢٣)، والنسائي في («الكبرى)) (٦٣٣٤) و(٦٣٣٥)،
والحاكم ٣٣٩/٤، والبيهقي ٢٤٤/٦ من طريقين عن يونس بن عبيد، عن الحسن،
عن معقل بن يسار، قال: قال عمر: من عنده في الجد عن رسول الله ﴾؟ قلت:
عندي، قال: ما عندك؟ قلت: أعطاه السدس، قال: مع من؟ قلت: لا أدري، قال: لا
دريت.
ورواه ابن أبي شيبة ٢٩١/١١، وأحمد ٢٧/٥، وأبو داود (٢٨٩٧) من طريقين
عن يونس بن عبيد، عن الحسن، أن عمر قال ... ، فذكره.
- ١٢٠ -