النص المفهرس

صفحات 41-60

كتاب الأيمان والنذور
الإِخلاص لله عَزَّ وجَلَّ في ذلك أوْلَى كا قال جل وعز: ﴿تَدْخُلُنَّ
المَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاء اللَّهَآمِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] فكان ذلك ثَمّا لا بُدَّ من
كونه، إذ كان الله عَزَّ وجَلَّ قد وعدهم به، وقد قال عَزَّ وجَلَّ في ذلك
﴿إن شاء الله﴾ وفي ذلك ما قد دَلَّ على أنَّ الناس فيما يقولون في الأشياء
المستأنَفَات ثمّا يعلمون أنّه لا بُدَّ من كونها وثَما قد يكون لا يكون،
مأمورون بأنْ يَصِلُوها بمشيئة الله عَزَّ وجَلَّ إياها إخلاصٍ له عَزَّ وجَلَّ
وتسليماً للأمور إليه، وكذلك الأمورُ كلها فينبغي للحالفين بها إذا
كانت على الأشياء المستأنفات أنْ يَصِلُوها بإن شاء الله.
فإن قال قائلٌ: فقد كان من البي ﴿ الإيلاءُ من نسائه بغير قول
منه فيه: إنْ شاء الله، حتى كان بذلك مؤلياً منهم.
قيل له: قد يُحتمل أنَّ ذلك منه﴿ قبل إنزال الله عَزَّ وجَلَّ عليه:
﴿وَ تَقُوَّ ◌ِشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذِلِكَ غَدَاَلِأَ أَنْ يَشَاء الله﴾، والله تعالى نسأله
التوفيق.
٥٥٤- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله # ممَّا یدلُ
على الصحيح فيما اختَلَفَ فيه أهلُ العلم في الاستثناء في
الأيمان إذا قُدِّم منها ذكر الطلاق أو أُخْر منها، هل يكونان
سواء؟ أو یکونان بخلاف ذلك؟
قال أبو جعفر: كان أهلُ العلم يُسَوُّون بين هذين المعنيين ولا
يخالفون بينهما غيرَ شُريح القاضي، فإنّه قد كان يخالِفُ بينهما ويقول:
إذا قُدِّمَ الطلاقُ فيها، لزِم، ولم تنفع الثّنيا كالرجل يقول لامرأته: أنتِ
- ٤١ -

كتاب الأيمان والنذور
طالق إن دخلتِ الدارَ، فكان يجعلها طالقاً الآن ولم تدخل الدار،
ويخالف بين ذلك وبين قوله: إذا دخلتِ الدارَ، فأنت طالق. فكان
يقول في هذا كما يقول مَنْ سواه من أهل العلم: لا تَطْلُق حتى تدخلَ
الدَّار. والذي رُوِيَ عنه في ذلك: ما قد حَدَّثْنَا يُوسف بن يزيد، قال:
حَدَّثْنَا سعيد بن منصور، قال: حَدَّثْنَا هُشيم، قال: حَدَّثْنَا مُغيرة، عن
إبراهيم، عن شُريح، قال: مَنْ بدأ بالطلاق فلا تُنْيا له.
وما قد حَدَّثَنَا يوسف بن يزيد، قال: حَدَّثْنَا سعيد، قال: حَدَّثَنَا
أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن شريح مثله. قال: وقال
إبراهيم: وما يدري شريح؟!
وما قد حَدَّثَنَا يوسف، قال: حَدَّثْنَا سعيد، قال: حَدَّثْنَا هُشيم،
قال: أخبرنا حُصين، عن الشعبي، عن شريح مثله.
وما قد حَدَّثَنَا ابن أبي عمران، قال: حَدَّثْنَا إسحاق بن إسماعيل،
قال: حَدَّثْنَا هشيم.
وما قد حَدَّثْنَا يوسف بن يزيد، قال: حَدَّثَنَا سعيد، قال: حَدَّثْنَا
هُشيم، عن سيَّار، عن عبد الرحمن بن ثَرْوان، قال: لقد ترك شريح في
صدور الوَرِعِين منها هَاجساً.
قال أبو جعفر: ثم طلبنا الوجه فيما اختلفوا فيه من كتاب الله
فوجدنا الله قد قال في كتابه لنبيه لوط 18: ﴿إِنَّا مُنَجُوكَ وأهْلَكَ إلاَّ امْرَتَكَ
كَنَتْ مِنَالغَابِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٣] فبدأ عَزَّ وجَلَّ بذكر وعده إياه
بما وعده به، ثم استثنى منه مَنْ هو خارجٌ من ذلك. ومثل ذلك من
سُنَّةِ رسول الله :﴿ هَمّا قد رُوِيَ عنه في سبب اللدود الذي كان ممن
- ٤٢-

کتاب الأيمان والنذور
يَحَضْرَتِهِ لَمَّا أُغمي عليه في مرضه الذي كان فيه حينئذ لَدُّوه من قوله:
((لاَ يَبْقَى في البيتِ أحدٌ شَهِدَ لَدِّي إلاَّ لُدَّ، إلاّ أنَّ يَمِيني لم تُصِبْ عَمِّ
العبّاس)).
٣٩٠٩- كما قد حَدَّثَنَا فهد، قال: حَدَّثَنَا أبو غَسَّان، قال:
حَدَّثْنَا قيس بن الربيع، قال: حَدَّثْنَا عبد الله بن أبي السَّفَر، عن أرْقم -
قال أبو جعفر: وهو ابن شُرَحْبِيل- عن ابن عباس، عن العباس، قال:
دخلتُ على رسول الله ﴿ وعنده نِسوةٌ، فاحتَحَبْنَ مِنِّي إلاَّ ميمونة،
فأخَذْنَ سُكّاً فَدَقَقْنَهُ، ثم لَدَدْنَهُ به، فقال: ((لاَ يَبْقَى في البيتِ أحدٌ شَهِدَ
لَدِّي إلاَّ لُدَّ، إلاّ أنَّ يَمِيني لم تُصِبْ عَمِّي العبّاس)) فجعل بعضهم يلدُ
بعضاً.
٣٩١٠- وكما قد حَدَّثَنَا أحمد بن داود بن موسى، قال: حَدَّثْنَا
مُسدَّد، قال: حَدَّثْنَا يحيى - يعني القَطَّان- عن سفيان، عن موسى بن
أبي عائشة، عن عبيد الله بن عبد الله، قال: قالت عائشة رضي الله عنها
لَدَدْنا رسول الله ﴿ في مرضه، فجعل يشير إلينا أن لا تلدُّوني، فقلنا:
كراهة المريض لِلَّدِّ، فلمَّا أفاق قال: ((أَلَمْ أَنْهَكُم أن تُلُدُّوني؟) فقلنا:
كراهة المريض للَّدَّ، فقال رسول الله عَ﴿: ((لاَ يَبْقَى مِنْكُمْ أَحَدٌ إلاَّ لُدَّ
وأنا أنظرُ، إلّ العبّاس، فإنه لم يَشهدْكم)(١).
٣٩١١- وكما حَدَّثَنَا يوسف بن يزيد، قال: حجَّاج بن
إبراهيم، قال: حَدَّثْنَا عبد الرحمن بن أبي الزِّنَاد، عن هشام بن عروة،
(١) إسناده صحيح، ورواه البخاري (٦٨٩٧) عن مسدَّد، به.
- ٤٣-

کتاب الأيمان والنذور
عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها أنَّها قالت له: يا ابنَ أختي، لقد
رأيتُ من تعظيم رسول الله ﴿ عمَّه العباس أمراً عجباً، كانت تأخُذُه
الخاصرة فَتَشتدُّ به جداً، فكُنَّا نقول: أخذ رسول الله :﴿ عِرْقُ كذا، ثم
أخذَت رسولَ الله ◌َّ يوماً الخاصرةُ من ذلك فاشتدَّت عليه حتى أُغمي
على رسول اللّه ◌َ ﴿ وخِفْنَا عليه، وفَرَعَ الناس، وظنُّوا أَنَّ به ذات الجَنْبِ،
فَلَدَدْنَاهُ، ثم سُرِّيَ عن رسول الله ﴿ وافاق، فعرف أنْ قد لَدَدْنا ووجد
الَّدودَ، فقال: ((أَظَنْتُم أنَّ الله عَزَّ وجَلَّ سَلَّطْهَا عليَّ؟ مَا كَانَ اللهُ عَزَّ
وجَلَّ لِيُسَلِّطَها عَلَيَّ، لاَ يَبْقَى أحدٌ إلاَّ لُدَّ إلاَّ عَمِّي) فرأيتهم يَلُدُّونَهم
رجلاً رجلاً. قال: تقولُ: وَمَنْ في البيتِ يومئذٍ - تذكر فَضْلَهم -! فُدُّوا
أجمعين، ثُم بَلَغنا اللَّدُودُ أزواجَ النبيِ﴿ه، فُدِدْنا واللهِ امرأةً امرأةً، حتَّى
بلغ اللُّدودُ امرأةً منَّا، فقالت: واللهِ إنّ صائمةٌ، قالوا: بمسَ ما ظننتِ أَنَّا
نتركُكِ، وقد أقسمَ رسولُ الله ◌َ﴿ّ، فَلَدُّوا، والله يا ابن أختيّ وإنّها
لصائمة(١).
٣٩١٢- وكما قد حَدَّثَنَا بِكَّار بن قُتَيْبَة، قال: حَدَّثَنَا الحُسين بن
مهدي.
وكما قد حَدَّثْنَا عُبيد بن رِجَال، قال: حَدَّثْنَا أحمد بن صالح، ثم
(١) رواه أحمد ١١٨/٦، والحاكم ٢٠٢/٤ -٢٠٣ من طريق سليمان بن داود
الهاشمي، وابن سعد في (الطبقات) ٢٣٥/٢ عن محمد بن الصَّاح، وأبو يعلى
(٤٩٣٦)، وابن عساكر ص١٥٨- ١٥٩ و١٥٩ - ١٦٠ و١٦٠، وابن حجر في
«تغليق التعليق)) ١٦٤/٤-١٦٥ و١٦٥-١٦٦ من طريق محمد بن بكار، ثلاثتهم عن
عبد الرحمن بن أبي الزناد، به.
- ٤٤ -

كتاب الأيمان والنذور
اجتمعا، فقال كل واحد منهما: حَدَّثْنَا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر،
عن الزهري، قال: حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن
هشام، عن أسماء ابنة عُمَيْس قالت: إنَّ أوَّلَ ما اشتكى رسول الله صل/ في
بيت ميمونة اشتدَّ مَرَضُه حتّى أُغْمِي عليه، قالت: فتشاوَرَ نساؤُه في
لَدِّه، فلدُّوه، فلَمَّا أفاق، قال: ((ما هذا، أَفَعْل نساء يَجْنَ من هاهُنا؟))
وأشارَ إلى أرض الحَبَشَةِ وكانت أسماءُ فيهنّ، فقالوا: كنا نَتَّهُمُ بك ذات
الجَنْب يا رسول الله. قال: (إنَّ ذلك داءٌ ما كان الله لِيُعَذِّبَنِي به، لاَ
يَبْقَيَنَّ في البيتِ أحدٌ إلاَّ لُدَّ، إلاَّ عَمّ رسول الله) يعني العباس. قال:
فلقد التدَّتْ ميمونةُ يومئذٍ وإنَّها لصائمةٌ لِعَزيمةِ رسول الله (١).
ففي هذه الآثار عزيمةُ رسول الله :﴿ بالالتدَادِ لِمَنْ في البيت
ابتداءٌ، ثم أخرج منهم بعض من كان في البيت وهو العبّاس لم يحضر
لدودهم رسول الله ﴿ حين لَدُّوه، وإما لإِعظامِهِ إِيَّاهُ حتَّى أخرجه من
ذلك لمكانه منه، غير أنَّه قد كانتِ العزيمةُ وهو في البيت وأُخرِجَ منها
بالاستثناء المؤخر عنها. وفيما ذكرنا ما قد دَلَّ على فساد ما قاله شُريح
مِمَّا ذكرناه عنه، والله نسأله التوفيق.
(١) الحديث في ((مصنف عبد الرزاق)) (٩٧٥٤)، ومن طريقه رواه أحمد
٤٣٨/٦، وابن حبان (٦٥٨٧)، والطبراني ٢٤/(٣٧٢)، وصححه الحاكم ٢٠٢/٤،
ووافقه الذهبي، وكذا صححه الحافظ في ((الفتح)) ١٤٨/٨.
وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ٣٣/٩، وقال: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.
- ٤٥-

کتاب الأیمان والندور
٥٥٥- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عَنْهُ علیه السَّلامُ فیمن
اسْتَلْجَجَ بیمینٍ على أهلِه
٣٩١٣ - حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ أبي داود، حَدَّثْنَا يحيى بن صالح
الوُحَاظِي، حَدَّثَنَا معاويةُ بنُ سلَّم، يحيى بنُ أبي كثير، عن عِكرمةَ،
عن أبي هُريرةً قال: قالَ رسولُ الله عليه السَّلامُ: ((من اسْتَلْجَجَ بيمينِ
على أهلِهِ، فَهُوَ أعظمُ إِثْمً) يعني: الكفَّارة(١).
فتأمَّلنا المرادَ بما في هذا الحديث ما هو؟ فوَجَدْنا مَنْ حَلَفَ على
زوجته إلاَّ يَقْرَبها مانعاً لها من حقِّ لها عليه، وكانَ الواجبُ عليه بعدَ
حَلفِه بذلك عليها الفيء إليها والرجوعَ عن يمينه عليها يمنعها حقَّها
علیه.
ومن ذلك قولُه تعالى: ﴿الَّذِ يُؤُونَ من نسائهم تمرُّصُ أربعةِ أَشْهُرِ﴾.
- إلى قوله -: ﴿سميعٌّ عليم﴾ [البقرة: ٢٢٦]، فذكرَ في الفيء الرحمةً،
(١) رواه البخاري (٦٦٢٦)، وابن ماجه (٢١١٤)، والحاكم ٣٠١/٤، والبيهقي
٣٣/١٠ من طرق عن يحيى بن صالح الوحاظي، به.
ورواه عبد الرزاق (١٦٠٣٧) عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن
النبي * ... مرسل.
ورواه عبد الرزاق (١٦٠٣٦)، ومن طريقه أحمد ٢٧٨/٢، والبخاري (٦٦٢٥)،
ومسلم (١٦٥٥)، والبيهقي ٣٢/١٠، والبغوي (٢٤٣٧) عن معمر، عن همام، عن
أبي هريرة. ورواه ابن ماجه (٢١١٤) من طريق محمد بن حميد المعمري، عن معمر،
به.
-٤٦-

كتاب الأيمان والنذور
والغُفران الرجوع الفائي عن مَنْعِ الحَقِّ الذي هو عليه بيمينه التي كانت
منه، ولم يذكُرْ مثل ذلك في عزمِه على الطلاق، لأنه في عزمِه على
الطلاقِ مثمادٍ في استلحَاجِه في منع الحقِّ الذي عليه.
ومما يدخُلُ في هذا المعنى ما رُوِيَ عن رسولِ الله عليه السَّلامُ
فيمن حَلَفَ على يمينٍ في قَطيعةِ رحمٍ، أو في مَعصيةٍ سوى ذلك.
٣٩١٤- كما حَدَّثْنَا بكار، حَدَّثْنَا أبو أحمدَ محمدُ بنُ عبد الله بن
الزبير الأسَدي الكوفي، حَدَّثْنَا محمدُ بنُ شريك، عن سليمانَ الأحولِ،
عن أبي مَعَبَد، عن ابن عباس - رفعه- قال: ((مَنْ حَلَفَ على يمين قَطيعةٌ
أو مَعصيةً، فَحَنْثَ، فذلك كَفَّارٌ)(١).
قال أبو جعفرٍ: أي: لأنَّ حِنْتَه فيها رجوعٌ عما كانَ حَلَفَ بها
عليه، فرجوعُه عن ذلك كفارةً له.
فمثلُ ذلك أيضاً ما رَوَيناه من حديث أبي هريرة، هو أيضاً من
هذا الجنسِ، لأنَّ الحالفَ على أهلِهِ، يمنَعُها حَقِّها الذي لها عليه، عاصٍ
لربِّه تعالى، وكفارتُه من تلك المعصيةِ رجوعُه عنها.
(١) رواه ابن حبان (٤٣٤٤) من طريق بشر بن الحكم، عن سفيان بن عيينة، عن
سليمان الأحول، به. ولفظه ((من حلف على ملك يمينه أن يضربه، فكفارته تر که،
ومع الكفارة حسنة)).
ورواه البيهقي ٣٤/١٠ من طريق عبد الحميد بن صبيح، عن سفيان، به موقوفاً
على ابن عباس.
ورواه عبد الرزاق (١٦٠٤٠) عن ابن عيينة، عن سليمان الأحول، عن طاووس،
عن ابن عباس قوله.
-٤٧-

كتاب الأيمان والنذور
فإنْ قالَ قائل: فليسَ في الحديث رجوعُه، ولا فَيْئُه.
فكان جوابُنا له في ذلك: أن ذلك الخطابَ الذي كانَ من رسولِ
الله ﴿ للناسِ خطابٌ عربيٌّ خاطَبَ به قَوْماً عرباً، فكان فيما خاطبهم
به مِنْ ذلك ما قد فَهِمُوا به عنه مرادَه، وهو الذي ذكرناه، فأغناه ذلك
عن كشفه إياه لهم بلسانِه، كمثلٍ ما قد جاء القرآنُ بقوله في سورة
النور: ﴿وَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَحْمَتُهُ وَأَنَّاللَّه تَوَّابُ حَكِيمٌ﴾ [النور:
١٠]، واكتفى بذلك عَمَّا كانَ يكونُ لولا فضلُه عليهم ورحمتُه إِيَّهم.
وكمثلِ قولِه في سورة الرعد: ﴿وَكَوْ أَنَّ قُرْآنَا سَيْرَتْ بِهِ الجبالُ أَوْ قُطْعَتْ
بِالأرْضُ أوْ كُلِّمَ بِهِ المَتَى بَلْ للهِالْأَمْرُ جَمِيعاً﴾ [الرعد: ٣١] من غيرِ
ذكره لِما كانَ يكونُ لو كانَ مِنْ أنْ يفعل ذلك، لِفهم الُخاطبين
بذلك، لِمَا قَدْ أرادَ أنْ يَفْهَمُوه عنه بذلك الخطابِ الذي خاطَبَهُم به.
فمثلُ ذلك من حديثٍ أبي هريرة: ((مَنِ اسْتَلجَجَ بيمينٍ على
أهْلِه، فهو أعظمُ إِثْماً)، أي: مِمَّنْ سواه من الحالِفين بغيرِ تلك اليمين،
فاكتَفَى عليه السَّلامُ بعلمه أنّهم قد فَهِمُوا ذلك عنه بزيادةِ ألفاظٍ، فيها
كشفُ ما أرادَه منهم مِمَّا خاطبهم من أجلِه بما في ذلك الحديث.
٥٥٦- بابُ بیانِ مُشْکِل ما رُوِيَ عَنْهُ علیه السّلامُ من نھیہ عن
الحلف بغير الله تعالی، ومن ما رُوِي عنه من حلفِه بغیرہ
تعالی، وما نُسِخَ من ضده منه
٣٩١٥- حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ سنان، وابنُ مرزوق، حَدَّثْنَا يعقوبُ بنُ
إسحاق المقرئ، حَدَّثَنَا زائدةُ بنُ قدامة، عن سماك، عن عكرمة، عن ابنٍ
-٤٨-

کتاب الأيمان والنذور
عباس، عن عُمَرَ قال: كنتُ مع رسول الله:﴿ في مسير له - أو قال: في
سفر - فقلتُ: لا وأبي، فقال رجل مِنْ خلفي: ((لا تحلِفُوا بآبائكم))،
فالتفتُّ، فإذا هو رسولُ الله (١).
٣٩١٦- حَدَّثَنَا الربيعُ المراديُّ، حَدَّثَنَا أسدُ بنُ موسى، حَدَّثَنَا
إسرائيلُ، عن سماكٍ، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن عُمَرَ ... ثم ذكر
مثلَه.
٣٩١٧- حَدَّثْنَا عيسى بنُ إبراهيم الغافقيُّ، حَدَّثْنَا ابنُ عُيينة، عن
الزهري، عن سالم، عن أبيه سَمِعَ النبيُّ:﴿ عُمَرَ يقول: وأبي وأبي،
فقال: ((إن الله ينهاكم أن تحلِفُوا بآبائكم))، قال عمر: فوالله ما حَلَفْتُ
به بَعْدَ ذلك ذاكراً ولا آثِراً (٢).
٣٩١٨- حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ سِنان، وإبراهيم بن أبي داود جميعاً،
حَدَّثْنَا ابنُ صالح، حدثني الليث، حدثني عُقَيْلٌ، عن ابنِ شهاب، أخبرني
سالُ بنُ عبد الله: أن عبد الله بن عمر أخبره: أن عمر بن الخطاب قال:
سَمِعْتُ رسولَ الله:﴿ يقولُ: ((إِنَّ اللّه ينهاكم أن تَحْلِفُوا بآبائكم))،
(١) سماك في روايته عن عكرمة اضطراب، لكن الحديث صحيح لغيره.
(٢) إسناده صحيح، وعلقه البخاري في ((صحيحه)) بإثر الحديث (٦٦٧٤) فقال:
وقال ابن عيينة ومعمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر.
ورواه مسلم (١٦٤٦) (٣)، والحميدي (٦٢٤)، والترمذي (١٥٣٣)، والنسائي
٤/٧، والبيهقي ٢٨/١٠ من طرق عن سفيان، به.
وقوله: ((ذاكراً)، أي: عامداً، وقوله: (ولا آثرأ) أي: حاكياً عن الغير، أي: ما
حلفت بها ولا حکیت ذلك عن غيري.
-٤٩-

کتاب الأيمان والنذور
قال عمر: فوالله ما حَلَفْتُ بها منذُ سمعتُ رسول الله مَ ﴿ ينهى عنها،
ولا تكلمتُ بها(١).
٣٩١٩- حَدَّثْنَا عبدُ الملك بن مروان الرَّقِّي، حَدَّثَنَا شجاعُ بنُ
الوليد، عن عُبيدِ الله بن عُمَرَ، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي عليه
السَّلامُ أدرك عمر وهو في ركب، فحلف بأبيه، فقال: ((إِنَّ الله ينهاكم
أن تَحْلِفُوا بآبائكم، فَلْيَحْلِ حَالِفٌ بالله، أو ◌ِيَسْكُت)).
٣٩٢٠- حَدَّثْنَا عليُّ بنُ معبد، حَدَّثْنَا شجاعُ بنُ الوليد، حَدَّثْنَا
عُبيد الله بنُ عمر، حدثني نافع، عن ابنٍ عُمَرَ أن رسولَ الله:﴿ أدركه
وهو في ركب وهو يَحْلِفُ بأبيه ... ثم ذكر بقيةَ الحديث(٢).
٣٩٢١- حَدَّثْنَا يزيدُ، حَدَّثَنَا القعنيُّ، حَدَّثْنَا عبدُ العزيز بنُ مُسلم
القَسْمَلِي، عن عبدِ الله بنِ دينار، عن ابنِ عمرٍ، عن عُمَرَ قال: قال
رسولُ اللهِ﴿: ((لا تَحْلِفُوا بآبائِكُم، مَنْ كَانَ حالِفاً، فَلْيَحْلِفُ باللهِ عَزَّ
وجَلَّ، قال: وكانت قريشٌ تَحْلِفُ بآبائها، فقال: ((لا تَحْلِفوا
بآبائگم(٣).
(١) صحيح، عبد الله بن صالح متابع.
ورواه البخاري (٦٦٤٧)، ومسلم (١٦٤٦)، وأبو داود (٣٢٥٠)، والنسائي
٥/٧، وابن ماجه (٢٠٩٤)، والبيهقي ٢٨/١٠ من طرق عن الزهري، به.
(٢) إسناده صحيح، ورواه مالك ٤٨٠/٢، والبخاري (٦٦٤٦)، ومسلم
(١٦٤٦)، والبغوي (٢٤٣١)، والبيهقي ٢٨/١٠ من طريق نافع، عن ابن عمر، به.
(٣) إسناده صحيح، ورواه البخاري (٦٦٤٨) عن موسى بن إسماعيل، عن عبد
العزيز بن مسلم به.
- ٥٠-

کتاب الأيمان والنذور
ففي هذه الآثار التي روينا عن رسول الله ﴿: نهيُه عليه السَّلامُ
أن يَحْلَفَ بغيرِ الله، وقد رُوِيَتْ عنه آثارٌ أُخر، فيها حَلِفُه بغيرِ الله
تعالى، منها:
٣٩٢٢- ما حَدَّثَنَا به يوسفُ بنُ يزيد، حَدَّثْنَا حجاجُ بنُ
إبراهيم، حَدَّثْنَا إسماعيلُ بنُ جعفرٍ، عن أبي سُهيلٍ نافعِ بنِ مالكٍ، عن
أبيه، عن طلحة أن أعرابياً جاء إلى النبيِّ عليه السَّلامُ ثائرَ الرأسِ، فقال:
يا رسولَ الله أخبرني بما فَرَضَ الله عليَّ مِنَ الصَّلاة، فقال: (الصلواتُ
الخمس، إلا أن تَطَّوَّع شيئاً)، قال: فأخبرني ما فَرَضَ عليَّ مِن الصيامِ،
قال: ((صِيامُ شهرِ رمضانَ، إلا أن تَطَّوَّعَ شيئا)، قال: فأخبرني بما
فَرَضَ الله عليَّ مِن الزَّكاة، قال: فأخبره رسولُ الله ﴿ْ شرائعَ الإِسلام،
فقال: والذي أكرمك بالحقِّ، لا أتطوَُّ ولا أنْقُصُ مما افترض الله عليَّ
شيئاً، فقال رسولُ الله ◌َ﴿: (أَفْلَحَ وأبيهِ إِن صَدَقَ، دَخَلَ الجنّة وأبيهِ
إِن صَدَق)(١).
ورواه مسلم (١٦٤٦)، والنسائي ٤/٧، والبيهقي ٢٩/١٠ -٣٠ من طرق عن
إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: قال رسول الله *...
فذكره.
(١) إسناده صحيح، ورواه البخاري (٤٦) و(١٨٩١) و(٢٦٧٨) و(٦٩٥٩)،
ومسلم (١١)، وأبو داود (٣٩١)، والنسائي ٢٢٦/١-٢٢٧ و١٢٠/٤-١٢١
و١١٨/٨ - ١١٩، والدارمي ١٦٤/١، ومالك ١٧٥/١، والشافعي في ((الرسالة)) فقرة
(٣٤٤)، والبيهقي ٤٦٦/٢ و٤٦٧ من طرق عن أبي سهيل، به.
-٥١-

کتاب الأيمان والنذور
ومنها:
٣٩٢٣- ما حَدَّثْنَا محمدُ بنُ أحمد بن جعفر الكوفي، حَدَّثَنَا أحمدُ
بن عِمران الأخنسيُّ، حَدَّثَنَا محمدُ بنُ فُضِيلٍ، حَدَّثْنَا عُمارة - وهو ابنُ
القعقاع- عن أبي زُرعة - وهو ابنُ عمرو بنِ جرير - قال: سمعتُ أبا
هريرة يقولُ: عن النبيِّ عليه السَّلامُ قال: أتاه رَجُلٌ، فقال: يا رسولَ
الله، أيُّ الصدقة أفْضَلُ؟ قال: ((أما وأبيك لُنَّالْه: أن تَصَدَّقَ وأنت
صحيحٌ، شحيحٌ، تَخْشَى الفَقْرَ، وَتَأْمَلُ الغِنى، ولا تُمْهِالْ حتى إذا
بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ، قلتَ: لفلان كذا، ولفلان كذا، وهُوَ لفلان))(١).
ومنها:
٣٩٢٤ - ما حَدَّثْنَا أبو أُمية، حَدَّثَنَا أبو نُعيم، حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بنُ
وهبِ بنِ عُقبة العامري، قال: سمعتُ أبي يُحَدِّثُ، عن الفُحَيْعِ أنه أتى
النبيَّ عليه السَّلامُ، فقال له: ما يَحِلُّ لنا مِن الميتة؟ فقال: (ما طعامُك؟))،
قال: نَصْطَبِحُ ونَغْتَبِقُ -فسَّرَه لي عُقبة: قدحٌ غدوةٌ وقدحٌ عشيةً- قال:
((ذلك -وأبي - الجوعُ، فَأَحَلَّ لهم الَيْنَةَ على هذه الحال))(٢).
(١) إسناده ضعيف، لكنه رُوِيَ من طرق أخرى صحيحة.
فقد رواه البخاري (١٤١٩) و(٢٧٤٨)، ومسلم (١٠٣٢)، وأبو داود
(٢٨٦٥)، والنسائي ٦٨/٥-٦٩ و٢٣٧/٦، وابن ماجه (٢٧٠٦)، والبيهقي
١٩٠/٤، وأحمد ٢٣١/٢ و٢٥٠ و٤١٥ و٤٤٧ من طرق عن عمارة، به.
(٢) إسناده ضعيف، وهب بن عقبة مجهول.
ورواه أبو داود (٣٨١٧)، وابن سعد في (الطبقات)) ٤٦/٦، والبخاري في
(«التاريخ الكبير)) ١٣٧/٧ من طريق أبي نعيم، به.
- ٥٢-

کتاب الأيمان والنذور
فكان في هذه الآثار الثابتة إباحةَ ما قد جاء النهي عنه في الأول.
فقال قائل مِنْ أهلِ الجهلِ بوجوهِ آثارِ رسول اللهمَ﴿: هذا تضادٍّ
شدید.
فكان جوابُنَا له في ذلك أن ذلك لا تَضَادَّ فيه، ولكنْ فيه معنيان
مختلفان، كان أحدُهما في وقتٍ، وكان الآخر في وقتٍ آخر، وكان
الآخر منهما ناسخاً للأول منهما، وذلك غيرُ منكر، إذ كان كتابُ الله
فيه ما قد نَسَخَ غيره مما فيه.
ثم طلبنا الناسخ منهما للآخر ما هو؟
٣٩٢٥ - فوجدنا صالح بنَ شعيب بن أبان البصريّ أخبرنا، قال:
حَدَّثَنَا مُسدَّدٌ، عن يحيى بن سعيد، عن المسعودي، حدثني معبدُ بنُ
خالد، عن عبدِ الله بن يَسار، عن قُتَيْلَةَ بنتِ صيفي الجهنيّة، قالت: أتى
حَبْرٌ من الأحبار إلى رسول الله ﴿، فقال: يا محمد، نِعْمَ القَوْمُ أنتم،
لولا أنكم تُشْرِكُون، فقال: ((سبحانَ الله)، قال: إنَّكم تقولون إذا
حلفتم: والكعبةِ، قال: فأمهل رسولُ الله ﴿ شيئاً، ثم قال: ((إنّه قد قال
لِمَنْ حَلَف: فليحلفْ بربِّ الكعبةِ)).
فكان في هذا الحديث ذكرُ سبب النهي مِن رسولِ الله {8# عن
الحَلِفِ بغيرِ الله تعالى، وكان في ذلك ما قد دَلَّ على أنَّ المتأخّرَ من
المعنيين المختلِفَيْنِ اللذين ذكرناهما في هذا الباب هُوَ النهيُ عن الحَلِفِ
بغير الله تعالى، لا الإباحة له، فبان بحمد الله بما ذكرنا خلاف ما توهّم
هذا الجاهِلُ، والله نسألهُ التوفيقَ.
-٥٣-

کتاب الأيمان والنذور
٥٥٧- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عَنَّهُ علیه السَّلامُ فیمن حَلَفَ
بغيرِ الله تعالى، ما حُكْمُهُ في ذلك
٣٩٢٦ - حَدَّثْنَا بكارٌ، حَدَّثْنَا يحيى بنُ حماد، حَدَّثْنَا أبو عَوَانَةً،
عن الأعمشِ، عن سعدِ بنِ عُبيدة قال: كنتُ جالساً مع ابنٍ عُمَرَ،
فَسَمِعَ رجلاً يقولُ: كلا وأبي، فقال: كان عمر يَحْلِفُ بها، فقال النبيُّ
عليه السَّلامُ: (إِنها شِرْكٌ، فلا تَحْلِفْ بها)(١).
٣٩٢٧ - حَدَّثْنَا أبو أُمَيَّة، حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ رجاء، حَدَّثْنَا
إسرائيلُ، عن سعيدِ بنِ مسروقٍ، عن سعدِ بنِ عُيدة، عن ابنِ عمر، عن
عُمَرَ قال: لا وأبي، فقال رسولُ اللهَ﴿هَ: «مَنْ حَلَفَ بشيءٍ دُونَ الله،
فَقَدْ أَشْرَكَ)). فكان في هذا الحديثِ عن رسول الله عليه السَّلامُ أَنَّ مَنْ
حَلَفَ بشيءٍ دون الله، فقد أشرك.
فكان ذلك عندنا -والله أعلمُ- لم يُرِدْ بِه الشِّرْكَ الذي يَخْرُجُ به
(١) إسناده صحيح، ورواه من طرق عن سعد بن عبيدة، به: عبد الرزاق
(١٥٩٢٦)، والطيالسي (١٨٩٦)، وأحمد ٣٤/٢ و١٢٥، والترمذي (١٥٣٥)، وأبو
داود (٣٢٥١)، وابن حبان (٤٣٥٨)، والحاكم ١٨/١ و٢٩٧/٤، والبيهقي
٢٩/١٠.
ورواه أحمد ٨٦/٢-٨٧ و١٢٥، والبيهقي ٢٩/١٠ من طريقين عن منصور، عن
سعد بن عُبيدة قال: كنتُ عند عبد الله بن عمر، فقمتُ وتركت رجلاً عنده من
كندة، فأتيت سعيد بن المسيب، قال: فجاء الكندي فزعاً، فقال: جاء ابن عمر رجل،
فقال: أحْلِفُ بالكعبة؟ قال: لا، ولكن احْلِفُ بربِ الكعبة، فإن عمر كان يحلف
بأبيه، فقال رسولُ الله #: (لا تحلف بأبيك، فإنه من حلف بغير الله، فقد أشرك)).
- ٥٤-

کتاب الأيمان والنذور
من الإسلام حتى يكونَ به صاحبه خارجاً مِن الإسلام، ولكنه أريد أن
لا ينبغي أن يَحلِفَ بغير الله تعالى، وكان من حَلَفَ بغير الله، فقد جعل
ما حَلَفَ به كما الله تعالى محلوفاً به، وكان بذلك قد جعل مَنْ حلف
به، أو ما حلفَ به شريكاً فيما يحلف به، وذلك عظيمٌ، فَجُعِلَ مشركاً
بذلك شركاً غيرَ الشركِ الذي يكون به كافراً بالله تعالى، خارجاً من
الإسلام.
ومثل ذلك ما قد رُوِيَ عنه في الطّيَرَةِ:
٣٩٢٨- كما حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ سِنان، حَدَّثَنَا محمدُ بنُ كثير
العبديُّ، حَدَّثْنَا سفيان، عن سلمة بنِ كُهَيْلٍ، عن عيسى بنِ عاصم
الأسدي، عن زِرِّ بن حُبيش، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسولُ
اللّهِ﴿: (الطَّرَةُ شِرْكٌ، وَمَا مِنَّا، ولكنَّ الله يُذْهِبُهُ بالتّوكُّلِ)(١).
(١) إسناده صحيح، لكن قوله: (وما منا ... ) هو من كلام ابن مسعود أدرج في
الخبر بين ذلك سليمان بن حرب شيخ البخاري فيما حكاه الترمذي في ((علله الكبير»
٦٩٠/٢ عن البخاري، عنه.
ورواه أبو داود (٣٩١٠)، وابن حبان (٦١٢٢) من طريق محمد بن كثير العبدي
به. ورواه أحمد ٣٨٩/١ و٤٤٠، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (٩٠٩)، والترمذي في
(سننه) (١٦١٤)، وفي («العلل الكبير) ص ٦٩٠، وابن ماجه (٣٥٣٨)، والبيهقي
١٣٩/٨ من طرق عن سفيان الثوري، به. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح لا
نعرفه إلا من حديث سلمة بن كهيل.
ورواه الطيالسي (٣٥٦)، وأحمد ٤٣٨/١، والطحاوي ٣١٢/٤، والبغوي
(٣٢٥٧)، والحاكم ١٧/١-١٨ و١٨، والبيهقي ١٣٩/٨ من طرق عن شعبة، عن
سلمة بن کھیل، به.
- ٥٥-

كتاب الأيمان والنذور
٣٩٢٩ - وكما حَدَّثَنَا يزيدُ، حَدَّثْنَا بشرُ بنُ عُمَرَ الزهراني،
حَدَّثْنَا شعبةُ، عن سلمة، عن عيسى - رجلٍ من بني أسد- عن زِرٍّ بن
حُبيش، عن عبد الله بن مسعودٍ، عن رسولِ اللهِمَ﴿ّ مِثْلَه.
٣٩٣٠- وكما حَدَّثْنَا ابن مرزوق، حَدَّثْنَا وهبُ بنُ جريرٍ،
وروحُ بن عبادة قالا: حَدَّثْنَا شعبةُ، عن سلمة بن كُهَيْلٍ ... ثم ذكر
بإسناده مثلَه، غَيْرَ أنه قال: ((وما مِنَّا إلاّ ولكنَّ الله عَزَّ وجَلَّ يُذْهِبُهُ
بالتّوكُّلٍ».
فلم يكن المرادُ بذلك الشركِ الكفر بالله تعالى، ولكن كان المرادُ
به أن شيئاً تولَّى الله عَزَّ وجَلَّ فعلَه، قيل فيه: إن شئتَ فِعْلَه، كان كذا
مما يُتَطَيِّرُ به.
فمثلُ ذلك الشرك المذكور في الحديثِ الأولِ هو مِنْ جنس هذا
الشركِ، لا من الشركِ بالله تعالى الذي يُوجب الكُفْرَ به.
ثم تأملنا حديثَ ابنِ عمر الذي قد رويناه في هذا الباب من
حديثي الأعمش، وسعيد بن مرزوق، عن سعد بن عبيدة.
فوجدناه فاسد الإسناد. وذلك:
٣٩٣١ - لأنَّ ابن مرزوق قال: حَدَّثْنَا وهبٌ، حَدَّثْنَا شُعْبَةُ، عن
منصور، عن سعد بنِ عُبيدة، قال: كنت عندَ ابنِ عمر، فقمتُ وتركتُ
عنده رجلاً مِن كِدَة، فأتيتُ سعيد بن المسيِّب، فجاء فَزِعاً فقال: جاء
رجلٌ إلى ابنِ عمر، فقال له: أحْلِفُ بالكعبة؟ فقال: لا ولكن احْلِفُ
بربِّ الكعبة، فإن عُمَرَ كان يحِلِفُ بأبيه، فقال رسولُ الله ◌ِ ◌ّ: (لا
تَحْلِفُوا بَآبَائِكُمْ، فمَنْ حَلَفَ بغيرِ الله، فقد أشْرَكَ).
-٥٦-

کتاب الأيمان والنذور
٣٩٣٢- وأن يزيدَ بنَ سنان، حَدَّثْنَا قال: حَدَّثْنَا الحسنُ بنُ عمر
بنِ شقيق، حَدَّثْنَا جريرُ بنُ عبدِ الحميد، عن منصورٍ، عن سعد بنِ
ء
عُبيدة قال: كنتُ أنا وصاحبٌ لي من كِندة جلوساً عندَ ابنِ عمر،
فَقُمْتُ، فجلَسْتُ إلى ابن المسيِّب، فأتاني صاحبي، فقال: قُم إليَّ وقد
تغَّر لونُه، واصفرَّ وجهُه، فقلت له: أليسَ إنما فارقتُكْ قُبيل، قال سعيدٌ:
قُمْ إلى صاحبك، فقُمْتُ إليه، فقال: ألم ترَ إلى ما قال ابنُ عُمَرَ، فقلتُ:
وما قالَ؟ قال: أتاه رجل، فقال: أحْلِفُ بالكعبةِ؟ قال: لا، وَلِمَ تَحْلِفُ
بالكعبة؟! احْلِفُ بربِّ الكعبة، فإن عُمَرَ حلف بأبيه عندَ النبيِّ عليه
السَّلامُ، فقال له: ((لا تَحْلِفْ بأبيكَ، فَإِنَّه مَنْ حَلَفَ بغير الله، فقد
أَشْرَكَ)).
فوقَفْنَا على أن منصورَ بنَ الْمُعْتَمِرِ قد زاد في إسناد هذا الحديث
على الأعمش، وعلى سعيدِ بنِ مسروق، عن سعد بنِ عبيدة رجلاً
مجهولاً بينَه وبينَ ابن عمر في هذا الحديث، ففسد بذلك إسنادُه، غيرَ أنَّا
قد ذكرنا في تأويله ما إن صح كان تأويلُه الذي تأوّلناه عليه ما ذكرناه
فيه، والله نسأله التوفيق.
٥٥٨- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عَنْهُ عليه السَّلامُ مما أمر به من
حَلَف باللات والعُزَّى أن يقولَ
٣٩٣٣ - حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ سنان، حَدَّثْنَا عثمان بنُ عمرَ بنِ فارس
وحَدَّثْنَا ابنُ خُزيمة، حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ رجاء، قالا: حَدَّثْنَا
إسرائيلُ، عن أبي إسحاق، عن مُصْعَب بنِ سعد، عن سعدٍ قال:
حلفتُ باللاتٍ والعُزَّى، وكان العهدُ حديثاً، فأتيتُ النبيَّ عليه السَّلامُ،
-٥٧-

کتاب الأيمان والنذور
فقلتُ: إني حَلَفْتُ باللاتِ والعُزَّى، وكان العهدُ حديثاً، فقال: ((قلت
هُجراً، أنْفُلْ عن يسارك ثلاثاً، وقُلْ: لا إله إلا الله وَحْدَهُ، واستغفِرٍ
الله تعالى، ولا تَعُدْ)).
فتأملنا هذا الحديثَ، فوجدنا فيه ما قد دَلَّ على أن سعداً كان
منه ما كان مما ذُكِرَ عنه فيه لِقُرْب العهدِ، أي بعادتهم كان ما حَلَفَ
به، فكان حَلِفُه على ما جَرَتْ به عادتُه حتى قالَ ما قالَ مما حَلَفَ به
على ما قد غَلَبَ على قلبه مما دخله معه السهوُ عن تحريمِ الله عَزَّ وجَلَّ
ذلك عليه بإسلامه الذي هو فيه، وكان الأصلُ أن الرجل إذا حَلَفَ
على ما يرى أنّ على ما حلف عليه، فكان على غير ذلك، مثل أن
يقولَ لِرجلٍ يراه مقبلاً: هذا - واللهِ- زيدٌ، وهو يراه كذلك، فيكون
عَمراً، فيمينُه تلك لَغْوٌ، لا إثمَ عليه فيها، لأنها داخلةٌ في اللغو الذي لا
يُؤَاخِذُ الله به، وإذا كان النَّغْوُ في نفس اليمين هذا حكمُه، كان اللغوُ
في الشيء الذي يرى الحالفُ أنه محلوفٌ به، فلا يكونُ كذلك، أحرى
أن يكون لغواً، وأن لا يكونَ به مأخوذً.
فإن قال قائل: ففي هذا الحديثِ أمر النبيُّ عليه السَّلامُ سعداً أن لا
يعود إلى ما کان منه.
قيل له: معنى ذلك عندنا - والله أعلمُ - أن يتحفّظَ مِن نفسه حتى
لا يكونَ منه مثل ذلك من السهو الذي يَغْلِبُ عليه حتى يكونَ ذلك
منه .
وقد رُوِيَ عن أبي هريرة عن النبيِّ لَّ مما يَدْخُلُ في هذا المعنى:
٣٩٣٤- حَدَّثْنَا يونسُ، أخبرنا ابنُ وهبٍ، أخبرني يونس، عن
-٥٨-

کتاب الأيمان والنذور
ابن شهاب، عن حُميد بنِ عبد الرحمن بنِ عوف، أن أبا هريرة قال:
قال رسولُ اللهَ﴿: ((مَنْ حَلَفَ منكم، فقالَ في حَلفِه: باللّتِ، فَلْيَقُلْ:
لا إله إلا الله، ومَنْ قال لَصاحبه: تَعالَ أُقَامِرْك، فَلْيَتَصدَّقُ)).
٣٩٣٥- وما حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ شعيب، حَدَّثْنَا كثيرُ بنُ عُبِيدٍ،
حَدَّثْنَا محمدُ بنُ حرب، عن الزُّبيديِّ، عن الزهريِّ، عن حُميد بنِ عبدِ
الرحمن، عن أبي هريرة، عن رسولِ اللهِلَ﴿ٌّ ... مثلَه.
فكان ما في هذا الحديث مقصوداً به إلى خواص مِنَ الناس، لِقولٍ
رسول الله ﴿ فيه: ((مَنْ حَلَفَ منكم)، أي: من كان منكم كان يَعْبُدُ
اللَّت والعُزى، فكان منه هذا على ما كانت جرت عليه عادته قَبْلَ
إسلامه، فسها في إسلامه حتّى كان هذا منه، أن يُتْبعَ ذلك بتوحيدِ الله،
وأنْ لا إله سواه، والله نسألُه التوفيقَ.
٥٥٩- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عَنْهُ علیه السَّلامُ فیمن حَلَفَ
بملَّةٍ سوى مَّةِ الإسلام كاذباً
٣٩٣٦- حَدَّثَنَا يونسُ، حَدَّثْنَا بِشرُ بنُ بكرٍ، حَدَّثْنَا الأوزاعيُّ،
حَدَّثْنَا يحيى بنُ أبي كثيرٍ، حدثني أبو قِلابة الجَرْميُّ، حدثني ثابتُ بن
الضحاك قال: قال رسولُ الله عليه السَّلامُ: ((مَنْ حَلفَ بمِلَّةٍ سوى مِلْةٍ
الإسلام كاذباً، فهُوَ كما قَالَ)(١).
(١) إسناده صحيح، ورواه البخاري (١٣٦٣) و(٤١٧١) و(٤٨٤٣)
و(٦٠٤٧) و(٦١٠٥) و(٦٦٥٢)، ومسلم (١١٠)، وأبو داود (٣٢٥٧)، والترمذي
-٥٩-

کتاب الأيمان والنذور
٣٩٣٧- حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبدِ الله بن ميمون البغدادي أبو بكر،
حَدَّثْنَا الوليدُ بنُ مسلم، عن الأوزاعيِّ، عن يحيى، قال: حدثني أبو
قِلاَبَة، حدثني ثابتُ بنُ الضحاك، عن النبيِّ ﴿ٌ ... فذكر مثله.
فتأملنا هذا الحديثَ، فوجدنا فيه معنى حَسَناً مِن الفقه، وهو أنَّ
من حَلَفَ، فقال: هو يهودِيٌّ إن كان كذا وكذا، لما يعلم أنَّه قد كان،
كان ما علَّقه لا معنى له، لأن تعليقَ الأيمان على الأشياءِ الماضِيةِ
كذلك، كالرجل يقول: امرأتي طالق إن كان كذا، لما هُوَ عالِمٌ أَنَّه قد
كان، كانت امرأته طالقاً، وكان بذلك كمن قال: امرأتي طالق، ولم
يُعَلِّقْ ذلك على شيء.
فمثلُ ذلك مَنْ قال: هو يهودِيٌّ إن كان كذا وكذا، لما قد كان،
كان بذلك، كمن لو قال: هُوَ يهودِيٌّ، فكان بذلك مرتداً، وليس ذلك
في الحكم في الأشياء المستقبلة، كهذا المعنى، لأنَّ رجلاً لو قال: هو
يهودِيٌّ إن كان كذا، لم يكن بذلك كافراً، لأنّه في يمينه لم يوجب
التهودَ لنفسه، إنما أوجبه إذا ما حَلَفَ به عليه، كمن قال لامرأته: إذا
كان كذا، فأنتِ طالق، فهو غيرُ مطلق لها الآن، وبانَ بما ذكرنا أن
الحَلِفَ بملةٍ سوى ملةِ الإسلام مما في الحديث الذي رَوّيناه إنما هو في
الحلف بها على الأشياء المستديرة، لا على الأشياء المستقبلة، وبالله
التوفيق.
(١٥٤٣)، والنسائي ٦/٧، ابن ماجه (٢٠٩٨)، والبيهقي ٣٠/١٠، والطيالسي
(١١٩٧)، وأحمد ٣٣/٤ و٣٤ من طرق عن أبي قلابة، به.
- ٦٠-