النص المفهرس

صفحات 661-680

كتاب السيرة
فكره ذلك مَنْ كرِهه ممن ذكرنا، وأطلقه مَنْ سواه ممن وصفنا. وكان
الأصلُ في ذلك أن الأمر لو جرى في ذلك بَيْنَ مَنْ هو له، وبَيْنَ من هو
عليه بالوضع والتعجيل على أنَّ كُلَّ واحدٍ منهما مشروطٌ في صاحبه،
كان واضحاً أن ذلك لا يجوزُ، وأنه كالرِّبا الذي جاء القرآنُ بتحريمه،
وبوعيد الله عَزَّ وجَلَّ عليه، وهو أنَّ الجاهلية كانوا يدفعون إلى مَنْ لهم
عليهم الدينُ العاجلُ ما يدفعونه إليهم مِن أموالهم حتى يؤخروا عنهم
ذلك الدين العاجلَ إلى أجل يذكرونه في ذلك التأخير، فيكونون بذلك
مشترين أجلاً بمال، فحرم اللهُ ذلك، وأوعد عليه الوعيدَ الذي جاء به
القرآنُ، فكان مثلَ ذلك وضعُ بعضِ الدين المؤخَّلِ لتعجيل بقيته في أن
لا يجوزَ ذلك، لأنّه ابتياعُ التعجيل بما يتعجل منه بإسقاطٍ بقية الدين
الذي سقط منه، فهذا واضح أنّه لا يجوز، وممن كان يذهب إلى ذلك
من أهل العلم أبو حنيفة ومالك وأبو يوسف ومحمد.
كما حَدَّثْنَا محمد بن العباس، حَدَّثْنَا عليٌّ بنُ معبد، أنبأنا محمدُ بنُ
الحسن، حَدَّثْنَا يعقوبُ، عن أبي حنيفة بما ذكرنا ولم يحكِ بينهم في
ذلك خلافاً.
وكما حَدَّثْنَا يونسُ، أنبأنا ابنُ وهبٍ، عن مالكٍ، بهذا المعنى
أيضاً.
ومن كان يذهب إلى خلاف ذلك زُفَرُ بنُ الهذيلِ.
كما حَدَّثًا محمدُ بنُ العباس، حَدَّثْنَا يحيى بنُ سليمان الجعفي،
حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ زياد، قال: قال زفر في رجلٍ له على رجلٍ ألفُ درهمٍ
إلى سنةٍ من ثمنٍ متاعٍ أو ضمان، فصالحه منها على خمس مئة نقداً: إن
-٦٦١-

كتاب السيرة
ذلك جائز.
وقد كان الشافعي رحمه الله قد أجاز ذلك مرةً كما ذكره لنا
المزنيُّ عنه، قال: ولو عجَّل المكاتَبُ لمولاه بعضَ الكتابَة على أن يُبرئَه
مِن الباقي، لم يجز، وردَّ عليه ما أخذ، ولم يعتق، لأنه أبرأه مما لم يبرأُ
منه، قال المزني: قد قال في هذا الموضعِ: ضَعْ وتَعَجَّلْ لا يجوزُ، وأجازه
في الدین.
قال أبو جعفر: وأما إذا كان ذلك الوضعُ والتعجيلُ ليس واحد
منهما مشروطاً في صاحبه، ولكنه على وضعٍ مرجو به التعجيل لبقية
الدين، فذلك بخلاف البابِ الأول، ولا يجوز في المعقول بطالُه بالحكم،
ولكنه مكروه غيرُ محكوم بإبطاله، كما يُكره القرضُ الذي يجرُ منفعةٌ،
ولا يُحكم بإبطاله لذلك، فهذا وجه هذا البابِ بإيقاعِ الصلحِ على
اشتراط التعجيل في الوضع، وفي الوضع المرجو به تعجيل بقية الدين
بغير اشتراطٍ له في ذلك الوضع. وبالله التوفيق.
-٦٦٢-

كتاب السيرة
٥٣٨- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِيّ عَنْ رسول الله علیه السَّلامُ
فيما كان مِن بعثه محمد بن مسلمة لِقتله كَعْبَ بنَ الأشرفِ،
بما يدفع التضاد عن ما تَوَهّم بعض الناس
أنه قد ضادّ ما فيه
٣٧٩١ - حَدَّثْنَا يُونُس، حَدَّثْنَا سفيانُ بنُ عُبينة، عن عمرو، عن
جَابِرٍ، قال: قال رسولُ اللهِ﴾﴿: ((من لِكَعْبٍ؟ فإنَّه قد آذى الله
ورسوله) فقام محمدُ بنُ مسلمة، فقال: يا رسولَ الله، أُتُحِبُّ أن أقتله؟
قال: (نعم)، قال: فَأُذَنْ لي أن أقولَ شيئاً، [قال: (قل))] قال: فأتاه،
فقال: إنَّ هذا الرجلَ قد سَأَلَنَا الصَّقَةَ، وقد عَنَّانا، و[إنّي قَدْ أتيتُكَ
اسْتَسْلِفُكُ، قال: وأيضاً والله لَتَمَنَّه قال: إنا] قَدِ اتبعناه، ونحنُ نكره أن
نَدَعَهُ حتى نَنْظُرَ إلى أيِّ شيءٍ يصيرُ أمْرُهُ، قال: أيَّ شيءٍ تَرْهُنُونَي؟
قالوا: وما تُرِيدُ منا؟ قال: تَرْهُنُّونَني نساءكم، قالوا: أَنْتَ أجملَ العَرَبِ،
كيف نَرْهَنُكَ نساءَنَا؟! فأبوا، فأبى، قالوا: يكونُ ذلك عاراً علينا، قال:
فَتَرْهُنُونَنِي أولادَكم، قالوا: يا سُبْحَانَ اللهِ، يُسَبُّ ابْنُ أَحَدِنا، فيُقال:
رُهِنْتَ بِوَسْقِ أوْ وَسْقَينْ، قالوا: نرهنك الْلَأَمَةَ، قال: تُريدون السِّلاحَ،
[فواعده أن يأتِيهُ، فجاءه ليلاً] فلمَّا أتاه، ناداه، فخرج إليه، وهو
متطيِّبٌ، فلما أن جلس إليه، وقد كان جاء معه بنَفَر ثلاثةٍ أو أربعةٍ،
وريحُ الطِّب يَنْضَحُ منه، فذكروا له، قال: عندي فُلاَنَةُ، وهي مِنْ أُعْطَرٍ
نساء الناسِ، قال: تأذنُ لي فَأَشُمَّ؟ قال: نَعَمْ، فوضع يَدَهُ في رأسه
فَشَمَّهُ، قال: أعُودُ؟ قال: نَعَمْ، قال: فلما اسْتَمْكَنَ مِن رأسه قال:
- ٦٦٣-

كتاب السيرة
دُونكم، فضربوه حتى قتلوه(١).
٣٧٩٢ - حَدَّثْنَا بحر بنُ نصرِ بنِ سابقِ الْخَوْلاَنِ، حَدَّثَنَا ابنُ
وهبٍ، حدثني سفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عن عُمَرَ بنِ سعيد أخي سُفيان
الثوري، عن أبيه، عن عَبَايَةَ، قال: ذُكِرَ قَتْلُ كَعْبٍ بنِ الأُشرفِ عند
معاويةَ، فقال ابنُ يامين: كان قَتْلُهُ غدراً، فقال محمدُ بن مسلمة: يا
معاويةٍ أَيُغْدَرُ عندك رَسُولُ الله عليه السَّلامُ، ولا تُنْكِرُ !! والله لا يُظِلُّني
وإَيَّاكَ سقفُ بيتٍ أبداً، ولا يَحْلُوا لِي دَمُ هذا إلى قتلتُه.
فتوهّم متوهم أن فيما روينا مما كان مِنْ محمد بنِ مسلمة
وأصحابهِ قد دخلوا به في خلافٍ ما رُوِيَ عن رسول الله عليه السَّلامُ:
٣٧٩٣- مما قد حدثناه عليٌّ بنُ معبدِ بنِ نوحٍ، حَدَّثْنَا يونُس بنُ
محمد الْمُؤَدِّب، حَدَّثْنَا حمادٌ - وهو ابن سلمة - عن عبدِ الَلِك بنِ عُمَيْر،
عن رِفَاعَةَ بنِ شَدَّادٍ، قال: كُنْتُ أقومُ على رأسِ المختار(٢)، فلما تَبَّنَتْ
لي كذابته، هَمَمْتُ واللهِ أن أَسُلَّ سيفي، فاضربَ به عُنُقَهُ حتى ذكرتُ
حديثاً حدثنيه عمرو بن الحَمِقِ، قال: سَمِعْتُ النِيَّ عليه السَّلامُ يقول:
(١) إسناده صحيح. ورواه البخاري (٢٥١٠) و(٣٠٣١) و(٣٠٣٢)
و (٤٠٣٧)، ومسلم (١٨٠١)، وأبو داود (٢٧٦٨)، والحميدي (١٢٥٠)، والبغوي
(٢٦٩٢)، من طريق سفيان، به. و((الأمة): الدرع، وقيل: السلاح، وهو المراد هنا.
(٢) هو المختار بن أبي عبيد الثقفي الكذاب، وكان مِن كبراء ثقيفٍ وذوي
الرأي، والفصاحة، والدَّهَاء، وقِلة الدين، وفي مسلم (٢٥٤٥) من حديث أسماء
مرفوعاً: (يكون في ثقيف كذاب ومبير)) قال الذهبي في ((السير)) ٥٣٩/٣. فكان
الكذاب هذا، ادَّعى أن الوحي يأتيه، وأنه يعلمُ الغيب، وكان المبيرَ الحجاجُ.
-٦٦٤-

كتاب السيرة
((مَنْ آمَنَ رَجُلاً على نَفْسِهِ، فَقَتَلَهُ، أُعْطِيَ لِوَاء غَدْرِ يَوْمَ القيامَةِ)(١).
٣٧٩٤- ومما قد حَدَّثْنَا أيوبُ بنُ نصرِ العُصْفُرِيُّ، قال: حَدَّثْنَا
أحمدُ، حَدَّثْنَا يَزِيدُ بنُ هارون، أخبرنا حمادُ بنُ سَلَمَة، عن عَبْدِ الَلِكِ بنِ
عُمَيْر، عن رِفاعَةَ بنِ شَدَّادٍ، قال: كُنْتُ أقومُ على رأسِ المختار، فلما
سَمِعْتُ كذابَتَهُ هممتُ أن أَخْتَرِطَ سيفي، فَأَضْرِبَ به عُنُقَهُ، حتى
ذكرتُ حديثناً حدثنيه عمرو بنُ الحَمِقِ أن رسولَ اللهِ﴿ قال: «مَنْ
أَمِنَ رَجُلاً على نَفْسِهِ فَقَتَلَهُ، أُعْطِيَ لِوَاء غَدْرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
فاختلف علي وأيوب في الحرف الذي ذكرنا اختلافهما فيه،
وهو: ((آمَنَ)) و((أَمِن))، وقال أيوب: ((أمِن)) وهو الصحيحُ.
٣٧٩٥- ومما قد حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ أبي داود، حَدَّثْنَا محمدُ بنُ
الصَّلْتِ، حدثني عيسى بنُ يونس، عن نُصير بن أبي نصير، عن السُّدي،
عن رِفاعة الفِتْياني -قال أبو جعفر: وفِتْيَانُ مِن بَحِيلَةَ- قال: دخلتُ إلى
المختار، فإذا وِسَادَتَانِ مطروحتانِ فقال: يا جارية هَلُمِّي لفلانِ وِسَادةً،
فَقُلْتُ: ما بالُ هاتين؟ فقام: قام عن إحداهما جبريلُ، وعن الأخرى
ميكائيل، وما منعني أن أُقْتُلَه إلا حَدِيثٌ حدثني عمرو بنُ الحَمِقِ، قلتُ:
وما حدثك؟ قال: سَمِعْتُ النبيَّ عليه السَّلامُ يقول: ((مَنِ ائتمنه رَجُلٌ
على دَمِهِ فَقَتَلَهُ، فَأَنَا مِنْهُ بَرِيء، وإِنْ كَانَ المَقْتُولُ كَافِراً)(٢).
(١) إسناده صحيح. ورواه أحمد ٢٢٣/٥ و٢٢٤ و٤٣٦، وابن ماجه (٢٦٦٨)،
والبخاري في ((التاريخ)) ٢٩٥/٢، من طريق عبد الملك بن عمير، به.
(٢) رواه أحمد ٢٣٢/٥ و٢٢٤، والبخاري في (التاريخ)) ٢٩٥/٢، وابن حبان
(١٦٨٢)، والطيالسي (١٢٨٥)، وأبو نعيم ٢٤/٩ من طرق عن السدي، به.
- ٦٦٥-

كتاب السيرة
وقد حقق ما في هذا الحديثِ من رواية ابن أبي داود: «من أئتمنه
رجل)) صحةً ما روى أيوب في الحديثِ الأولِ مما خَالَفَتَنَا فيه عليٌّ.
وكان ما توهَّمَهُ هذا المتوهِّمُ جهلاً بلغة العرب وسَعَتها إذ كان
قولُ رسولِ الله عليه السَّلامُ في حديث عمرو بنِ الحَمِقِ هو على من
كان آمناً إما بالإسلامِ، وإما بِذِمَّةٍ، وإما بأمان بإعطاءٍ من المسلمين إِيَّاه
ذلك الأمان حتى صار به آمِناً على نفسه، وحتى صار به دَمُهُ في حاله
تلك حراماً على أهْلِ الملة، وأهلِ الذمة جميعاً.
فكان معنى قوله فيه: ((من ائتمن)) أي: ممن هذه صفته ((رجلاً
على نفسه فقتله: أُعْطِيَ لِوَاء غَدْرِ يومَ القيامة)).
وكان ما في حديث جابر في قصة مُحَمَّدٍ بن مسلمة، وأصحابه
في كعبِ بنِ الأشرف، وفي ائتمانه محمد بن مسلمة على نفسه إنما بأمنٍ
كافرٍ لا يَحِلُّ أمانُه لِملي، ولا لِذميٌّ، ولا يَكُونُ لملي ولا لِذمي إعطاؤه
ذلك، وذلك لِما كان عليه مِنَ الأذى لِّلَّهِ تعالى ولرسوله، ولو أنَّ رجلاً
مِنْ أهل الِلَّةِ أَمَّنَهُ، لما أُمِنَ بذلك، ولا حَرُمَ به دمُه.
فَدَلَّ ذلك أن ما كان مِن ائتمان كعبٍ محمدَ بنَ مسلمة على
نفسه، كان كَلا ائتمان، وأنه كان بعدَه في حِلِّ دمه کھو كان في ذلك
مِنْ قبل ما كان منه من ائتمانه محمد بن مسلمة على ما ائتمنه عليه مِن
نفسه، فعادت أحاديثُ رَسُولِ اللهِ﴿ هذه إلى انتفاء النَّضّادِّ عنها،
وانصرف كُلُّ صنفٍ منها إلى خلافِ الصنف الذي انصرف إليه غَيْرُهُ
منها.
-٦٦٦-

كتاب السيرة
٥٣٩- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله # من أمره
بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب
حَدَّثْنَا أبو القاسم هشامُ بنُ محمد بن قُرَّةَ بن أبي خليفة، قال:
أنبأنا أبو جعفر أحمدُ بنُ محمد بنِ سلامة الأزديُّ، قال:
٣٧٩٦- حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حَدَّثْنَا أبو عاصم، عن
ابنِ جُريج، قال: أخبرني أبو الزبير أنه سَمِعَ جابر بن عبد الله يقول:
سمعتُ عُمَرَ بنَ الخطاب رضي الله عنه يقولُ: إن رسولَ الله { $* يقول:
((لَئِنْ عِشْتُ لأُخْرِ جَنَّ اليهود والنصارى من جزيرة العرب، فلا يبقى
بها إلا مُسْلِمَ)(١).
٣٧٩٧ - وحَدَّثَنَا يزيدُ بنُ سِنان، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن كثيرٍ،
قال: أنبأنا سفيانُ الثوريُّ، قال: حَدَّثَنَا أبو الزبير، عن جابر بنِ عبد
الله، عن عُمَرَ بن الخطاب رضي الله عنه، عن رسول الله ﴿لَ مثلَه(٢).
٣٧٩٨ - وحَدَّثْنَا عليُّ بنُ شيبة، قال: حَدَّثْنَا روحُ بنُ عبادة،
قال: حَدَّثنا سفيان، ثم ذکر بإسناده مثله.
٣٧٩٩- وحَدَّثْنَا فهدُ بنُ سليمان، قال: حَدَّثْنَا شهابُ بنُ عباد
(١) رواه عبد الرزاق في (المصنف)) (٩٩٨٥)، ومن طريقه أحمد ٢٩/١، وأبو
داود (٣٠٣٠)، ومسلم (١٧٦٧)، عن ابن جريج، به.
(٢) إسناده صحيح، ورواه مسلم (١٧٦٧)، والترمذي (١٦٠٦)، والنسائي في
السير من ((الكبرى)) كما في ((التحفة) ١٦/٨، وابن حبان (٣٧٥٣)، والحاكم
٢٧٤/٤، والبيهقي ٢٠٧/٩ من طرق عن سفيان، به.
-٦٦٧-

كتاب السيرة
العبدي، قال: حَدَّثْنَا محمدُ بنُ بِشْرِ العبديُّ، قال: حَدَّثْنَا إِبراهيمُ بنُ
ء
ميمون، قال: حدثني سعيد بن سمرة، عن سمرة، عن أبي عُبيدة ابنٍ
الجرَّاحِ رضِيَ الله عنه، قال: إن آخِرَ ما تكلّم به النبيَُّ﴿ أن قال:
((أَخْرِجُوا يَهُودَ الحِجَازِ وَأهْلَ نَجْرَانَ مِن جَزِيرَةِ العربِ))(١).
٣٨٠٠- وحَدَّثْنَا فهدٌ، قال: حَدَّثَنَا مُعَلَّى بنُ أسد، قال: حَدَّثَنَا
يحيى بنُ سعيدٍ، قال: حدثني إبراهيمُ بنُ ميمون، قال: حدثني سعد بنُ
سمرة بن جندب، عن أبيه، عن أبي عبيدة ابن الجراح رضي الله عنه
قال: إنَّ آخِرَ ما تَكُلَّمَ به رسول الله :﴿ل ... ثم ذكر مثلَه(٢).
٣٨٠١- وحَدَّثَنَا محمدُ بنُ خزيمة، وفهدُ بن سليمان، قالا: حَدَّثَنَا
إبراهيم بن بشار، قال: حَدَّثْنَا سفيان بن عيينة، حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ
ميمون مولى سمرة عن سعدِ بنِ سَمُرَةً، عن أبيه، عن ابي عُبيدة رضي
الله عنه أن النبي ﴿ قال: (أخْرِجُوا يَهُودَ الحِجَانِ))(٣).
قال لنا فهدٌ: قال الرمادي - يعني إبراهيمَ بنَ بشار -: لم يَرْوِ ابن
عُيينة عن هذا الشيخِ إلا هذا الحديثَ.
(١) رواه أحمد ١٩٦/١، وابن أبي شيبة ٣٤٤/١٢ -٣٤٥، وأبو نعيم في ((الحلية)
٣٧٢/٨ عن وكيع، عن إبراهيم بن ميمون، به.
(٢) رواه أحمد ١٩٥/١، والدارمي ٢٣٣/٢، وأبو يعلى (٨٧٢)، والبزار
٢٣٣/٢، والبيهقي ٢٠٨/٩ من طريق يحيى بن سعيد، به.
ورواه الطيالسي (٢٢٩) عن قيس، عن إبراهيم بن ميمون، عن ابن سمرة، عن
أبيه، به.
(٣) رواه الحميدي في ((مستده)) (٨٥) عن سفيان بن عيينة، به.
-٦٦٨-

كتاب السيرة
٣٨٠٢- وحَدَّثَنَا عليّ بنُ معبدٍ، قال: حَدَّثْنَا أبو أحمد الزبيريُّ،
قال: حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ ميمون، عن سعد بن سمرة، عن سَمُرَةَ بنِ
جندب، عن أبي عُبيدة ابن الجراح رضي الله عنه قال: آخِرُ ما تكلم به
النبيِ ﴿: «أَخْرِجُوا يَهُودَ الحِجَازِ مِنْ مَدينَة العَرَبِ، وَاعْلَمُوا أَن مِنَ
شِرَارِ العَرَبِ الذين يَتْخِذونَ القُبُورِ مَسَاجِدَ)(١).
٣٨٠٣ - وحَدَّثْنَا ابنُ أبي داود، قال: حَدَّثْنَا محمدُ بنُ كثير، قال:
حَدَّثَنَا سفيانُ الثوري، عن أبي الزُّبير، عن جابر - ولم يذكر عمر - عن
الْبِيِ﴿ قال: (لَئِنْ عِشْتُ لأُخْرِجَنَّ اليهود والنصارى من جزيرةٍ
العرب حتى لا يبقى فيها إلاّ مُسْلِمٌ)) وقال عمر: لئن ◌ِشْتُ، لأُخرِجَنَّ
اليهودَ والنِّصارى من جزيرة العربِ حتَّى لا يبقى فيها إلاَّ مُسلِمٌ (٢).
ثم رجعنا إلى حديثِ أبي عُبيدة، فوجدنا في إسناده شيئاً قد
اختلف فيه رواتُه، وهو ابن سمرة، فقال محمدُ بنُ بِشر: سعيد بن سمرة،
وقال يحيى القطان، وابنُ عيينة، وأبو أحمد سعد بن سَمُرَة، فكان ثلاثةٌ
أولى بالحفظ من واحد.
فتأملنا هذا الحديث، فاحتجنا إلى العلم بجزيرة العرب ما هي؟
فوجدنا محمد بن الحسن فيما حكى لنا محمدُ بنُ العباس الرازي، عن
(١) رواه أحمد ١٩٥/١ عن أبي أحمد الزبيري، به.
(٢) رواه أبو عبيد في ((الأموال)) (٢٧٠) و(٢٧١) من طريقين عن حماد بن
سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر.
ورواه ابن أبي شيبة ٣٤٥/١٢ عن أبي معاوية، عن حجاج، عن أبي الزبير.
-٦٦٩-

كتاب السيرة
موسى بن نصر، عن هشام بن عُبيد الله، قال: قال محمدُ بنُ الحسن:
فأما أرضُ العرب يعني التي لا يُتْرَكُ فيها اليهودُ ولا النصارى يُقيمون
بها إلا مقدارَ ما يَقْضُونَ حَوائِجَهُمْ من بيع تجاراتهم التي قَدموها بها،
فمثل مكة والمدينة والطائف والرَّبَذَةَ، ووادي القُرى، هذا كله من
أرض العرب.
قال هشام: وقرأتُ على مالك بن أنس، عن ابنِ شهابٍ، أن
رسولَ اللهِوَّ قال: «لا يجمع دِينَانٍ في جزيرة العرب)).
قال ابنُ شهاب: ففحص عن ذلك عُمَرُ بنُ الخطاب(١) حتى أتاه
الثَّجُ - يريد اليقين- أن رسولَ اللهِ ﴿ّ قال: ((لا يجتمع دِينَانِ في جزيرة
العرب)) فأجلى يَهُودَ نَحْرَانَ وفدك.
ووجدنا عليَّ بنَ عبد العزيز قد أجاز لنا، عن أبي عُبيدٍ القاسم
بن سلام أنه قال في حديث النبيِّ ﴿ أنه أمَرَ بإخراجِ اليهود والنصارى
من جزيرة العربِ. قال: قال أبو عبيدة: جزيرةُ العربِ: بَيْنَ حَفْرٍ أبي
موسى إلى أقصى اليمن في الطَّول، وأما العرضُ فما بين [رمل] يَبْرِينَ
إلى منقطع السَّمَاوَةِ.
قال: وقال الأصمعيُّ: جزيرة العرب من أقصى عَدَنَ أبْيَنَ إلى
رِيفِ العراقِ في الطُّول، وأما العرض فمن جُدّةَ وما والاها من ساحلٍ
(١) في الأصل (المخطوط): عمر بن عبد العزيز، وانظر (الموطأ)) برواية يحيى
٨٩٢/٢-٨٩٣، و(التمهيد) ١٣/١٢-١٦، و(مصنف عبد الرزاق) (٧٢٠٨)
و(٩٩٨٤) و(٩٩٩٠)، و«سنن البيهقي)) ٢٠٨/٩-٢٠٩.
- ٦٧٠ -

كتاب السيرة
البحر إلى أطرار الشام.
قال أبو عبيد: فأمر رسولُ الله ﴿ بإخراجهم من هذا كُلّه، فيرون
أن تمر رَضِيَ الله عنه إنما استجازَ إخراجَ أهلٍ نجران من اليمن وكانوا
نصارى إلى سوادٍ العراق لهذا الحديثِ، وكذلك إجلاؤُه أهلَ خيبر إلى
الشام وكانوا يهوداً.
فتأملنا إجلاء اليهود من هذه الجزيرة التي ذكرنا، فوجدنا رسولَ
اللّهِ فَ﴿ قد كان منه في إجلاءِ بَعْضِهِم وهم بنو النضير.
٣٨٠٤- وما قد حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حَدَّثْنَا وهبُ
بنُ جرير، عن شُعبة، عن أبي بِشْرٍ، عن سعيد بنِ جُبير، عن ابنِ عباس
في قوله: ﴿لاَ إِكْرَةَ فِي الدّينِ﴾ قال: كانت المرأةُ من الأنصار لا يَكَادُ
يعيشُ لها ولد، فَتَحْلِفُ: لئن عاش لها وَلَدٌ لْتُهَوِّدَّنَّهُ، فلما أُجليت بنو
التضير إذا فيهم أُناسٌ من أبناءِ الأنصار، فقالت الأنصار: يا رسول الله
أبناؤنا، فأنزل اللهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لاَ إِكْرَةَفِي الدّينِ﴾ قال سعيدٌ: فمن شاء
لَحِقَ بهم، ومن شاء دخل في الإسلام.
فهذا رسول الله ﴿ قد أجلى من اليهود من أُحلي في حياته.
فأما ما رُوِيَ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيمن أجلى
منهم في خلافته:
٣٨٠٥- فإنّا وجدنا أحمدَ بنَ داود بنِ موسى قد حَدَّثًا، قال:
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بنُ محمد بنِ عائشة، قال: حَدَّثْنَا حمادُ بنُ سلمة، عن
عُبيد الله بنِ عمر، عن نافعٍ، عن ابنِ عمر، أن رسولَ اللهِ ﴿ُ قاتل أهلَ
- ٦٧١-

كتاب السيرة
خيبر حتى أجلاهم إلى قصرهم، فغلب على الأرضِ والزرعِ والنخل،
فصالحوه على أن يَجْلُوا منها، ولهم ما حَمَلَتْ رِكابُهم ولِرسول اللّهَ﴿
الصفراءُ والبيضاء والحلقةُ وهي السلاحُ، ويخرجون منها، ولم يكن
لِرسول الله ﴿ ولا لإِصحابه غِلْمَانٌ يقومون عليها، وكانوا لا يَفْرُغُونَ
للقيام عليها، فأعطاهم رسولُ اللهِ﴿ خيبر على أنَّ لَّهُمُ الشَّطْرَ مِنْ كل
زرعٍ ونخل ما بدا لرسول الله :﴿. فلما كان زَمَنْ عُمَرَ بنِ الخطاب
رضي الله عنه، غَالَوْا في المسلمين، وغَشُّوهُم، ورَمَوا ابنَ عمر مِن فوق
بيتٍ، فَفَدَعُوا يَدَيْهِ، فقال عمر رضي الله عنه: مَن كان له سهم من
خيبر، فَلْيَخْرُصْ حَتَّى يَقْسِمَها بينهم، فقال رئيسُهم: لا تُخْرِجْنا ودَعْنَا
نكونُ فيها كما أقرَّا رسولُ الله، فقال عمر لرئيسهم: أتراه سقط عني
قولُ رسول اللهِوَ﴿ّ لك: «كَيْفَ بِكَ إذا رَقَصَتْ بِك رَاحِلَتُك نَحْوَ
الشَّام يوماً ثم يوماً ثم يوماً) وقسمها عمر رضي الله عنه بين مَنْ كان
شهد خيبر[و] يوم الحديبية.
فهذا الذي روي مما تناهى إلينا في السبب الذي به أجلى عُمَرُ
رضي الله عنه مَنْ أجلی مِن يهود خيبر.
٣٨٠٦- وقد حَدَّثْنَا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ
بنُ عُبينة، عن سليمانَ بن أبي مسلم الأحول خالِ ابن أبي نجيح، سَمِعَ
سعيدَ بنَ جُبَيْرِ، قال: قال ابنُ عباس: أوصى رسولُ اللهِلَ﴿ٌ بثلاثٍ،
ے
فقال: ((أَخْرِجُوا الْمُشرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ، وأجيزوا الوفدَ بنحوِ ما
كُنْتُ أُجِيزُهُم)) وسكت عن الثالثة فما أدري قالها فنسيتها أم سكتَ
-٦٧٢ -

كتاب السيرة
عنها عمدً (١).
قال أبو جعفر: فهذا الحديثُ فيه خلافُ ما قد روينا قبلَه، في هذا
الباب من الذين أمر رسولُ الله :﴿ بإجلائهم من جزيرة العرب، لأنَّ
الذين أمر بإجلائهم منها فيما رويناه فيما تَقَدَّمَ منا في هذا الباب: هُمُ
اليهودُ والْنّصارى، والذي في هذا هم المشركون وهُمْ خلاف اليهود
والنصارى غَيْرَ أَنَّا نخافُ أن يكونَ ذلك إنما أُتِي مِن قِبَلِ ابنِ عُيَيْنَةً، لأنّه
كان يُحَدِّثُ من حفظه، فيحتمل أن يكونَ جعل مكانَ اليهود
والنصارى المشركين، ولم يكن معه من الفقه ما يُمَيِّزُ به بين ذلك والله
أعلم بحقيقة الأمر في ذلك، غَيْرَ أن الجماعة أولى بما حَفِظُوا في ذلك مما
حفظه الواحدُ مما خلفهم فيه ودَلَّ على ما ذكرنا مما قلناه في ذلك
٣٨٠٧- ما قد حَدَّثْنَا الربيعُ المراديُّ، قال: حَدَّثْنَا أَسَدٌ، قال:
حَدَّثَنَا جريرُ بنُ عبدِ الحميد، عن قابوس بنِ أبي ظبيان، عن أبيه، عن
ابنِ عباس رضي الله عنهما قال: قال رسولُ اللهِ ﴿: ((لا يَصْلُحُ قِبْلَتَانِ
بِأَرْضٍ وَلَيْسَ على مُسْلِم جِزِيَةٌ)(٢).
(١) رواه الحميدي (٥٢٦)، وابن سعد ٢٤٢/٢، وابن أبي شيبة ٣٤٤/١٤،
وعبد الرزاق (٩٩٩٢) و(١٩٣٧١)، وأحمد ٢٢٢/١، والبخاري (٣٠٥٣)
و(٣١٦٨) و(٤٤٣١)، ومسلم (١٦٣٧)، وأبو داود (١٦٣٧)، والبيهقي ٢٠٧/٩
من طرق عن سفيان بن عيينة، به.
(٢) رواه أحمد ٢٢٣/١ و٢٨٥، وأبو داود (٣٠٥٣)، والترمذي (٦٣٣)،
والدارقطني ١٥٦/٤، والبغويُّ (٢٧٥٣)، وأبو نعيم في ((الحلية)) ٢٣٢/٩، والبيهقي
١٩٨/٩ - ١٩٩ من طريق قابوس بن أبي ظبيان، به.
- ٦٧٣-

كتاب السيرة
فدلَّ معنى قوله: ((وليس على مسلم جزيةٌ) بَعْدَ قوله: (لا يصلح
قبلتان بأرض)) أنه أراد بذلك أن المسلمَ الذي ليس عليه جزيةٌ هو الذي
كان قبل إسلامه عليه الجزية وهُمُ اليهودُ والنصارى لا المشركين من
العرب، ودل ذِكْرُهُ القبلَة أنه أراد من يدينُ بدينٍ لا من لا دين له،
واليهود والنصارى، فيدينون بما يدينون به، فهم ذوو قبلة، والمشركون
لا يدينون بشيء، فليسوا بذوي قبلة. وفي ذلك معنى آخرُ لطيفٌ مما
يجب أن يُوقف عليه وهو أنَّ الذي كان أوصى به رسولُ الله ◌ُ﴿ّ مما
ذكر في حديثِ ابنِ عباس الذي رويناه عن يونس إنما كان في مرضٍ
موته ◌َ﴿ بعدما أفنى اللهُ الشِّرْكَ وأهْلَهُ برسول الله : ﴿ل بدخولهم في
الإسلام، وبقتلٍ مَنْ أبي منهم الدخولَ في الإسلام، كما قال عَزَّ وجَلَّ:
{وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ يْ السَّمَوَاتِ والأرضِ طَوْعاً وَكَرْهاً﴾ فكان من أسلم
طوعاً وكرهاً هم الذين أسلموا وكان مَنْ سواهم ممن أفناهم القَتْلُ فلم
يكن حين أوصى رسولُ اللهِ وَ ﴿ بما أوصى به مما ذكرنا أحدٌ، فكيف
يجوز أن يُوصي بإخراج معدومين، وإنما كانت وصيَّتْه ﴿ بإخراج
وجودين وهُمُ اليهودُ والنصارى. والله نسأله التوفيق.
٥٤٠- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴾ من قوله:
((لا حِلْف في الإسلام وتَمسِّكُوا بِحِلْفِ الجَاهِلِيَّةِ))
٣٨٠٨- حَدَّثْنَا الربيعُ بن سليمان المرادي وابنُ أبي مريم جميعاً،
قالا: حَدَّثَنَا أسدُ بنُ موسى، قال: حَدَّثْنَا يحيى بنُ زكريًّا بنِ أبي زائدة،
- ٦٧٤ -

كتاب السيرة
قال: حدثني أبي، عن سعد بنِ إبراهيمَ، عن أبيه، عن جُبير بن مُطْعِم أنَّ
النبيِ # قال: «لا حِلْفَ فِي الإِسلامِ، وإِيُّمَا حِلْفٍ كَانَ في الْجَاهِليَّةِ،
فَلَمْ يَزِدْهُ الإِسلامُ إِلاَّ شِدَّقٌ).
٣٨٠٩- أخبرنا أحمد بنُ شُعيب، قال: أنبأنا عبدُ الرحمن بنِ
محمد بنِ سلام الطّرسُوسي، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ الأزرق، عن زكريا
بنِ أبي زائدة، عن سعد بنِ إبراهيم، عن نافع بنِ جُبير بنِ مُطعِم، عن
فاختلف يحيى بنُ زكريًّا، وإسحاقُ بن يوسف على زكريا بنِ أبي زائدة
في إسنادٍ هذا الحديثِ على ما ذكرنا في اختلافِهما فيه. والله أعلم
بالصوابِ في ذلك غير أنَّ الذي تَميلُ إليه القلوبُ فيه ما رواه عليه يحيى
بن زكريا لتَّبْتِهِ وحفظِه وحَلاَلَةِ مقداره في العلم حتَّى لقد قال يحيى
القطّان فيه: ما قد حَدَّثْنَا محمدُ بنُ علي بن داود، قال: حَدَّثَنَا حارثُ
بنُ سُرَيجِ النَّقَالُ، قال: سمعتُ يحيى بن سعيد يقول: ما بالكوفِة أحدٌ
أثقلَ علي خلافاً من يحيى بنِ زكريا، وكفَى برجلٍ يقولُ فيه يحيى بنُ
سعيد مثلَ هذا القول.
٣٨١٠- حَدَّثْنَا الربيعُ بنُ سليمانَ المرادي، قال: حَدَّثَنَا أسدُ بنُ
موسى، قال: حَدَّثْنَا جَرِيرُ بنُ عبد الحميد، عن مُغيرة، عن أبيه، عن
شُعبة بنِ التوأم الضبي، قال: سألَ قيسُ بنُ عاصمٍ رسولَ الله:﴿ عن
الحِلْفِ قال: ((لا حِلْفَ في الإسلامِ، ولكِنْ تَمَسَّكوا بحِلْفٍ
الجَاهِلِيَّةِ)(١).
(١) تقدم برقم (٣٦٨١).
-٦٧٥-

كتاب السيرة
فقال قائلٌ: كيف تقبلُون هذا وأنْتُم ترؤُون عن رسول الله وَّ أَنَّه
قد حالَفَ في الإسلامِ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ والأنصار.
٣٨١١- فذكر ما قد حَدَّثْنَاه الْمُزَنِيُّ، قال: حَدَّثَنَا محمد بن
إدريس الشَّافعي، عن سفيان بن عيينة، قال: حَدَّنَا عاصم الأحول، عن
أنس بن مالك، قال: حالفَ رسول الله {# بين المهاجرين والأنصار في
دَارِنا. فقِيل له: أَلَيْسَ قد قالَ النِيَُّ﴿: (لا حِلْفَ في الإسلامِ)) فقال:
حَالفَ رسولُ اللهِمَ ﴿ بين المهاجرين والأنصار في دارنا. قال سفيان:
فسَّرتهُ العلماء: آخَى بينهم (١). قال: فلم يلتفت هذا المعارضُ الذي
ذكرنا إلى ما حكَيناه له عن ابنِ عُيينة عن العلماءِ الذين حكاه عنهم،
وقال: قد جاء كتابُ الله عَزَّ وجَلَّ بما يُخْبِرُ أنه قد كانت محالفة في
الإِسلام، وذكر قَوْلَ الله عَّ وجَلَّ: ﴿وَلِكُلّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِنَّا تَرَكَ الوالدان
والأقرَونَ وَالذِينَ عَقَدَتْ(٢) إِيمَانُكُمْ فَتَهُمْ نَصِيَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣].
فكان جوابُنا له في ذلك - بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ وعونه -: أنَّ الْذي
تلاه علينا مِنْ كتابِ الله كما تَلاه، ولكن الله عَزَّ وجَلَّ قد نسخَه،
(١) رواه أحمد ١١١/٣، وأبو داود (٢٥٢٩) من طريق سفيان، به، وليس عند
أحمد اللفظ المرفوع: ((لا حلف في الإسلام) ولم يذكر أبو داود قول سفيان.
ورواه مختصراً أحمد ١٤٥/٣، و٢٨١، ومسلم (٢٥٢٩)، والبخاري (٢٢٩٤)
و(٦٠٨٣) و (٧٣٤٠)، والبيهقي ٢٦٢/٦ من طرق عن عاصم، به.
(٢) هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو ابن عامر، وقرأ عاصم وحمزة
والكسائي: (عقدت) بلا ألف. انظر ((زاد المسير)) ٧١/٢، و(حجة القراءات))
ص٢٠١ - ٢٠٢.
-٦٧٦-

كتاب السيرة
وذلك
٣٨١٢- أنَّ أحمد بن شعيب حَدَّثْنَا، قال: أخبرنا هارونُ بنُ عبد
الله وهو الحَمَّال، قال: حَدَّثْنَا أبو أُسامة، قال: حدثني إدريس بن يزيد،
قال: حَدَّثَنَا طلحةُ بن مُصرِّف، عن سعيد بنِ جُبير، عن ابنِ عباس في
قوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَالذينَ عَاقَدَتْ إِيمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيَهُمْ﴾ قال: كان
المهاجرون حين قدِموا المدينةَ تُورَّثُ الأنصارَ دونَ رحمهِ (١)، للأُخُوَّةِ التي
آخَى رسولُ اللهِ ﴿ بينهم، فلما نزلت الآية: ﴿وَلِكُلّ جَعَلْنَا مَوَلِيَ مِنَّا
نسخَتْها: ﴿وَالذينَ عَقَدَتْ إِيمَانُحِكُمْ فَتُوهُمْ نَصِيَهُمْ﴾ مَنَ النّصر
والنّصيحةِ والرِّفَادَةِ ويوصي له، وقد ذهب الميراثُ(٢).
فأخبر ابنُ عباس رضي الله عنه أنَّ هذه الآية قد نسخَها غيرُها
يعني أنه نسخَها قول الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأُوْلُوا الأَرْ حَامِ بَعْضُهُمْ أَوَلَى بَعْضٍ
في كتابِ اللهِ﴾ [الأحزاب: ٦] فأخبر ابنُ عباس في حديثه هذا أنَّ
الذي بَقِيَ لهم يعني الأحلافَ بَعْدَ نزول هذه الآية هو النصرُ والنصيحةُ
والوصيَّةُ، وأن الميراث قد ذهب. قال: فإذا جُمِعَ ما في هذا الحديثِ وما
(١) أي: تجعل ورثة للأنصار مقدمة على ذوي الأرحام.
(٢) إسناده صحيح، وهو عند النسائي في الفرائض من ((الكبرى)) كما في
((التحفة)) ٤١٨/٤. ورواه أبو داود (٢٩٢٢) عن هارون، به. ورواه البخاري
(٢٢٩٢) و(٤٥٨٠) و(٦٧٧٤)، والطبري في ((جامع البيان)) (٩٢٧٥) و(٩٢٧٧)،
والحاكم ٣٠٦/٢، والبيهقي ٢٩٦/١٠، من طرق عن أبي أسامة، به.
-٦٧٧-

كتاب السيرة
في حديث أنس بن مالكٍ دَلَّ أَنَّه قد كان هناك تحالف، ووكْدَ ذلك
قولُ الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿والذينِ عَقَدَتْ إِيمَانُكُمْ﴾ قال: ففي هذا ما قد
خالف ما قد رَوَيتموه أن لا حِلْفَ في الإِسلام !!
قيل له: ما خالَفَهُ، لأَنَّ النبيِمَ﴿: ((لا حِلْفَ في الإسلام)) إنَّما كان
منه عند فتحه مكة.
٣٨١٣- كما حَدَّثْنَا أبو أميّة، قال: حَدَّثْنَا عُبيد الله بن موسى
العَيْسي، قال: حَدَّثْنَا إبراهيم بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بنِ الحارث،
عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جَدِّهِ عبد الله بن عمرو، قال: لما
دَخَلَ رسول اللهِوَ﴿ّ مكةَ عامَ الفتحِ قام خطيباً، فقال: ((أَيُّهَا النَّاسُ، إنّه
ما كانَ من حِلفٍ في الجاهلية، فإنَّ الإِسلامَ لم يَزِدْهُ إلاّ شدَّةً، ولا
حِلْف في الإسلامِ»(١).
٣٨١٤ - وكما حَدَّثْنَا ابنُ أبي داود، قال: حَدَّثَنَا الوَهْبِيُّ، قال:
حَدَّثْنَا ابنُ إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه عن
رسول الله﴿ فذكر مثله(٢).
(١) رواه البخاري في ((الأدب المفرد) (٥٧٠)، والطبري في ((جامع البيان))
(٩٢٩٩) من طريق خالد بن خالد، عن سليمان بن بلال، عن عبد الرحمن بن
الحارث، به.
ورواه الترمذي (١٥٨٥)، والطبري (٩٢٩٤) من طريق حسين المعلم، عن عمرو
بن شعبي، به، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(٢) رواه أحمد ١٨٠/٢، والطبري في ((جامع البيان)) (٩٢٩٧) و(٩٢٩٨)،
-٦٧٨-

كتاب السيرة
فأخبر عبدُ الله بن عمرو أن هذا القول إنّما كان من رسول
اللَّه ◌َّ يوم فتح مكة والذي كان مِن رسول الله ﴾ في المهاجرين
والأنصار رضوان الله عليهم من المُؤَاخاءِ بينهم التي حالفَ بينهم فيها،
كان قبل ذلك بالمدينة، وكان الذي كان من النبيِّ لَ﴿ في خطبته يومَ
فتح مكة مما ذكَرَهُ عبدُ الله بن عمرو ناسخاً لذلك، ولم يكنْ منه9ِ.
بعدَ قولِه: ((لا حِلْفَ في الإسلامِ)) حلفٌ إلى أن قبضَهُ الله، صلوات الله
علیه.
فقال قائلٌ: فقد رُوِيَ عن سعيد بن المسيِّب في تأويل قول الله عَزَّ
وجَلَّ: ﴿وَالذينَ عَاقَدَتْ إِيمَانُكُمْ فَتَوَهُمْ نَصِيَهُمْ﴾ خلاف ما رويتموه
عن عبد الله بن عباس في ذلك.
وذكر ما قد حَدَّثْنَا يونس بن عبد الأعلى، قال: حَدَّثْنَا عبدُ الله
بن وهب، قال: أخبرني يُونُس بنُ يزيد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن
المسيِّب، قال: قال الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلِكُلِ جَمَلْنَا مَوَِّيَ مِنَّا تَرَكَ الوالِدانِ
والأقرَونَ والذينَ عَاقَدَتْ إِيمَانُكُمْ فَتَوَهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ قال ابنُ المسيب: إنما
نزلت هذه الآية للذين يتَبَّنَّون رجالاً غيرَ ى بائِهم يُورِّثُونهم، فأنزل الله
عَزَّ وجَلَّ فيهم أن يُجعلَ لهم يَصِيبٌ في الوصيّة، وجعل الميراثَ للرحم
والعَصَبة، وأبى الله عَزَّ وحَلَّ أن يجعلَ للمُدَّعين ميراثاً ثَمن ادَّعاهم
والبيهقي ٣٣٥/٦-٣٣٦ و٢٩/٨ من طرق عن محمد بن إسحاق، به.
-٦٧٩-

كتاب السيرة
وتبنّاهم، ولكنْ جعلَ لهم نصيباً في الوصيّة مكانَ ما تعاقدوا فيه من
الميراث الذي ردَّ الله عَزَّ وجَلَّ فيه أمرَهم.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ وعونه: أنَّ الذي
رويناه عن عبدِ الله بنِ عباس في ذلك عندنا أوْلَى بتأويل الآية - والله
أعلم - بل في الآية ما قد دَلَّ على ما قال ابنُ عباس، وعلى خِلاف مَنْ
خالفه، لأنَّ فيها: ﴿وَالذينَ عَاقَدَتْ إِيمَانُكُمْ﴾ وقد كان التحالفُ فيه
أيمان، والتّدعِّي والتبني لم يكن فيهما أيمان، فكان ذلك معقولاً به أن
التأويلَ الذي ذكره عبدُ الله بن عباس في هذه الآية أوْلى مما ذكره غيرُه
في تأويلها. والله نسأله التوفيق.
٥٤١- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله# في بَیْعَةٍ
المُهَاجر، وفي بَيْعَةِ الأعْرابي ما يلزم كلُّ واحد منهما في بیعتِهِ
التي بايعها
٣٨١٥- حَدَّثْنَا علىُّ بن مَعْبَد، قال: حَدَّثْنَا موسى بن إسماعيل
الِنْقَرِي، قال: حَدَّثْنَا حَرِيرُ بنُ حازم، قال: حَدَّثَنَا عبد الله بن لَهِيعَةَ،
عن مَعْروف بن سُويد، عن أبي عُشَّانة، عن عُقبةَ بن عامر رضي الله
عنه قال: بَلَغَنِي قدوُ النِّ وَّ المدينةَ وأنا في غُنَيْمَةٍ لِي فرَفَضْتُها، ثمَّ
أتيتُه فقلتُ: جئتُ أُبَايِعَكَ، فقال: (بَيْعَةً أَعْرَابِيّة تُرِيدُ أَوْ بَيْعَةَ هِجْرةٍ؟))
قال: قلتُ: بيعضةَ هجرةٍ، قال: فبايعتُه وأقمتُ، فقال رسولُ الله ◌ِ ﴿وّ
يوماً: (مَنْ كَانَ هَاهُنا مَعَدَّ، فَلْيَقُمْ) فَقَامَ رجالٌ، وقمتُ معهم. فقال
- ٦٨٠-