النص المفهرس

صفحات 621-640

كتاب السيرة
محمدٍ بيده، لا يُحِبُّ الأنصارَ رَجُلٌ حتّى يلقى الله عَزَّ وجَلَّ، إلا لَقِيَ
الله عَزَّ وجَلَّ وهو يُحبه، ولا يُبْغِضُ الأنصارَ رَجُلٌ حَتّى يلقى اللهُ عَزَّ
وجَلَّ، إلاَّ لَقِيَ الله عَزَّ وجَلَّ وهو يُغِضُهُ).
٣٧٤٣- وما قد حَدَّثَنَا ابنُ أبي داود قال: حَدَّثْنَا الحِمَّاني، قال:
حَدَّثَنَا عبدُ الرحمن بنُ سليمان بن الغسيل، قال: حدثني حمزةٌ بن أبي
أُسيدٍ - وكان أبوه بدرياً- قال: حدثني الحارث بن زياد الساعدي
الأنصاري أنه أتى النبيَّ ◌َ﴿ يَوْمَ الخندق وهو يُبَابِعُ الناسَ على الهجرة
فقال: هذا حَوْطُ بن يزيد، أو يزيد بن حوط ثم ذكر مثله.
قال أبو جعفر: وهذا عندنا - والله أعلمُ - غيرُ مخالفٍ لشيءٍ مما قد
تقدَّمت روايتنا له في هذا الباب، لأن هذا كان قَبْلَ فتح مكة، وكان
وقتَ مهاجرٍ، وليس ما بَعْدَ فتح مكة كذلك.
وقد رُوِيَ أيضاً في الهجرة الثانية التي بَعْدَ فتحٍ مكة:
٣٧٤٤ - ما قد حَدَّثْنَا ابنُ أبي داود، وابنُ أبي مريم جميعاً، قالا:
حَدَّثَنَا أبو عيسى فُدَيْكُ بنُ سليمان، قال: حَدَّثَنَا الأوزاعيُّ، عن
الزهريُّ، عن صالح بن بشير بن فديك، قال: خرج فُدَيْكٌ إلى رسول
الله:﴿ فقال: يا رسولَ الله إنهم يزعمون أنه من لم يُهَاجِرْ هَلَكَ، فقال
رسولُ الله:﴿: ((يا فُدَيْكُ أَقِم الصلاةِ، وَآتِ الزكاة، واهْجُرِ السُّوء،
واسْكُنْ مِن أرض قومك حَيْثُ شِئْتَ، تَكُنْ مهاجراً).
ففي هذا الحديث تِبيانُ الهجرةِ التي يَدْخُلُ فيها مَنْ يدخلُ فيها
بعدَ فتح مكة، وأنها بهجرِهِ السُّوء، وأنها لا تمنع من السُّكني بغير
المدينة، وأنها خلاف الهجرة التي تَمْنَعُ من السكنى في الدارِ التي كان
-٦٢١-

كتاب السيرة
المهاجر منها.
وفيما ذكرنا من هذا بيانٌ لما وصفنا، وقد وجدنا ما هو أدلُّ على
ما ذكرنا من هذا، وهو قولُ الله عَزَّ وَلَّ في كتابه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ
مِنَ الُهَاجِرِنَ وَالْأَنْصَارِ وَّذِينَ أَُّوهُمُ بِإِحْسَانِ رَضِيَ اللهَهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ
وَأُعَدَّلَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي ◌َخْتَهَا الأَتْهَارُ خَالِدِينَ فِها أبداَ ذلِكَ الْفَوْرُالْعَظِمُ﴾
[التوبة: ١٠٠].
فأخبر عَزَّ وجَلَّ أن السابقين الذين ذكرهم في هذه الآية هُمُ
المهاجرون، وكان معقولاً أنه أراد بذلك مَنْ هاجرَ إلى رسولِهِ {*ٌ مِنَ
الدار التي كان فيها مِنْ دُورِ الكفر من مكة وَمِمَّن سواها إلى دار
الهِجرة وهي المدينةُ، وكان معقولاً أن الأنصارَ الذين ذكرهم فيها هُمُ
الذين قَدِمَ عليهم رسولُ الله ◌َ﴿، فكان منهم في أمره ما كان منهم فيه
من الإيمان به، والتصديقٍ له، والبَذْلَةِ منهم أنفسهم وأموالهم له حتى
فتح الله عَزَّ وجَلَّ بِهِمْ أعظمَ الدورِ التي كان فيها الكفارُ به، والراغبون
عنه، والمقاتلون له، وكان معقولاً أن الذين اتبعوهم بإحسان هُمُ الذين
دخلوا في الإِسلام بَعْدَ ذلك، وبَعْدَ أن صارت مكةُ دارَ إسلام.
ودلَّ على ذلك ما قد رويناه فيما تقدم مِنّا في كتابنا هذا من قولٍ
النبي ﴿ّ لمجاشِعٍ لما أتاه بأخيه بَعْدَ الفتح ◌ِيبايعَه على الهِجرة ((لا بَلْ يُبَايِعُ
على الإسلامِ، فإنه لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفتح ويكون مِن التابعين بإحسان).
والله عَزَّ وجَلَّ نسأله التوفيق.
-٦٢٢-

كتاب السيرة
۵٣٢- بابُ بیانِ مُشْکل ما رُوِي عن رسول الله ټ فیما کان
منه في قبر أبي رِغال وفي إخباراه الناس أنه من ثمود، وأن
الحرم منعه من ما نزّل بسائر ثمود سواه حتی خرج منه،
فأدركته النَّقمة فأُهْلِكَ
٣٧٤٥- حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ أبي داود، قال: حَدَّثْنَا أميةُ بنُ
بسطام، قال: حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، عن روح بنِ القاسم، عن إسماعيل
بِنٍ أُمَّةَ، عن بُجَيرِ بنِ أبي يُحَيْرٍ، عن عبد الله بن عمرٍو أنَّه سَمِعَهُ
يقولُ: كنا مع رسولِ الله ﴿ في سَفَرِ، فمروا بقبر أبي رِغال، فقال:
((هذا قَبْرُ أبي رغَالٍ وهُو أبو ثقيفٍ، وكان امرءاً من ثمودَ، وكان
منزلُه بالحرم، فلما أهْلَكَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ قَوْمَهُ بما أهْلَكَهُمْ به، منعه
لِمكانه من الحَرَمِ، وأنّه خرج حتى إذا بلغ هاهنا ماتَ، فَدُفِنَ معه
غُصْنٌ مِن ذَهَبٍ) فَابْتَدَرْناهُ فاستَخْرَ جْنَاهُ(١).
قال أبو جعفر: وقد كنتُ أنا بَعْدَ سماعي هذا الحديثَ من ابن
أبي داود نظرتُ في كتابي، فلم أجد فيه لإِسماعيلَ بنِ أُمية ذكراً، فدخل
قلبي منه شيءٌ، فذكرتُه لأحمدَ بنِ شعيب النسائي، فقال لي: هو كما
(١) إستاده ضعيف، بحير بن أبي بجير لم يوثقه غير ابن حبان، ولم يرو عنه إلا
إسماعيل بن أمية.
ورواه أبو داود (٣٠٨٨)، والمزي في ((تهذيب الكمال)) ١٠/٤-١١ من طريق
يحيى بن معين، عن وهب بن جرير بن حازم، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق، عن
إسماعيل بن أمية، به.
- ٦٢٣-

كتاب السيرة
حفظتَ، فقلتُ له: فعن مَنْ أُخذتَه أنتَ؟ فقال: عن أبي حفص - يعني:
عمرو بن علي-، عن الرِّياحي، قلتُ له: عمرو بنُ عبد الوهّاب، فقال:
نعم، عن یزید.
٣٧٤٦- حَدَّثْنَا عبدُ العزيز بنُ محمد بن الحسن بن زُبالَة المديني
أبو الحسن، ومحمدُ بنُ علي بنِ زيد المكيُّ، قالا: حَدَّثْنَا يحيى بنُ معين،
قال: حَدَّثْنَا وَهْبُ بنُ جرير، قال: حَدَّثَنَا أبي، قال: سمعتُ محمدَ بن
إسحاق يُحدِّث عن إسماعيل بنٍ أمية، عن بُجير بن أبي بحير، قال:
سمعتُ عبدَ اللهِ بنَ عمرو يقولُ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِمَ ﴿ٌّ يقولُ حين
خرجنا إلى الطائفِ، فممرنا بقيرِ، فقالَ رسولُ اللهِمَ﴿: «هذا قَبْرُ أبي
رِغَالٍ وهو أبو ثقيف، وكان مِن ثمود، وكان بهذا الحرمِ يُدْفَعُ عنه،
فلما خَرَجَ أصابته النِّقْمة بهذا المكان ودُفِنَ فيه، وآيةُ ذلك أنْه دُفِنَ
معه غُصْنٌ مِن ذهب إن أنتم نَبَشْتُم عنه، أصبتُموه معه»، فابتدرهُ
الناسُ، فاستخرجوا معه الغُصْنَ(١).
قال أبو جعفر: فتأملنا هذا الحديثَ، فوجدنا فيه إخبار رسول
اللَّهَّةُ الناسَ بأن أبا رِغال كان من ثمود، وأنه ممن منعه حَرَمُ اللهُ عَزَّ
وجَلَّ مما أصابَ به غيره من ثمود من النّقْمة، وقد عقلنا أنَّ منازِلَ نمود
لم تكن في الحرم، وأنها كانت فيما سواه مِن ما ذكر في البابين اللذين
ذكرناهما قَبْلَ هذا البابِ، واحتمل أن يكون لجأ إلى الحرم، فدخله
فمنعه مما نزل بغيره من ثمود.
(١) إسناده ضعيف، وهو مكرر ما قبله.
- ٦٢٤-

كتاب السيرة
فقال قائلٌ: ففي حديث ابن أبي داود من الحديثين اللذين
رويناهما في هذا البابِ أن مسكنَه كان في الحرم.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عَزَّ وحَلَّ وعونه: أَنَّه يُحتمل
أن يكونَ مسكنُه فِي الحَرَمِ، وكان مع ثمود في المواضع التي كانت فيه
على ما كانت عليه مِن معاصي الله عَزَّ وجَلَّ والخروجِ عن أمره، فلمنا
جَاءِهُمُ الوعيدَ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وخاف أن يلحقه ذلك بالمكان الذي
هو به، لجأ إلى مسكنه في الحرمٍ، فدخل مِنْ أجلٍ ذلك الحرمَ فمنعه،
وقد رُوِيَ عن جابر بنِ عبد الله، عن رسولِ الله ﴿ فِي قِصَّةِ أبي رِغال
أيضاً ما يُوافِقُ ما في حديث ابن أبي داود مما ذكرنا:
٣٧٤٧- كما حَدَّثْنَا إسماعيلُ بنُ إسحاق الكوفي، قال: حَدَّثَنَا
زكريا بنُ عدي، قال: حَدَّثْنَا عبدُ الرزاق، عن معمرٍ، عن ابنِ خْتَيْمِ،
عن أبي الزبير، عن جابرٍ، قال: مرَّ رسولُ اللهِل﴿ بالحِجْرِ، فقال: ((لا
ے
تَسألُوا الآياتِ، فَإِنَّ قَوْمَ صَاحِ سأَلُوا، فَكَانَتْ تَرِدُ مِن هذا الفَجِّ
وتَصْدُرُ مِن هذا الفَجِّ، يعني الناقة: فَعَتَوْا عن أمْرِ رَبِّهم، فَعَقَرُوها،
وكانت تَشْرَبْ مَاءهُمْ يوماً، ويشربُون لبنها يوماً، فأخَذَتْهُم صَاعِقَةٌ،
أَهْمَدَتْ مَنْ تحت أديم السَّماءِ منهم إلا رَجُلاً واحداً كان في حَرَمِ
الله، فلما خرج أصابه ما أصابَ قَوْمَهُ))، قالوا: يا رسولَ الله مَنْ هو؟
قال: ((أبو رِغال فدُفن هاهنا))(١).
(١) رواه أحمد ٢٦٩/٣، والطبري في ((جامع البيان)) (١٤٨١٧) من طريق
- ٦٢٥-

كتاب السيرة
٣٧٤٨ - وكما حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ داود، قال: حَدَّثْنَا عبد الأعلى بنُ
حماد، قال: حَدَّثْنَا مُسلمُ بنُ خالدٍ، قال: حَدَّثْنَا ابنُ خثيم، عن أبي
الزُّبَيْرِ، عن جابرٍ، عن رسولِ الله﴿ بمثلِ معناه غيرَ أنه قال: إلا رجلاً
كانَ في حَرَمِ الله، فمنعه حَرَمُ الله عَزَّ وَجَلَّ مِن عذاب الله(١).
٣٧٤٩- وكما حَدَّثَنَا يوسفُ بنُ يزيد، قال: حَدَّثْنَا سعيدُ بنُ
أبي مريم، قال: حَدَّثْنَا يعقوبُ بنُ إسحاق بن أبي عباد، قال: حَدَّثْنِيْ
داودُ بنُ عبد الرحمن، عن عبدِ الله بن عثمان، عن ابنِ سَابط، عن جابر
بن عبد الله أن رسولَ الله ◌َّ قال وهو في الحِجر: «هؤلاء قومُ صالحٍ
أهلكهم اللهُ عَزَّ وجَلَّ إلا رجلاً كان في حَرَمِ الله عَزَّ وجَلَّ مَنَعَهُ اللهُ
مِن عذابِ الله)، قيل: يا رسول الله من هو؟ قال: ((أبو رِغال)).
قال أبو جعفر: فإذا كان الحرمُ يَمْنَعُ في الجاهلية من العقوبات
التي معها تلفُ الأنفسِ، كانَ في الإِسلامِ ممن مِثْلُ ذلك أمنع، وشدَّ ذلك
عبد الرزاق، به. وأورده الحافظ ابن كثير في ((تفسيره) ٢٩٦/٣، وفي «البداية
والنهاية)) ١٢٩/١ من طريق أحمد، وقال: هذا الحديث ليس في شيء من الكتب
الستة، وهو على شرط مسلم.
ونسبه الهيثمي في («المجمع» ١٩٤/٦ و٣٨/٧ إلى أحمد والبزار والطبراني في
(«الأوسط))، وقال: ورجال أحمد رجال الصحيح.
(١) إسناده ضعيف. ورواه البزار (١٨٤٤) من طريق عبد الأعلى بن حماد، به.
ورواه ابن حبان (٦١٩٧)، والحاكم ٣٤٠/٢-٣٤١ من طريقين عن مسلم
بن خالد، به.
-٦٢٦-

كتاب السيرة
ما رُوِيَ عن ابنِ عباس وابن عمر رضي الله عنهما فيمن أصابَ حداً في
غير الحرمِ، ثم لجأ إلى الحرم.
٣٧٥٠- كما قد حَدَّثَنَا بكارُ بنُ قُتيبة، قال: حَدَّثْنَا مُؤَمَّلُ بنُ
إسماعيل، قال: حَدَّثْنَا سفيانُ الثوريُّ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنٍ
عباسٍ أنّه قال: مَن أصابَ حدًّاً في الحَرَمِ، أُقيم عليه، وإن أصابه خَارِجَ
الحرم، ثم دخل الحرمَ لم يُكَلِّمْ، ولم يُجَالَسْ، ولم يُبَايَعْ حتى يخرج من
الحرمِ، فيقام عليه الحدُّ.
٣٧٥١- وكما حَدَّثْنَا محمدُ بنُ حزيمة، قال: حَدَّثَنَا حجاجُ بنُ
المِنهال، قال: حَدَّثْنَا حمادُ بنُ سلمة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد
بنِ جُبير، عن ابنِ عباس مثلَهُ(١).
٣٧٥٢ - وكما حَدَّثَنَا محمد، قال: حَدَّثْنَا حجاجٌ، قال: حَدَّثْنَا
حمادُ بنُ سلمة، عن عمرو بن دينار، عن ابنِ عباس مثلَه(٢).
٣٧٥٣- وكما حَدَّثْنَا صالحُ بنُ عبد الرحمن الأنصاري، قال:
حَدَّثْنَا سعيدُ بنُ منصور، قال: حَدَّثَنَا هُشيم، قال: أخبرنا عبدُ الملك،
عن عطاء، عن ابن عباس فيمن أحدث حدثاً في غير الحرم، ثم لجأ إلى
(١) رواه الطبري (٧٤٧٠) عن المثنى، عن حجاج بن منهال، به. ورواه ابن أبي
حاتم (١٠٠٤)، والطبري (٧٤٦٨) من طريقين عن عطاء بن السائب، به.
ورواه عبد الرزاق في («المصنف)) (٩٢٢٦) و(١٧٣٠٦) عن معمر، عن ابن
طاووس، عن طاووس، عن ابن عباس.
(٢) رواه الطبري (٧٤٦٩) عن المثنى، عن حجَّاج، به.
-٦٢٧ -

كتاب السيرة
الحرم: لم يُكَلَّمْ، ولم يُبَايَعْ، ولم يُؤْذَ حتَّى يَخْرُجَ من الحرم، فإذا خَرَجٌ
من الحرم، أُخِذَ، وأُقيم عليه ما عليه، وما أحْدَثَ في الحرمِ، أُقيم عليه ما
أحدث فيه من شيء.
٣٧٥٤- كما حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ داود بنِ موسى، قال: حَدَّثْنَا
موسى بنُ إسماعيل المِنْقَرِيُّ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الواحد بن زياد، قال:
حَدَّثْنَا الحجاجُ، قال: حدَّثْني عطاء، أن ابنَ عمر وابن عباس، قالا: في
قولِ الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَآنِاَ﴾ [آل عمران ٩٧]: الرجل
يُصِيبُ الحَدَّ، ثم يدخله، فلا يُبَايَعُ، ولا يُجالَسُ ولا يُؤْوَى، ولا يُكَلِّم
حتى يَخْرُجَ منه فَيُتبع، فيؤخذ، فيُقام عليه الحدُّ.
قال: وقال لي عطاء: إنْ قذف فيه أو سرق، أقيم عليه الحدُّ، وإذا
صَنَعَ ذلك في غيره، ثم لجأ - يعني إليه- لم يُقَمْ عِلَيْه.
٣٧٥٥- وكما حَدَّثْنَا صالحُ بنُ عبد الرحمن، قال: حدَّتني سعيدُ
بنُ منصورٍ، قال: حَدَّثَنَا هُشيمٌ، قال: أخبرنا الحجاجُ، عن عطاء، عن
ابنِ عمر، قال: لَوْ وَجَدْتُ قاتِل عمر رضي الله عنه في الحَرَمِ ما هِخْتُهُ.
فإن قال قائل: فقد خالفهما عبدُ الله بن الزبير في ذلك، وكان
منه.
٣٧٥٦- فذكر ما قد حَدَّثْنَا يوسفُ بنُ يزيد، قال: حَدَّثْنَا
حجاجُ بنُ إبراهيم، قال: حَدَّثَنَا عيسى بنُ يونس، عن عبدِ الملك، عن
عطاء، قال: كان سعيدٌ مولى معاوية وأصحابٌ له في الطائف متحصِّنِينَ
في قلعة، فاستنزلوا منها، فانطلق به إلى عبدِ الله بن الزبير، وهو بمكة،
-٦٢٨-

كتاب السيرة
فأرسل إلى عبدِ الله بن عباس فقال: ما ترى في هؤلاء النّفَرِ؟ فقال: أرى
أن تُخَلِّيَ سبيلَهم، فإنهم قد آمنوا إذْ أدخلتَهم الحرمَ، فقال: لا،
نُخْرجهم من الحرم، ثم نَقْتُلهم، قال: فَهَلاَّ قَبْلَ أن تُدخلهم، فأخرجهم
ابنُ الزبير، فصلبهم، فقال: ابن عباس لو لقيتُ قاتلَ أبي في الحَرَمِ ما
هِخْتُه حتی یَخْرُجَ منه.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ وعونه: أن ابنَ
الزبير لم يكن منه في ذلك خلافٌ لابن عباس في أن الحرم قد أجار
القومَ الذين أُدخلوه مما كان عليهم من العقوبة، ولكنه لمن يمنع أن
يُخرجوا منه، فَيُقَام عليهم في غيره، فكان بمذهبه أن لا يُقام عليهم وهُمْ
فيه موافقاً لابن عباس، وكان في قوله: إنّهُم يُخرجون منه إلى غيره
مخالفاً له في ذلك، وكان ما قال ابنُ عباس في ذلك أولى عندنا، لأن
الآية توجب ذلك، وهي قولُ الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَآمناً﴾،
وكان أولئك النفر قد دخلوه فأمِنوا بدخلوهم إياه، وقد يُحتمل أن
يكون ابنُ الزبير لم يجعل رُجُوعَهُمْ الحرمَ أماناً لهم، لأنّهم لم يكن
دخولهم إياه باختيارهم لذلك، وإنما كان يفعل غيرهم إِيَّاه بهم، لأن
دخولَهم إياه باختيارهم طلباً للأمان به مما كانوا يخافونه، وإدخال
غيرهم إيّاهم إياه ليس فيه طلبٌ منهم للأمان به مما كانوا يخافونه، فلم
يُؤمنهم ذلك الدخولُ مما كانوا يخافونه فيعود معنى ما كان الخلافُ في
ذلك إلى ما لا خلاف فيه لما كان من ابن عمر وابن عباس فيه.
فقال قائل: إنما كان قولُه عز وجل: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ على
- ٦٢٩-

کتاب السيرة
الصيد لا على ما سواه، فكان جوابنا له في ذلك أن قوله هذا جهلٌ
شديد منه باللغة، لأنه لو كان الأمر في ذلك كما ذكر، لكانت: وما
دخله كان آمناً، لأن ((من)) لا يكون إلا لبني آدم، ويكون لمن سواهم
مكانها (ما) كما قال عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَمَا أكَلَ السَّعُ إِلَا مَا ذَكْتَمْ وما ذَبحَ
على النّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] في أمثال لهذا في القرآن يطولُ ذكرُها،
A
وكانت ((من)) مستعملة في بني آدم كقوله عز وجل: ﴿وَمَأْكلَ السَّعُ إلا
قليلاً ثمَّ اضْطَرُّهُ إلى عذاب النّارِ﴾ [البقرة: ١٢٦]، وكقوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلَ ذلك
يَلْقَ أَثَاماً﴾ [الفرقان: ٦٨]، وكقوله: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةِمَّنَةٍ
[الأحزاب ٣٠]، وأشباه لهذا كثيرة إلا أنَّه ربما جاء في بني آدم استعمال
(ما) مكان ((من) مِن ذلك قوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿والمخْصَنَاتُ مِنَ النّساءِ إلا مَا
مَكَتْ إِيمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، ومِن ذلك قوله تعالى: ﴿وَوَالدوما
وَلَدَ﴾ [البلد: ٣] في معنى: ووالد ومن ولد. فكانت ((ما) قد تسُتعمل
في بني آدم مكان ((من)) وإن كان ذلك مما يَقِلُّ استعمالُهم إياه ولم
يكونوا يستعملون في غير بني آدم ((من)) مكان ((ما) في حال من
الأحوال، فلما كانت ((من)) لبني آدم دون مَنْ سواهم كان قولُه عَزَّ
وجَلَّ: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَآمناً﴾ على بني آدم دونَ مَنْ سواهم، وكان
هذا القولُ الذي ذكرناه عن ابنِ عباس وابن عمر قد قال به بَعْدَهُم أبو
حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزُفَرُ.
- ٦٣٠ -

كتاب السيرة
كما حَدَّثَنَا محمدُ بن العباس، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بن معبدٍ، قال:
حَدَّثَنَا محمد بن الحسن، قال: أخبرنا يعقوبُ، عن أبي حنيفة بذلك،
ولم يَحْكِ فيه خلافاً.
وحَدَّثَنَا يحيى بنُ سليمان الجعفيُّ، عن الحسن بن زياد، عن زفر
بمثل ذلك، قال: وقال أبو يوسف: لا يُجير الحَرَمُ ظَالمً.
وكان القولُ عندنا في ذلك ما قاله أبو حنيفة وزفرُ ومحمد مما
وافقهم أبو يوسف عليه في رواية محمد لما قد تقدمهم في ذلك مما
ذكرناه عن عبد الله بن عباس، وعن عبدِ الله بن عمر، ومما وافقهما فيه
عبدُ الله بن الزبير على ما وافقهما فيه منه، ولا نعلمُ عن أحدٍ من
أصحابِ النِّ ◌َ﴿ في ذلك خلافاً لهم والقرآن نزل بلغتهم، وهم العالمون
بما خُوطِبوا به فيه، والله عَزَّ وجَلَّ نسأله التوفيق.
- ٦٣١ -

كتاب السيرة
٥٣٣- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله# في كتابه
ببحر أيْلَة لِمَلِکھا
٣٧٥٧- حَدَّثْنَا إسحاق بن إبراهيم بن يونس، قال: حَدَّثْنَا
هارون بن عبد الله الحَمَّال، قال: حَدَّثْنَا عَفَّان بن مسلم، قال: حَدَّثْنَا
وُهَيب بن خالد، قال: حَدَّثْنَا عمرو بن يحيى، عن العباس بن سَهْل، عن
أبي حُمَيْد، قال: حَرَجْنا مع النبيِّ:﴿ عامَ تبوكَ، حتى إذا جِئْنا واديَ
القُرى جاء النبيَّ :﴿ ملكُ أَيْلَة، فأهدى له بغلةً بيضاء، فكَسَاه رسولُ
الله﴿ بُرْدً، وكَتَبَ له رسولُ اللهِوَّ بِيَحْرِهِمْ(١).
فقال قائل: ما معنى كتابِ البِي ◌َ﴿ ببحر أيْلَةَ لملكها على ما في
هذا الحدیث؟
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عَزَّ وحَلَّ وعَوْنه: أنه قد
يحتملُ أن يكون البحرُ المرادُ في هذا الحديث السَّعَةَ التي يدخُلُ فيها بحرُ
الماءِ وما سواه، كذلك يقول أهلُ اللغة في البحر، ويقولون: إنما سُمِّيَتْ
(١) حديث صحيح، وهذه الرواية ناقصة؛ إذ أن ملك أيلة جاء التي بعد ما قدم
تبوك، وليس في وادي القرى.
ورواه مطولاً أحمد ٤٢٤/٥-٤٢٥، وابن أبي شيبة ٥٣٩/١٤-٥٤٠، وعنه
مسلم ص١٧٨٦ (١٢) عن عفان بن مسلم، وابن حبان (٤٥٠٣) عن أبي يعلى، عن
أبي خيثمة زهير بن حرب، عن عفان بن مسلم، به. وليس في الحديث عند ابن حبان
((ببحرهم)).
وأَيْلة: هي العقبةُ في جنوب الأُردُنِّ، تبعد ٣٣٥كم عن العاصمة عمَّان.
-٦٣٢ -

كتاب السيرة
بحارُ الماء بحاراً، لِسَعَتْها وانبساطها، حتى قالوا من أجل ذلك إذا
استَبْحَرَ المكانُ بدخول الماءِ إياه، وانبساطِهِ فيه: قد استَبْحَرَ المكانُ،
ومنه قالوا: قد استَبْحَرَ فلانٌ في العلم: إذا اتّسَعَ فيه، وبَحَرْتَ الشيءَ:
إذا شَقَقْتَهُ، وَبَحَرْتَ الناقةَ: إذا شَقَقْتَ أُذُنَها طُولاً، ومنه: البحِيرةُ التي
ذكرها الله في كتابه لِما شُقَّ من أُذُنِها.
ومن قول النبي ﴿ٌ في الفَرَسِ الذي ركبه لأبي طَلْحة: (إنّه بحرٌ،
وإِنَّ وجَدْناہ بَحْراً)».
ومنه قول بجابر بن زيد: ولكنْ أبَى ذلك البحرُ - يعني ابنَ
عباس- لِسَعَةٍ ما كان عليه عنده في المعنى الذي قال فيه هذا القولَ.
ثم طَلَبْنا كتابَ رسول الله :﴿ في ذلك، كيف كان؟ لِنَقِفَ على
المعاني المُرادَةِ بما فيه إن شاء الله.
٣٧٥٨- فوجدنا عليَّ بن عبد العزيز قد كتب إلينا يحدِّثُنا عن
أبي عُبيد القاسم بن سَلاَّم، عن عثمان بن صالح، عن عبد الله بن لَهيعة،
عن أبي الأسود، عن عُرْوة بن الزُّبَير: أنَّ رسول اللهلنَ ◌ّ كتب لأهل
أَيْلَةَ: ((بسم الله الرحمن الرحيم، هذه أمَنَةٌ من الله عَزَّ وجَلَّ، ومحمدٍ
النبيِّ :﴿ لِيُحَنَّةَ بنِ رُؤْبَة وأهل أيْلة لِسُفُنهم ولسَيَّارتهم، ولَبَحْرِهم
ولبرِّهِم، ذِمَّةُ الله عَزَّ وجَلَّ وذمةُ محمدٍ النبيِ﴿، ولمن كان معهم مِنْ
كلِّ مارٌ من الناس من أهل الشام واليمن وأهلِ البحر، فمَنْ أحدَثَ
حَدَثّاً، فإنه لا يَحُولُ مالُه دونَ نفسِهِ، وإنه طيِّةٌ لمن أخَذَه من الناس،
ولا يَحِلُّ أن يُمْنَعُوا ماءً يَرِدُونَه، ولا طريقاً يردونها من برّ أو بحرٍ)).
-٦٣٣-

كتاب السيرة
هذا كتابُ جُهَيْم بن الصَّلْتَ(١).
ووجدنا محمد بن عُزَيْز بن عبد الله بن زياد بن عقيل الأيلي قد
ذَكَرَ لنا أن الكتاب الذي كان النبيُّ ◌َ﴿ كتبه ليُحَنَّة بن رُؤبة ولأهل
أَيْلَةَ، مما أَخَذُوه كابراً عن كابرٍ، فأخَذْناه عن محمد بن عُزَيْز: ((بسم الله
الرحمن الرحيم، هذه آمَنَةٌ من الله عَزَّ وجَلَّ، ومحمدٍ النبيِّ لَ﴾، رسولِ
الله، لِيُحَّةَ بن رُؤبة وأهلِ أيْلة سفنِهم وسيارتهم في البَحْرِ والبرِّ، لهم
زِمَُّ الله عَزَّ وجَلَّ، ومحمدٍ النبي څے، ولمن یکون معهم من کل مار من
أهل اليمن والبحر، فمَنْ أَحْدَثَ منهم، فإنه لا يَحُولُ مالُه دون
نفسِهِ، وإنه طيبةٌ لمن أخَذَه من الناسِ، وإنه لا يَحِلُّ أن يُمْنَعُوا ماءً
يَرِدُونَه، ولا طريقاً يَرِدُونَها من بحرٍ أو بَرُ)). هذا كتابُ جهيم بن
الصَّلْت وشُرَحْبيل.
فوقفنا بما في هاتين الروايتين على كتاب رسول الله في ذلك
المعنى، كيف كان؟!
ثم نَظَرْنا في المعنى الذي من أجله كتب لهم رسول اللهلم﴿ ذلك
الكتاب، فوجدنا القادمين الذين كانوا يَقْدَمون عليهم من اليمن ومن
الشام كانوا على غير دِينِ الإسلام من الشِّرك، ومن النصرانية، ومن
اليهودية، وكان لمن وافاهم من المسلمين في شيءٍ من تلك المواضع أن
يَغْتَمَهُم، كما نَغَنَمُ من وَجَدْناه في بلادنا من أهل الحرب ثَمّنْ دَخَلَ إلينا
(١) ابن لهيعة سيئ الحفظ، وهو مرسل. وهو في ((الأموال)) لأبي عبيد (٥١٤).
وأورده ابن إسحاق دون إسناد كما في ((سيرة ابن هشام) ١٦٩/٤.
-٦٣٤-

كتاب السيرة
بلا أمان، فجعلهم رسول الله :﴿ بما كَتَبَ لهم مما ذكرنا بخلافِ ذلك
الحكم، وجعلهم إذا دَخَلُوا هذه المواضعَ آمنين على أنفُسِهم وعلى ما
معهم من الأموال، وكان في ذلك لمن كتب له ذلك الكتاب أعظمُ
المنافع، لأنهم يَمِيرُونهم ويَحْلِبُون إليهم الأطعمة التي يعيشون منها، وما
سوى ذلك من الأشياء التي ينتفعونَ بها، لا سيَّما وأيلة لا زَرْعَ لها.
فإن قال قائلٌ: أفكانوا يُعشَرونَ كما يُعشَرُ الحربيونَ إذا دخلوا
من دار الإسلام سوى تلك المواضع بأمان، ومعهم أموالٌ يريدون
التصرُّفَ فيها، والبيع لها في دار الإسلام؟
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ وعونه: أنه قد
يحتمِلُ أن يكونوا كانوا يُعْشَرُونَ كما يُعْشَرُ من سواهم من تجار دار
الحرب إذا دخلوا دار الإسلام بأمان بالأموال التي يحاولون التصرُّف بها
في دار الإسلام، ويحتمل أن يكونَ ذلك مما رَفَعَه رسول اللهلَ ﴿ عنهم
لِيَرْغَبُوا بذلك في الحمل إلى ذلك الموضع، كما خَفْفَ عمرُ رضي الله
عنه عن مَنْ كان يَقْدَمُ المدينةَ من ناحية الشام بالتَّحاراتِ، فَرَدَّهُم من
العُشْرِ إلى نِصْفِ العشر، ليكونَ ذلك سبباً لحَمْلِهِم إلى المدينة، وسنذكُرُ
ما قد رُوِيَ عن رسول الله ﴿ مما يوجبُ أن يُعْشَرَ أهلُ الحرب مما
يدخلون به دار الإسلام من التجارات، وما رُوِيَ عن أصحابه في ذلك
فيما بعدُ من كتابنا هذا إن شاء الله، والله نسأله التوفيقَ.
- ٦٣٥ -

كتاب السيرة
٥٣٤- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله علیه السَّلامُ
فيما كانَ منه في هَدِيَّتِهِ إلى النّجاشي، ومِن وعدِهِ بها أمَّ
سَلَمَةٍ إِنْ رَجَعَتْ إليه بموتِ النّجاشي قبلَ وصولِها إليه،
ومن إعطائِهِ بعدَ رُجُوعها إليه أُمَّ سَلَمَة بعضَها،
وسائر نسائِهِ سِواها بَقِيَّتها
٣٧٥٩- حَدَّثْنَا يونس، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قال: وحدثني مسلم
بنُ خالد، عن موسى بنِ عُقبة، عن أمِّه، عن أُمِّ كلثوم ابنة أبي سَلَمَة
قالت: لَمَّا تَزَوَّجَ رسولُ اللهِمَ﴿ أُمَّ سَلَمَةَ قال لها: «إنّي قَدْ أَهْدَيْتُ إلى
النَّجَاشِيِّ أواقيَّ مِنْ مِسْكٍ، وحُلَّةٌ، وإني لاَ أراهُ إلاَّ قَدْ مَاتَ، وَلاَ
أَرَى الْهَدِيَّةَ الَّتِي أَهْدَيْتُ إليهِ إلاّ سَتُرَدُّ إِلَيَّ، فإذا رُدَّتْ إِلِيَّ فَهُوَ لِكِ)،
فكانَ كما قال: هَلَكَ النّحاشِيُّ، فلمَّا رُدَّتِ الَدِيَّةُ، أعطى كُلَّ امرأةٍ من
نسائِهِ وُقِيَّةٌ من ذلك المسكِ، وأعطى الباقي أُمَّ سَلَمَةَ، وَأَعْطَاهَا الْحُلَّةَ(١).
٣٧٦٠- حَدَّثْنَا الربيعُ المراديُّ، حَدَّثْنَا أسَدٌ، حَدَّثَنَا مسلمُ بن
خالد. فذكر مثله.
(١) إسناده ضعيف، مسلم بن خالد الزنجي: سيئ الحفظ، وأم موسى بن عقبة: لا
تُعرف. ورواه من طرق عن مسلم بن خالد، به: أحمد ٤٠٤/٦، وابن سعد ٩٥/٨،
والحاكم ١٨٨/٢، والطبراني ٢٥/(٢٠٥)، وابن الأثير في ((أسد الغابة)) ٣٨٥/٧،
وصححه الحاكم، ورده عليه الذهبي بقوله: منكر، ومسلم الزنجي: ضعيف.
ورواه ابن حبان (١١٤٤)، والطبراني ٢٤/(٨٢٦) من طرق عن مسلم بن خالد،
عن موسى بن عقبة، عن أمه (سقطت من الطبراني)، عن أم كلثوم، عن أم سلمة.
-٦٣٦-

كتاب السيرة
فأنكر مُنْكرٌ هذا الحديث، وقال: ما فيهِ مِن قول رسول الله عليه
السَّلامُ في النّجاشي: ((لا أُرَاهُ إلَّ قَدْ مَاتَ))، قد دَفَعَهُ ما كان من إخبار
رسول الله عليه السَّلامُ الناسَ بموتِهِ في اليومِ الَّذِي كانَ موتُهُ فيه،
ومصلاتُهُ لهم عليه وذكر في ذلك:
٣٧٦١- ما قد حَدَّثْنَا يونس، حَدَّثْنَا ابنُ وَهْبٍ، عن ابن جريج،
عن عَطَاء قال: سمعتُ جابراً يقولُ: قالَ النبيُّ عليه السَّلامُ: ((قَدْ تُوُفّيَ
الْيَوْمَ رَجُلٌ صالِحٌ مِنَ الَشِ أَصْحَمَةِ، فَهَلُمَّ، فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَيْهِ))،
قال: فَصَفَفْنَا، فَصَلَّى عَلَيْهِ النِيُّ عليه السَّلامُ(١).
قال أبو جعفر: أصْحَمَة: لفظةٌ بالحبشية تفسيرها: عَطِيَّة، وهي
اسمُ هذا الرجل.
٣٧٦٢ - وما قد حَدَّثَنَا يونُس، حَدَّثْنَا ابنُ وَهبٍ، حدثني مالكٌ،
عن ابن شهاب، عن ابن المسيَّب، عن أبي هريرة أنَّ النبيَّ عليه السَّلامُ
نَّعَى للناسِ النحاشيَّ في اليومِ الذي ماتَ فيهِ، خَرَجَ بِهِمْ إلى المُصَلَّى،
فَصَفَّ بِهِمْ، وكَبَّر عَلَيْهِ أرْبَعَ تكبيراتٍ (٢).
(١) حديث صحيح، ورواه البخاري (١٣٢٠) و(٣٨٧٧)، ومسلم (٩٥٢)،
والنسائي ٦٩/٤، وأحمد ٢٩٥/٣ و٣١٩ و٣٦٩ و٤٠٠، والبيهقي ٥٠/٤،
والطيالسي (١٦٨١) من طريق عطاء، به.
(٢) إسناده صحيح، وهو عند مالك ٢٢٦/١-٢٢٧، ومن طريقه رواه البخاري
(١٢٤٥) و(١٣٣٣)، ومسلم (٩٥١)، وأبو داود (٣٢٠٤)، والنسائي ٧٠/٤
و ٧٢، وأحمد ٤٣٨/٢، والبيهقي ٣٥/٤.
- ٦٣٧ -

كتاب السيرة
٣٧٦٣ - وما قد حَدَّثْنَا يونس، حَدَّثْنَا ابنُ وهب، أخبرني يونس،
عن ابنِ شِهابٍ، أخبرني ابنُ الْمُسَيَّب، وأبو سَلَمَةَ، وأبو ◌ُمامةَ بنُ سهلٍ،
عن رسول الله عليه السَّلامُ مثلَه، ولَمْ يذكرْ أبا هريرة ولا غيرَه(١).
٣٧٦٤ - وما قد حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ أبي داود، حَدَّثْنَا عبدُ الله بن
صالح، حدثني الليثُ، حدثني عُقَيل، عن ابنِ شِهابٍ، أخبرني سعيدُ بن
المُسَيَّب، وأبو سَلَمَة، عن أبي هريرة، عن رسول الله عليه السَّلامُ أنَّهُ
نَعَى لَهُمُ النَّجاشِيَّ صاحبَ الحَبَشَةِ في اليومِ الَّذِي ماتَ فِيهِ، وقالَ:
(اسْتَغْفِرُوا لأخيكُمْ)(٢).
٣٧٦٥ - وما قد حَدَّثْنَا إبراهيم، حَدَّثْنَا عبد الله، حدثني الليثُ،
حدثني عُقيلٌ، عن ابن شهابٍ، أخبرني ابنُ المسَّب، أنَّ أبا هريرة حدَّه
أنَّ رَسُولَ الله عليه السَّلامُ صَفَّ بِهِمْ بالمُصَلَّى، وكَبَّرَ عليهِ - يعني
النجاشي - أَرْبَعَ تَكْبِیراتٍ.
ففي ذلك وقوفُه على موت النحاشي في اليوم الذي كان موتُه
فيهِ، فيكفَ يجوزُ أنْ يقولَ لِمَا قد وقَفَ على حقيقته: لا أُرَاهُ إلاَّ قَدْ
كَانَ؟
قال: ويدفعه أيضاً ما قد ذُكِرَ فيه من وعدٍ رسول الله عليه السَّلامُ
(١) أبو أمامة أسعد بن سهل بن حنيف له رؤية ولم يسمع من النبي * فهو مرسل
صحابي.
(٢) حديث صحيح، رواه البخاري (١٣١٨) و(١٣٢٧) و(١٣٢٨) و(٣٨٨٠)
و(٣٨٨١)، ومسلم (٩٥١).
-٦٣٨ -

كتاب السيرة
أُمَّ سَلَمَةَ بالهديةِ إِنْ رُدَّتْ إليه، وأنه لما رُدَّتْ إليهِ أعْطَهَا بَعضَها،
ومَنَعَها من بقَّتِها، وفي ذلك خلفُهُ بعضَ ما وَعَدَها به، وحاشَ للهِ أنْ
يكونَ ذلك من أخلاقِهِ، لأنَّ مَوَاعيدَه عليه السَّلامُ قد كانَتْ تَجْرِي
بخلافِ ذلك حتّى كانَ أبو بكر يُنْجِزُها عنه بعدَ وفاتِهِ عليه السَّلامُ.
فمما قد رُوي في ذلك:
٣٧٦٦ - ما قد حَدَّثْنَا ابنُ أبي عقيل: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عن محمد
بن المنكدر، عن جابر قال: قال لي رسولُ اللهِ مَ﴿ :: «لَوْ قَدْ جَاءنا مالُ
الْبَحْرَيْنِ، لأَعْطَيْتُكَ هكَذَا وهكذا وهكذا))، فلمْ يأتِ مالُ البحرينِ
حتى قُبِضَ رسولُ اللهِ فَ، فَلَمَّا قَدِمَ مالُ الْبَحْرَيْنِ قالَ أبو بَكْرٍ: مَنْ
كَانَ لَهُ عِنْدَ رسولِ اللهِ﴾﴿ دَيْنٌ أو عِدةٌ، فَلْيَأْتِنا، قال جابر: فأتيته،
فقلت: إنَّ النبيَّ عليه السَّلامُ وَعَدَني أنْ يُعْطِيَني هكذا، فأعطاني أُبو
بكر، ثم أتيته بَعْدَ أسألُه، فلم يُعْطِي، ثم أتيتهُ، فسألته، فلم يعطيني، ثم
أتيته الثالثة، فقلت: قد سألتُكَ، فلم تُعْطِيٍ، ثم سَألْتُكَ، فلم تُعْطِي، فإمَّا
أنْ تُعْطِيني، وإمَّا أنْ تَبْخَلَ عَنِّي، قال: وأيُّ داءٍ أدْوَأُ مِنَ الْبُخْلِ؟ ما
مَنَعْتُكَ من شيءٍ إلَّ وَأَنَا أُرِيدُ أنْ أُعْطِيكَ (١).
٣٧٦٧ - وما قد حَدَّثْنَا ابن أبي عقيل، حَدَّثْنَا سفيانُ، عن
عَمْرو، عن أبي جعفر محمد بن علي، عن جابر مثله. قال: وحثا لي
(١) رواه البخاري (٢٥٩٨) و(٣١٣٧) و(٤٣٨٣)، ومسلم (٢٣١٤) من
طريق سفيان بن عيينة، به.
ورواه البخاري (٣١٦٤) من طريق روح بن القاسم، عن محمد بن المنكدر، به.
-٦٣٩-

كتاب السيرة
حَتْيَةً، ثم قالَ: عُدَّها فَعَدَدْتُهَا، فَوَجَدَ بها خمسَ مِئَةٍ، قَالَ: خُذْ مثلَها
مرَّتَيْنْ(١).
٣٧٦٨- وما قد حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ سِنان، حَدَّثْنَا أبو عاصِمٍ، أخبرنا
ابن جُريج، أخبرني ابن الْمُنْكّدِر، عن جابرٍ، وعمرو بن دينار، عن محمد
بن علي، عن جابر قال: لما تُوُفّيَ رسولُ الله عليه السَّلامُ، وكان أبو
بكر -قال عمرو: وكانَ لَهُ أوَّلُ مالِ أَتَاهُ مِن قِبَلِ العلاءِ بنِ الحَضْرَمي -
فقال أبو بكر: مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى رسولِ اللهِ عليه السَّلامُ دَيْنٌ، أو كَانَتْ
له عنده عِدةٌ فليأْتِنَا، قال جابرٌ: فقلتُ: أَنَا وعَدَني رسولُ اللهِنَ﴾ هكذا
وهكذا وهكذ ثلاثَ مرَّات، وبَسَطَ جابرٌ كَفِيْهِ، فَعَدَّ لِي أبو بكر خمسَ
مِئَةٍ، وخمسَ مِئةٍ، وحمسَ مِئةٍ(٢).
قال هذا المنكِر: وإذا كانت مواعيدُ رسول الله :﴿ في حياته
واجباً على وَلِيٌّ أمرِه بعدَ وفاته إمضاؤُها، كان هو عليه السَّلامُ بذلك
في حياته أولی.
فكان جوابُنا له في ذلك أنَّ الذي ذكرهُ منْ إخبار رسول الله
عليه السَّلامُ الناسَ بحقيقةِ موتِ النجاشيَّ في اليوم الذي كان موتُه فيه
كما ذكر، غيرَ أنَّ قد جوزُ أنْ يَكُونَ قبلَ ذلكَ لَما تَأَخْرَ عنه أمرُ هدیتِه،
وانقطعتْ عنه أخبارُ النجاشي فيها، وقع بقلبِهِ عندَ ذلك ما يَقَعُ مثلُه في
(١) رواه البخاري (٢٢٩٦) و(٤٣٨٣)، ومسلم (٢٣١٤) من طريق سفيان،
به.
(٢) رواه البخاري (٢٦٨٣)، ومسلم (٢٣١٤) (٦١) من طريق ابن جريج، به.
- ٦٤٠-