النص المفهرس
صفحات 561-580
كتاب السيرة
٥٢٠- بابُ بیانِ مُشْکل ما روي عن رسول الله څ﴾ من قوله:
((شَهِدْتُ مع عمومتي حِلفَ المُطَيِّبِينَ))
٣٦٦٧- حَدَّثَنَا فهدُ بنُ سليمانَ، حَدَّثْنَا أبو بكر بنُ أبي شَيْبَةً،
حَدَّثَنَا إسماعيلُ ابنُ عُلَّةٍ، عن عبد الرحمن بنِ إسحاقَ، عن الزُّهري، عن
محمدٍ بنِ جُبير بن مطعمٍ، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف، قال: قال
رسولُ اللهِوَّ: «شَهْدْتُ مع عمومَتِي غلاماً حِلْفَ الْمُطَّبِينَ، وما
أُحِبُّ أن لي حُمْرَ النِّعَمِ وإِنِّي أَنْكُه)(١).
٣٦٦٨- وحَدَّثْنَا أحمد بن شعيب، أخبرنا يعقوبُ بنُ إبراهيم -
یعني الدورقيَّ- عن ابنٍ عُلیة، ثم ذكر بإسنادِهِ مثلَه.
٣٦٦٩- وحَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ أبي داود، حَدَّثْنَا وهب بن بقية
الواسطيّ، حَدَّثْنَا خالد - يعني ابنَ عبدِ الله الواسطي-، عن عبد الرحمن
بن إسحاق، عن الزُّهري، عن محمد بن جُبير بن مطعم، عن أبيه، عن
عبد الرحمن بن عوف، عن رسول الله ﴿، مثلَه(٢).
(١) حديث حسن، ورواه ابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (٢٢١)، وابن
حبان (٤٣٧٣) من طريق ابن أبي شيبة، به.
ورواه أحمد (١٦٧٦)، والبخاري في «الأدب المفرد)) (٥٦٧)، وأبو يعلى
(٨٤٦)، والشاشي (٢٣٨)، وابن عدي في ((الكامل)) ١٦١٠/٤، والحاكم ٢١٩/٢ -
٢٢٠، والبيهقي في ((السنن) ٣٦٦/٦، وفي («الدلائل)) ٣٧/٢-٣٨، من طرق، عن
إسماعيل ابن علية، به.
(٢) رواه ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني)) (٢٢٢)، وأبو يعلى (٨٤٤)،
- ٥٦١-
كتاب السيرة
٣٦٧٠ - وحَدَّثْنَا أحمدُ بنُ شعيبٍ، حَدَّثَنَا إسماعيلُ بنُ مسعود،
أخبرنا بشرُ بنُ الْمُفضَّل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزُّهري، عن
محمد بن جُبير بن مطعم، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف، عن
رسول الله ، مثلَه (١).
قال أبو جعفر - رحمه الله -: فتأمَّلْنا هذا الحديثَ، فلم نَجِدْه إلاّ
من هذا الوَجْهِ، وكان الوجهُ الذي جاء منه - وهو روايته إِيَّه عن عبدٍ
الرحمن بن إسحاق - ليس كمجيء غيره من أحاديث الزهري، عن
الزهري، لأن عبد الرحمن بن إسحاق هذا عندهم ليس كُمَنْ سواه من
رواة الزهري الذين في الطبقة التي فوق الطبقة التي هو منها.
ووجدنا فيه عن رسول الله ﴿ شُهودَه حِلْفَ الْمُطَيَّبينَ، وكان
حِلْفُ الْمُطَّبينَ عندَ أهلِ الأنسابِ جميعاً كان قبلَ عامِ الفِيلِ عدة طويلَة،
وكان ذلك الحِلْفُ في ثمانية أبطُنْ من قُريشٍ، وهم: هاشم، والمُطلب،
وعبدُ شمس، ونوفلٌ بنو عبد مناف، وتيمُ بنُ مُرَّة، وأسدُ بنُ عبد
العُزَّى، وزهرة بنُ كِلاب، والحارث بن فهر، لما حاولَ بنو عبدٍ مناف
كلاهما عن وهب بن بقية، به، لكن سقط من إسناد أبي يعلى جُبير بن مطعم والد
محمد.
(١) إسناده حسن، ورواه أحمد (١٦٥٥)، والبزار في ((مسنده)) (١٠٠٠)، وأبوي
على (٨٤٤)، وابن عدي ١٦١٠/٤، وأبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (٤٩٥)،
والبيهقي ٣٦٦/٦، والضياء في ((المختارة)) (٩١٥) من طرق، عن بشر بن المفضل،
به.
- ٥٦٢-
كتاب السيرة
إخراجَ السِّقاية واللواء من بني عبد الدار، فتحالفت هذه الثمانيةُ الأبطنِ
على ذلك، وبعثت إليهم أمُّ حكيم بنت عبد المطلبِ بَحَفْنَةٍ فيها طِيبٌ،
فغمسوا فيها أيديَهُم، ثم ضربَوا بها الكعبة توكيداً لِحِلْفِهم ذلك،
فسُمُّوا بذلك المُطِّينَ، ثم تركوا ما كان في بني عبدِ الدارِ، في أيديهم
كما كان، لما خافوا أن يقع في ذلك قتالٌ أن يدخل عليهم العرب.
وكان مولدٌ رسول الله ﴿ بعدَ ذلك في عامِ الفيل.
٣٦٧١- كما حَدَّثْنَا عليُّ بنُ عبدِ الرحمن، حَدَّثْنَا يحيى بنُ معين،
حَدَّثْنَا حجاجُ بنُ محمد، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق،
عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباس، قال: وُلِدَ النِيُّ:﴿ عَامَ الْفِيلِ(١).
٣٦٧٢ - وكما حَدَّثَنَا عليُّ بنُ عبد الرحمن، حَدَّثْنَا يحيى بنُ
معين، حَدَّثْنَا وهبُ بنُ جرير، حَدَّثْنَا أبي، عن محمد بن إسحاق، عن
(١) إستاده قوي، ورواه ابن سعد ١٠١/١، ورواه البيهقي في ((الدلائل)) ٧٥/١-
٧٦ من طريق أحمد بن الحسن بن عيد الجبار الصوفي، كلاهما (ابن سعد، وأحمد)
عن يحيى بن معين، به. ولم يذكر في إسناد ابن سعد أبو إسحاق السبيعي، ولفظ
روايته: ولد رسول الله * يوم الفيل، يعني عام الفيل.
ورواه الحاكم ٦٠٣/٣ وعنه البيهقي ٧٥/١ من طريق محمد بن إسحاق الصغاني،
عن حجاج بن محمد، به. ورواه الحاكم أيضاً ٦٠٣/٣ من طريق حميد بن الربيع، عن
حجاج، به، بلفظ: ولد التبي * يوم الفيل، وقال الحاكم بإثره: تفرد حميد بن الربيع
بهذه اللفظة في هذا الحديث، ولم يتابع عليه.
ورواه ابن سعد ١٠١/١ من طريق عيسى بن طلحة، عن ابن عباس.
ورواه أيضاً ١٠١/١ من طريق ابن إسحاق، عن سعيد بن جبير، مرسلاً.
-٥٦٣-
كتاب السيرة
الُطَّب بنِ عبدِ الله بن قيس بنِ مخرمة، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: وُلِدْتُ
أنا والنبيّ عامَ الفِيلِ (١).
٣٦٧٣- وكما حَدَّتَنَا إبراهيمُ بنُ أبي داود، حَدَّثَنَا محمدُ بنُ
سِنان، حَدَّثْنَا وهبُ بنُ جريسٍ، حدثني أبي، قال: سَمِعْتُ محمد بن
إسحاق يُحَدَّثُ عن المطلب بن قيس بنِ مَخِرَمَة، عن أبيه، عن جدِّه،
قال: وُلِدْتُ أنا والنِيُّ:﴿ عامِ الفيلِ، قال: وسأل عثمان بن عفان عنه
قُباتَ بنَ أَشْيَمَ، فقال: أنت أكبرُ أم رسولُ الله؟ فقال: رسولُ الله ◌َ﴾
أكبرُ، وأنا قبلَه في الميلادِ(٢).
٣٦٧٤- كما حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ خالد بن يزيد الفارسي، حَدَّثْنَا
إبراهيمُ بنُ المنذر الجِزَامي، حَدَّثْنَا عبدُ العزيز بن أبي ثابت، حَدَّثَنَا الزبيرُ
بنُ موسى، عن أبي الحويرثِ، قال: سمعتُ عَبْدَ الملك بن مروان يقول
لِقُبات بن أشيمَ الكِناني، ثم اللُّثي: بما قباتُ، أنت أكبرُ، أم رسول
اللّهَ﴿؟ فقال: رسولُ اللهِوَ﴿هي أكبرُ منّي، وأنا أسنُّ منه، وُلِدَ رسولُ الله
﴿* عامَ الفيلِ(٣).
(١) رواه أحمد ٢١٥/٤ من طريق إبراهيم بن سعد، والحاكم ٦٠٣/٢، وعنه
البيهقي ٧٦/١ من طريق يونس بن بكير، وأبو نعيم في ((دلائل النبوة)) (٨٥) من
طریق زیاد بن عبد الله البکائي، ثلاثتهم عن ابن إسحاق، به.
(٢) رواه الترمذي (٣٦١٩) ومن طريقه البيهقي في (الدلائل)) ٧/١ عن محمد بن
بشار، والبيهقي ٧٦/١-٧٧ من طريق محمد بن المثنى، كلاهما عن وهبن بن جرير،
به، وقال الترمذي: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث محمد بن إسحاق.
(٣) إسناده ضعيف، ورواه أبو نعيم في ((دلائل النبوة)) (٨٤) عن سليمان بن
- ٥٦٤-
كتاب السيرة
فجرى الأمر على ما قد ذكرناه قبلَ هذه الآثار، فلم يَزَلْ على
ذلك حتى قَدِمَ مكةَ رجلٌ من زُبيد بتجارةٍ له، فباعها مِن العاصِ بن
وائل السَّهْمي، فمَاطَلَهُ بها، وغلبه عليها، فحمله ذلك على أن أشرفَ
على أبي قُبَيْسٍ، حيث أخذت قريشٌ بحالسها، ثم أنشأ يقولُ:
يا آل فِهْرٍ لِمَظْلُومٍ بضاعته بِبَطْنِ مَكَّةَ نَائِي الأَهْلِ والنّفَرِ
ومُحْرِمٍ أشْعَثٍ لم يَقْضِ عُمْرَتَهُ أمْسى يُناشِدُ حَوْلَ الحِجْرِ والحَجَرِ
هَلْ مخفر من بني سهمٍ يقولُ لهم هَلْ كان فينا حَلالاً مالُ مُعْتَمِر
إِنَّ الَحَرَامَ لِمَنْ تَمَّتْ حَرَامَتُه ولا حَرَامَ لِثَوْبِ الفَاجِرِ الْغُدَرِ (١)
فلما سَمِعَتْ قُريشٌ ذلك، أعظمت ما عَمِلَ السهميُّ، فتحالفوا
عند ذلك حلف الفضول وكان الذي تعاقدوه ما قد ذكره محمد بن
أحمد، عن عباس بن الفضل الأسفاطي، عن إبراهيم بن المنذر الحزامي، به.
ورواه الحاكم ٦٢٥/٣ عن علي بن حمشاذ العدل، حَدَّثْنَا العباس بن الفضل
الأسفاطي، حدّثنا إسماعيل بن أبي أویس، حدثني الزبير بن موسى، به.
(١) أورد السهيلي في ((الروض الأنف) ١٥٦/١ البيتين الأولين والرابع، وتتمة
الخبر عنده:
فقام في ذلك الزبير بن عبد المطلب، وقال: ما لهذا مترك، فاجتمعت هاشم
وزهرة وتيم بن مرة في دار ابن جُدعان، فصنع لهم طعاماً، وتحالفوا في ذي القعدة في
شهر حرام قياماً، فتعاقدوا وتعاهدوا بالله: لَيَكُونُنَّ يداً واحدة مع المظلوم على الظالم
حتى يؤدي إليه حقه ما بلَّ بحر صوفة، ومارسا حِراء وثبير مكانهما، وعلى التآسي في
المعاش.
- ٥٦٥-
كتاب السيرة
إسحاق، كما حَدَّثْنَا أبو الرَّوَّادِ عبدُ الله بنُ عبدِ السَّلامُ، حَدَّثْنَا عبدُ
الملك بنُ هشام، حدثني زيادُ بنُ عبدِ الله البكَّائي، عن محمد بنُ إسحاق
المطلبي، قال: وأما حلفُ الفُضولِ، فإنَّ قبائلَ مِنْ قريش اجتمعوا في دارٍ
عبدِ الله بنِ جُدعان: بنو هاشم، وبنو المطلب، وأسدُ بن عبد العُزَّى،
وزُهْرَةُ بنُ كِلاب، وتَيْمُ بنُ مُرَّة، فتعاقَدُوا، وتحالَفُوا على أن لا يَجدوا
مكَّة مظلوماً من أهلها ومِن غيرِهم مِمن دخلها من سائر الناسِ إلا
قاموا معه، وكانوا على مَنْ ظَلَمَهُ حتَّى يَرُدُّوا عليه مَظْلِمَتَهُ، فسَمَّتْ
قريشٌ ذلك الحِلْفَ حِلْفَ الفُضول، وكان أهلُه المذكورون في هذا
الحديثِ مُطَّيِبينَ جميعاً، لأنهم من المُطَيِّين الذين كانوا في الحِلْفَ الأَوَّلِ
الذي ذكرناه منهم، فكان قولُ النِيِّ#ّ في الحديث الذي رویناه:
(شَهِدْتُ مع عمومتي حِلْفَ الْمُطَّبينَ)) هو حلف الفضولِ الذي تحالفه
المُطَيِّبُونَ، وهم هؤلاء النِّفَرُ الذين كانوا في الحِلْفِ الأُوَّلِ الذي لم
يَشْهَدْهُ رسول الله ◌ِ ﴿.
فبانَ بحمدِ الله: أنَّ ذلك الحديثَ لم يكن بمخالفٍ إذ كان له هذا
الوجهُ الذي قد ذكرناه.
٣٦٧٥- وحَدَّثْنَا روحُ بنُ الفرج، حَدَّثْنَا أبو مصعب الزهريُّ،
حدثني عِمرانُ بنُ عبد العزيز الزُّهريُّ، أخبرني ربيعةُ بنُ أبي عبدٍ
الرحمن، قال: دخلتُ على أبي العباس - يعني أمير المؤمنين- فما سألني
عن شيءٍ إلا عن المسح على الخفين، وعن حِلْفِ الفُضولِ، وأن النبيَّ
*، قال: ((شَهِدْتُ حِلفاً في دارِ ابن جُدعان: بني هاشم وزُهرة وتيم
وأنا فيهم، ولو دُعِيْتُ به في الإِسلام لأجَبْتُ، وما أُحِبُّ أن أخيسَ به
-٥٦٦-
كتاب السيرة
وإن لي حُمْرَ النَّعَمِ)).
قال: وكان محالَفَتُهُمْ على الأمرِ بالمعروفِ، والنهي عن المنكرِ،
وأن لا يَدَعُوا لأحدٍ عندَ أحدٍ فضلاً إلا أخذوه، وبذلك سُمي حِلْفَ
القُضُولِ(١).
وسقط عن ربيعة مَنْ كان هؤلاء الثلاثة البُطون من بني أسد بن
عبد العُزَّى، وكان ذلك الحِلْفُ أَشْرَفَ حلْفٍ فِي الجاهليَّةِ، وهو الذي
شَهِدَهُ رسولُ اللهَ﴿هُ وسُمِّيَ حِلْفَ الفُضُولِ، وسُمِّيَ أيضاً حِلْفَ
الْمُطَيِّين، إذ كان أهلُه مُطَيِّين جميعاً، وبهذا الحِلْفِ تَوعَّدَ الحسينُ بنُ
علي الوليدَ بن عُتبة في المنازعَةِ التي كانت بينَهُما لما كان مِن الوليدِ في
ذلك إليه ما كان من محاولةٍ ظُلْمِهِ.
٣٦٧٦- كما حَدَّثْنَا أبو الرَّوَّاد، حَدَّثَنَا عبدُ الملك بنُ هشام،
حَدَّثْنَا زيادُ بنُ عبدِ الله، قال: قال ابنُ إسحاق: وحدَّثني يزيدُ بنُ عبد
الله بن أسامة بن الهاد الليثي: أن محمدَ بنَ إبراهيمَ بنِ الحارث التيميّ
حدَّثْه: أَنَّه كان بَيْنَ الحسين بن علي وبَيْنَ الوليدِ بنِ عتبة بن أبي سفيان
منازعة في مال كان بينهما بذي المَرْوَةِ، فكان الوليدُ يتحامَلُ على
الحسين بن علي بسُلْطانه في حقّه، فقال الحسينُ بنُ علي: أحْلِفُ بالله
لَتُنْصِفَنِّي مِن حَقّي أو لآخُذَنَّ سيفي، ثم لأقُومَنَّ فِي مَسْجِدِ رسولِ الله
﴿، ثم لأَدْعُوَنَّ بحِلْفِ الفُضول. فقال عبدُ الله بنُ الزبير - وهو عندَ
(١) إسناده ضعيف. عمران بن عبد العزيز الزهري، قال ابن معين والبخاري:
منكر الحديث.
-٥٦٧-
كتاب السيرة
الوليدٍ - حين قال الحسينُ ما قال: وأنا أحلِفُ باللهِ لَئِنْ دَعَا بها، لآخُذَنَّ
سيفي، ولأَقُومَنَّ عندَه ومعه، حتى يُنْصَفَ مِنْ حَقّه أو نموتَ جميعاً.
وبلغت المِسْوَرَ بن مَخْرَمَة بنِ نوفل الزُّهري، فقال مثلَ ذلك، وبلغت
عبد الرحمن بنَ عثمان بنِ عبد الله - يعني التيميّ- فقال مِثْلَ ذلك، فلما
بلغَ ذلك الوليدَ بنَ عُتبة، أنصف الحسينَ مِنْ حقّه حتّى رَضِيَ.
ولم يَكُنْ دَخَلَ في ذلك الحلفِ بنو عبد شمسٍ، ولا بنو نَوْفَل ولا
بنو الحارث بنِ فِهِر، وهُمْ مِنْ أهل الحِلْفِ الأوَّلِ.
كما حَدَّثْنَا أبو الرَّوَّادِ، حَدَّثْنَا عبدُ الملك بنُ هشامٍ، حَدَّثْنَا زيادٌ،
عن ابنِ إسحاق، حدثني أبنُ الهاد، عن محمد بن إبراهيم، قال: قَدِمَ
محمدُ بنُ جبير بن مُطعم بن عَدِيٍّ بن نوفل عبدٍ مَنَافٍ - وكان أعلمَ
قريش- على عبد الملك بن مروان حين قتل ابن الزبير واجتمع الناس
على عبدالملك، فلما دَخَلَ عليه، قال: يا أبا سعيد، ألم نَكُ نَحْنُ وأنتم
-يعني بني عبد شمس بن عبد مناف، وبني نوفل بن عبد مناف- في
حلفِ الفُضُول؟ قال: أنتَ أعلَمُ. قال عبدُ الملك: لَتُخْبِرَنْي يا أبا سعيدٍ
بالحقِّ من ذلك. قال: لا واللهِ، لقد خرجنا نحنُ وأنتم منه. قال:
صَدَقْتَ. وكان ذلك شيئاً لِوصول الرُّبيدي إلى حَقّه، وكان وليَّ ذلك
الحلفِ والقائمَ به الزبيرُ بنُ عبدِ المطلب بن هاشم عمَّ النبيِّ ◌ِ *.
- ٥٦٨-
كتاب السيرة
٥٢١- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ مما اختلف فيه أهلُ العلم في
الحلفاء، هل يعقِلون مع مَنْ حالفوه جنایةَ بعضهم، أو هَلْ
يَعْقِل عنهم من حالفوهم جناياتهم مما رُوِي عن رسول الله ◌ِ﴾
في ذلك
٣٦٧٧- حَدَّثْنَا عبدُ الله بنُ محمد بنِ سعيد بن أبي مريم، حَدَّثْنَا
أسدُ بنُ موسى، حَدَّثْنَا يحيى بنُ زكريا بن أبي زائدة، حَدَّثْنَي أبي، عن
سعد بنِ إبراهيمَ، عن أبيه، عن جُبيرِ بنِ مُطْعِمٍ: أنَّ النبيَّ عليه السَّلامُ،
قال: ((لا حِلْفَ في الإسلامِ، وأيُّما حِلْفٍ كان في الجَاهِلَيَّة، فلم يَزِدْهُ
الإسلامُ إِلاَّ شِدَّقٌ)(١).
هكذا أخبرنا ابنُ أبي مريم هذا الحديثَ، بهذا الإسناد.
٣٦٧٨- ثم حدثناه أحمد بنُ شعيب، أخبرنا عبدُ الرحمن بنُ
محمد بن سَلاَّم، حَدَّثْنَا إسحاقُ الأزرقُ، عن زكريا بن أبي زائدة، عن
سعدِ بنِ إبراهيم، عن نافع بنِ حُبَيْرِ بنِ مطعم، عن أبيه، عن رسول الله
◌ِ*، ثم ذكر مثله سواءً(٢).
(١) حديث صحيح، ورواه ابن حبان (٤٣٧١) من طريق مسروق بن المرزبان،
عن يحيى بن زكريا، به.
ورواه أحمد ٨٣/٤، ومسلم (٢٥٣٠)، وأبو داود (٢٩٢٥)، والطبري (٩٢٩٥)،
والطبراني (١٥٩٧)، والبيهقي ٢٦٢/٦ من طرق، عن زكريا بن أبي زائدة، به.
وسیأتي برقم (٣٨٠٨).
(٢) إسناده حسن، وهو في ((السنن الكبرى) للنسائي (٦٤١٨).
-٥٦٩-
كتاب السيرة
٣٦٧٩ - وحَدَّثْنَا ابنُ أبي داود، حَدَّثْنَا الوَهِيُّ، حَدَّثَنَا ابنُ
إسحاق، عن عمرو بنِ شُعيب، عن أبيه، عن حَدِّه، قال: لما دَخَلَ
رسولُ اللهَ وَّ مَكَّةَ عام الفتحِ قامَ خطيباً، فقال: (يا أيُّها النَّاسُ، إنَّه ما
كَانَ مِن حِلْفٍ في الجَاهِلِيةِ، فإنَّ الإسلامَ لم يَزِدْهُ إلاّ شِدَّةٌ، ولا حِلْف
في الإسلام)»(١).
٣٦٨٠- وحَدَّثْنَا أبو أُمية، حَدَّثْنَا عُبَيْدُ اللهِ بنُ موسى العبسي،
حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ إسماعيل، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن عمرو بنٍ
شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه -عبد الله بن عمرو -، عن النبيِّ ◌ِ﴿، مثلَه،
قال: لما دَخَلَ النِيُّ ◌َّ مَكَّةَ عامَ الفتح قام خطيباً، فقال: ((أيُّها النّاسُ،
إِنَّه ما كَانَ مِن حِلْفٍ فِي الْجَاهِلِيةِ، فإِنَّ الإسلامَ لم يَزِدْهُ إلاَّ شِدَّةً، ولا
ورواه أبو يعلى (٧٤٠٦)، وابن حبان (٤٣٧٢)، والطبراني (١٥٨٠)، والبيهقي
٢٦٢/٦ من طرق، عن إسحاق بن يوسف الأررق، به.
قال ابن حبان بإثر الحديث: سمع هذا أخبر سعد بن إبراهيم، عن أبيه، عن جبير،
وسمعه من نافع بن جبير، عن أبيه، فالإسنادان محفوظان.
(١) رواه ابن الجارود في ((المنتقى)) (١٠٥٢) عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن
خالد الوهي، به. مطولاً.
ورواه أحمد ١٨٠/٢، والطبري (٩٢٩٧) و(٩٢٩٨)، وابن خزيمة (٢٢٨٠)،
والبيهقي ٣٣٥/٦-٣٣٦ و٢٩/٨، والبغوي (٢٥٤٢) من طرق، عن محمد بن
إسحاق، به. وكلهم أورده مطولاً غير الطبري فقد اختصره.
ورواه الترمذي (١٥٨٥)، والطبري (٩٢٩٤) من طريق حسين المعلم، عن عمرو
بن شعیب، به.
- ٥٧٠-
كتاب السيرة
حِلْف في الإسلامِ)(١).
٣٦٨١- وحَدَّثَنَا الربيعُ المراديُّ، حَدَّثْنَا أسَدٌ، حَدَّثْنَا جريرُ بنُ
عبد الحميد، عن مُغيرة، عن أبيه، عن شعبة بن التوأم الضبي، قال: سَأَلَ
قيسُ بنُ عاصم رسولَ اللهِلَ﴿ عن الحِلْفِ، فقال: (لا حِلْفَ في
الإسلامِ، ولكن تمسّكُوا بحِلْفِ الجَاهِلِيَّةِ))(٢).
أي: يُجرونه في الإسلام على ما كانوا يُجرونه عليه في الجاهلية،
ولكن الحلفَ الذي كان يتعاقدُ في الجاهلية على أن يكونَ الحلفاءُ الذي
حالفوهم به، كالبطنِ الواحدِ فيما يَحْمِلُهُ بعضُهم عن بعضٍ، إذ كانوا
بالحلفِ قد صاروا منهم بذلك المكان، وكانت القبيلةُ التي حُولِفَتْ قد
كانت تحمِلُ عَقْلَ الجنايَاتِ عن حُناتها منهم، فكان مَنْ دَخَلَ منهم
بالحِلْفَ معقولاً أنه كذلك.
وهذه مسألة من الفقه قد اختلف أهلُه فيها.
(١) إسناده ضعيف، وهو حسن.
ورواه أحمد ٢٠٥/٢ و٢١٥ من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد، والبخاري في
((الأدب المفرد)) (٥٧٠)، والطبري (٩٢٩٩) من طريق سليمان بن بلال، كلاهما عن
عبد الرحمن بن الحارث، به.
(٢) رواه الطيالسي (١٠٨٤)، والحميدي (١٢٠٦)، والطبري (٩٢٩١)، وابن
حبان (٤٣٦٩)، والطبراني ١٨/(٨٦٤) من طرق، عن جرير بن عبد الحميد، به.
ورواه أحمد ٦١/٥، والطبري (٩٢٩٢)، والطبراني ١٨/(٨٦٤) من طريق
هشيم، وأحمد ٦١/٥، والطبراني ١٨/(٨٦٥) من طريق شعبة، كلاهما عن المغيرة،
به، وسقط من مطبوعة الطيراني (٨٦٥) لفظة: ((عن أبيه).
- ٥٧١-
كتاب السيرة
فبعضُهم يقولُ هذا القولَ، منهم: أبو حنيفة وأصحابُه.
وبعضُهم يدُفُع أن يكونَ الحِلْفُ بهذه المنزلة، وفيما قد ذكرنا مما
كان الحِلْفُ عليه في الجاهلية، وأمر بالتمسُّك به في الإسلامِ ما قد دَلَّ
على ما قاله أبو حنيفة وأصحابُه في ذلك.
ومما يحقّق ما قُلنا ما قد رُوِيَ عن رسولِ الله ◌ِ ◌ّ:
٣٦٨٢- مما قد حدَّثناه محمدُ بنُ خُزيمة، حَدَّثْنَا يوسف بن عَدي
الكوفيٌّ، حَدَّثْنَا عبدُ الله بنُ المبارك، عن معمرٍ، عن أيوبَ، عن أبي
قِلابة، عن أبي المُهلِّب، عن عمرانَ بنِ حُصين، قال: أسَرَتْ ثقيفُ
رجلينِ من أصحابِ النبيِّ وَ﴿، وأسَرَ أصحابُ رسول الله :﴿هُ وَرَضِيَ
عنهم رجلاً من بني عامر بنِ صَعْصَعَةَ، فَمُرَّ به على النبيِّمَ﴿ٌ وهو مُوثَّقٌ،
فأقبل إليه رسولُ اللهِ:﴿، فقال: على ما أُحْبَسُ؟ قال: ((لِجريرةِ
خُلفائِكَ)). ثم مضى رسولُ الله ◌َّ، فناداه، فأقبل إليه، فقال له الأسيرُ:
إنّي مسلمٌ، فقال رسولُ الله ◌َّ: (لَوْ قُلْتَها وأنتَ تَمْلِكُ أمرَكَ،
فَأفلحتَ كُلَّ الفَلاح))(١).
(١) إسناده صحيح.
ورواه عبد الرزاق (٩٣٩٥)، ومن طريقه الطبراني ١٨/(٤٥٣)، عن معمر، به.
ورواه الشافعي ١٢١/٢، وأحمد ٤٣٣/٤-٤٣٤، والحميدي (٨٢٩)، وسعيد بن
منصور (٢٩٦٧)، ومسلم (١٦٤١)، والنسائي في ((الكبرى)) (٨٥٩٢)، والبيهقي في
«السنن)) ٧٢/٩-٧٣ و١٠٩ و٧٥/١٠ من طرق، عن أيوب، به. وبعضهم يزيد فيه
قصة المرأة التي أسرتها ثقيف.
- ٥٧٢-
كتاب السيرة
٣٦٨٣- وما قد حَدَّثَنَا فهدٌ، حَدَّثْنَا أبو نعيم الفضلُ بنُ دُكَيْن،
حَدَّثْنَا حمادُ بنُ زيد، عن أيوبَ، عن أبي قلابة، عن أبي المُهلَّب، عن
عمران بن حُصين، قال: كانت العضباءُ لِرجل من عقيل أُسِرَ، فأُخِذَتِ
العضباءُ منه، فأتى عليه رسولُ اللهِ﴾، فقال: يا محمدُ، على ما
تأخُذُوني، وتأخذونَ سَابِقةً الحاجِّ، وقد أسلمتُ؟ فقال له رسولُ
اللَّهَ: (لو قُلْتَها، وأنْتَ تَملِكُ نَفسَكَ أو أمرَكَ، لأفَلَحتَ كُلَّ
الفلاح)، فقال رسولُ الله ﴿َ:(( أُخِذْتَ بَجَرِيرةٍ حُلَفَائِكَ).
وكانت ثقيف قد أسرت رجلين من أصحاب النبيِّ ◌َ﴾، وإذا كان
المحالفون يُؤَاخَذُون بجرائِرِ حُلفائهم كما يُؤخذون بجرائرٍ بني عمومتهم
كما ذكرنا، كانوا بالأخذِ بعقول جناياتهم، وكان المحالفون بأخذها
عنهم أولى، وفيما ذكرنا ما قد دَلَّ على أنَّ الخلفاء يعقِلُون عمن
حالفوهم عنهم، كما يعقِلُ أهل الفخذِ بعضُهم عن بعضٍ.
٥٢٢- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله { في إمامته
في الليلة التي أُسْرِيَ به فيها إلى بيت المقدس، هل كانَتْ
لِكُلّ الأنبياء صلواتُ الله علیھم، او لبعضھم دون بعض؟
٣٦٨٤- حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ سِنان، قال: حَدَّثْنَا شيبانُ بنُ فروخ.
وحَدَّثَنَا محمدُ بنُ خزيمة، قال: حَدَّثَنَا حجاجُ بنُ مِنهالٍ، ثم قال كُلُّ
واحدٍ منهما: حَدَّْنَا ماذٌ - يعني ابن سلمة-، عن أبي حمزة- قال ابنُ
خزيمة: في حديثه: الأعور - عن إبراهيمَ النخعي، عن عَلَقَمَةَ، عن ابنِ
-٥٧٣-
كتاب السيرة
مسعود في حديث ركوبِ رسول الله :﴿ِّ الْبُراق لما أُسْرِيَ به إلى بيتِ
المقدس، قال: «ثم مَضَيْنا إلى بيت المقدس، فربطتُ الدابةَ بالحلقةِ التي
يربط بها الأنبياءُ صلوات الله عليهم، ثم دخلت المسجد، وتشرف
بي الأنبياء صلوات الله عليهم، مَنْ سَمَّى اللهُ عَزَّ وجَلَّ في كتابه،
ومن لم يُسَمِّ، فصليتُ بهم إلاَّ هؤلاء النفر: عيسى، وموسى،
وإبراهيم صلى الله عليهم)(١).
ففي هذا الحديثِ عن رسول الله ﴿ أَنَّه أمَّ الأنبياءَ صلواتُ الله
عليه وعليهم من سَمَّى الله عز وجل في كتابه، ومن لم يُسَمِّ فيه إلا
أُولئك النفر المستَثْنَيْنَ في هذا الحديث، وهم: عيسى وموسى وإبراهيم
صلواتُ الله عليهم، وقد رُوِيَ عن أنس بن مالك، عن رسول الله مَ#3
أمامته بهم جميعاً بغير مستثنين منهم من استثني في حديث ابن مسعود.
٣٦٨٥- كما حَدَّثْنَا يونسُ بنُ عبد الأعلى، قال: حَدَّثْنَا عبدُ الله
بنُ وهب، قال: أخبرني يعقوبُ بنُ عبدِ الرحمن الزُّهري، عن أبيه، عن
عبد الرحمن بن هاشم بن عُتبة بن أبي وقاص، عن أنس بنِ مالك أن
(١) إستاده ضعيف لضعف أبي حمزة الأعور.
وقال العقيلي في («الضعفاء) ١٨٨/٤ بعد أن أورد حديثه هذا دون أن يسوق
لفظه، من طريق علي بن جرير الباوَرْدي، عن حماد بن سلمة، به: لا يتابع عليه، ولا
على كثير من حديثه، وهذا الحديث (يعني به قصة الإسراء والمعراج) يروى من غير
هذا الوجه بإسناده جید.
والحديث بطوله رواه البزار (٥٩ - كشف الأستار)، والطبراني (٩٩٧٦) من
طریق حماد بن سلمة، به.
- ٥٧٤-
كتاب السيرة
رسولَ اللهِ ﴿ لما جاء بيت المقدسِ في الليلةِ التي أُسرِيَ به إليه فيها،
بُعِثَ له آدمُ مَ﴿، ومَنْ دُونَه من الأنبياءِ، وَأُمَّهُمْ رسولُ الله (١).
٣٦٨٦- وكما حَدَّثْنَا محمد بنُ خزيمة، قال: حَدَّثَنَا حجاجُ بنُ
مِنهال، قال: حَدَّثَنَا حمادُ بنُ سلمة، عن ثابت البنانيِّ، عن أنس بنِ
مالك أن رسولَ الله ﴿، قال: (أُتِيتُ بِالْبُراقِ، وهو دابَّةٌ أبيضُ فوقَ
الحمارِ، ودُون البغلِ، يَضَعُ حَافِرَهُ عند منتهى طَرْفِه، فركبتُه، فسارَ
بي حتى أتينا بيتَ المقدس، فربطتُ الدابة بالحلقة التي يَرْبِطُ بها
الأنبياءُ، ثم دخلتُ فصليتُ، ثم خرجتُ)(٢).
ففي حديث أنس بن مالك الأول من حديثيه هذين أن صلاتّه مَ﴿
كانت في بيت المقدس أمَّ فيها الأنبياءَ الذين أمهم فيها، وفي حديثه
الثاني منهما أنه صَلَّى فيه بغيرِ ذكر فيه إمامة لمن ذكر إمامته فيه في
حديثه الأوَّلِ، وقد رُوِيَ عن أبي هريرة في ذلك عن رسول الله مج لّ ما
یُوافِقُ ما في الحديث الأول من حديثي أنس هذين.
(١) رواه ابن جرير الطبري في ((جامع البيان)) ٦/١٥ عن يونس بن عبد الأعلى،
به. ورواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) ٣٦١/٢-٣٦٢ من طريق أبي علي بن مقلاص،
عن عبد الله بن وهب، به. ورواه بنحوه النسائي ٢٢١/١- ٢٢٢ من طريق سعيد بن
عبد العزيز، عن يزيد بن أبي مالك، عن أنس.
(٢) حديث صحيح، ورواه البيهقي في (دلائل النبوة)) ٣٨٢/٢ -٣٨٤ من
طريقين، عن حجاج بن منهال، به.
ورواه أحمد ١٤٨/٣-١٤٩ عن حسن بن موسى، ومسلم (١٦٢) (٢٥٩)، ومن
طريقه البغوي (٣٧٥٣) عن شيبان بن فروخ، كلاهما عن حماد بن سلمة، به.
- ٥٧٥-
كتاب السيرة
٣٦٨٧- كما حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ أبي داود، قال: حَدَّثْنَا شجاعُ
بن أشرسَ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ العزيز - يعني ابنَ عبد الله الماجشون-، عن
عبد الله بن الفضل، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن
رسولِ الله ﴿ في حديث الإسراء به إلى بيت المقدس، قال: ((وَلَقَدْ
رأيتُني في جماعةٍ من الأنبياء صلواتُ الله عليهم، فإذا موسى عليه
السَّلامُ قائمٌ يُصلي، رَجُلٌ ضَرْبٌ جَعْدٌ كأنّه من رجال شنوءة،
ورأيتُ عيسى ابن مريم ﴿ قائماً يُصلّي، أقربُ من رأيتُ به شبهاً
عُروةُ بنُ مسعود الثقفي، وإذا إبراهيمُ ﴿ قائمٌ يُصلِّي، أقربُ من
رأيت به شبهاً صاحبُكم -يعني نفسَه- صلى الله عليهما، فحانَتِ
الصلاةُ فأثمتُهم، فلما فرغتُ من الصلاة، قال قائل: يا مُحَمَّدُ، هذا
مالِكٌ خَازِنُ النار يُسَلّمُ عليك، فالتفتُّ إليه، فنادى بالسَّلامِ)(١).
فكان فيما رويناه من حديثي أنس وأبي هريرة إثباتُ إمامة
رسولِ الله في ليلتئذٍ جميعَ الأنبياءِ، وفي حديث ابن مسعود الذي ذكرناه
قبلَه استثناءُ الثلاثة النفرِ المستثنّينَ منهم، فنظرنا في ذلك، وفي الموضع
الذي منه جاء هذا الاختلافُ، فيما نرى - والله أعلم - : أن في حديث
ابن مسعود الذي رويناه مما لم نذكره فيما رويناه فيه زيادةً على ما
رويناه منه فيما تقدَّم منا في هذا البابِ، واحتجنا إلى ذكره هاهنا بتلك
الزيادة.
(١) رواه مسلم (١٧٢)، والنسائي في (الكبرى) (١١٤٨٠)، والبيهقي في
«الدلائل» ٣٥٨/٢ من طريق حجين بن المثنى، عن عبد العزيز بن أبي سلمة، به.
-٥٧٦-
كتاب السيرة
٣٦٨٨- كما حَدَّثَنَا يزيد بن سنان، قال: حَدَّثْنَا شيبانُ بنُ
فُرُّوخ. وكما حَدَّثَنَا محمدُ بنُ خزيمة، قال: حَدَّثْنَا حجاجُ بنُ مِنهال، ثم
اجتمعا، فقال كُلُّ واحدٍ منهما: حَدَّثْنَا حمادُ بنُ سَلَمَةً، عن أبي حَمْزَةً،
عن إبراهيم النخعي، عن علقمة، عن ابن مسعودٍ: أن رسولَ اللهِ﴿ ﴿ لَّا
أُسْرِيَ به إلى بيت المقدس، قال: ((فأتيتُ - يعني في طريقه إليه- على
رَجُلٍ وهو قائمٌ يُصلّي، قال: من هذا معك يا جبريلُ؟ قال: أخوك
محمدٌ، فَرَخَّبَ ودعا بالبركةِ، فقال: سَلْ لأُمَّتِكَ الْيُسْرَ، فقلتُ: ما
هذا؟ فقال: هذا أخوك عيسى ﴿، قال: ثُمَّ سِرنا فأتينا على رجلٍ،
فقال: مَنْ هذا معك يا جبريلُ؟ فقال: هذا أخوكَ محمدٌ، فرحَّب ودعا
بالبركة، فقال: سَلْ لأُمَّتِكَ الْيُسرَ، فقلتُ: من هذا يا جبريلُ؟ فقال
هذا أخوك موسىٍ﴿، قال: ثم سِرْنا، فرأينا مصابيحَ وضوءاً، فقلتُ:
ما هذا يا جبريلُ؟ قال: هذه شجرةُ أبيك إبراهيمَ /﴾، ادنُ منها،
قلتُ: نعم، فدنونا، منها، فدعا لي بالبركةِ ورَحَّبَ بي، ثم مضينا إلى
بيت المقدس)(١).
قال أبو جعفر: ففي هذا الحديث لقاؤه﴿ كان للثلاثة المستثنَيْنَ
من الأنباء الذين أمَّهُمْ في الحديثِ الأوَّلِ، وهم هؤلاء الثلاثةُ المسمَّوْنَ
في حديثه هذا، فاحتملَ أن يكونَ الاستثناءُ الذي في حديثه الأول كان
لذلك، وأن يكون ذلك الاستثناءُ من ابن مسعود لما وقف مِن لقاء
رسول الله :﴿ أَيَّهُم دونَ بيت المقدس، فأخرجهم بذلك من أن يكونوا
(١) إسناده ضعيف لضعف أبي حمزة.
-٥٧٧-
كتاب السيرة
صَلَّوْا معه في بيت المقدس لا أَنْه سَمِعَ ذلك من النبيِّلَ﴿ٌ، وكان ما
روى أنسٌ وأبو هريرة فيه إثباتُ إمامةِ رَسُولِ اللهِ﴾ في ليلتئذٍ هناك
جميع الأنبياء فيهم هؤلاء الثلاثةُ، إذ كان قد يجوزُ أن يكونَ هؤلاء
الثلاثةُ بعدَ مروره بهم في طريقه إلى بيت المقدس، لَحِقُوا به إلى بيت
المقدس فأمَّهم مع من أمَّه من أنبياء الله صلوات الله عليهم سِواهُم، وقد
رُوِيَ عن أنس بن مالك أيضاً في ذلك ما يَدُلُّ على هذا المعنى.
٣٦٨٩- كما قد حَدَّثْنَا محمدُ بنُ خزيمة، قال: حَدَّثْنَا حجَّاجُ بنُ
مِنهال، قال: حَدَّثْنَا حمادُ بنُ سلمة، عن سليمان التيميِّ وثابتٍ البُناني،
عن أنس بنِ مالك أن رسولَ الله ◌ِمَ﴿، قال: «أتيتُ على موسى:﴿ عند
الكثيب الأحمر، وهو قائمٌ يصلي في قبره))(١).
فكان في هذا الحديث وقوف أنس بن مالك على مرور رسول
اللّه ◌ُلّ يموسى﴾ في طريقه إلى بيت المقدس وهو قائمٌ يُصلي في قبره،
ولم يَمْنَعُ ذلك عندَه أن يكونَ قد لَحِقَ بيت المقدس، فأمَّه رسولُ اللّهِ﴾
فيه مَعَ مَنْ أَمَّه فيه مِن الأنبياءِ سواه صواتُ الله عليه وعليهم، وقد رُوِيَ
عن حُذيفة بن اليمان دفعه أن يكونَ رسولُ اللهِلَ ﴿وَ صلَّى ليلتئذٍ في بيتٍ
المقدس
٣٦٩٠- كما حَدَّثْنَا محمدُ بنُ خزيمة، قال: حَدَّثْنَا حجاجُ بنُ
منهال، قال: حَدَّثْنَا حَمَّاد بنُ سلمة، عن عاصم بنِ بَهْدَلَةَ، عن زِرٍّ بن
(١) رواه ابن أبي شيبة ٣٠٧/١٤-٣٠٨، وأحمد ١٤٨/١ و٢٤٨، ومسلم
(٢٣٧٥) (١٦٤)، والنسائي ٢١٥/٣ و٢١٦ من طرق، عن حماد بن سلمة، به.
-٥٧٨ -
كتاب السيرة
حُبَيْشٍ، عن حُذيفة بنِ اليمان، أن رسولَ اللهِ ﴿ه قال: (أُتيتُ بالْبُراق،
وهو دابَّةٌ طويلٌ أبيضٌ يضعُ حافِرَهُ عندَ منتهى طرفِهِ، فلم يُزَايلْ
ظهره هو وجبريل صلى الله عليهما حتى أتينا بيتَ المقدس، فَفُتِحَتْ
أبوابُ السَّماء، فرأى الجنةَ والنارَ)).
قال حذيفةُ: ولم يُصَلِّ في بيتِ المقدس، قلت: بَلْ صَلَّى، قال:
حذيفة: ما اسمُك يا أصْلَعُ؟ فإنّي أَعْرِفُ وجِهَك، ولا أعرف أسمكَ،
قال: قلتُ: أنا زِرُّ بنُ حُبَيْش، قال: وما يُدريكَ أنه قد صلى فيه؟ قال:
قلتُ: يَقولُ الله عز وجل: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبدِلَيْلاً مِنَ المَسْجِدِ الْحَرَامِ
إلى المَسْجِد الأقْصَى الذي بَارَ كَنَا حَوَلَهُ﴾ [الإسراء: ١]، قال: فهل تجده
صلَّى؟! قلت: لا، قال: إنه لو كان صلى فيه، لصليتم فيه كما تُصلُّون
في المسجدِ الحَرَامِ، قال: فقيل: له: إنَّه رَبّط الدابةَ بالحلقةِ التي يربطُ بها
الأنبياءُ صلى الله عليهم، قال حُذيفة: أو كان يخافُ أن يذهبَ، وقد
أتاه الله عز وجل بها؟!(١).
قال أبو جعفر: وكان ما رويناه عن ابن مسعود وأنس وأبي
هُريرة، عن رسول الله ◌َّ من إثباتِ صلاةِ رسول الله:﴿ هناك أولى
من نفي حُذيفة أن يكونَ صَلَّى هناك، لأن إثباتَ الأشياء أولى مِنْ
(١) رواه الطيالسي (٤١١)، وأحمد ٣٩٢/٥ و٣٩٤ من طريق حماد بن سلمة،
به. ورواه الحميدي (٤٤٨)، والترمذي (٣١٤٧) من طريق مسعر بن كدام، وأحمد
٣٨٧/٥ من طريق شيبان، وأحمد ٣٩٠/٥، والنسائي في ((الكبرى)) (١١٢٨٠) من
طريق سفيان الثوري، ثلاثتهم عن عاصم بن بهدلة، به. ورواية الثوري مختصرة.
- ٥٧٩-
كتاب السيرة .
نفيها، ولأنَّ الذي قاله حُذيفة: إنَّ رسولَ الله ﴿ لو كان صَلَّى هناك،
لوجب على أمته أن يأْتُوا ذلك المكانَ، ويُصلُّوا فيه، كما فعل ◌َ﴿ه فإنَّ
ذلك مما لا حُجَّةَ لِحُذيفة فيه، إذ كانَ رسولُ اللهِمَّ قد كان يأتي
مواضِعَ، ويُصلي فيها، لم يُكتب علينا إتيانُها، ولا الصلواتُ فيها، بل
قد نهى عُمَرُ بنُ الخطاب عن تتُّعِ تلك المواضِعِ والصلوات فيها.
٣٦٩١- كما حَدَّثْنَا يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهٍ، قال:
أخبرني جرير بن حازم [ح]، وكما حَدَّثَنَا محمد بن عبدِ الله بن عبد
الحكم، قال: أخبرنا أبي وشعيبُ بنُ الليث، عن الليثِ بنِ سعدٍ، عن
جرير بنٍ حازم، عن الأعمش، قال: حدَّثْني معرورُ بنُ سويد الأسديُّ،
قال: وافيتُ المَوْسِمَ مع أميرِ المؤمنينَ عُمَرَ بنِ الخطاب رضي الله عنه
فلما انصرف إلى المدينة، انصرفتُ معه، فَصَلَّى لنا صَلاةَ الغَدَاةَ، فقرأ،
فيها: ﴿أَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَّكَ بَأصْحَابِ الفِيلِ﴾ [الفيل: ١]، والإيلافِ
قريش﴾ [قريش: ١]، ثم رأى أناساً يذهبون مذهباً، فقالَ: أين يذهبون
هؤلاء؟ قالوا: يأتون مسجداً هاهنا صلَّى فيه رسول اللهلم﴾، قال: إنما
أُهْلِكَ مَنْ كان قبلَكُم بأشباهِ هذا يَتْبِعُونَ آثارَ أنبيائهم، فاتَّخذوها
كنائِسَ وبيعاً، من أدركتْهُ الصَّلاةُ في شيءٍ من هذه المساجد التي صلى
فيها رسولُ الله، فليُصلِّ فيها، ولا يَتَعمَّدَنُّها.
٣٦٩٢- وكما حَدَّثَنَا فهدٌ، قال: حَدَّثْنَا عُمَرُ بنُ حفصٍ، قال:
حدَّثْني أبي، عن الأعمش، عن المعرورِ بنِ سُويدٍ، ثم ذكر مثلَه.
ففي هذا الحديثِ عن عمر رضي الله عنه ما قد وقفنا به على أنَّ
- ٥٨٠ -