النص المفهرس

صفحات 501-520

کتاب الجهاد والمغازي
المعنى من هذا الحديث زيادة على ما ذكرناه عنه فيه، وقد وجدنا في
أحاديثِ غيره عن شعبة زيادةً على ذلك.
٣٥٩٥- حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال: أخبرني أحمدُ بنُ حفص
ابنِ عبد الله، قال: حدَّثْني أبي، قال: حدثني إبراهيم بن طهمان، عَن
شعبة بن الحجاج. ثم ذكر بإسناده مثلَه وزاد: ((ولكن أنزلهم على
حُكْمِكَ)(١).
٣٥٩٦- وكما حَدَّثْنَا أحمدُ، قال: أخبرنا محمودُ بنُ غيلان، قال:
حَدَّثْنَا عبدُ الصمد - يعني ابنَ عبدِ الوارث-، قال: حَدَّثْنَا شُعْبَةُ، ثم
ذكر بإسناده مثله. ووافق إبراهيمَ على الزيادة التي زادها على جرير في
حديثه(٢).
ثم طلبنا في هذا الحديثِ من غير حديث شعبة هذه الزيادة،
فوجدنا غيرَ واحدٍ رواه عن علقمة بهذه الزيادة.
منهم أبو حنيفة
٣٥٩٧- كما حَدَّثْنَا جعفرُ بن أحمد بن الوليد الأسلمي، قال:
أخبرنا بشرُ بنُ الوليد، قال: سمعتُ أبا يوسف، قال: أخبرنا أبو حنيفة
(١) إسناده صحيح، وهو عند النسائي في («السنن الكبرى) كما في ((التحفة))
٧١/٢. ورواه مسلم (١٧٣١) (٥) عن إبراهيم، عن محمد بن عبد الوهّاب الفراء،
عن الحسين بن الوليد، عن شعبة، به.
(٢) إسناده صحيح، وهو في ((السنن الكبرى) للنسائي كما في ((التحفة)) /٧١.
ورواه مسلم (١٧٣١) (٤) عن حجاج بن الشاعر، عن عبد الصمد بن عبد
الوارث، به.
- ٥٠١-

كتاب الجهاد والمغازي
-
عن علقمة بن مَرْثَدٍ، عن ابنِ بُريدة، عن أبيه، عن النّبِيِّ:﴿ٌ مثلَه، وفيه
الزيادةُ التي زيدت علی جریر.
ومنهم سفيانُ بنُ سعيد الثوريُّ:
٣٥٩٨- كما حَدَّثْنَا أُبو غسان مالك بن يحيى الهَمْداني، قال:
حَدَّثْنَا أبو النضر هاشمُ بنُ القاسم، قال: حَدَّثَنَا الأشجعيُّ، عن سفيان،
عن علقمة بن مَرْتَدٍ الحضرميِّ، عن سليمان بن بريدةَ الأسلمي، عن
أبيه، عن رسول الله ﴿ مثلَه، وفيه ذكرُ تلك الزيادة(١).
٣٥٩٩- وكما حَدَّثْنَا أبو بِشْرِ عبدُ الملك بن مروان الرَّقي، قال:
حَدَّثْنَا الْفِرِيابي، قال: حَدَّثْنَا سفيانُ بنُ سعيدٍ، عن علقمة، عن ابن
بريدة، عن أبيه، عن رسولِ اللهِ وَ﴿ مثلَه، وفيه تلك الزيادة.
قال علقمة: فحدثتُ به مقاتِلَ بنَ حيَّان، قال: حدثني مسلم بن
هَيْصَم، عن النّعمان بنِ مُقَرِّنٍ، عن النِيِّ ◌َ﴿وَ مَثَلَهُ(٢).
قال أبو جعفر: ولم نجد هذه الزيادة في حديثِ أحدٍ من أصحاب
الثوري غير الفريابيِّ، وغير إسحاق بن يوسف الأزرق:
٣٦٠٠ - أخبرنا أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال: أخبرنا عبدُ الرحمن بن
(١) رواه أحمد ٣٥٨/٥، خ ومسلم (١٧٣١) (٣)، والترمذي (١٦١٧) من طريق
عبد الرحمن بن مهدي، والترمذي (١٦١٧) من طريق أبي أحمد الزبيري، والبيهقي
٩٧/٩ و١٨٤ من طريق يحيى بن آدم، وعبيد الله بن موسى، أربعتهم عن الثوري، به.
(٢) إسناده صحيح، ورواه الدارمي ٢١٦/٢-٢١٧، وابن ماجه (٢٨٥٨) عن
الفريابي، به. ورواه مسلم (١٧٣١) (٢) من طريق يحيى بن آدم، وأبو داود (٢٦١٢)،
والبغوي (٢٦٦٨)، والبيهقي ٧٩/٩ و١٨٤ من طريق وكيع، كلاهما عن سفيان، به.
- ٥٠٢-

کتاب الجهاد والمغازي
محمد بن سَلاَّم، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ الأزرقُ، عن سفيان، عن علقمة
بنِ مرثدٍ، عن سليمان بن بُريدة، عن أبيه، عن النبيِّ ﴿ٌ مثلَه، وفيه:
(وإنْ أَنْتَ حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنِ، فَسَأُلُوكَ أن تُنْزِلَهُمْ على حُكْمِ اللهِ
عَزَّ وجَلَّ، فلا تُنْزِلْهُمْ على حُكْمِ اللهِ، ولكِن أَنْزِلْهُمْ على حُكْمِكَ،
فإنّك لا تَدْرِي أَتُصِيبُ فيهم حُكْمِ اللهِ أو لا)).
وفيه: قال علقمة: فحدثتُ بهذا الحديث مقاتلَ بنَ حيَّان، فقال:
حدثني مسلمُ بنُ هَيْصَمٍ، عن النعمان بن مُقَرِّن، عن النبيِّ :﴿ مثلَه.
قال أبو جعفر: فصارت هذه الزيادة في هذا الحديثِ التي ترجع
إلى النعمان بن مقرِّن، عن الفريابي، وعنٍ إسحاق بن يوسف جميعاً،
عن الثوري.
ومنهم إدريس الأوديُّ:
٣٦٠١- كما حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال: أخبرنا أحمدُ بن
سليمان الرَّهاويُّ، قال: حَدَّثَنَا يعلى بنُ عُبيدٍ، قال: حَدَّثَنَا إدريسُ
الأوديُّ، عن علقمة، عن سليمان بن بُريدة، عن أبيه، عن النبيِّ ◌َ﴾
مثْلَه، وفيه ذكرُ الزيادة التي زيدت على جرير، عن شعبة، وليس فيه
ذكرُ علقمة إياه لمقاتل بنِ حيَّان. إلى آخر الحديث.
ثم نظرنا في هذه الزيادة التي زادها الفريابيُّ وإسحاق بنُ يوسف
التي ترجع إلى النعمان بنِ مُقَرِّن: هل نَجِدُها في حديث غيرِ الثوري عن
علقمة أم لا؟
٣٦٠٢- فوجدنا محمدَ بنَ علي بن زيد المكي الصَّائغ قد حَدَّثْنَا،
قال: حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ عمر العلاف، قال: حَدَّثْنَا جريرٌ - يعني ابنَ عبد
-٥٠٣-

كتاب الجهاد والمغازي
الحميد- عن حمزة الزيات، عن علقمة بن مَرْثَدٍ، عن سليمان بن بُريدة،
عن مسلمٍ بِنِ هَيْصَمِ العبديِّ، عن النعمان بن مُقَرِّن المزنيِّ، عن رسول
اللهَ*، فذكر مثله وفيه ذكرُ الزيادة التي زيدت على جرير، عن
شعبة.
غير أنَّ حمزة والثوري اختلفا في الذي يُحدِّث بهذا الحديثِ عن
مسلم بن هيصمٌ، فقال حمزة في حديثه عن علقمة، عن سليمان بنِ
بُريدة، عن مسلم بن هيصم، فصار المحدث به في هذا الحديث عن
مسلم بن هيصم هو سليمانُ بنُ بُريدة.
وقال الثوري في حديثه: قال علقمة: فحدثتُ به مقاتلَ بنَ حَّان،
ثم ذكر الحديثَ، فصارَ الحديثُ عن علقمة، عن مقاتل، عن مسلم بن
هيصم، عن النعمان. والله أعلمُ بالصَّواب في ذلك ما هو.
قال أبو جعفر: فتأملنا هذه الآثار فوقفنا على نهى رسول الله مخط﴿
رُسُلَهُ أن يُنْزِلُوا أحداً من أهلِ الحصون على حكم الله فيهم إن سألوهم
ذلك، وإعلامه إِيَّاهم أن نهيه إِيَّاهم عن ذلك إنما هو لأنّهم لا يدرون ما
حُكْمُ الله عز وجل فيهم، ووجدنا في أكثرها إطلاقَه لهم أن يُنْزِلُوهم
على حُكمهم، فعقلنا بذلك أن أحكامَ الله عز وجل في الأشياء التي لم
نعلمها بأنها مسطورةٌ أنزلها في كتابه، أو سنة مأثورة أجراها على لسان
رسولِه، أو بإجماع من الأمة على حكم الله عز وجل في ذلك إذ
كانوا لا يجتمعون إلا من حيث لهم أن يُجمعوا على ما يُجمعون عليه
من ذلك، وإذا كان الله لا يجمعهم على ضلالةٍ إذا عَدِمْنَاهَا، إذ كنا لم
نُكلَّفها، ولم نُتَعَبَّد بها، لأنَّ الله عز وجل لم يُكلّفنا ما لا نُطِيقُ، ولم
-٥٠٤-

كتاب الجهاد والمغازي
يتعبدنا بما نحن عنه عاجزون أن نَرْجِعَ في الحوادثِ التي تحدث إلى
اجتهادنا فيها، وإلى طلب ما يؤدِّينا إليه اجتهادنا فيها بعدَ أن نكونَ مِن
أهلِ الآلات التي لأهلها الاجتهاد في طلب مثل هذا، فإذا أُدَّانا ذلك إلى
المعنى - ونحن كذلك- وَسِعَنَا العملُ به، وإن كنا لا ندري هل هو عدَ
الله عز وجل على ما أدانا إليه اجتهادُنا فيه أم لا، وعقلنا بذلك أن
المفروضَ علينا في ذلك هو الاجتهادُ الذي قد يُدْرَكُ به الصواب فيه،
وقد يَقْصُرُ عنه، لا إصابة الصواب فيه بعينه. ومثلُ ذلك ما قد كان في
أمرِ سعد بن معاذ لما نزلت قريظة على حكمه فأطلق له رسول الله خلا
الحکم فیھم.
٣٦٠٣- كما حَدَّثْنَا الربيعُ بنُ سليمان المرادي، قال: حَدَّثْنَا أسدُ
بنُ موسى، قال: حَدَّثْنَا يحيى بنُ زكريا بن أبي زائدة، قال: حَدَّثَنَا محمدٌ
بنُ عمرْو - يعني ابنَ علقمة بن وقاص الليثي-، عن أبيه، عن جدِّه،
قال: قالت عائشة: حَصَرَ رسولُ اللهِ وَ﴿ل بني قريظة، فلمَّا اشْتَدَّ عليهم
الحِصَارُ، قالوا: نَنْزِلُ على حُكْمٍ سعدِ بنِ معاذٍ، فقال رسولُ الله ﴿:
(فَعم)، فأرسل إلى سعدٍ، قال أبو سعيد الخدري: فلما طلع على رسولِ
الله ◌َ﴾، قال: (قُوموا إلى سَيِّدِكم أو إلى خَيْرِكُمْ))، قال: ((احْكُمْ
فِيهِم))، قال: أحكمُ أن تُقْتَلَ قتلتُهُمْ، وأن تُسْبَى ذَرَاريهم، وأن تُقسم
أموالُهم، فقال رسولُ اللهِ ﴿: (لَقَدْ حَكَمْتَ بَيْنَهُمْ بِحُكْمِ اللهِ وبِحُكْمِ
رسوله))(١).
(١) رواه أحمد ١٤١/٦، وابن سعد ١٤٢/٣، وأبو بكر بن أبي شيبة ٤٠٨/١٤،
- ٥٠٥-

كتاب الجهاد والمغازي
٣٦٠٤- وكما حَدَّثْنَا الربيعُ بنُ سليمان المراديُّ، ومحمدُ بنُ عبدِ
الله بنِ عبد الحكم، قال الربيعُ: حَدَّثْنَا شعيبٌ، وقال محمد: حَدَّثْنَا أبي
وشعيب، ثم اجتمعا جميعاً، فقالا: عن الليث، عن أبي الزبير، عن
جابر، أنه قال: رُمِيَ يومَ الأحزاب سعدُ بنُ معاذ، فقطعوا أبْجَلَهُ،
فحَسَمَهُ رسولُ اللهِ ﴿ بالنارِ، فانتفخت يدُهُ، فتركه، فتزفه الدَّمُ،
فحسمه أُخرى، فانتخفت يَدُهُ، فلما رأى ذلك، قال: اللَّهُمَّ لا تُخْرِجْ
نفسي حتى تُقِرَّ عيني من بني قريظة، فاسْتَمْسِكَ عِرقُه، فما قَطَر قطرةُ
حتى نزلوا على حُكم سعد بنِ مُعاذ، فأرسل إليه، فحكم أنْ تُقْتَلَ
رجالُهم، وتُستحي نساؤُهم وذراريهم ليستعين بها المسلمون، فقال
رسولُ اللهِ﴿: ((أَصَبْتَ حُكْمَ اللهِ فِيهِمْ)، وكانُوا أربَعَ مئةٍ، فلما فرغ
من قتلهم انفتق عرقهُ فمات.
قال أبو جعفر: أفلا ترى أن سعداً قد حكم في بني قريظة بما
حكم به فيهم قبلَ أن يعلم ما حكم الله فيهم، فحَمِدَ رسولُ الله ◌ِ ﴿
ذلك منه، فدلَّ ذلك أن كذلك الأحكام في الحوادث يستعمل فيها مَنْ
إليه الحكمُ فيها رأيَه باجتهاده فيها طلب المفروض عليه فيها، وأَنَّه ليس
عليه إصابةٌ حقائقها، إنما عليه الاجتهاد في ذلك، وإن كان قد يقصر
عنه، وإذا كان ذلك واسعاً في الدماء وفي الفروج، كان في الأموال
أوسع. والله نسأله التوفيق.
وابن حبان (٧٠٢٨) مطولاً من طريق يزيد بن هارون، عن محمد بن عمرو، به.
-٥٠٦-

كتاب الجهاد والمغازي
٥٠٨- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عَنَّهُ علیه السَّلامُ من قوله لابنِ
عمر ولأصحابه لما رَجَعُوا إلیه بَعْدَ فِرارهم من الزَّحْفِ، وقولهم
له: نحن الفَرَّارون، قال: بل أنتم العکارون
٣٦٠٥- حَدَّثْنَا أبو أُمية، حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ موسى الأشيب،
حَدَّثْنَا زهيرُ بنُ معاوية، حَدَّثْنَا يزيدُ بن أبي زياد، عن عبدِ الرحمن بنِ
أبي ليلى، عن ابنٍ عُمَرَ، قال: كنتُ فِي سَرِيَّةٍ من سرايا رسولِ اللهِ لَ﴿ه
فَجَاضَ النَّاسُ حَيْضَةً(١)، وكنتُ فيمن حَاضَ، فقلنا: كيف تَصْنَعُ وقد
فَرَرْنا من الزحف، وبؤنَا بالغضبِ، فقلنا: لو دخلنا المدينةَ، فبتنا بها،
فقلنا: لو عرضنا أنفسَنا على رسولِ اللهِلَ﴾، فإن كانت لنا توبةٌ، وإلا
ذهبنا، فأتيناه قَبْلَ صلاة الغداة، فخرج، فقال: ((مَنِ القومُ؟)) قلنا: نحن
الفرَّارونَ، قال: ((بل أنتم العَكَّارون، أنا فتتكم، أو أنا فئة المسلمين))
فأتيناه حتى قَبَّلْنَا يَدَهُ (٢).
(١) قال صاحب (النهاية) ٣٢٤/١: حاض في القتال: إذا فرَّ، وحاض عن الحق:
عدل. وأصل الجيض: الميل عن الشيء، ويروى بالحاء والصاد المهملتين.
(٢) إسناده ضعيف، یزید بن أبي زياد ضعيف.
ورواه أحمد ٧٠/٢ عن الحسن بن موسى، به.
رواه الشافعي ١١٦/٢، والحميدي (٦٨٧)، وسعيد بن منصور (٢٥٣٩)، وأحمد
٥٨/٢ و٨٦ و١٠٠ و١١٠-١١١، والبخاري في (الأدب المفرد)) (٩٧٢)،
والترمذي (١٧١٦)، وابن ماجه (٣٧٠٤)، وابن الجارود (١٠٥٠)، والبيهقي ٧٦/٩
و٧٦-٧٧، والبغوي (٢٧٠٨) من طرق عن يزيد بن أبي زياد به، وانظر ما بعده.
-٥.٧-

كتاب الجهاد والمغازي
٣٦٠٦- حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ سِنان، حَدَّثْنَا الحسنُ بنُ عُمر بنِ شقيق،
حَدَّثَنَا جريرُ بنُ عبدِ الحميد، عن يزيد بنِ أبي زياد، عن ابن أبي ليلى،
قال: قال ابنُ عمر ...
ثم ذكر هذا الحديث، إلا أنَّه قال فيه: ((فَحَاصَ الناسُ خَيْصَةٌ)
مكانَ ما في حديث أبي أمية ((فجاضَ النّاسُ جيضة)) ولم يذكر فيه:
((فأتيناه، فقبلنا يده)).
٣٦٠٧- حَدَّثَنَا روحُ بنُ الفرج، حَدَّثَنَا يوسفُ بنُ عدي، حَدَّثَنَا
عبدُ الرحيم بنُ سليمان، عن يزيد بنِ أبي زياد، عن عبد الرحمن قال:
حدثني عبدُ الله بنُ عمر أنه كان في سَرِيَّةٍ من سرايا رسولِ الله ◌ِ﴾،
فحاصَ الناسُ حيصة ... ثم ذكر نحوَ حديثٍ أبي أُمية سواءً.
فقال قائل: العكَّارون عند العرب: هم الكرَّرون، فكيف جازَ في
هذا الحديث أن يقال هذا القول للفرّارين؟
فكان جوابُنا له في ذلك: أن المرادَ بذلك أنَّهم لَمّا كروا إلى رسول
الله :﴿ وهو فئتهم لِيَرْجِعُوا إلى ما يأمرهم به، ولينصرفوا فيما يصرفهم
فيه، كان ذلك كرّاً منهم إليه، وعوداً منهم إلى ما كانوا عليه من بذل
أنفسهم لِقتال عدوِّهم، فاستحقوا بذلك أن يكونوا عكَّارين، والله
وقوله: (بل أنتم العكارون)): هو بالعين المهملة وتشديد الكاف، قال ابن الأثير:
أي: الكرارون إلى الحرب العطافون نحوها، يقال للرجل يولي عن الحرب، ثم يكر
راجعاً إليها: عكر واعتكر، وعكرت عليه: إذا حملت.
-٥٠٨-

کتاب الجهاد والمغازي
أعلم بحقيقة ذلك.
وفي هذا الحديث مما يجب أن يُوقَفَ عليه مما يلحق بالكبائر، وهو
أن بعضَ الناس قد ذهب إلى أن قولَه تعالى: ﴿ومن يُوَّهِمْ يَوْصَّذِ دُبُرَةٌ﴾
[الأنفال: ١٦] إنما ذلك في أهل بدر خاصّة دونَ مَن سواهم، لأنه لم
يكن للمسلمين فئةٌ يومئذٍ إلا وهي حاضرة بیدرٍ.
٣٦٠٨- كما حَدَّثْنَا عُبَيْدُ بنُ رجال، حَدَّثَنَا بِكرُ بنُ خلفٍ،
حَدَّثْنَا بِشرُ بن المفضل، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن أبي نضرة، عن أبي
سعيدٍ قال: نزلت يَوْمَ بدر: ﴿وَمَنْ يُولِهِمْ يومئذٍ دَبْرَةٍ﴾ (١)
٣٦٠٩ - وكما حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ شعيب، حَدَّثْنَا أبو داود - يعني
الحرَّاني- حَدَّثَنَا أبو زيدٍ الهرويُّ، حَدَّثَنَا شُعبةُ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ،
عن أبي نضرة، عن أبي سعيدٍ: ﴿وَمَنْ يُولِهِمْ يومئذٍ دِبْرَهُ﴾ قال: نزلت في
أهلٍ بدر(٢).
وليس فيما روينا عن أبي سعيدٍ أن هذه الآية نزلت يومَ بدرٍ أو
في أهل بدر على أن يكونَ الحكمُ الذي فيها من غير أهل بدر، كهو في
أهل بدر، وعلى أنه بعدَ بدرٍ كهو يوم كان في بدر، والدليلُ على ذلك
أن دخولَ ابنِ عُمَرَ في المقاتلة بإدخال رسول الله :﴿ إِيَّاه فيهم إنما كان
(١) رواه أبو داود (٢٦٤٨)، والنسائي في ((الكبرى)) كما في ((التحفة)) ٤٥٥/٣،
والطبري (١٥٧٩٩) و(١٥٨٠١) من طرق عن بشر بن المفضل، به.
(٢) رواه الطبري (١٥٨٠٠)، والحاكم ٣٢٧/٢ من طريقين عن شعبة، به.
-٥٠٩-

کتاب الجهاد والمغازي
عامَ الخندق، وبعد ردِّه إياه قبل ذلك وتركه إدخاله فيهم، وهذا بعد
بدر.
فدلَّ ذلك أن حُكْمَ الفرارِ من الزحف بغير تحرُّفٍ إلى قتال أو
تَخَيُّ إلى فئةٍ باقٍ حكمه إلى يومِ القيامة، وداخلٌ في الكبائر، والله
نسألُه التوفيقَ.
٥٠٩- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيّ عن رسول الله # من نهيه أن
يُسَافَرَ بالقُرآنِ إلى أرْضِ العَدوِّ
٣٦١٠- حَدَّثَنَا أحمد بن أبي عمران، قال: حَدَّثْنَا خَلفُ بن
هِشام البَزَّار، عن أبي أُسامة، عن عُبيد الله، عن نافعٍ، عن ابنِ عُمر
رضي الله عنهما أنَّ النبيَّ مَ﴿ُ نهى أنْ يُسَافرَ بالقُرآنِ إلى أرضِ العَدوِّ
مخافةً أَنْ يَنَالَهُ العَدُ (١).
٣٦١١- حَدَّثْنَا محمد بنُ عبد الله بن عبد الحكم، قال: حَدَّثَنَا
إسحاقُ بن الفُرات، عن يحيى بن أُوب، قال: قال يُحيى بنُ سعيدٍ:
أخبرني نافع، أن عبدَ الله بن عمر، قال: إنَّ رسول الله ل﴿ٌ نَهى أنْ
يُسَافَرَ بالقُرآنِ إلى أرضِ العَدوِّ، مخافةَ أنْ يَنَالَهُ العَدوُّ.
٣٦١٢- حَدَّثَنَا محمد بنُ إبراهيم بن جناد البغداديُّ، قال: حَدَّثَنَا
مُسلم بن إبراهيم الأزديُّ، قال: حَدَّثْنَا شُعبة، عن أيوب، عن نافع، عن
(١) رواه أحمد ٥٥/٢، وابن أبي داود في (المصاحف)) ص ٢٠٥-٢٠٦ و ٢٠٦
من طرق عن عبيد الله، به.
- ٥١٠-

كتاب الجهاد والمغازي
ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ رسول الله بَّ ... فذكر مثله(١).
٣٦١٣- حَدَّثَنَا يزيد بن سنان، قال: حَدَّثْنَا بِشْر بن عُمر
الزَّهْرانيُّ، قال: حَدَّثْنَا مالك بن أنس.
وحَدَّثْنَا يُونُس، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ أن مالكاً أخبره، عن نافعِ،
عن ابن عُمر، عن رسولِ اللهِعَ﴿ فذكر مثله(٢).
٣٦١٤ - وما قد حَدَّثْنَا يَزِيد، قال: حَدَّثْنَا أبو الوليد الطَّيَالِسِي
وأبو صالحٍ، قالا: حَدَّثْنَا اللَّيتُ بن سعدٍ، عن نافعٍ، عن ابن عُمر، عن
رسول الله﴾. فذكر مثله(٣).
قال: فكان في هذا الحديثِ نهيُ رسولِ الله ﴿: أن يُسَافَر بالقرآن
إلى أرضِ العَدوِّ، وفيه موصولٌ بنهيهِ عن ذلك مخافةَ أنْ يناله العدوُّ،
فاحتملَ أنْ يكونَ ذلك من كلامٍ ابنٍ عُمر، أو مِنْ كلام نافعٍ مولاه لا
مِنْ كلام النِي ◌َ﴿، فكشَفْنا عن ذلك لِنَقِفَ على حقيقة الأمر بتوفيق
اللهِ عز وجل.
(١) إسناده صحيح، ورواه أبو القاسم البغوي في ((الجعديات)) (١٢٢٣) عن محمد
بن إبراهيم بن جناد، به.
ورواه عبد الرزاق (٩٤١٠)، وأحمد ٦/٢، ومسلم (١٨٦٩) (٩٤)، وابن أبي
داود في («المصاحف)) ص٢٠٩، والبيهقي ١٠٨/٩ من طرق عن أيوب، به.
(٢) إسناده صحيح، وهو في (الموطأ) ٤٤٦/٢.
ورواه ابن أبي داود ص٢٠٧ عن أبي الطاهر، عن ابن وهب، به.
(٣) رواه مسلم (١٨٦٩) (٩٣)، وابن ماجه (٢٨٨٠)، وابن أبي داود في
(المصاحف)) ص٢٠٩ من طرق عن الليث بن سعد، به.
- ٥١١-

کتاب الجهاد والمغازي
٣٦١٥- فوجدنا الْمُزَنِيِّ قد حَدَّثَنَا، قال: حَدَّثْنَا الشَّافعيُّ، قال:
حَدَّثَنَا سُفيان، عن أُوب، عن نافعٍ، عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ
رسولَ اللهِ﴾ قال: (لَا تُسَافِرُوا بالقُرْآنِ إلى أرضِ العَدُوِّ، فإنّي
أخافُ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ)(١).
قال أبو جعفر: وكان أُيُوبُ عندنا -والله أعلم - ليس هو أيوبَ
الذي رَوَى شعبةُ عنه هذا الحديثَ عن نافع، وإنَّما هو أيوب بن موسى
الأُمَوي، والذي رَوَى شعبةُ عنه هو أيوبُ السَّخْتِيَانِي.
٣٦١٦- ووجدنا أبا أُمَيَّة قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثْنَا مُعاويةُ بن
عَمرو الأزدي، قال: حَدَّثَنَا أبو إسحاق الفَزَارِي، عن إسماعيل بن أُمَيَّة
وليث بن أبي سُلَيْم، عن نافع، عن ابن عُمر، قال: قال رسولُ الله ◌ِ﴾:
(لاَ تُسَافِرُوا بِالقُرْآنِ إلى أرْضِ العَدُوِّ، فإنّي أَخَافُ أَنْ يَلَهُ العَدُوُّ).
وقد توهَّم مُتوهمٌ أنَّ بين أبي إسحاق الفزاري وبين إسماعيل بن
أُمَيَّة في هذا الحديث سفيانَ الثُّوري، وليس كما تَوَهَّمَ، إذ كنًّا قد
وجدناه في غير رواية معاوية، عن أبي إسحاق كما في رواية معاوية عن
أبي إسحاق.
٣٦١٧- كما حَدَّثَنَا محمد بن سِنان الشَّيْزَرِي، قال: حَدَّثْنَا
الْمُسَيَّب بن وَاضِح، قال: حَدَّثْنَا أبو إسحاق الفزاري، عن إسماعيل بن
أُميَّة وليث بن أبي سُلَيْم، ثم ذكر بقيَّة الحديث.
(١) رواه أحمد ١٠/٢، والحميدي (٦٩٩)، ومسلم (١٨٦٩) (٩٤)، وابن أبي
داود في ((المصاحف)) ص٢٠٧-٢٠٨ و ٢٠٩ من طريق سفيان، به.
- ٥١٢-

كتاب الجهاد والمغازي
واحتَمَلْنا المسَيَّبَ في هذا الحديث، وإنْ كان أهلُ العلمِ بالإسناد
يتكلَّمُون فيه، لِيَتحقَّقَ أنْ لا دَخِيلَ بين أبي إسحاق وبين إسماعيل في
هذا الإسناد. وكان ما في أحاديث أيوب بن موسى وإسماعيل بن أُمَيَّة
وليث بن أبي سُليم هذه مِمَّا قد تحقَّقَ عندنا أنَّ الخوف الذي في هذه
الأحاديث على القُرآن أن ينالَهُ العدوُّ حتَّى نُهِيَ عن السَّفَرِ به إلى دَارِهِم
من أجلِهِ من رسُولِ الله {﴿، لا مِن سواه من رواةٍ هذه الأحاديث.
وقد اختلفَ أهلُ العلم في السَّفَرِ به إلى أرضِ العدوُّ. فذهب
بعضُهم إلى إباحةِ ذلك، منهم: أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد بنُ
الحسن.
كما حَدَّثْنَا محمد بن العبّاس، قال: حَدَّثْنَا علي بن مَعْبَد، عن
محمد بن الحسن، عن يعقوب، عن أبي حنيفة، ولم يَحْكِ خلافاً بينهم.
وذهب بعضُهم إلى كراهة ذلك. وقد رُوِيَ هذا القول عن مالك
بن أنس.
وذهب محمد بن الحسن بأخرة في (سيره الكبير)) إلى أنَّه إن كان
مأموناً عليه من العَدُوِّ، فلا بأسَ بالسفرِ به إلى أرضِهِم، وإنْ كان
مَخُوفاً عليه منهم، فلا ينبغي السفر به إلى أرضِهِم. ولم يَحْكِ هُناك
خلافاً في ذلك بينه وبين أحدٍ من أصحابه.
فاحتمل أن يكونَ ما في الرواية الأولى التي رويناها من إباحة
السفر به إلى أرض العَدُوِّ عند الأمَان عليه من العدو، وهذا القولُ
أحسنُ ما قِيل في هذا البابِ، والله تعالى نسأله التوفيقَ.
-٥١٣-

كتاب الجهاد والمغازي
٥١٠- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله / في
المجوسِ، وفيما ذُكِرَ عن عليّ رضي الله عنه أنّهم
كانوا أهل كتابٍ
٣٦١٨- حَدَّثْنَا فَهْد، قال: حَدَّثْنَا أحمد بنُ عبد الله بن يونس،
قال: حَدَّثْنَا أبو بكرٍ بن عيَّاش، عن أبي سعد -قال أبو جعفر: هو
البَقَّال سعيد بن الَرْزُبَانِ - عن عيسى بن عاصم، عن فَرْوَة بن نوفل،
قال: قام رجلٌ فقال: عجباً لعليّ يأخذُ الجزية من المجوس، وقد أُمروا،
أو أمرَ رسولُ الله ◌َ﴿ بالقتال، وأنْ لا تُؤْخَذَ الجزية إلاَّ مِنْ أهْلِ
الكتابِ. قال: فسمعه المستوردُ التميميُّ، فأخذه فذهبَ به إلى علي
رضي الله عنه، فقال: البَدَا (١) وأُخبرُكما: إنَّ المجوسَ كانوا أهلَ كتابٍ،
فانطلق مَلِكٌ منهم، فوقع على أُختِه وهو نَشْوان، فلمَّا أفاقَ، قالت له
أُخْتُه: أي شيء صنعتَ؟ وقعتَ عليَّ! وقد رآك الناسُ، والآن
يرجُمُونَك !! قال: أوَلاَ حَجَرْتِيني؟ قالت: واستطعتُ! جئتَ مثل
الشيطان، ولقد رآك الناسُ، وليَرجُمُنَّك غداً إلاَّ أنْ تطيعني. قال:
وكيف أصنعُ؟ قالت: تُرْضِي أهلَ الطَّمِعِ، ثم تدعو الناسّ، فتقول لهم:
إِنَّ آدَمَ خَلَقَهُ الله عز وجل فكان يزوِّج ابنَهُ أُخته، أو قالت: ابنَه ابنَتَهُ،
قال: وجاءَهُ الْقُرَّاءُ، قالوا: قُمْ يا عدوَّ اللهِ. قال: هو هذا، فقد جاؤوا،
(١) (البَداء) قال ابن الأثير في ((النهاية)): ومنه حديث علي ((قال الرجلين أتيانه
يسألانه: الْبَدا بالأرض حتى تفهما)) أي: أقيما.
-٥١٤-

کتاب الجهاد والمغازي
فقامَ إليهم هؤلائِك فَدَاسُوهم حتى ماتُوا. فمِنْ يومئذٍ كانت المجوسيَّة،
وقد أخذ رسولُ اللهِلَ﴿ الجزيةَ من محوسِ هَجَرَ (١).
قال أبو جعفر: فكان في هذا الحديث من قولٍ علي رضي الله
عنه: ((إِنَّ المجوس كانوا أهلَ كتابٍ)) وكان هذا عندنا -والله أعلم- مما
قد يحتمل أن يكونوا كانوا أهلَ كتابٍ، لو بَقِي لهم لأُكِلتْ ذبائِحُهم،
ولَحَلَّ نساؤُهم، ولكانوا في ذلك كاليهودٍ وكالنّصارى الذين نُؤمن
بكتابيْهم: وهُما التوراة والإنجيل، ولكنَّ الله عز وجل نَسَخَهُ فأخرجه
من كُتُبِه، ورفع حُكْمه عن أهل الإيمان به، كما نسخَ غيرَ شيءٍ ثَمّا قد
كان أنزلَهُ على نبيِّنا ﴿ قُرآناً فأعاده غيرَ قرآن، من ذلك ما كان قد
يُقرأ: (الشَّيخُ والشَّيخةُ إذا زنيا فارجموهما ألبتةَ)) لِمَا قَضَيا مِن الَّذَّةِ.
ومن ذلك: (لو أنَّ لابن آدمَ واديين من مالٍ، لابتغى إليهما ثَالِثاً) في
أشياء كثيرةٍ قد نسخَها الله عز وجل، وأخرجها أن تكون قُرآناً،
وسنذكر ما قد رُوِيَ في ذلك فيما بعدُ من كتابنا هذا إن شاء الله.
ولما كان ذلك احتمل أن يكونَ ما قد رُوِيَ عن علي رضي الله
(١) إسناده ضعيف، أبو سعد البقال سعيد بن المرزبان، ضعيف مدلس.
رواه عبد الرزاق (١٠٠٢٩)، والشافعي ١٣١/٢، وأبو يعلى (٣٠١)، والبيهقي
١٨٨/٩- ١٨٩ من طريق سفيان بن عيينة، عن أبي سعد البقال، به. إلا أن سفيان
قال فيه: ((نصر بن عاصم)) بدل ((عيسى بن عاصم))، وهو وهم من سفيان غلِط فيه،
قاله ابن خزيمة كما في «سنن البيهقي)).
وقال الهيثمي في ((المجمع)) ١٢/٦ بعد أن عزاه إلى أبي يعلى: وفيه أبو سعد البقال،
وهو متروك.
٥١٥٠٠-

كتاب الجهاد والمغازي
عنه في المجوسِ أنّهم كان لهم كتابٌ أن يكونَ كما رُوِيَ عنه فَنسِخ،
فخرج من كُتبِ الله عز وجل فلم يكن منها.
فقال قائل: فكيف أُخذت منهم الجزيةُ وإنما قال الله عز وجل:
﴿َاتُ الَّذِينَ لاَ بْسُونَ بَاللهِوَ بالَوْمِالآخِ وَلَيُحَرِّمُونَ مَا حَرََّ اللّهُوَسُولُ ولاً
يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِ مِنَ الَّذِينَأُوُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِّئَةَ عَزْيَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾
[التوبة: ٢٩].
فإن قُلتَ: لأخذِ رسول الله :﴿ إياها منهم في حديث علي هذا
وفي حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما
٣٦١٩- كما حَدَّثْنَا أحمد بن الحسن الكوفي، قال: سمعتُ سفيان
بن عُيَيْنة يقول: عَمرو، سمع بَحَالَة يقوله: لم يكن عُمر بن الخطاب
رضي الله عنه أخَذ الجزيةَ من المجوسِ، حتى شَهِدَ عبدُ الرحمن بن عوف
أنَّ النبي ﴿ أخذها من أهلِ هَحَرَ (١).
وفي حديث عمرو بن عوف:
(١) إسناده صحيح، ورواه الشافعي ١٣٠/٢ -١٣١، وفي ((الرسالة)) (١١٨٣)،
والطيالسي (٢٢٥)، وأحمد ١٩٠/١-١٩١، والدارمي ٢٣٤/٢، وأبو عبيد في
((الأموال)) (٧٧)، والبخاري (٣١٥٦) و(٣١٥٧)، وأبو داود (٣٠٤٣)، والترمذي
(١٥٨٧)، والنسائي في ((الكبرى)) كما في ((التحفة)) ٢٠٨/٧، وأبو يعلى (٨٦٠)
و(٨٦١)، والبيهقي ٢٤٧/٨-٢٤٨ و٢٨٩/٩، والبغوي (٢٧٥٠) من طرق عن
سفيان بن عيينة، به. وقال الترمذي: حسن صحيح.
ورواه أحمد ١٩٤/١، والترمذي (١٥٨٦) من طريقين عن عمرو بن دينار، به.
- ٥١٦-

کتاب الجهاد والمغازي
٣٦٢٠- فذكر ما قد حَدَّثْنَا يونس، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ،
قال: أخبرني يُونس، عن ابنِ شهابٍ، عن عُروة بن الزُّبِير، أنَّ المِسْوَرَ
بن مَخْرَمَة أخبره، أنَّ عَمْراً - وهو عَمرو بن عَوْف وهو حليفٌ لبني
عامر بن لؤي وكان شهد بدراً مع رسول الله :﴿ - أخبره أنَّ رسولَ
الله ﴿ بعثَ أبا عُبيدة ابن الجَرَّاحِ رضي الله عنه إلى البحرين يأتي
بجزّيَتِها، وكان النبيُّ ◌َ﴿ صالح أهل البحرين، وأمَّر عليهم العلاء بنّ
الحَضْرَمي، فقدِمِ أبو عُبيدة بمال البحرين، فسَمِعَتِ الأنصارُ بِقُدوم أبي
عُبيدة رضي الله عنه، فوَافَوْا صلاة الفجرِ مع رسول اللهلَ﴿ّ، فلما
صلَّى رسولُ اللّهُ﴿، انصرفَ فتعرَّضُوا له، فَتَبَسَّمَ رسولُ اللهِوَ﴿ حين
رآهم ثمَّ قال: ((أظُنَّكم سَمِعْتُم أنَّ أبا عبيدة قَدِمَ بِشيءٍ من البَحْرَيْن))؟
قالوا: أجلْ يا رسولَ الله. قال: (فَأَبْشِرُوا وأمِّلُوا ما يَسُرُّكم، فو الله ما
مِنَ الفَقْرِ أخْشَى عليكم، ولكن أخْشَى أن تُبْسَطِ الدُّنيا عليكم كما
بُسِطَتْ على من كان قبلكم، فَتَنَافَسُوا فيها كما تَنَافَسُوا، وَتُهلِكَكُم
كما أهلَكَتْهُم))(١).
(١) إسناده صحيح، ورواه النسائي في ((الكبرى)) كما في ((التحفة) ١٦٩/٨،
وابن ماجه (٣٩٩٧) عن يونس بن عبد الأعلى، به.
ورواه مسلم (٢٩٦١) (٦) عن حرملة بن يحيى، والطبراني ١٧/(٤٠) من طريق
أحمد بن صالح، كلاهما عن ابن وهب،
ورواه أحمد ١٣٧/٤ و٣٢٧، والبخاري (٣١٥٨) و(٤٠١٥)، ومسلم
(٢٩٦١)، والترمذي (٢٤٦٢)، والنسائي في (الكبرى)، والطبراني ١٧/(٣٩)
و(٤٠) و(٤١) و(٤٢)، والبيهقي ١٩١/٩ من طرق عن ابن شهاب الزهري، به.
-٥١٧-

كتاب الجهاد والمغازي
٣٦٢١ - وما قد حَدَّثَنَا أحمد بنُ داود، قال: حَدَّثْنَا إبراهيم بنُ
الْنْذر الجزَامِي، قال: حَدَّثْنَا محمد بنُ فُلَيح، عن مُوسى بن عُقبة، عن
الزُّهري، عن عُرْوة بن الزبير، عن المِسْوَر بن مَخْرَمة أخبره أنَّ عمرو بن
عوف -وهو حليف بني عامر بن لُؤَي - ثم ذكر مثله، غير أنَّه قال:
((فُتُلْهِيَكُم كما أَتْهُم) مكان (فُتُهلكَكُم كما أهلَكَتْهُمْ)(١).
قِيل لك: ففي أخذِ رسول الله﴿ الجزية ما قد حقق أنَّ لهم
کتاباً.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه أنَّ أخْذ
رسول الله :﴿ الجزية منهم قد يحتمل أن يكون لا لتحقيقه أنَّ لهم
كتاباً، ولكن لمعنى آخر وهو أنَّ أهلَ الكتابين لَّا كنّا نُؤمن بكتابَيْهم،
وكانت الجزية مأخوذة منهم لإقرارنا إِيَّاهم معنا في دارِ الإِسلام آمنين،
وهم إلينا أقربُ من المجوسِ الذين لا كتابَ لهم، كان المجوسُ الذين هُم
كذلك مع إقرارنا إياهم في دَارِنا آمنين بأخذِ الجزية منهم أوْلى.
قال أبو جعفر: وقد كان من رسول الله مُ﴾ في ما يؤكد أخذ
الجزية من المجوسِ مِمَّا خاطب به عمَّه أبا طالبٍ
٣٦٢٢- ما قد حَدَّثْنَا أحمد بن داود، قال: حَدَّثْنَا مُسَدَّد، قال:
حَدَّثَنَا يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن الأعمش، عن يحيى بن عُمارة،
عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مرض أبو
(١) رواه البخاري (٦٤٢٥)، والبيهقي ١٩٠/٩-١٩١ من طريق إسماعيل بن
إبراهيم بن عقبة، عن عمه موسى بن عقبة، به.
- ٥١٨-

كتاب الجهاد والمغازي
طالب فأتته قريش وأتاه النبيُّ:﴿ يعودُه، وعند رأسه مقعد رجُلٍ، فقام
أبو جهلٍ فَقَعَد فيه، فقال: ما بالُ ابن أخيك يذكُرُ آلهتَنَا. قال: ما بالُ
قومِك يشكونك؟ قال: (يا عَمَّاهُ، أُريدُهم على كلمةٍ تَدينُ لهم
العربُ، وَتُؤدِّي إليهم العجمُ الجزيةَ). قال: ما هي؟ قال: ((لا إله إلاّ
الله). قال: أَجْعَلَ الآلهة إلهاً واحدً؟ فأنزل الله عز وجل: ﴿صّ وَالقُرَّآن
ذي الذّكْرِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ هذَا لَشَيِيْءُ عُجَابٌ﴾ [ص: ١ -٥)(١).
قال أبو جعفر: فكان في هذا الحديث ما قد دلَّ على دخول
المجوس فيمن يُؤخَذُ منه الجزية، لأنهم من العجم.
فقال هذا القائل: وكيف تقبّلُونَ هذا الحديث وفي إسناده يحيى
بن عمارة وأنتم لا تعرفونه، ولا تعرفون يحي بن عمارة في أهل العلم
إلاّ يحيى بن عمارة الأنصاري أبا عمرو بن يحيى وذلك لا يَروِي عن
سعيد بن جُبَيْر وإنما هو من أهل المدينة؟
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أنَّ يحيى بن
عمارة المذكور في هذا الحديث كما ذُكِرَ، غير أنَّا قد وقفنا على العلّة
(١) يحيى بن عمارة -ويقال: ابن عباد، مقبول.
ورواه أحمد ٢٢٧/١-٢٢٨، والترمذي (٣٢٣٢)، والنسائي في ((الكبرى)) كما في
((التحفة)) ٤٥٦/٤، وابن جرير الطبري في ((تفسيره)) ١٢٥/٢٣، والبيهقي ١٨٨/٩
من طرق عن يحيى بن سعيد، به.
ورواه الترمذي (٣٢٣٢)، والنسائي في ((الكبرى)، وابن جرير ١٢٥/٢٣
و ١٢٥- ١٢٦، والحاكم ٤٣٢/٢، والبيهقي ١٨٨/٩ من طرق عن سفيان، به.
-٥١٩-

كتاب الجهاد والمغازي
فيه، فبان لنا أنَّه مصحَّفٌ، وأَنَّهُ إِنَّما أُريد يحيى بن عبّاد أبو هبيرة
الأنصاري وهو رجل جليل من تابعي الكوفة، فصُحِّفَ، فَقِيلَ: يحيى بن
عمارة.
٣٦٢٣- كما حَدَّثْنَا إسحاق بن إبراهيم بن يونس، قال: حَدَّثْنَا
أحمد بن منصور الرَّمَادِي، عن علي ابن المدِيني، قال: حَدَّثْنَا يحيى بن
سعيد بهذا الحديث، فقال فيه: يحيى بن عمارة. فأتيت عبد الرحمن بن
مَهْدِي فحدثنا به فقال فيه: عن يحيى، فقلتُ لعبد الرحمن: مَنْ يحيى؟
قال: لا أزيدُك على يحيى. فنظرتُ في كتاب الأشْجَعِي فإذا هو: عن
يحيى بن عباد أبي هُبَيْرَة.
فبانَ بذلك ما قد ذكرناه، وكان أخذُ الجزية من المجوس لهذا
المعنى لأِنَّهم عجم، لأنّهم أهل كتاب، تحلُّ به نساؤهم وتُؤْكَلُ به
ذبائحهم وبذلك امتثل فيهم الخلفاء الراشدون الَمَهْدُِون رضوان الله
عليهم. منهم: عُمر، وعلي. ومنهم: عثمان رضي الله عنهم.
٣٦٢٤ - حَدَّثْنَا يونُس قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني
يُونس، عن ابنِ شهابٍ، قال: حَدَّثْني سعيد بن المسيب أن رسولَ الله
* أخذ الجزية من مجوسِ هَخَر، وأنَّ عُمر بن الخطاب أخذها من
مجوسِ السَّواد، وأنَّ عُثمان أخذها من بربر(١).
(١) إسناده إلى سعيد بن المسيب صحيح، وهو مرسل.
ورواه البيهقي ١٩٠/٩ من طريق محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن ابن
وهب، به. ورواه مالك في («الموطأ) ٢٧٨/١، وعبد الرزاق (١٠٠٢٦)، وابن أبي
- ٥٢٠-