النص المفهرس
صفحات 481-500
كتاب الجهاد والمغازي
٣٥٧٠- ما قد حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ أبي داود، قال: حَدَّثْنَا عمرو
بنُ عثمان بن كثير بنٍ دينار، قال: حَدَّثْنَا بقية بن الوليد، قال: حَدَّثَنَا
المسعوديُّ، قال: حدثني أبو بكر بنُ عمرو بن عتبة، عن ابنِ جرير بنٍ
عبد الله البجلي، عن أبيه، أن معاوية كتب إلى جرير في بعثٍ ضربه:
أما بعدُ، قد رَفَعْنَا عَنْكَ، وعن ولدك الْجُعْلَ. فكتب إليه جريرٌ: إنّي
بايعتُ رسولَ اللهِ﴿ٌ على الإِسلام، فَأَمْسَكَ رسولُ اللهِلَ# بيدي،
فاشترط علي: ((والنصح لِكُلِّ مُسلِمٍ))، فإن أنشط في هذا البعثِ نخرج
فيه، وإن لا، أعطينا من أموالنا ما ينطلِقُ المنطِلقُ.
قال المسعودي: هذا أحسنُ ما سمعناه في الجعائل.
وقد روى حديث حيوة الذي ذكرناه في هذا الباب عبدُ الله بنُ
لهيعة، عن حيوة بخلاف ما رواه عنه الليث في إسناده وفي متنه.
٣٥٧١- كما قد حَدَّثْنَا يونسُ بنُ عبد الأعلى، قال: أخبرنا عبدُ
الله بنُ وهب، قال: حدثني ابنُ لهيعة، عن حيوة بنِ شريح، عن حسين
بن شفي الأصبحي، عن الصحابة أنهم قالُوا: يا رسولَ الله أفتنا في
الجاعِلِ والُحتعِل في سبيل الله عز وجل، قال: ((للغازي أجر ما
احْتَسَبَ، وللجاعل أجرُ الجاعلِ والمجتِعلِ))، ولم يذكر بين حسين بن
شفي وبين الصحابة أحداً.
قال أبو جعفر: وأمَّا ما قاله مَنْ تأخر من أهلِ العلم عن أصحاب
رسول الله 8# وعن تابعيهم في هذا الباب:
كما قد حَدَّثَا أحمدُ بنُ أبي عمران، قال: حَدَّثْنَا محمدُ بنُ سماعة،
قال: أخبرنا محمدُ بنُ الحسن، قال: حَدَّثْنَا يعقوبُ، عن أبي حنيفة رحمه
- ٤٨١-
کتاب الجهاد والمغازي
الله، قال: أكره الجَعَائِل إذا كان للمسلمين فَيْءٌ، فإن لم يكن لهم فَيْءٌ،
فلا باسَ أن يُقَوِّيَ بعضُهم بعضاً. ولم يحك محمد في ذلك خلافاً بَيْنَ
أبي يوسف وبَيْنَ أبي حنيفة.
قال أبو جعفر: وتأملنا ما ذكرناه في هذا الباب عن رسول
الله ◌َةِ، ثمَّ عن من ذكرناه من أصحابه، ثم ما ذكرناه عن من ذكرناه
بعدَهم من أهل العلم، فكان ما ذكرناه فيه عن رسول الله :﴿ مما ظاهرُه
إباحةُ الجعائل قد يكونُ عند الحاجة إلى ذلك إذا لم يكن للمسلمين
يومئذٍ فيْءٌ يُغني عنه، وكان ما ذكرناه فيه عن جرير مما لم ينكره معاوية
علیه.
وقد يحتمل أيضاً أن يكونَ ذلك كان حينَ لا فيءَ للمسلمين
يُغنيهم في ذلك، وكان مما ذكرناه فيه عن أبي حنيفة رحمه الله وأصحابه
كان مذهبُهم فيه عندنا - والله أعلم- على أن ما يُؤخذ في الجعائل، فإنما
يؤخذ للحاجة إلى ذلك التي يَسَعُ معها قبولُ الصدقة، وكان المسلمون
إذا كان لهم فيءٌ كان الأولى بهم التنزُّهَ عن الصدقة، وعن ما حُكْمُهُ
حُكْمُها إذ كانت غسالةُ ذنوب الناس، والاستغناء عن ذلك بالفيء
الذي هو بخلاف ذلك، والذي هو ليس من غسالةِ ذنوب الناس، فإذا
لم يكن ذلك أباحت الحاجة قبول ذلك للضرورة إليه.
وقد ذكرنا في هذا الباب، وفي الباب الذي قبله شُفي الأصبحي
بالضم، وهو كذلك، ولأصحابنا المصريين الهيثم بنُ شَفي بالفتح،
فأردنا ذكره هاهنا لِيُعْلَم شأنُهما، وأن كلَّ واحدٍ منهما خلاف
صاحبه، والهيثم بن شَفي هو من حِمير، وهو أبو الحصين، وشُفي فمن
- ٤٨٢-
كتاب الجهاد والمغازي
ذي الأصبح، وهم رهط من حمیر.
ولهم أيضاً تُمامة بن شفي بالفتح وهو أبو علي الهَمْداني.
فمما رُوِيَ في الحديث مما يدل على ما قد ذكرنا
٣٥٧٢- ما قد حَدَّثْنَا يونس، قال: حَدَّثْنَا عبدُ الله بنُ وهب،
قال: أخبرنا عمروُ بنُ الحارث، أن أبا علي الهمداني حدَّثه، قال: كنا
مع فَضَالَةُ بنُ عبيدٍ بردوس من أرض الروم، فتوفى صاحب لنا فأمرا بن
عبيدة بقبرة فَسُوِّيَ، ثم قال: سمعتُ رسول اللّهِلَ﴿ يأمر بتسويتها(١).
٣٥٧٣- وما قد حَدَّثَنَا عِمرانُ بنُ موسى الطائي، قال: حَدَّثَنَا
عياشُ بنُ الوليد الرَّقَّام، قال: حَدَّثْنَا عبدُ الأعلى بن عبد الأعلى، عن
محمد بن إسحاقَ، عن ثمامة بن شفي، قال: خرجنا في غَزَاةٍ في زمن
معاوية، وعلينا فَضَالَةُ بنُ عبيدٍ الأنصاري، فتوفي ابنُ عمّ لي يقال له:
نافعُ بنُ عُبيد، فقام معنا على حُفرته، فلما دفناه قال: خَفْفُوا عن
حُفرته، فإن رسولَ الله / كان يأمر بتسوية القبور.
فعقلنا بهذين الحديثين أن تُمامة المذكور في أحدهما هو أبو علي
المذكور في الآخر منهما، وأن أبا علي المذكور في أحدهما هو ثُمامةُ
المذكورُ في الآخر منهما. والله نسأله التوفيق.
(١) إسناده صحيح، ورواه مسلم (٩٦٨)، وأبو داود (٣٢١٩)، والنسائي
٨٨/٤ وفي ((الكبرى)) (٢٠٧٩)، من طرق عن عبد الله بن وهب، به.
- ٤٨٣-
كتاب الجهاد والمغازي
٥٠٢- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله # في المقتول
في الغزو مما نعلمُ يقيناً أنَّه أراد إذا كان مجتعلاً في غزوة أنه
الأجير إلى أقصى قطرةٍ من دمه
٣٥٧٤- حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبد الرحيم الهرويُّ، قال: حَدَّثْنَا دُحَيْمُ
بنُ اليتيم، قال: حَدَّثْنَا الوليدُ بنُ مُسلِمٍ، قال: حَدَّثْني محمدُ بنُ حربٍ،
عن أبي سَلَمة سُليمان بن سُلَيْمٍ، عن يحيى بنِ جابرٍ، عن ابنِ أخي أبي
أيوب، قال: كتب إليَّ أبو أيوب: إني سمعتُ رسولَ الله ﴿ يقولُ:
(سَتُفْتَحُ عليكُمُ الأَمْصَارُ، وَيُضْرَبُ عليْكُمْ بُعُوثٌ يَكْرَهُهَا الرَّجُلُ
مِنْكُمْ، فَيُرِيدُ أن يَتَخلِّصَ منها، فيأتي القَبَائِلَ يَعْرِضُ نفسَه عَلَيْهِمْ،
ويقولُ: من أكفيه بَعْثَ كَذَ وكَذا، ألا فَذلِكُم الأجيرُ إلى أقصى قَطْرَةٍ
مِنْ دَمِهِ)(١).
٣٥٧٥- وحَدَّثَنَا محمدُ بنُ سِنان الشَّيزري، قال: حَدَّثَنَا هشامُ بنُ
عَمَّارٍ، قال: حَدَّثْنَا الوليدُ بنُ مسلم، قال حَدَّثْنَا محمدُ بنُ حَرْبٍ، عن
أبي سلمةَ سُليمانَ بنِ سليم الكِناني - يعني كِنانة كُلّبٍ-، عن يحيى بنِ
جابرٍ الطّائي، عن ابن أخي أبي أيوب الأنصاري، قال: كتب إليَّ أبو
(١) إسناده ضعيف، ابن أخي أبي أيوب: كنيته أبو سورة، قال البخاري: منكر
الحديث، يروي عن أبي أيوب مناكير لا يتابع عليه، وضعفه ابن معين والترمذي
والساجي، وقال الدارقطني: مجهول، وقال الترمذي في ((العلل)) عن البخاري: لا
يُعرف لأبي سورة سماعٌ من أبي أيوب. ورواه أحمد ٤١٣/٥، وأبو داود (٢٥٢٥)،
والبيهقي ٢٧/٩ من طريق محمد بن حرب، به.
-٤٨٤-
كتاب الجهاد والمغازي
أيوب الأنصاريُّ: سمعتُ رَسُولَ اللهِ ﴾، ثم ذكر مثله.
فتأملنا هذا الحديثَ، فَعَقَلْنَا أَنَّه يُرَادُ به الاجتعالُ على الخروج في
الغزو عن الجاعلين، وفي ذلك ما يُوجبُ أن يكونَ الثوابُ في ذلك
الغزو للجاعلِ، وقد ذكرنا في هذا البابِ فيما تَقَدَّم منا في كتابنا هذا في
حديث شُفي الأصبحيِّ أن لِلجَاعِلِ أجرَ الجاعلِ وأجْرَ الغازي، وكمان
في ذلك ما قد نفى أن يكونَ للغازي على ذلك أجراً إذ كان إنما غزا بما
أخذه عوضاً على غزوهٍ مِن الجُعْلِ الذي أخذه عليه، فإذا قِلَ في ذلك
فقد قُتِلَ أجيراً فيما لا ثوابَ له من ربِّه عز وجل إذ كان ثوابُه فيه ما قد
أخذ مِن الجُعلِ ممن أخذه ليكون غزوه بما يأخذه مِن ذلك الجُعْلِ لمن
أخذه منه، والله عز وجل نسأله التوفيق.
٥٠٣- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِيّ عن رسول الله في التزام
عبد الله بن المُغَفّل الجراب الشحمَ الذي دُلي يَوْمَ خيبر ومِن
قوله مع ذلك: لا أُعطي أحداً اليوم منه شيئاً، وتبسم رسول
الله /# عند ذلك
٣٥٧٦- حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ سِنان، قال: حَدَّثْنَا بشر بن عمر،
ووهبُ بنُ جرير، قالا: حَدَّثَنَا شعبةُ، عن حميد بنِ هِلال، عن عبدِ الله
بن مُعَفَّلٍ، قال: كُنَّا مُحَاصِرِي خيبرَ، فرمى إنسانٌ بجراب فيه شَحْمٌ،
فنزوتُ لآخُذَهُ، فالتفتُّ، فإذا رسولُ اللهِلَّ فاستحييتُ منه (١).
(١) إسناده صحيح، ورواه البخاري (٤٢١٤) عن عبد الله بن محمد، عن وهب
- ٤٨٥-
کتاب الجهاد والمغازي
قال أبو جعفر: وأتينا بهذا الحديث وإن كان ليس فيه المعنى
الذي ترجمنا هذا الباب به، لأن لا يَظُنَّ أحدٌ أنه سقط عنّا من حديث
شعبة.
٣٥٧٧- وحَدَّثْنَا يزيدُ بنُ سِنان، قال: حَدَّثْنَا شيبانُ بن فَرُّوخ،
قال: حَدَّثْنَا سليمانُ بنُ المغيرة، قال: حَدَّثْنَا حميدُ بنُ هلال، عن عبد الله
بن مُغَفِّلٍ، قال: أصبتُ جِراياً من شحمٍ يومَ خيبر، فالتزمتُه، فقلتُ: لا
أُعطي أحداً اليوم من هذا شيئاً، فالتفتُّ فإذا رسولُ اللهِلَ يَتَبَسَّمُ(١).
٣٥٧٨- حَدَّثَنَا محمدُ بنُ خزيمةَ، قال: حَدَّثْنَا يوسفُ بنُ عدي،
قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بن المبارك، عن سليمان بنِ المغيرة، عن حُميد بنِ
هلال، عن عبدِ الله بن مُغَفّلٍ، قال: دُلِّي جِرابٌ من شحمٍ يومَ خيبر،
فالتزمته، فقلت: لا أُعطي أحداً اليومَ من هذا شيئاً، فالتفتُّ إلى رسولٍ
اللّهِ وَ﴿ فَتَبَسَّمَ إليَّ(٢).
بن جرير، به. ورواه أحمد ٥٥/٥ و٥٦ و٦٥، وابن أبي شيبة ٤٦٧/٤، والبخاري
(٣١٥٣) و(٤٢١٤) و(٥٥٠٨)، ومسلم (١٧٧٢)، والبيهقي ٥٩/٩، و٩/١٠ من
طرق عن شعبة، به.
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم، ورواه مسلم (١٧٧٢) وعنه البغوي في
((شرح السنة)) (٢٧٣٢) عن شیبان، به.
(٢) رواه أحمد ٨٦/٤، والدارمي ٢٣٤/٢، وأبو داود (٢٧٠٢)، والنسائي في
(الكبرى) (٤٤١٥)، والبيهقي ٩/١٠ من طرق عن سليمان بن المغيرة، به.
-٤٨٦-
كتاب الجهاد والمغازي
فقال قائل: كيف تروون مثلَ هذا وقد رويتم عن رسول الله ﴿
ما يُخالِفُ هذا.
٣٥٧٩- فذكر ما قد حَدَّثْنَا فهدُ بنُ سليمان، قال: حَدَّثْنَا
الحجاجُ بن المنهال، قال: حَدَّثْنَا حمادُ بنُ سلمة، عن بُدَيْلِ بنِ ميسرةً
العُقيليِّ، عن عبدِ الله بنِ شقيق، عن رجل من بَلْقَيْنِ، قال: أتيتُ
رسولَ الله ◌َ﴿ وهو بوادي القُرى، فقلتُ: يا رسولَ الله لَمِنِ الْمَغْنَمُ؟
قال: ((للَّهِ عزَّ وجَلَّ سهمٌ، وهؤلاء أربعةُ اسهم))، فقلتُ: فهل أحدٌ
أحقُّ بشيءٍ مِن المغنم من أحد؟ قال: ((لا، حتى السهم يأخذه أحدكم
من جنبه، فليس بأحقَّ به مِن أخيه))(١).
قال: ففي هذا الحديثِ أن المسلمينَ جميعاً شركاءُ في الغنيمة، وأنَّ
بعضهم ليس بأولى بشيء منها من بقيتهم، وحديثُ ابن المُغَفّلِ الذي
رويتموه مخالفٌ لهذا.
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أنَّ
احتجاجَه علينا بهذا الحديث قد بان جهلُه بصحيحِ الحديثِ مِن فاسده،
وأنه ممن لا تمييزَ معه بينهما، لأن هذا الحديثَ وإن كان حمادُ بن سلمة
قد رواه عن بُديل بن ميسرة، عن عبد الله بنٍ شقيق، عن رجل من
بَلْقَيْنِ، عن النبيِّ ◌َ﴾، فاحتمل ذلك وإن كان راويه غيرَ مسمى لقاءه
رسول الله 48*، وأخذه عنه، فإن ابن المبارك رواه عن خالد الحذاء، عن
(١) رواه أبو يعلى (٧١٧٩)، والبيهقي ٣٣٦/٦ من طريق حماد بن سلمة، به.
وذكره الهيثمي في ((المجمع)) ٤٨/١-٤٩، وقال: رواه أبو يعلى، وإسناده صحيح.
-٤٨٧-
کتاب الجهاد والمغازي
عبد الله بن شقيق، عن رجل، عن رجل من بَلْقَيْنِ، عن رسولِ الله
٣٥٨٠- كما حَدَّثَنَا محمدُ بنُ خزيمة، قال: حَدَّثَنَا يوسفُ بنُ
عدي، قال: حَدَّثْنَا عبدُ الله بن المبارك، قال: حَدَّثْنَا خالدٌ الحذاء، عن
عبدِ الله بنٍ شقيق، عن رجلٍ، عن رجلٍ من بَلْقَيْنٍ، ثم ذكر هذا
الحدیثَ.(١)
فعاد الحديثُ إلى رجلٍ مجهولٍ بَيْنَ هذا الصحابي، وبَيْنَ عبدِ الله
بنٍ شقيق، فوجب أن لا يحتجَّ بمثله.
وبعد هذا، فإن الذي كان مِن ابنِ الْمُغَفَّلِ إنما كان في طعامٍ من
الغنيمةِ، وقد كان أصحاب رسول الله8# في الطعام من الغنيمة على
٣٥٨١- ما قد حدثناه سليمانُ بنُ شعيب، قال: حَدَّثْنَا أبي، عن
أبي يوسف، قال: حَدَّثَنَا أبو إسحاق الشيباني، عن محمد بن أبي
المجالدِ، عن عبدِ الله بن أبي أوفى، قال: كنا مع رسولِ الله وَ﴿ بخيبر
يأتي أحدُنا إلى الطعام مِن الغنيمة، فيأخذ منه حاجته(٢).
(١) في إسناده مجهول، ورواه البيهقي ٣٣٦/٦ منطريق عبد الله بن شقيق، عن
رجل من بلقين، به.
(٢) في إسناده أبو يوسف القاضي فيه ضعف؛ وقد توبع، ورواه أبو داود
(٢٧٠٤)، والبيهقي ٦٠/٩ من طريق أبي إسحاق الشيبانين به. وقرن البيهقي أشعث
بن سوار بأبي إسحاق. وأورده الهيثمي في المجمع ٤٨/١-٤٩ وقال: رواه أبو يعلى
وإسناده صحيح.
-٤٨٨-
كتاب الجهاد والمغازي
٣٥٨٢- وما قد حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ خالد بن يزيد الفارسيُّ، قال:
حَدَّثْنَا عليُّ ابنُ المديني، قال: حَدَّثْنَا حمادُ بنُ زيدٍ، قال: حَدَّثَنَا أيوبُ،
عن نافعٍ، عن ابن عمر، قال: كنا نُصِيبُ في مغازينا - فذكر العنب
والعسل- فتأكله، ولا نرفعه (١).
قال أبو جعفر: وإذا كان واسعاً أخذ ما تقدمت غنيمةُ المسلمين
إِيَّاه حتى يستأثروا به لحاجتهم إليه، وحتى يأكلوه دونَ من سواهم من
أهل الغنيمة ممن لا حاجة به إليه، أو ممن قد استأثر بمثله لحاجته إليه،
كان ما كان من ابنِ المُغَفَّلِ مما لم يُنكره رسولُ الله ◌َ﴿ من أخذه بيده،
ومِن قوله بلسانه أوسعَ، وكانت الإباحةُ له في ذلك أكثرَ، فأما ما
سوى ذلك مما يدخل فيه حديثُ البَلْقَيْني فهو مما لا حاجةَ بالمرمي إليه،
وأما إن احتاج إليه ليرمي به من رماه به، أو من سواه من عدوه،
فحبسه إيَّه لذلك طلقٌ له. فبان بحمد الله ونعمته أن لا تَضَادَّ في هذين
الحديثين ولا اختلافَ، والله عز وجل نسأله التوفيقَ.
(١) إسناده صحيح.
ورواه البخاري (٣١٥٤)، ومن طريقه البغوي (٢٧٣١)، والبيهقي ٦٠/٩ من
طریق أحمد بن إبراهيم الموصلي، كلاهما عن حماد بن زيد، به.
ورواه أبو داود (٢٧٠١)، والطبراني (١٣٣٧٢)، والبيهقي ٥٩/٩ من طريق
عُبيد الله بن عمر، عن نافع، به. وانظر الفتح ٢٥٦/٦.
-٤٨٩ -
کتاب الجهاد والمغازي
٥٠٤- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيّ عن رسول الله # من تقديمه
المُحَرَّرِينَ في العطاءِ على غيرهم من الناسِ ما کان مراده
في ذلك
٣٥٨٣- حَدَّثْنَا محمدُ بنُ عبد الله بنِ عبد الحكم، حَدَّثَنَا عبدُ
الله بنُ نافع الصَّائغ، عن هشام بنِ سعدٍ، عن زيد بن أسلم، عن أبيه،
أن معاويةَ رضي الله عنه لما قَدِمَ المدينةَ حاجاً، جاء عبدُ الله بن عمر،
فقال له معاويةُ: حَاجَتُكَ يا أبا عبد الرحمن؟ فقال له عبدُ الله: حاجتي
عَطَاءُ الْمُحَرَّرِينَ، فإني رأيتُ رسولَ الله :﴿ِ حينَ جاءه شيءٌ لم يَبْدأ
(١)
بأوَّلَ مِنهم(١).
٣٥٨٤- وحَدَّثْنَا أبو أُمية، [حَدَّثْنَا] خالدُ بنُ مخلد القَطَواني،
حَدَّثْنَا أسامةُ بنُ زيدٍ، عن أبيه، عن ابنِ عمر أنه قال لِمعاويةَ: أمسكتَ
عطاء الْمُحَرَّرِينَ، ولم أرَ رسولَ الله ◌ِ﴿و بدأ بشيءٍ أوَّلَ منهم حينَ
وَجَدَ(٢).
٣٥٨٥- حَدَّثَنَا أبو أمية، حَدَّثْنَا يحيى بنُ صالح الوْحَاظي، أنبأنا
عَبْدُ العزيز بنُ محمد، حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ عبد الرحمن بن يُحَنْس، عن
(١) إسناده لا بأس به، ورواه ابن الجارود (١١١٤)، والبيهقي ٣٤٩/٦ من
طريق محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، به.
ورواه أبو داود (٢٩٥١) عن هارون بن زيد بن أبي الزرقاء، عن أبيه، حَدَّثنًا
هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم أن عبد الله بن عمر دخل على معاوية ... فذكره.
(٢) رواه أبو داود (١٩٥١) من طرق هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، به.
- ٤٩٠-
كتاب الجهاد والمغازي
نوح بنِ أبي بلال، عن أبي عَتَّابِ، أنَّ معاوية عامَ حَجَّ، قال عبدُ الله
بنُ عمر: ابْدَأُ بِالْمُحَرَّرِينَ، فإنّي رأيتُ رسول الله ﴾﴿ قسم قسماً،
فبدأهم، فبدأ معاويةُ، فأعطى المُحَرَّرِينَ قبلَ الناسِ.
قال أبو جعفر: فتأملنا هذا الحديثَ لنقف على السبب الذي كان
مِن رسولِ الله :﴿ في المُحَرَّرِينَ وهم الموالي المعتقُون ما هو، فوجدنا
المحررين قد كانوا أعداءً للمؤمنين يقتلونهم، ويأسِرونهم، ويأخذون
أموالهم، وكانَ المؤمنونَ أيضاً أعداءً لهم يَطْلُونَ منهم مثلَ ذلك غيرَ
أنهم في طلبهم ذلك منهم مريدين بهم الخيرَ وإدخالهم في الإسلام،
ليكونَ سبباً لهم إلى الجنة، وإلى الفوز في الدنيا والآخرة، وكان ما يُريده
الكفارُ من المؤمنين لِذلك ضداً، لأنهم يدعونهم إلى النارِ، وكان
المؤمنون قد يأسِرُونَ المشركين، فَيُحسنون إليهم، وكان المشركون إذا
أسروا المسلمينَ، أساؤوا إليهم، وعذَّبوهم وأجاعوهم، وكان ما يُريدُه
المؤمنون بقتالهم المشركين حقاً، والذي يُريده الكفارُ بقتالهم إياهم
باطلاً، فكان الذي يكونُ من كلّ فريقٍ من الفريقين هو من جنس ما
يدعو إليه الفريقُ الآخر من القتال، وكان أحدُ القتالين بحق، والآخر
يباطل، وكان المؤمنون في قتالهم المشركين يريدون منهم الإيمانَ باللهِ عز
وجل حتى يكونوا كهم فيما عليه في الدنيا، وفيما يصيرون إليه في
الآخرة، ومنه قولُ النبي ◌َ﴿و جواباً للذي سأله عن ضحكه الذي كان
منه، فقال: ((رأيتُ قوماً يُجَرُّون إلى الجنَّةِ فِي السَّلاسِل)(١)، يعني:
(١) حديث صحيح، رواه البخاري (٣٠١٠).
- ٤٩١ -
کتاب الجهاد والمغازي
الكفارَ من العجم الذين كان المؤمنون يجرونهم بقتالهم إلى الإسلام
الذي يكون سبباً لِدخولهم إلى الجنة، وكان المؤمنون قد تقعُ أيديهم
عليهم وهم على كفرهم الذي كانوا عليه، فلا يقطع المؤمنون بذلك
فيمن يبقى رِقّهم عليه من الإحسانِ إليهم، ومن الفِعال بهم أضدادَ ما
كانوا يفعلونه بهم لو وقعت أيديهم عليهم، ثم يعتقونهم فيعيدونهم
بذلك أحراراً، وإن كان المراد من المؤمنين ذلك بهم ابتغاء ما عندَ الله
فيهم، وإذا كان ذلك الإحسانُ منهم إليهم في كُلِّ الأحوال التي كانوا
عليها حتى لحقهم بذلك العتاقُ منهم، كان ما فعلوه بهم من العطاء
الذي قد صاروا بذلك العتاق مِن أهله الإحسان إليهم على مل ما
يكون الإحسان إلى أهله وهو تقديمهم فى العطاء من سواهم من أهله
ليضاف ذلك الإحسان بعد تحريرهم إياهم إلى قديم إحسانهم إليهم
حتى لا يُفَارِقَهم إحسانُهم إليهم أبداً ما كانوا في الدنيا، وهذا أحسنُ
ما حضرنا في تأويل هذا الحديثِ، والله أعلمُ بمرادٍ رسول الله قال: كان
في ذلك، والله الموفق.
- ٤٩٢-
كتاب الجهاد والمغازي
٥٠٥- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ® من خروجه
على مَخْرَمَةَ أبي المِسْوَرِ ابنِ مَخْرمة وهو لابس القَباء الذي
کان خبَاهُ له
٣٥٨٦ - حَدَّثَنَا الربيعُ بنُ سليمان المراديُّ، قال: حَدَّثْنَا عبدُ الله
بنُ وهبٍ، قال: حَدَّثَنَا الليثُ بنُ سعدٍ، عن عبدِ الله بنِ عُبيدِ الله بن
أَبِي مُلَيْكَةً، عن المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ [ح]، وحَدَّثَنَا الربيعُ أيضاً، ومحمدُ بنُ
عبد الله بن عبد الحكم، قال الربيعُ: حَدَّثْنَا شعيبُ بنُ الليث، وقال
محمدٌ: حَدَّتْنَا أبي، وشعيبُ بنُ الليث، قالا: حَدَّثَنَا الليث بن سعد، عن
عبدِ الله بنِ عُبيدِ الله، عن المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةً أنه قال: قَسَمَ رسولُ الله
﴿ أقبيةً ولم يُعْطِ مَخْرَمَة شيئاً، فقال مخرمةُ: يا بُنَيَّ انطلِقْ بنا إلى رسولِ
اللّهِ وَ﴿ّ، فَانْطَلَقَ معه، فقال: ادْخُلْ فَادْعُهُ لي، فدعوتُه له، فخَرَجَ إليه،
وعليه قَبَاءٌ، فقال: ((خبأتُ هذا لَكَ)) فنظر إليه فقال: رَضَيَ مخرمةُ(١).
قال أبو جعفر: هكذا حدَّثَ الليثُ أكثرَ الناسِ بهذا الحديث، وقد
كان حدث به بالعراق بزيادة على ما كان حدَّث به عليه قبلَ ذلك.
٣٥٨٧- كما قد حَدَّثْنَا فهدُ بنُ سليمان، قال: حَدَّثْنَا عبدُ الله
بنُ صالح، قال: حدثني الليثُ، عن ابنٍ أبي مليكة، عن المِسورِ بنِ
مَخْرَمَةَ أن رسولَ اللهِوَ﴿ قَدِمَتْ عليه أقبيةٌ فبلغ ذلك أباه، فقال: يا بُني
(١) إسناده صحيح، ورواه البخاري (٢٥٩٩) و(٥٨٠٠)، ومسلم
(١٠٥٨)، وأبو داود (٤٠٢٨)، والترمذي (٢٨١٨) والنسائي ٢٠٥/٨، وابن حبان
(٤٨١٧) و(٤٨١٨) من طرق عن الليث بن سعد، به.
-٤٩٣-
كتاب الجهاد والمغازي
إنّه قد بلغني أن رسولَ الله ﴿ قَدِمَتْ عليه أقبيةٌ، فهو يَقْسِمُها، فاذهب
بنا إليه، فذهبنا، فوجدنا رسولَ اللهِ﴿ في منزله، فقال: أي بُنَيَّ ادعُ
لي رسولَ اللهِ ﴿، قال المِسْوَرُ: فأعطمتُ ذلك وقلت: أدعو لكَ
رسولَ اللَّهِ﴿! فقال: أَيْ بُنَيَّ إنه ليس بحيَّارِ، فدعوتُ رسولَ اللهلَّه
فخَرَجَ عَلَيْهِ قَبَاءٌ من ديباج مُزَرَّرٌ بذهبٍ، فقال: ((يا مخرمةُ هذا أخبأَتُه
لك)) فأعطاه إِيَّاه.
قال أبو جعفر: ففي هذا الحديث لبسُ رسول الله 58 لذلك
القَباء وهو مِن ديباج مُزَرَّرٌ بذهب، وذلك قبل تحريمٍ لبس الحرير،
وسنذكر ما رُوِيَ في إباحة لبسِ الحرير، وما رُوِيّ في نسخ ذلك
وتحريمه فيما بعدُ، من كتابنا هذا إن شاء الله.
٣٥٨٨- حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ سِنان، قال حَدَّثْنَا صالحُ بنُ حاتم بن
وَرْدَان، قال: حَدَّثْنَا أبي، قال: حَدَّثْنَا أُيوبُ السَّخْتِيَاني، عن عبدِ الله
بن أبي مُلَيْكة، عن المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ رضي الله عنه، قال: قَدِمَتْ على
النَِّ أقْبِيَةٌ، فقسمها بَيْنَ أصحابِهِ، فقال لي أبِي مَخْرَمَةُ: انطلق بنا لعلَّه
أن يُعْطِيَنَا منها شيئاً، فجاء إلى البابِ، فقال: هاهنا هو، فسَمِعَ النِيُّ ◌ِ *
صوتَه، فخرج معه بِقَبَاء، فكأني أُنْظُرُ إليه يُري أبي مَحَاسِنَ القَبَاءِ،
ويقول: (خَبَّأْتُ هذا لَك، خَبَّأْتُ هذا لَكَ).
فقلت: لأيِّ شيءٍ فَعَلَ النبيُّ :﴿ هذا تَخْرَمَة، فقال: إنَّه كان يَنَّقي
لِسَانَه.
قال: وقد كان قومٌ يدفعون هذا الحديثَ، ويقولون: محالٌ أن
يكونَ رسولُ اللهِ ﴿ لَبِسَ ذلك القَباء، وهو مما أفاءه الله عز وجل عليه
-٤٩٤-
کتاب الجهاد والمغازي
وله في ذلك شركاء، لأنَّ الله عز وجل جعل الفيء على ما ذكره في
كتابه بقوله عز وجل: ﴿مَا أَفَاءَ اللهُ على مَرَسُولِهِ مِنْ أهْلِ الْقُرَى فِلِهِ وِلِلرَّسُول
وَلِذِي الْقُربِى وَالََّامَى والمساكين وابن السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧].
فتأملنا ما قالوا من ذلك وما أنكروه من هذا الحديث، ونَفَوْهُ عن
رسول الله﴿، فوجدناه فاسداً، لأن الأفياء التي أفاءها الله عز وجل
على رسوله صنفان: أحدهما الصنف الذي ذكره الله عَزَّ وجَلَّ في
الآية التي تلوتُها، والصنف الآخر المذكور في الآية التي قبلها في السورة
التي هي فيها وَهِيَ قوله: ﴿وَمَا أَفَاء اللَّه على سَرَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَعْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ
خَيْلِ وَلَاركَابٍ﴾ [الحشر: ٦]، فكان ما كان من ذلك القيء لِرسول
١
الله ◌َ﴿ دونَ الناس جميعاً، فكانت ملكاً لا فيئاً من ذلك الصنف،
وكانت لِرسول الله ﴿ دونَ الناسِ جميعاً. فلم يستأثّرِها لنفسه، وردها
في إعزازِ الإِسلام، وإصلاحٍ قلوب من يخاف فسادَ قلبه عليهم، وإن
كان مما ينتجِلُ ما ينتحلون إلا أنه ليس معه مِن قوة الإيمان ما معهم،
فكان ذلك مِن رسول الله ﴿ زيادةٌ في فضله، وجلاله لمنزلته، وإعظاماً
لحقوق الله عز وجل عليه، وطلباً منه الأُلفة بَيْنَ أمته، ودفع المكروه
فيما يخاف من بعضها على بقيتها.
فكانت قسمته تلك الأقبية بَيْنَ مَنْ قسمها عليه منهم لذلك، و کان
لباسه القباء المذكور لبسه إياه في هذه الأحاديث وهو مملوكٌ به لا شريك
له فيه، لأنه وإن كان خَبَّاهُ لمخرمة، فلم يملكه مخرمةُ بذلك، وإنما ملكه
بقبضه إيَّه منه، وتسليمه إيّاه إليه، والله عز وجلَّ نسأله التوفيق.
- ٤٩٥-
کتاب الجهاد والمغازي
٥٠٦- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِي عن رسول الله ﴾ فیما کان
مِن علي رضي الله عنه في قسمته خُمْسَ ما بُعِثَ في قسمته
من السَّبي ووقوع الوصيفة التي كانت فيه في آله وما كان منه
فيها من وطنه لها، ومن تناهي ذلك إلى رسول الله # بلا
استبراء مذكور فيه، وترك إنكار ذلك عليه
٣٥٨٩- حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ شعيب، قال: أخبرنا إسحاقُ بنُ إبراهيم
- يعني ابنَ راهويه-، قال: حَدَّثْنَا النضرُ بنُ شُمَيْلٍ، قال: حَدَّثْنَا عبدُ
الجليل بنُ عطية، عن عبد الله بنِ بُريدة، قال: حدثني أبي، قال: لم
يَكُنْ أحدٌ من الناس أبغضَ إليَّ من علي بنِ أبي طالب حتَّى أحببتُ
رجلاً مِن قريش لا أُحِبُّهُ إلا على بُغْضٍ عليّ، فبعث ذلك الرجل على
خيل، فصحبته، ما أصحبه إلاَّ على بغضاء علي، فأصاب سبياً، فكتب
إلى النبيِّ ◌َ﴿ أَن يَبْعَثَ له مَنْ يُخَمِّسُهُ، فبعث إلينا عليّاً رضي الله عنه،
وفي السَّبِّي وَصِيفة مِن أفضل السَّبِي، فلمَّا حَمَّسَهُ، صارت الوصيفةُ في
الخمس، ثم خمس، فصارت في أهلٍ بيتِ النبي ◌َ #، ثم خمس، فصارت
في آلِ علي، فأتانا ورأسُه تَقْطُرُ، فقلنا: ما هذا؟ فقال: ألم تَرَوْا إلى
الوصيفة صارت في الخمس، ثم صارت في آل بيت النبي عليه السَّلامُ،
ثم صارت في آلِ علي، وقعتُ عليها، فكتب، وبعثني مصدقاً لِكتابه إلى
النبيِّ ◌َ﴿ بما قال علي، فجعلتُ أقول عليه، ويقول: صَدَقَ، وأقولُ
ويقول: صَدَقَ، فَأَمْسَكَ بيدي رسولُ اللهِلَ﴿، فقال: (أتُبْغِضُ عليّاً؟))
فقلتُ: نعم، فقال: ((لا تُبْغِضْهُ، وإِن كُنْتَ تُحِبُّه فازْدَادْ له حبّاً،
-٤٩٦-
كتاب الجهاد والمغازي
فوالذي نفسي بيده لنصيبُ آل علي في الخمس أفضلُ مِن وَصِيفَةٍ)،
فما كان أحدٌ بعدَ رسولِ الله ﴿ أحبَّ إليَّ مِن علي.
قال عبدُ الله بنُ بُريدة: والله ما في الحديثِ بيني وبينَ النِيِّ ◌َ﴾
غيرُ أبي(١).
٣٥٩٠- حَدَّثَنَا محمد بن أحمد بن حماد، قال: حَدَّثْنَا صالح بن
أحمد بن حنبل، قال: حَدَّثْنَا عليُّ ابن المديني، قال: سمعتُ يحيى بنَ
سعيد، قال: حملتُ حديث علي بن سويد - يعني ابنَ منجوف-، عن
ابن بريدة في عليّ، فلما كتبته، ذهب مني لِغير شك بقي منه فيه، وقد
حَدَّثْنَا به يحيى، عن عبد الجليل بن عطية، عن ابن بريدة.
قال أبو جعفر: فعاد هذا الحديثُ إلى رواية النضر بنِ شُميل،
ويحيى بن سعيد إيَّاه، عن عبد الجليل بنِ عطية.
فقال قائل: وكيف يجوز أن تقبلُوا هذا الحديث، إذ كان فيه أن
(١) حديث صحيح، وهو في ((خصائص علي)) للنسائي (٩٧).
ورواه أحمد ٣٥٠/٥-٣٥١، وفي ((فضائل الصحابة)) (١١٨٠)، عن يحيى بن
سعید، عن عبد الجليل بن عطية، به.
ورواه بأخصر مما هنا البخاري (٤٣٥٠)، وأحمد ٣٥٩/٥، وفي («فضائل
الصحابة)) (١١٧٩)، والبيهقي ٣٤٢/٦-٣٤٣ من طريق روح بن عبادة، عن علي
بن سويد بن منجوف، عن عبد الله بن بريدة، عن بريدة ....
ورواه أحمد ٣٥٠/٥ و٣٥٨، وفي («الفضائل)) (٩٤٧) و(١١٧٧)، والنسائي في
(الخصائص)) (٨٠)، والبزار (٢٥٣٥)، والحاكم ١٢٩/٢-١٣٠ من طرق عن
الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن ابن بريدة، به.
-٤٩٧-
کتاب الجهاد والمغازي
علّاً رضي الله عنه قَسَمَ بينه وبينَ أهلِ الخمس ما ذكرت قسمته فيه
وهو شريكٌ في ذلك، ولا يجوزُ أن يكونَ الرجل يُقَاسِمُ نفسَه لِنفسه
ولغيره.
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أن ما
يُقْسَمُ بالولاية من الأشياء التي مِن هذا الجنس يجوزُ أن يكونَ ممن هو
شريكٌ في ذلك، كما يقسم الإمامُ بالإمامةِ الغنائمَ بَيْنَ أهلها وهو
منهم، وإذا كان الإمامُ كذلك فيما ذكرنا كان مَنْ يقسمه لذلك سواه
يقومُ فيه مقامَه، فبان بحمدِ الله ونعمته صحة هذا المعنى من هذا
الحدیث.
ثم عاد هذا القائلُ سائلاً لنا، فقال: فإنَّ في هذا الحديث أيضاً ما
يجوزُ لكم قبولُه عن علي رضي الله عنه في الوصيفة المذكورة فيه من
وقوعه عليها، لأنها إنما كانت صارت في آله، وآلُهُ غيرُه.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه أن المرادّ
بآله: هُوَ نفسُه عليه السَّلامُ بمعنى أنها وقعت في نصيبه، فكان منه فيها
ما كان، لأن العربَ تجعلُ آلَ الرجل الرجلَ، وتجعل آله صلبَه.
ومنه ما قد رُوِيَ عن النبيِّ ◌َّ فيما خاطب به عبد الله بن أبي
أَوْفَى لما جاء بصدقة أبيه
٣٥٩١- كما قد حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حَدَّثْنَا وهبُ
بنُ جرير، وأبو زيد صاحبُ الهروي، وأبو الوليد الطيالسيُّ، قالوا:
حَدَّثْنَا شعبةٌ، عن عمرو بنِ مُرَّة، عن عبد الله بنِ أبي أوفى -وكان من
أصحاب الشجرة-، قال: كان رسول الله﴿ إذا أتاه قوم بصدقتهم،
-٤٩٨-
كتاب الجهاد والمغازي
قال: ((اللهمَّ صَلِّ عليهم))، قال: فأتاه أبي بصدقته، فقال: ((اللّهُمَّ صَلِّ
على آلِ أبِي أَوْفَى))(١).
فكان ذلك بمعنى: اللهم صَلِّ على أبي أوفى.
ومن ذلك ما رُوِيَ عن النبيِّ﴿ في أبي موسى: «لَقَدْ أُوتِيَ هذا
مِزْمَاراً مِنْ مَزاميرٍ آلِ داودَ {﴾(٢)، بمعنى: مزماراً مِن مزامير داودَ 98.
والآلُ صِلة، لأن المزاميرَ إنما كانت لِداود﴿ل، لا لغيره من آله، ولا ممن
سِوَاهُم.
ومَنْ ذلك ما هُوَ أجلُّ مِن هذا وهو قولَه عز وجل: ﴿أَدْخِلُوا آلَ
فِرْعَوْنَ أشدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]، لا لإخراج فرعون منهم وهو داخلٌ
فيهم.
وأما ما سوى هذين المعنيين بما في هذا الحديث من وطء علي
رَضِيَ الله عنه الوصيفةَ المذكورةَ في هذا الحديث بلا استبراء كان منه
فيها، فإنَّ الذي أتينا به في الباب الذي قبلَ هذا الباب يُغنينا عن الكلام
في ذلك في هذا الباب، والله نسأله التوفيق.
(١) إسناده صحيح، ورواه عبد الرزاق (٦٩٥٧)، وأحمد ٣٥٣/٤ و٣٥٥
و٣٨١ و ٣٨٨، والبخاري (١٤٩٧) و(٤١٦٦) و(٦٣٣٢) و(٦٣٥٩)، ومسلم
(١٠٧٨)، وأبو داود (١٥٩٠)، والنسائي ٣١/٥، وابن حبان (٩١٧) من طرق عن
شعبة، به.
(٢) رواه من حديث أبي موسى الأشعري البخاري (٥٠٤٨)، ومسلم (٧٩٣).
-٤٩٩-
کتاب الجهاد والمغازي
٥٠٧- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِي عن رسول الله ﴾ من نھیه
رسِلَه إلى الكُفَّارٍ في قتالِهم أن يُنْزِلُوا أهلَ حَصن من الحصون
التي يُحاصِرُونَها على حُكْمِ الله عزَّ وجَلَّ
٣٥٩٢- حَدَّثْنَا محمد بنُ عبد الله بن عبد الحكم، قال: حَدَّثْنَا
أبي، قال: حدثَّني الليثُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثْني جريرُ بنُ حازمٍ، عن
شُعْبَةَ بنِ الحجاج، عن علقمة بن مَرْتَّدٍ الحضرميِّ، عن ابنِ بُريدة، عن
أبيه: أن رسولَ اللهِ﴿ كان فيما يَأْمُرُ الرجلَ إذا ولاَّه على السَّرِّيَّةِ: (إِن
أنتَ حاصرتَ أَهْلَ حِصن، فأرادوا أن تُنْزِلَهُم على حُكْمِ اللهِ عزَّ
وجَلَّ فلا تُنْزِلْهُمْ على حُكم الله، فإنّك لا تدري أتُصِيبُ فيهم حُكْمَ
اللهِ عَزَّ وجَلَّ)(١).
٣٥٩٣ - وحَدَّثْنَا فهدٌ، قال: حَدَّثْنَا عبدُ الله بنُ صالحٍ
٣٥٩٤ - وحَدَّثْنَا روحُ بنُ الفرجِ، قال: حَدَّثْنَا يحيى بنُ عبدِ الله
بنِ بُكيرٍ، قال كُلُّ واحدٍ منهما: حدَّثْني الليث بن سعد، ثم ذكر
بإسناده مثله.
قال أبو جعفر: ففي هذا الحديثِ نهيُ رسولِ الله :﴿ رُسُلَه أن
يُنزلوا الكفارَ على حُكم الله، وإعلامُه إياهم بالسببِ الذي منعهم من
ذلك من أجله، وهو أنّهم لا يدرون آٌيُصيبون حُكَمَ الله فيهم أم لا
يُصيبونه، ولم نَحَدْ في حديث جرير، عن شعبة، عن علقمة في هذا
(١) إسناده صحيح، ورواه مسلم (١٧٣١) من طريقين عن شعبة، به.
- ٥٠٠-