النص المفهرس
صفحات 461-480
کتاب الجهاد والمغازي
نَفَراً عند منزلهم، فرحَّبُوا، فقال: أنَّا جئناكم لخيرِ، إنا أهلُ الكتابِ
وأنتم أهلُ الكتاب، وإنَّ لأهل الكتاب على أهل الكتاب النصرَ، وإنهَ
بلغنا أنَّ أبا سفيان قد أقبل إلينا بجَمْعٍ من النّاسِ، فمَّا قاتلتم معنا، أو
أُعَرْتُمُونَا سلاحاً(١).
قال: ففي هذا الحديث ما يُخَالِفُ شيئاً مما رويته في هذا الباب.
فکان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه انه ليس في ذلك ما
يُخالف شيئاً مما رويناه في هذا الباب، لأنَّ اليهود الذين دعاهم رسولُ
الله في هذا الحديث إلى قتال أبي سفيان معه ليسوا من المشركين
الذين قال رسول الله : ﴿ في الآثار الأول: إنه لا يَستعين بهم أولئك
عبدةُ الأوثان وهؤلاء أهلُ الكتاب الذين ذكرنا مباينة ما هُمْ عليه وما
عبدة الأوثان عليه في الباب الذي قَبْلَ هذا الباب، لأنَّ هؤلاء أهلُ
الكتاب الذين نجتمع نحن وهم في الإيمان بما يؤمنون به مِن كُتب الله عز
وجل التي أنزلها على من أنزلها عليه من أنبيائه، ونؤمنُ نحن وهُمْ بالبعث
(١) رجاله ثقات. ثابت بن الحارث الأنصاري: ذكره في الصحابة ابن سعد،
والحسنُ بن سفيان، والبغوي، وابنُ منده وغيرُهم، وذكره العجلي، فقال: مصري
تابعي ثقة. وذكره أبو سعيد بن يونس في المصريين، فقال: ثابت بن الحارث
الأنصاري يُكنى أبا معبد، رأى عمر بن الخطاب، وروى عن عثمان بن عفان، حدَّث
عنه الحارث بن يزيد الحضرمي، وبكر بن سوادة.
قال الحافظ في ((تعجيل المنفعة)): ولم أجد في طريق من طرقٍ أحاديثه أنه صرَّح
بسماعه من النبيِّ *، والذي يظهر أنه تابغي كما صرَّح به العجلي، واقتضاه كلام ابن
يونس، وهو أعلم الناس بالمصريين ...
- ٤٦١-
کتاب الجهاد والمغازي
من بعد الموت، وأولئك الآخرون لا يؤمنون بشىءٍ من ذلك، فنحن
وهؤلاء الكتابيون في قتال عبدة الأوثان يدٌ واحدة، والغلبة لنا، لأنّا
الأَعْلَوْن عليهم، وهم تُبَّاعُ لنا في ذلك، وهكذا حُكمهم إلى الآن عند
كثيرا من أهل العلم، منهم أبو حنيفة وأصحابُه يقولون: لا باس
بالاستعانة بأهلِ الكتاب في قتالِ مَنْ سِوَاهم، إذا كان حُكمنا هو
الغالب، ويكرهون ما سوى ذلك إذا كانت أحكامنا بخلاف ذلك،
ونعوذُ بالله من تلك الحال(١).
فقال هذا القائل: فأنتم قد رويتم عن رسول الله لن﴿ ما يُخالف
هذا
٣٥٤٩- يعين ما حدَّثَنَا عُبَيْدُ بنُ رِجالٍ، قال: حدَّثْنَا هَدِيَّةُ بنُ
عبد والوهّاب، قال: حدَّثَنَا الفضلُ بنُ موسى السِّيناني، قال: أنبأنا
محمدُ بنُ عَمْرٍو، عن سعد بن مُنذر السَّاعدِي عن أبي حُمَيْد السَّاعِدِي،
قال: خرج رسول الله ﴿ يوم أُحُد، حتى إذا خلف ثَنَّةَ الوداع إذا هو
بكتيبةٍ خشناء، فقال: (مَنْ هؤلاءِ)؟ قالوا: بنو قَيْنُقَاعِ وهم رَهْطُ عبد
(١) نقل محقق الأصل عن شيخ الإسلام بدر الدين بن جَمَاعة المتوفى سنة
(٣٣)ه في كتابه «تحریر الأحكام في تدبیر أهل الإسلام)» ص ١٥٨ -١٥٩ و ٢٤٥:
لا يُستعانُ في الجهادِ بمشركٍ أو ذِمِّي إلا إذا عَلِمَ السلطانُ حُسْنَ رأيه في المسلمين،
وأمِنَ من خيانتِهم، وكانَ المسلمون قادرين عليهم لو اتفقوا مَعَ العدوِّ، فإذا وُجِدَت
هذه الشروط الثلاثة، جازت الاستعانة بهم.
ولا يُستَعان على قتالِ أهل البغي من أهل الإسلام بكُفَّارٍ.
- ٤٦٢-
کتاب الجهاد والمغازي
الله بن سَلَاَم وهُمْ قومُ عبدِ الله بن أُبَيّ بن سَلُول، فقال: أسْلِمُوا فَأَبَوْا،
قُلْ لهم: ((فليرجعُوا فإنَّا لا نَسْتَعِينُ بِالْمُشْرِكِينَ على المُشْرِكِينَ) (١).
قال أبو جعفر: ومعنى قولهم في هذا الحديث وهم قوم عبد الله
بن أُبَيّ بن سَلُول، ليس يعنون بذلك أن عبدَ الله بنَ أُبيّ منهم، لأنَّ عبدَ
الله بن أُبِيّ بن سَلُول ليس مِن اليهود، ولكنه من الرَّهْطِ الذين يرجع
الأنصار إليهم بأنسابهم، ولكنه حَدَلَ بِنِفَاقِهَ، فأمَّا نَسَبُهُ فيهم، فقائمٌ،
وقيل: إنّهم قومُهُ، أي لأنّهم قومه بمحالفته لا بما سِوَى ذلك.
قال هذا القائل: فهذا يُخَالِفُ ما في الآثار الأُول في موضعين: أمَّا
أحدهما: فإنه جعلهم مشركين بقوله لهم: «إِنّا لا نَسْتعينُ بالمشركينَ
على المشركينَ)). وأما الآخر: فمنعه إياهم من القتال معه، وفي حديث
ثابت بن الحارث الذي قد رويناه فيما تقدم مِنًا في هذا الباب دُعاء
رسول الله ﴿ اليهود الذين كانوا في النّضِير إلى القتال معه.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه أنَّ هذا
الحديث غيرُ مخالفٍ لذلك الحديث، ولا شيءٍ مما رويناه في هذا الباب،
لأَنَّ وَجْهَ قول رسول الله﴿ هؤلاء اليهود الذين من بَنِي قَيْنَقَاع ما قاله
(١) رواه ابن سعد في ((الطبقات)) ٤٨/٢، والحاكم ١٢٢/٢، وإسحاق بن
راهويه في ((سنده) كما في ((نصب الراية)) ٤٢٣/٣، ومن طريقه الحازمي في
(الاعتبار)) ص ٢١٩، والبيهقي ٣٧/٩ عن طريق الفضل بن موسى السيناني، بهذا
الإسناد. ورواه ابن أبي شيبة ٣٩٤/١٢ و١٩٧/١٤ عن يعلى بن عبيد، عن محمد بن
عمرو، عن سعد بن المنذر، قال: خرج رسول الله ... مرسلاً.
-٤٦٣-
کتاب الجهاد والمغازي
لهم في حديث أبي حُميد كان بعد وقوفهم﴿ على ما بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عبد
الله بن أُبَيّ المنافق من الحلفِ، والُحَالَفَة: هى الموافقة من الحالفين
للحالفين، فكانُوا بذلك خارجين من الكتاب الذي كانوا مِنْ أهله مِمَّا
سِوَاهم من اليهود الذين كانوا في النّضِير في ذلك بحلافهم، لأنهم لم
يُحالفوا منافقاً، وكان أولئك بما حالفوا المنافق الذي حالفوه مرتدِّين
عما كانوا فيه إلى ما هو عليه، فكانوا بذلك كالمرتدِّين من أهل مِلَّتِنًا
إلى يهودية أوْ إلى نصرانية، فلا يكونون بذلك يهوداً ولا نصارى، لأنَّ
ذبائِحَهُمْ غيرُ مأكولات، ولأنَّ نساءهم اللاتي دخلن معهم في ذلك غیرُ
منكوحاتٍ. فمثلُ ذلك بنو قينقاع، لما حالفوا عبدَ الله بن أُبَيّ المنافق،
فوَطَؤُوه على ما هو عليه من النفاق، ووافقوه على ذلك، خرجوا بذلك
من حكم الكتاب الذي كانوا من أهلِه، وصاروا مشركين كمشركي
العرب الذين أخبر رسولُ الله ﴿ أَنَّه لا يَستعينُ بهم، فلم يَسْتَعِنْ بهم في
قتاله المشركين لذلك. فأمَّا مَنْ سواهم مِمَّن تمسك بكتابه الذي جاء به
الذي يذكر أنّه على دينه فمخالف لذلك، ولا بأس بالاستعانةِ مثلِهِ في
قتال المشركين، لأَنَّه ليس بمشركٍ إنّما هو كتابيٌّ كافر، وهو عدو
للكفار من عبدة الأوثانِ ما نحن أعداءٌ لهم. والله عز جل نسأله التوفيق.
- ٤٦٤-
كتاب الجهاد والمغازي
٤٩٨- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله في المَدَدِ
یَقدِمُونَ علی الإمام في دار الحرب بعدما غنم فیھا غنائم، ولم
يخرج منها ولم يَقْسِمْها ولم يَبِعْها، ھل یشر کون مَنْ معه في
تلك الغنائم أم لا؟
٣٥٥٠- حَدَّثْنَا يونس بنُ عبد الأعلى، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ
وهبٍ، قال: أخبرني إسماعيلُ بنُ عيَّاشِ، عن محمد بن الوليد الزبيدي،
عن ابنِ شهاب الزُّهري أن عنبسةَ بنَ سعيدٍ أخبره، أنه سَمِعَ أبا هريرة
رضي الله عنه يُحَدِّثُ سعيد بن العاص، قال أبو هريرة: بعث النبيُّ ◌َ﴾
أَبَانَ بنَ سعيد على سَريَّةٍ من المدينة قِبَل نجدٍ، فَقَدِمَ أبَانُ وأصحابُه على
النبي ﴿ بخيبرَ بَعْدَما فتحها، وإنَّ حُزُمَ خيلهم لَلِيفٌ، فقل أبانُ: أَقْسِمْ
لنا يا رسولَ الله، قال أبو هريرة: فقلتُ: لا تَقْسمْ لهم شيئاً يا نَّبِيَّ الله،
فقال أبان: أنت بها يا وَبْرُ تَحَدَّرَ علينا مِن رَأْسِ ضالٌ، فقال النبيُّ ◌َ﴾.
(اجْلِسْ يا أبان)) فلم يَقْسِمْ لَهُمْ شيئاً (١).
(١) إسناده حسن، وعلقه البخاري في «صحيحه» (٤٢٣٨) عن محمد بن الوليد
الزبيدي، به. ووصله أبو نعيم في ((المستخرج) كما في ((تغليق التعليق)) ١٣٤/٤ من
طريق إسماعيل بن عياش ومن طريق عبد الله بن سالم، كلاهما عن الزبيدي، به.
ووصله سعيد بن منصور (٢٧٩٣) ومن طريقه أبو داود (٢٧٢٣)، وابن الجارود
(١٠٨٨)، والبيهقي ٣٣٤/٦ عن إسماعيل بن عياش، به.
وقوله: يا وَيْر: دابة صفية كالسنور وحشية، ونقل أبو علي القالي عن أبي حاتم
أن بعض العرب يُسمي كل دابة من حشرات الجبال وبراً، قال الخطابي: أراد أبان
-٤٦٥-
کتاب الجهاد والمغازي
٣٥٥١- حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ أبي داود، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ عَبْدِ
رَبِّهِ، قال: حَدَّثْنَا الوليدُ بنُ مسلمٍ، عن سعيد بنِ عبد العزيز، قال:
سَمِعْتُ الزُّهريَّ يُخبر عن سعيد بنِ الُسيِّب، عن أبي هريرة أنَّه سَمِعَه
يُحَدِّثُ عن سعيد بن أبي العاص -هكذا حَدَّثَنَا ابن أبي داود، وإنما
يُحدِّثُ سعيد بن العاص - أنَّ رسول اللهِوَ﴿و بعث أَبَانَ بنَ سعيدٍ بنِ
العاصِ فِي سَرِيَّةٍ قَبَلَ نجدٍ، فقدم أبانُ وأصحابُهُ على رسولِ اللهِلَ﴿ّ بعدما
فتح خيبرَ فأبى رسولُ اللهِمَ﴿ّ أن يقسمَ لنا شيئاً.
هكذا حدثناه ابنُ أبي داود أيضاً، وإنما هو: أن يَقْسِمَ لهم
شيئاً (١).
قال أبو جعفر: ففي هذا الحديثِ أن السائلَ لِرسول الله مُ ﴿ أن
يقسم له ولأصحابه، هو أبَاثُ، وقد رُوِيَ أن السائلَ لِرسول الله مض﴾
تحقير أبي هريرة، وأنه ليس في قدر من يُشير بعطاء ولا منع، وأنه قليلُ القدرة على
القتال. والضال: السدر البري. ((فتح الباري) ٤٩١/٧.
(١) إسناده صحيح، ورواه ابن حبان (٤٨١٤) من طريق إسحاق بن إبراهيم
الحنظلي، والبيهقي ٣٣٤/٦ من طريق علي بن بحر القطان، كلاهما عن الوليد بن
مسلم، به، وقد صرح الوليد بالتحديث عندهما، فانتفت شبهة تدليسه.
وقال البيقهي: قال محمد بن يحيى الذهلي، الحديثان محفوظان حديث عنسبة من
حديث الزبيدي، وحديث سعيد بن المسيب من حديث سعيد بن عبد العزيز.
ورواه الطيالسي (٢٥٩١) عن أبي عتبة، عن محمد بن الوليد الزبيدي، عن
الزهري، عن عنبسة بن سعيد، قال: حدثني من سمع أبا هريرة يحدث سعيد بن العاص
أن رسول الله # بعث أبان ...
-٤٦٦ -
کتاب الجهاد والمغازي
ذلك كان هو أبو هريرة.
٣٥٥٢- كما حَدَّثَنَا محمدُ بنُ علي بنِ زيدٍ المكي، قال: حَدَّثَنَا
محمد بن يحيى بن أبي عمرَ، قال: حَدَّثْنَا سفيانُ، عن إسماعيل بنِ أمِيَّة
أنه سأله الزُّهريَّ وأنا حاضر، قال سفيان: لم أحفظه، قال: أخبرني
عَنْبَسَةُ بنُ سعيد، قال: قدم أبو هريرة وأصحابه خيبرَ بعدما فُتِحَتْ،
والنبيُّ :﴿ بها، فسأله أن يَشْرِكَهُ في الغنيمةِ، فَتَكَلَّمَ بعض بني سعيد بنِ
العاص فَقَالَ: يا رسولَ الله هذا قاتِلُ ابنِ قَوْقَلٍ، فقال: وأعجبا [ينعى]
علي قَتْلَ امرئ مسلمٍ أكرمه الله على يدي، ولم يُهني على يَدَيْهِ. ذكره
سفيان عن إسماعيل بن أُميّة وغيره(١).
٣٥٥٣- وكما حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ إبراهيم بن يونس، قال: حَدَّثْنَا
ابنُ أبي عمر، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، عن الزُّهريِّ، عن عَنْبَسَةَ بنِ سعيدٍ
بنِ العاص، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قَدِمْتُ على رسولِ الله
* وأصحابه بخير بعدما افتتحوها، فسألتُ رسولَ اللهِ مَّ أَنْ يُسْهِمَ لي
من الغنيمة، فقال بعضُ بني سعيد بنِ العاص: لا تُسهم لهم يا رسولَ
الله، فقلتُ: يا رسولَ الله هذا قاتل ابن قَوْقَل، فقال سعيد: واعجباه
لَوبْرٍ تَدَلَّى علينا من قَدُومٍ ضأنٍ يَنْعَى عليَّ قَتلَ رجلٍ مسلمٍ أكرمه اللهُ
على يديَّ ولم يُهِني على يَديهِ، قال سفيان: لا أدري -أو لا أحفظُ -
(١) إسناده حسن، وقوله: ((فقال) القائل: هو أبو هريرة.
ورواه البخاري (٤٢٣٧) عن على بن عبد الله، عن سفيان، به. وابن قوقل: لقب
ثعلبة جد النعمان بن مالك بن ثعلبة. وقد استشهد النعمان بأحد.
-٤٦٧ -
کتاب الجهاد والمغازي
أَسْهَمَ لَهُ أو لم يُسْهِمْ(١).
قال سفيان: سمعتُ إسماعيل بن أمّيَّة سأل عنه الزُّهري وأنا
حاضر.
قال أبو جعفر: فوقع هذا الاختلافُ في السائل لرسول الله :﴿ ما
سأله إِيَّه في هذا الحديث مَنْ هُوَ، والله أعلمُ أيَّ ذلك كان(٢).
(١) إسناده صحيح، ورواه البخاري (٢٨٢٧) عن الحميدي، عن سفيان، به.
وهو في ((مسند الحميدي) برقم (١١٠٩).
ورواه أبو داود (٢٧٢٤) عن حامد بن يحيى البلخي، عن سفيان، به.
ورواه البخاري (٤٢٣٩) عن موسى بن إسماعيل، حَدَّثْنَا عمرو بن يحيى بن
سعيد، قال: أخبرني جدي أن أبان بن سعيد أقبل إلى النبي * فسلم عليه، فقال أبو
هريرة: يا رسولَ الله، هذا قاتل ابنُ قوقل. وقال أبان لأبي هريرة: ((واعجباً لك وبر
تداداً مِن قدوم ضان، ینعی عليَّ امرءاً أكرمه الله بيدي، ومنعه أن يُهينني بيده).
وقوله: (من قدوم ضأن) بفتح القاف، أي: طرف ضأن، وأما الضأن فقيل: هو
رأس الجبل، لأنه في الغالب مرعى الغنم، وقيل: هو بغير همزة: جبل لدوس قوم أبي
هريرة، وقال ابن دقيق العيد: والصواب: ((الضال)) باللام كما في رواية الزبيدي عند
البخاري، وهو السدر البري. هكذا فسر البخاري. ((فتح الباري)) ٤٩٢/٧.
(٢) قال الحافظ في «الفتح)) ٤٩٢/٧-٤٩٣: قيل: وقع في إحدى الطريقين ما
يدخل في قسم المقلوب، فإن رواية ابن عيينة أن أبا هريرة السائل أن يَقْسِمَ له، وأبان
هو الذي أشار يمنعه، وفي رواية الزبيدي أن أبان هو الذي سأل، وأن أبا هريرة هو
الذي أشار بمنعه، وقد رجَّحَ الذهلي رواية الزيدي. ويؤيد ذلك وقوعُ التصريح في
روايته بقول النبي # (يا أبان اجلس) ولم يقسم لهم، ويحتمل أن يجمع بينهما بأن
يكونَ كُلٌّ من أبان وأبي هريرة أشار ألا يقسِمَ للآخر، ويدل عليه أن أبا هريرة احتج
-٤٦٨-
کتاب الجهاد والمغازي
٣٥٥٤- حَدَّثْنَا أبو أُميَّة، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ إسحاق
الحضرميُّ، قال: حَدَّثَنَا وُهيبُ بنُ خالدٍ، قال: حَدَّثْنَا خُثيمُ بنُ عِراكٍ،
عن أبيه، عن نفرٍ من قومه، أن أبا هريرةً قَدِمَ المدينةَ هو ونفرٌ من قومه،
فقال: قَدِمْنَا وقد خرج رسولُ اللهِلَ﴿ إلى خيبرَ، واسْتُخْلِفَ على المدينة
رجلٌ من بني غِفار يقال له: سِباعُ بنُ عُرْفُطَة، فأتيناه وهو يُصلي بالناس
صلاةَ الغَداة، فقرأ في الركعة الأولى ﴿كَهَعَصَ﴾، وفي الثانية: ﴿وَيَلَّ
للمُطَفّفِينَ﴾ قال أبو هريرة: فأقولُ وأنا في الصلاة: ويلٌ لأبي فلانٍ له
مِكيالان إذا اكتالَ اكتالَ بالوافي، وإذا كال كال بالنَّقِصِ، فلما فرغنا
مِن صلاتنا، أتينا سِباعاً، فزَوَّدَنا شيئاً حتى قَدِمْنا على رسول الله مِ﴿
وقد فتح خَيْبَرَ، فكلِّم المسلمين، فأُشْرَكَنَا فِي سِهَامِهِمْ.
قال: فكان هذا الحديثُ قد دَلَّ على أن السائلَ لِرسولِ الله ◌ِ ﴾
كان في هذه القصة هو أبو هريرة لا أَبَانُ بنُ سعید.
وفي هذا الحديثِ معنىً من الفقه قد اختلف العلماءُ فيه، فطائفةٌ
منهم توجبُ لمن كانت حاله في هذا المعنى كحال أبان أو أبي هريرة
المذكورة في هذه الآثار الدخول في الغنيمة المغنومة قبل دخوله، لأنَّ
الإمامَ مقيمٌ في دارِ الحرب إلى ذلك الوقت لا يأْمنُ من يطرأُ عليه من
العدوِّ، فيأخذ ما في يده من الغنيمة، فحاجته إلى المدد إلى ذلك الوقت،
على أبان بأنّه قاتلُ ابنُ قوقل، وأبان احتج على أبي هريرة بأنه ليس ممن له في الحرب
يدّ يستحق بها النقلَ، فلا يكون فيه قلب.
-٤٦٩-
كتاب الجهاد والمغازي
فإنهم يوجبون لهم الشّركة في تلك الغنائم، ومن القائلين بذلك منهم
أبو حنيفة وأصحابه رحمهم الله.
وطائفةٌ منهم تقول: لا يشركونهم في تلك الغنائم وهُم مالكٌ
والأوْزاعيُّ والشافعي رحمهم الله، قد اختلف في ذلك عمر بن الخطاب
وعمّار بن ياسر رضي الله عنهما
٣٥٥٥- كما حَدَّثْنَا سليمانُ بنُ شعيب، قال: حَدَّثَنَا عبدُ
الرحمن بن زياد، قال: حَدَّثْنَا شعبةُ، عن قيس بنِ مسلمٍ، قال: سمعتُ
طارقَ بنَ شهابٍ: أنَّ أهلَ البصرة غَزَوْا نَهَاوَنْدَ، فأمَدَّهم أهلُ الكوفة،
فظهروا، فأراد أهلُ البصرة ألّ يقسموا لأهلِ الكوفة، وكان عمَّارٌ على
أهل الكوفة، فقال رجل من بني عُطارد، أيها الأجدعُ تريد أن تُشَارِكَنَا
في غنائِمِنا، فقال: خيرَ أُذُنِيَّ سَبَبْتَ. قال: فكتب بذلك إلى عمر رضي
الله عنه، فكتب عمر رضي الله عن: إِنَّ الغَنِيمَةَ لِمَنْ شَهِدَ الوَقْعة.
قال: وأجمعت الطائفتان جميعاً أن الإمامَ لو كان فتح تلك الدارَ
حتى صارت كدارِ المسلمين، وحتى أمِنَ مِن العدو، وعودِهم إليها،
وقتالهم إياه على ما غنمه منهم فيها، ثم لحقهم ذلك المَدَدُ بعد ذلكَ
أنهم لا يشركونهم في الغنيمة التي غنموها قبل لحاقهم بهم، وقدومهم
علیه.
ثم نظرنا في السبب الذي به منع رسولُ الله﴿ أبانَ أو أبا هريرة
من إدخاله في تلك الغنيمة ما هو، فياحتمل أن يكونَ، لأن خيبر قد
كانت صارت قبل لحاقهم به وقدومهم عليهم دارَ إسلام، فلم يكن
لِرسول الله {﴿ بقدومهم عليه حاجة فلم يقسم لهم بذلك، وقد يحتمل
- ٤٧٠-
کتاب الجهاد والمغازي
أن يكونَ لم يقسم لهم، لأنَّ خيبرَ كان الله عز وجلَّ وعدها أهلَ
الحُدَيبية بقوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّغَانِمَ كَثِيَرَةَ أْخُذُوَهَا﴾ [الفتح: ٢٠]
١
يريد أهلَ الحديبية ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ﴾ يعني خيبر. وقد روي ذلك عن
أبي هريرة رضي الله عنه
٣٥٥٦- كما قد حَدَّثَنَا أبو أمية، قال: حَدَّثَنَا سليمانُ بنُ
حرب، قال: حَدَّثْنَا حمادُ بنُ سلمة، عن علي بن زيد، عن عمّار بن أبي
عمّار، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: ما شَهِدْتُ لِرسول الله صلّ
مغنماً إلاّ قسم لي إلا خيبرَ، فإنها كانت لأهل الحديبيةِ خاصَّةً (١).
قال: وكان ترك رسولُ الله:﴿ القسمةَ في ذلك لأبان أو لأبي
هريرة لأنهما لم يكونا من أهل الحديبية، وفي سؤال أبانَ أو أبي هريرة
رسول الله ﴿ أن يَقْسِمٌ له وهو رَجُلٌ من أصحابه فقيه، وترك رسول
اللّهِ﴿ إنكارَه ذلك السؤال عليه ما قد دلَّ أنه لم يسأل مُحالاً، لأنه لو
كان سأل مُحالاً، لقال له: وكيف أُسْهِمُ لك ولم تشهد القتال الذي
كانت عنه تلك الغنيمة.
فقال قائل: وكيف تكونُ تلك الغنيمةُ لأهل الحُدَيْبِيَةِ وقد أشرك
رسولُ الله : ﴿ أبا هريرة فيها على ما في حديث عِراكٍ الذي رويناه؟
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عزّ وجلّ وعونه: أنه يجوز أن
(١) إسناده ضعيف، ورواه الدارمي ٢٢٦/٢، والبيهقي ٣٣٤/٦ من طريق
حجاج بن منهال.
ورواه أحمد ٥٣٥/٢ عن روح، كلاهما عن حماد بن سلمة، به.
- ٤٧١-
کتاب الجهاد والمغازي
يحتمل أن يكون الذي كلمهم رسولُ الله ﴿ في ذلك حتى سمحوا به
هم أهلُ الحُدَيْبَةِ.
٣٥٥٧- وقد حَدَّثْنَا إبراهيم بنُ أبي داود، قال: حَدَّثْنَا يوسفُ
بن عدي، عن حفص بن غياث، عن بُريد بنِ عبد الله، عن أبي بُرْدة،
عن أبي موسى رضي الله عنه، قال: قَدِمْنا على رسولِ الله ◌ِ﴿ُ بعدَ فَتْحَ
خيبر بثلاث، فقسم لنا، ولم يَقْسِمْ لأحدٍ لم يَشْهَدِ الفَتْحَ غَيْرَنا(١).
قال: فهذا أيضاً محتمل أن يكونَ قَسَمَ لهم بكلامه أهلَ الحديبية
فيهم حتى سمحوا بذلك لهم، والله أعلمُ بحقيقة الأمر كان في ذلك،
وإياه نساله التوفيق.
(١) رواه ابن أبي شيبة ٤١٠/١٢، وأحمد ٤٠٥/٤-٤٠٦، والبخاري (٤٢٣٣)،
والترمذي (١٥٥٩)، وأبو يعلى (٧٢٣٦)، والبيهقي ٣٣٣/٦ من طرق عن حفص
بن غیاٹ، به.
- ٤٧٢-
كتاب الجهاد والمغازي
٤٩٩- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴾ في حملٍ
رؤوس القتلی المقتولین نکالاً من بلد إلى بلد، ومن ناحيةٍ
إلى ناحية من الإبحة وما رُوِيَ عن أبي بكر رضي الله عنه مما
يُخَالِفُ ذلك
٣٥٥٨- حدثني محمد بنُ أحمد بن خزيمة البصري، قال: حَدَّثَنَا
العباسُ بنُ محمد الدُّوري، قال: حَدَّثْنَا يحيى بن معين، قال: حَدَّثَنَا
حُسَيْنٌ الأشقُر، عن ابن قابوس، عن أبيه، عن جدِّه، عن علي رضي الله
عنه، قال: أتيتُ النبيِّ ◌ِ﴿ برأس مرْحَبٍ (١).
٣٥٥٩- حَدَّثْنَا فهدُ بنُ سليمان، ومحمدُ بنُ سليمان الباغندي،
قالا: حَدَّثْنَا يوسفُ بنُ مبارك الكوفي، قال: حَدَّثَنَا حفصُ بنُ غياثٍ،
عن أشعث، عن عدي بن ثابت، عن البراءٍ، قال: لقيتُ خالي معه
الرايةُ، فقلت له: أين تذهبُ؟ فقال: أرسلني رسولُ الله ﴿ إلى رجلٍ
تَرَوَّجَ امرأة أبيه من بعده أن آتِيَّه برأسِهِ(٢).
(١) إسناده ضعيف.
(٢) إسناده ضعيف، ورواه البغوي في ((شرح السنة)) (٢٥٩٢) من طريق أحمد بن
عبد الجبار، عن حفص بن غياث، به.
ورواه أحمد ٢٩٥/٤، وأبو داود (٤٤٥٧) من طريقين، عن عدي بن ثابت، عن
يزيد بن البراء، عن أبيه، قال: لقيتُ عمي ومعه راية، فقلت له: أين تريد؟ قال: بعثني
رسولُ الله * إلى رجل نكح امرأة أبيه، فأمرني أن أضرب عنقه وآخذ ماله.
ورواه أبو داود (٤٤٥٦) عن مسدد، حَدَّثْنَا خالد بن عبد الله، حَدَّثَنَا مطرف،
- ٤٧٣-
كتاب الجهاد والمغازي
٣٥٦٠- حَدَّثْنَا فهد، قال: حَدَّثْنَا أبو سعيدٍ الأشجُّ، قال: حَدَّثْنَا
حفصُ بنُ غياث ثم ذكر بإسناده مثلَه.
٣٥٦١- وحَدَّثْنَا عُبيد بنُ رِجال، وهارونُ بنُ محمد العسقلاني،
قالا: حَدَّثَنَا مؤمَّل بنُ إهاب، قال: حَدَّثْنَا ضَمْرَةُ، قال: حدثني يحيى بنُ
أبي عمرو السََّاني، عن عبدِ الله ابن الديلميِّ، عن أبيه، قال: أتينا
رسول الله﴿ برأسِ الأسودِ العَنْسِيِّ الكذاب، فقلتُ: يا رسولَ الله قد
عَرَفْتَ مَنْ نَحْنُ، فإلى مَنْ نَحْنُ؟ قال: ((إلى الله عز وجل وإلى
رسولهچچ(١).
فتأملنا هذه الآثار، فوجدنا فيها إتيانَ عليّ رسولَ اللهِ:﴿ برأس
مرحب، وهو كان أحدَ أعدائه، فسبق عليٌّ رضي الله عنه به إليه، فلم
يُنْكِرْ ذلك رسولُ الله:﴿ عليه، ووجدنا فيها أمرَ رسول اللهلَ ﴿ خال
عن أبي الجهم، عن البراء بن عازب، قال: بينا أنا أطوف على إبل لي ضلّت، إذ أقبل
ركب أو فوارس معهم لواء، فجعل الأعرابُ يطيفون بي لمنزلتي من النبيِّ ﴾، إذ أُتَوْا
قبةٌ، فاستخرجوا منها رجلاً، فضربوا عنقه، فسألت عنه، فذكروا أنه أعرس بامرأة
أبيه. ورواه أحمد ٢٩٥/٤ من طريق أسباط، عن مطرف، عن أبي الجهم، عن البراء.
(١) ضمرة بنُ ربيعة الفلسطيني. قال الحافظ في (التقريب)): صدوق يهم قليلاً.
ورواه النسائي في السير من ((الكبرى)) كما في ((التحفة) ٢٧٣/٨ عن عيسى بن
محمد النحاس، عن ضمرة بن ربيعة، به.
وقال ابنُ الأثير في («أسد الغابة» ٣٧١/٤ بعد أن أورد الحديث من طريق ضَمرة
بن ربيعة: وهذا تفرد به ضمرةُ، فإن رأسَ الأسود لم يُحْمَل إلى النبي ﴾.
وقال ابن حجر في (الإصابة) ٢٠٥/٣: ضَمرة لم يُتابع عليه.
- ٤٧٤-
كتاب الجهاد والمغازي
البَرَاء أن يأتيه برأسِ الذي تزوَّجَ امرأة أبيه بعدَ أبيه من الموضع الذي
فيه، ووجدنا فيها إتيانَ الديلمي وأصحابه رسولَ اللهلَ﴿و برأس العنسِيِّ
الكذاب، وإنما كان إتيانُهم به إليه من اليمن لِيقف رسولُ اللهِلُ﴿ على
نصر الله عز وجل عليه (١)، وعلى كِفاية المسلمين شأنه، وكان كتابُ
الله عز وجل قد دلَّ على شيءٍ من هذا بقوله: ﴿الَّتِيَّةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا
كُلّ وَاحِدٍ منهما مِنََّ جَلْدَةٍ﴾ ... إلى قوله: ﴿ وَلْبَشْهَدْ عَذَابُهُمَا طَائِفَةٌ مِنَالمُؤْمِنِينَ﴾
[النور: ٢]. وبقوله في آية المحاربين ﴿أَنْ يُقَتْلُوا أَوْ يُصَلْبُوا﴾ [المائدة: ٣٣]،
وكان ذلك عندنا - والله أعلم- لِيشَتَهِر في الناسِ إقامةُ نكالِ الله عز
وجل إيّاهم عليهم، فكان مثلَ ذلك إظهارُ رؤوس من قُتل على ما فعل
عليه المحمولة رؤوسهم في الآثارِ التي رويناها في ذلك، لِيقف الناسُ على
النكالِ الذي نَزَلَ بهم.
فإن قال قائل: فقد رُوِيَ عن أبي بكر رضي الله عنه ما يُخالِفُ
هذا
٣٥٦٢- وذكر ما حَدَّثَنَا يونُسُ، قال: أنبأنا ابنُ وهبٍ، قال:
أخبرني عمرو بنُ الحارث، عن بكر بن سوادة، أنَّ عُلَيَّ بنَ رباح
حدثه، أن عُقبة بن عامر، قال: جئتُ أبا بكر الصديق رضي الله عنه
بأوَّلِ فتحٍ من الشام وبرؤوسٍ، فقال: ما كُنْتُ أصنعُ بهذه شيئاً.
٣٥٦٣- حَدَّثْنَا بحرُ بنُ نصرِ، قال: حَدَّثَا يحيى بنُ حسَّان، قال:
(١) تقدم القول أن هذا الخبر لا يصح.
- ٤٧٥-
کتاب الجهاد والمغازي
حَدَّثَنَا ابْنُ لهيعة، عن يزيد بنِ أبي حبيب، عن علي بنِ رباح، عن عُقبة
بن عامر أن عمرو بن العاض وشرحبيل بنَ حسنة بعشاه إلى أبي بكرٍ
الصديق رضي الله عنه برأس يناق بطريقِ الشام. فلما قَدِمَ عليه، أنكر
ذلك أبو بكر رضي الله عنه، فقال له عُقبة: يا خليفة رسول الله (وَل
إنهم يصنعون ذلك بنا، فقال أبو بكر رضي الله عنه: أفاسْتِنَاتٌ بفارس
والروم! لا تَحْمِلُوا إليَّ رأساً إنما يكفي الكتابُ والخبر.
٣٥٦٤- حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ شعيب، قال: حَدَّثَنَا عمروُ بنُ علي،
قال: حَدَّثْنَا عبدُ الرحمن بنُ مهدي، قال: أنبأنا ابنُ المبارك، عن سعيد
بنِ یزید، عن يزيد بن أبي حبيب، ثم ذكر بإسناده مثلَه.
قال: فهذا أبو بكرٍ قد أنكر حَمْلَ الرؤوسِ إليه، فكان جوابُنا له
في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أن أبا بكر وإن كان قد أنكر
ذلك، فقد كان حاملوه شُرحبيلُ بنُ حَسَنَة، وعمرو بن العاص، وعقبةٌ
بنُ عامر بحضرة من كان معهم من أمرائه على الأجناد، منهم يزيد بن
أبي سفيان ومن سواه ممن كان خرج لِغزو الشام من أصحابِ رسول
اللَّه ◌َ﴿، فلم يُنْكِرِوا ذلك عليهم، ولم يُخالِفوهم عليه، فدلَّ ذلك على
متابعتهم إيَّهم عليه، ولما كان ذلك كذلك، وكانوا مأمونين على ما
فعلوا، فقهاء في دين الله عز وجل، كان ما فعلوا من ذلك مباحاً لما رأوا
فيه من إعزازٍ دين الله وغلبة أهله الكفار به وكان ما كان من أبي بكر
في ذلك من كراهته إياه قد يحتمل أن يكونَ لمعنى قد وقف عليه في
ذلك يعني عن ذلك الفعل، وقد كان رأيه رضي الله عنه معه التوفيق،
وكان مثل هذا من بعد يُرجع فيه إلى رأي الأئمة الذين يحدث مثل هذا
-٤٧٦-
کتاب الجهاد والمغازي
في إبّانهم فيفعلون من ذلك ما يرونه صواباً وما يرونه من حاجة
المسلمين إليه، ومن استغنائهم عنه.
وقد كان مِن عبد الله بنِ الزبير في رأسِ المختار لما حُمِلَ إليه تَرْكُ
النكير في ذلك ومعه بقايا من أصحاب رسول الله /# كانوا في ذلك
على مثلٍ ما كانُوا عليه
٣٥٦٥- كما حَدَّثْنَا يونسُ وبحرٌ جميعاً، قالا: حَدَّثْنَا يحيى بنُ
حسَّان، قال: حَدَّثَنَا أبو أسامة، عن الأعمش، عن شِمر بن عطية، عن
هلال بنِ يَساف، قال: حدثني البريدُ الذي قَدِمَ برأس المختار على عبدٍ
الله بن الزبير، قال: فلما وضعتُه بَيّنَ يديه قال: ما حدثني كعب بحديث
إلا وجدته كما حدثني إلا هذا، فإنّه حدثني أنه يقتلني رجل من ثقيف،
وها هو هذا قد قتلتُه(١).
قال الأعمش: وما يعلم أن أبا محمد يعني الحجاج مرصدٌ له
بالطريق. والله عز وجل نسأله التوفيق.
(١) في إسناده من لا يعرف وهو البريد.
-٤٧٧-
کتاب الجهاد والمغازي
٥٠٠- بابُ بیانِ مُشْکِل ما رُوي عن رسول الله ﴾ من قوله:
(قَفْلَةٌ كَغَزْوَةٍ»
٣٥٦٦ - حَدَّثَنَا عبدُ الملك بن مروان الرَّقي، قال: حَدَّثْنَا حجاجُ
بن محمد، عن الليث بن سعدٍ، قال: حدثني حيوةُ بنُ شريح الكنديُّ،
عن شُفَيّ الأصبحيِّ، عن عبد الله بن عمرو، عن النبيِّ ◌َ﴿ أنه قال:
(قَفْلَةٌ كَغَزْوَةٍ)(١).
هكذا حدثناه عبدُ الملك ولم يذكر فيه بَيْنَ حيوةً وبين شُفي
أحداً.
٣٥٦٧ - وأما إسماعيلُ بنُ إسحاق الكوفي، فحدثناه، قال: حَدَّثْنَا
محمدُ بن رمح، قال: حَدَّثْنَا الليثُ بنُ سعدٍ، عن حيوة بنِ شُريح، عن
ابنِ شُفي، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بنِ العاص، عن رسولِ اللهِ ﴾
مثله(٢).
(١) رجاله ثقات.
(٢) إسناده صحيح، ورواه البغوي في ((شرح السنة)) (٢٦٧١) من طريق محمد بن
إبراهیم البوشنجي، عن محمد بن رمح، به.
ورواه يعقوب بن سفيان في («تاريخه)) ٥١٣/٢، ومن طريقه البيهقي في («السنن))
٢٨/٩، وفي ((شعب الإيمان)) (٤٢٧٥) عن أبي صالح عبد الله بن صالح، ومحمد بن
رمح، كلاهما عن الليث، به.
رواه أحمد ١٧٤/٢ عن إسحاق بن عيسى، وأبو داود (٢٤٨٧)، والحاكم ٧٣/٢
من طريق علي بن عياش، كلاهما عن الليث، به.
-٤٧٨ -
كتاب الجهاد والمغازي
قال أبو جعفر: وابنُ شُفي هذا: هو حسينُ بنُ شُفي، كما حَدَّثَنَا
الربيعُ بنُ سليمان الجيزي، وفهدٌ، قالا: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ كثير بن عُفير،
قال: حَدَّثْنَا نافع بن يزيد، عن حيوة بنِ شريح، عن حُسين بن شفي،
عن أبيه، قال: في الجنة نھرُ زیت.
قال أبو جعفر: وشُفي: هو ابن ماتع، سمعتُ يحيى بن عثمان
يقول: كان شفي ابنَ امرأة تُبيع، وكان تُبيع ابنَ امرأةٍ كعبٍ.
فتأملنا قولَ رسولِ اللهِوَ﴿: ((قَفْلَةٌ كَغَزْوَةٍ))، فوجدناه محتملاً أن
يكونَ موصولاً بكلام قد تقدَّمه لم يحضره عبدُ الله بنُ عمرو من رسول
الله:﴿ وهو - والله أعلم - أن رسولَ اللهِ﴾﴿ُ سُئِل عن قومٍ قَفَلُوا -
لِخوفهم أن يَكُرَّ عليهم من عدوهم من هو أكثر عدداً منهم - إلى نبيِّهم
﴿ ليزيدَ في عددهم ما يَقْوَوْن به على قتال عَدُوِّهم، ثم يَكُرُونَ على
عدوهم غازين له وكان ذلك فرضهم. وكان عبدُ الله بنُ عمرو فيما
فاته من ذلك، وفيما أدركه منه كالذي حَدَّثت عنه عائشة رضي الله
عنها أنه قال: إنَّ رسولَ اللهِ﴾ قال: «الشُّؤْمُ في ثلاث: في المرأةِ
والفَرَسِ والدَّارِ»، فطارت شِقّةٌ منها في السَّماءِ، وشِقّةٌ في الأرض،
وقالت: واللهِ ما هكذا قالها رسول الله:﴿، إنما قال: أهلُ الجاهلية كانوا
يقولون ذلك.
وكزيد بن ثابت لما بلغه عن رافع بن خديجٍ رضي الله عنه من ذكره
عن النبيِّ :﴿ أنه نهى عن المزارعة، فقال: أنا أعلمُ بنهي النبيِّ ◌َ﴿ عنها
مِن رافع، وإنما اختصم إلى رسولِ الله ﴿ قومٌ فيها، فقال: ((إن كان
هذا شأنَكم، فلا تُكروا المزارعَ)، فسمع رافع قوله: (لا تُكروا
-٤٧٩-
كتاب الجهاد والمغازي
المزارِعَ، ولم يسمع ما كان منه قبلَ ذلك. وقد ذكرنا حديث عائشة
وحديثَ زيد بن ثابت فيما تقدم منا في كتابنا هذا. والله نسأله
التوفيق.
٥٠١- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله / من قوله:
((لِلْغازي أجرُه، وللجاعِلِ أجرُهُ وأجرُ الغازي»
٢٥٦٨ - حَدَّثْنَا عبدُ الملك بن مروان الرقي، قال: حَدَّثْنَا حجاجُ
بنُ محمد عن الليثِ بنِ سعدٍ، قال: حدثني حيوةُ بنُ شريح، عن شُفي
الأصبحيِّ، عن عبد الله بن عمرو، عن النبيِّ ﴿: قال: (للغَازِي أجْرُهُ،
وللجَاعِلِ أجْرُه وأجرُ الغَازي»(١).
هكذا حدثناه عبد الملك، فلم يُدخل بين حيوةَ وبين شُفي فيه
أحداً.
٣٥٦٩ - وقد حدثناه إسماعيلُ بنُ إسحاق الكُوفي، قال: حَدَّثَا
محمدُ بنُ رمح، قال: حدثني الليث بن سعد، عن حيوةَ بنِ شُريح، عن
ابنِ شُفي، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبيِّ ◌َ*
مثله.
وقد اختلف أهلُ العلمِ في الجعائل في الغزو، فأعلى ما وجدنا فيه
منها مما رُوِيَ عن أصحابِ رسول اللهلو / فيها.
(١) رجاله ثقات، وقد تقدم في الباب السالف.
- ٤٨٠-