النص المفهرس

صفحات 441-460

كتاب الجهاد والمغازي
٤٩٤- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴿ مِن قوله
للناس في قلادة ابنته زينب لما رآها في الأموالِ المجتمعة
لِفداء الأسرى: «إن رأيتُم أن تُطلِقوا لها أسيرَها وتَرُدُّوا عليها
الذي لها، فافْعَلُوا))
٣٥٣٠- حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ أبي داود، حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ يحيى
الشَّجَرِي، حَدَّثْنَا أبي، عن بن إسحاق، عن يحيى بنِ عباد بنِ عبد الله
بنِ الزُّبير، عن أبيه، عن عائشة، قالت: لما بعثَ أهلُ مكة في فداء
أُسيرهم، بعثت زينبُ بنتُ رسولِ الله :﴿ في فداء زوجها أبي العاص
بن الربيع، وبَعَثَتْ فيه بقلادة لها كانت خديجةُ أدخلتها على أبي العاص
حين بنى عليها، فلما رأى رسول الله ﴿ّ القِلادة رَقَّ لها رَفَّةٌ شديدة،
حَتَّى دَمَعَتْ عيناه، وقال: ((إن رأيتُم أن تُطْلِقُوا لها أسيرَها، وأن تَرُدُّوا
عليها الَّذي لَها، فافْعَلُوا)). فقالوا: يا رسولَ الله، بأبينا أنتَ وأَمَّنَا
فُطلقوه، وردُّوا عليها الَّذي لها (١).
فقال قائلٌ: وما كانت الحاجةُ في هذا إليهم، وإنما المنُّ في ذلك
كان إلى رسول الله ﴿ لا إليهم، ألا ترى إلى حديث حُبَيْرِ بنِ مُطعم لما
كُلِّم النِيَّ ◌َ﴿ فيهم، فقال: ((شيخ لو كان جاءني- يعني أباه المطعمَ بنَ
(١) حسن، وهذا إسناد ضعيف، إبراهيم بن يحيى الشجري لَيِّن الحديث، وأبوه
ضعيف، لكن رواه ابن هشام في (السيرة)) ٣٠٧/٢-٣٠٨ عن ابن إسحاق: حدثني
يحيى بن عباد، به. ومن طريق ابن إسحاق رواه الحاكم ٢٣/٣ و٢٣٦ و٣٢٤
و٤٤/٤- ٤٥، وعنه البيهقي ٣٢٢/٦، وفي («الدلائل)) ١٥٤/٣.
- ٤٤١ -

كتاب الجهاد والمغازي
عدي- لأطلقتهم له)).
وقد رَوَيْنا هذا الحديث فيما تقدم منا في كتابنا هذا.
وكان جوابُنا له في ذلك: أن الذي كان مِن رسول الله 8# في
حديث جُبيرٍ إنما كان في الوقت الذي كان للنبي:﴿ قتلُّهم، وكان إليه
المنُّ عليهم بتركِ قتله، وكان الذي في حديث عائشة، إنما كان بعد أن
حقن فِدَاؤُهم دماءهم، وعاد ما اقْتَدَوْا به مالاً حكمه حكمُ الغنيمةِ التي
صارت لمن أوجف عليها ما لهم فيها، فلم يَصْلُح أن يُطلق أموالهم منها
إلا بما طابت به أنْفُسُهم، وقد يجوزُ أن يكونَ رسولُ الله﴿ ردَّ ذلك
إلى معنى من وجوه الغنيمةِ بأن يعوض أهلها الذين صرف ذلك إليهم،
ما رأى أن يُعَوِّضَهُمْ من تلك الغنيمة حتى تستقِرَّ بِكُلِّتِها في مواضعها
التي يجبُ أن تستقِرَّ فيها، والله الموفق.
- ٤٤٢-

كتاب الجهاد والمغازي
٤٩٥- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِيَ في إعتاقه مَنْ خرج إليه من
عبيدِ الطائفِ وأن ممن خرج إليه منهم أبا بكرة، وأنه بذلك
مولى لرسول الله
٣٥٣١- حَدَّثْنَا فهدُ بنُ سليمان، قال: حَدَّثْنَا عُمَرُ بنُ حفص بنِ
غياث النخعيُّ، قال: حَدَّثَنَا أبي، عن حجاجٍ، عن الحكم، عن مِقْسَمٍ،
عن ابن عباس، قال: كان مَنْ حَرَجَ إلى رسولِ اللهِل ◌َ﴿ُ يومَ الطائفِ
أَعْتَقَهُ، فكان أبو بكرةَ منهم، فهو مولى لِرسول الله (١).
٣٥٣٢ - وحَدَّثَنَا فهدٌ، قال حَدَّثَنَا إسماعيلُ بنُ الخليل، أنبأنا عليُّ
بنُ مُسْهِرِ، عن الحجاجِ، عن الحكمِ، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عباس رضيَ
الله عنهما، قال: أعتقَ رسولُ اللهِ :﴿ يومَ الطائفِ مَنْ خَرَجَ إليه من
عَبِيدِ الطائفِ، فكان مِمن أعْتَقَ يومئذٍ أبو بكرة وغيرُه، فكانوا مَوَالِيَ
(١) إسناده ضعيف، حجاج بن أرطاة: مدلس، وقد عنعنه، والحكم بن عتيبة لم
يسمعه من مقسم. وهو في ((شرح معاني الآثار)) ٢٧٨/٣ بإسناده ومتنه.
ورواه البيهقي ٢٣٠/٩ من طريق أبي كريب، عن حفص بن غياث، به. ولفظه:
أن عبدين خرجا من الطائف فأسلما، فأعتقهما رسول الله *، أحدهما أبو بكرة.
ورواه ابن أبي شيبة ٥١١/١٢، وأحمد (١٩٥٩) و(٢١١١) و(٢١٧٦)
و(٢٢٢٩°م) و(٣٢٦٧) و(٣٤١٥)، والدارمي ٢٣٨/٢، وأبو يعلى (٢٥٦٤)،
والطيراني (١٢٠٧٩) و(١٢٠٩٢)، والبيهقي ٢٢٩/٩ و٢٢٩ -٢٣٠ من طرق عن
الحجاج، به. ولم يذكر أبو بكرة إلا عند الدارمي.
ورواه أحمد (٢٢٢٩) عن نصر بن باب، عن الحجاج، عن مقسم، عن ابن
عباس. بإسقاط الحكم بين الحجاج ومقسم.
- ٤٤٣-

کتاب الجهاد والمغازي
رسول الله څچ.
فتأملنا هذا الحديثَ، فوجدنا الأصلَ الْمُتْفَقَ عليه أنَّ من خرج مِنْ
عَبِيدِ أهلِ الحرب إلى المسلمين مسلماً مراغماً لِمولاه، كان بذلك حراً،
لأنه بخروجه ذلك غانمَ لِنفسه، وأنه لا ولاء عليه في ذلك لأحدٍ، وأن
من خرجَ إلينا من عَبيدهمْ وهو على كفره، عاد غنيمة لنا بإحرزِ دارنا
إياه، كذا كان أبو حنيفة رحمه الله يقولُ في ذلك، وأما من سَبَقَ إليه
منا، فأخذه، فيكونُ له بذلك دونَ بقية المسلمين إلا الخُمس الواجب
عليه فيه، فإنه يَرْجِعُ إلى مثل ما عليه الأخماسُ، كما كان أبو يوسف
ومحمدُ بن الحسن يقولانه في ذلك، وإن كانا قد قالا قبلَ ذلك: إنه لا
خُمْسَ عليه فيه. ووجدنا أبا بكرة قد كان ممن قد لحقه الرِّقُّ في
الجاهلية لِما كان أهلُ الجاهلية عليه مِن استرقاق أبناءِ إمائهم منهم،
كما يسترقُّون مَنْ سِواهم من غيرهم، فكان أبو بكرة منهم، ثم كان
منه في خروجه من الحصن الذي كان فيه إلى عسكر المسلمين ما كان
منه في ذلك، فاحتمل أن يكونَ كان منه وهو مسلمٌ، فيكون به غائماً
لنفسه ويكون قد صار حراً بلا ولاء عليه لأحدٍ، واحتمل أن يكونَ
ذلك كان منه وهو على الكفر، فلم يكن كذلك، وكان عبداً يُغْنَمُ بما
یُغْنَمُ به مثلُه مما قد ذكرناه في هذا الباب فنظرنا في ذلك
٣٥٣٣ - فوجدنا بكارَ بنَ قتيبة قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثَا رَوْحُ بنُ
عُبادة، حَدَّثَنَا شعبةُ، عن عاصمٍ، عن أبي عثمان النهديِّ، قال: سمعتُ
سعدَ بنَ مالك وأبا بكرة يقولان، قال: رسولُ الله لم﴿: «مَنِ اذَّعَى إليه
غيرِ أبيه وهو يَعْلَمُ أَنَّه غيرُ أبيه، فالجَنّةُ عليهِ حَرَامٌ)، قال: فقلت له:
- ٤٤٤-

کتاب الجهاد والمغازي
لقد حدَّثك رَجُلانٍ وأيُّ رَجُلَيْنٍ، قال: وما يَمْنَعُهُما مِن ذلك، أما
أحدهما، فأوَّلُ رجل يَرمي بسهمٍ في سبيلِ اللهِ، وأما الآخر، فأوَّلُ رجل
اے
نَزَلَ إلى رسول الله ﴿ مِن حِصْنِ الطائِفِ (١).
قال أبو جعفر: فكان في هذا الحديث ما قد دَلَّ على أنَّ خروجَه
كان إلى عسكر المسلمين وهو مسلم، لأنه قد لحقه في ذلك مِن الحمد
ما ذُكِرَ في هذا الحديث، ولأنه لو كان خَرَجَ وهو على الكفر، لَمَا
كان على خروجه محموداً وَلَمَا كان به موصوفاً، ولَمّا ثبت له الإسلام
(١) إسناده صحيح، ورواه أحمد (١٤٩٧)، وعبد بن حميد (١٣٥)، والدارمي
٢٤٤/٢ و٣٤٣، والبخاري (٤٣٢٦) و(٤٣٢٧)، وأبو عوانة ٢٩/١، والبغوي
(٢٣٧٦) من طرق عن شعبة، به.
ورواه عبد الرزاق (١٦٣١٠) و(١٦٣١٣)، وابن أبي شيبة ٨٢٥/٨، والدورقي
في «مسند سعد)) (١١٤) (١٤٩٩) و(١٥٠٤) و(١٥٥٣)، ومسلم (٦٣) (١١٥)،
وأبو داود (٥١١٣)، وابن ماجه (٢٦١٠)، وأبو عوانة ٢٩/١ -٣٠، والطبراني
(٢١٣٥) و(٢١٣٦) و(٢١٣٧) و(٢١٣٨) و(٢١٤٠) من طرق عن عاصم
الأحول، به.
ورواه الطيالسي (١٩٩)، وعبد الرزاق (١٦٣١٤)، وأحمد (١٤٩٩)، والطبراني
في «الدعاء)) (٢١٣٤)، وأبو عوانة ٢٨/١-٢٩، والشاشي (١٥٧) و(١٥٨) من
طرق عن عاصم، به. لكن عن سعد وحده.
ورواه أحمد (١٤٥٤) و٤٦/٥، والبخاري (٦٧٦٦) و(٦٧٦٧)، ومسلم (٦٣)
(١١٤)، وأبو يعلى (٧٠٠) و(٧٠٦) و(٧٦٥)، وابن حبان (٤١٥) و(٤١٦)،
والطبراني في ((الدعاء)) (٢١٤١)، والبيهقي ٤٠٣/٧ من طريق خالد الحذاء، عن أبي
عثمان النهدي، به.
-٤٤٥-

کتاب الجهاد والمغازي
الذي كان عليه قَبْلَ خروجه إلى عسكر المسلمين ولحوقه بعسكر
المسلمين وهو عليه، عَقَلْنَا أَنْه كان بخروجه إلى عسكر المسلمين غائماً
لنفسه عتيقاً عِتقاً لا وَلاَء عليه لأحدٍ من الناس فيه، وعقلنا أن قولَ ابنِ
عباس: مولى رسول الله ﴿ بعتاقه من خرج إليه يوم الطائف إنما هو
على معنى أعتقه بخروجه، لا باستئناف عتاق له بعدَ خروجه، وأن
قوله: فهو مولى بِرسولِ اللهِ﴿ ليس يريدُ الولاء الذي يُوجبه العتاقُ،
ولكنه مولاه للولاء الذي تُوجبه الولاية التي منها قولُهُ مَ﴾: ((مَنْ كُنْتُ
مولاه، فعليٌّ مولاه)، ثم أتبع ذلك بقوله: ((اللهم وال مَنْ ولاه، وعَادٍ
مَنْ عَادَاه)) فأعلمنا بذلك مراده بقوله: ((مَنْ كُنْتُ مولاه، فَعَلِيٌّ مولاه))
أنَّه الموالاةُ على ما هو عليه مِن الأسباب التي يجبُ أن يكونَ أهلُ
الإسلام عليها من الموالاة لبعضهم بعضاً عليها.
ومثلُ ذلك ما قد رُوِيَ عنه ێ
٣٥٣٤- مما قد حَدَّثَنَا الحسينُ بن نصر، قال: سمعتُ يزيد بن
هارون، أنبأنا أبو مالكٍ الأشجعيُّ، عن موسى بن طلحة، عن أبي
أيوب الأنصاريِّ، عن النِّمَ﴿، قال: «أَسْلَمُ وغِفَارُ ومُزَيْنَةُ وجُهَيْنَة
وأشْجَعُ ومَنْ كان مِن بني كعب مواليَّ دوَن النّاس، والله عز وجَلَّ
ورسولُه مولاهم)) قال الحسين، فذكرتُ هذا الحديثَ لأحمد بن صالح،
فقال: ((موالي دون الناس))(١).
(١) إسناده صحيح، ورواه أحمد ٤١٧/٥-٤١٨، ومسلم (٢٥١٩) (١٨٨)،
والترمذي (٣٩٤٠)، والطبراني (٣٩٢٧)، والحاكم ٨٢/٤ من طرق عن يزيد بن
-٤٤٦-

كتاب الجهاد والمغازي
فكان النبيُّ :﴿ قد أخبر في هذا الحديث: أنَّ الله عز وجلَّ
ورسوله 8# مولى هؤلاء القوم الذي ذكرهم في هذا الحديثِ إخباراً منه
بذلك أن يتولاَّهم، ومن يتولاه الله، ثم رسولُه، كان في أعلى المراتب.
ومما يَدُلُّ على ما ذكرنا في أمرٍ أبي بكرة
٣٥٣٥- ما قد حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ داود بن موسى، حَدَّثْنَا عبدُ
الرحمن بنُ صالح الأزديُّ، حَدَّثَنَا يحيى بنُ آدم، حَدَّثْنَا المفضلُ بنُ مُهَلْهل
الضَّبِّيُّ، عن مُغيرةً، عن شِباك، عن الشعبيِّ، عن رجلٍ من ثقيف، قال:
سألنا رسولَ اللهِ ﴿ أن يَرُدَّ إلينا أبا بكرة، فأبى، وقال: ((هُوَ طَلِيقُ اللهِ
وطَلِيقُ رَسُولِه))، وكان أبو بكرة خرج إلى النبيِّ ﴾ّ حِينَ خَاصَرَ
الطائف.
فكان في هذا الحديثِ ما قد دلَّ على تقدُّم إسلامٍ أبي بكرة
خروجه إلى عسكر المسلمين، لأن رسولَ اللهمَ﴿ قد أخبر الذين سألوه
ردَّه إليهم أَنَّه طليقُ الله ورسوله، والطليق هو المُطلقُ من الإسرِ الذي
كان فيه، فدلَّ ذلك أنّه كان في أسرٍ في أيدي المشركين حين أطلقه الله
ثم رسولُه ﴿ منه بما صار إليه مِن اللحاق بعسكرِ المسلمينَ. وفيما
ذكرنا دليلٌ على ما وصفنا. والله الموفق.
هارون، به.
-٤٤٧-

كتاب الجهاد والمغازي
٤٩٦- بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْهُ عليه السَّلامُ من قوله:
((وَلَنْ يُؤْتِى اثْنَا عَشَرَ ألغاً مِنْ قِلَّةٍ)
٣٥٣٦- حدَّثَنَا ابنُ مرزوق، حدَّثَنَا وهبُ بنُ جرير، عن أبيه،
قال: سمعتُ يونسَ بنَ يزيد يُحدِّث، عن الزُّهْري، عن عُبيدِ اللهِ بن عبد
الله بن عُتبة عن ابنِ عباسٍ قال: قالَ سولُ اللهِ﴿: «خَيْرُ الصحابةِ
أرْبَعَةٌ، وخيرُ السَّرايا أربعُ مئةٍ، وخَيْرُ الْجُوشِ أربعةُ آلافٍ، وَلَنْ
يُغْلَبَ اثنا عشر ألفاً مَنْ قِلَّةٍ) (١).
(١) إسناده صحيح. لكن اختلف في وصله وإرساله.
ورواه ابن خزيمة (٢٥٣٨)، والحاكم ٤٤٣/١ من طريق ابن مرزوق، به.
ورواه الإمام أحمد ٢٩٤/١ (٢٦٨٢)، وأبو داود (٢٦١١)، والترمذي
(١٥٥٥)، وعبد بن حميد (٦٥٢)، وأبو يعلى (٢٥٨٧)، وابن خزيمة (٢٥٣٨)،
وابن حبان (٤٧١٧)، والحاكم ١٠١/٢، والبيهقى ١٥٦/٩ من طرق عن وهب بن
جرير، به.
وقال أبو داود: والصحيح أنه مرسل.
وقال الترمذي: حسن غريب لا يسنده كبيرٌ أحد غير جرير بن حازم، وإنما رُوي
هذا الحديث عن الزهري، عن النبي * مرسلاً، وقد رواه حِّان بن علي العَنَزَي، عن
عُقيل، عن الزهري، عن عُبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن النبي *، ورواه
الليث بن سعد، عن عقيل، عن الزهري، عن التي # مرسلاً.
وقال أبو حاتم كما في («العلل)) ٣٤٧/١: المرسل أشبه، لا يحتمل هذا الكلام أن
یکون کلام النبيِّ ﴾.
وقال البيهقي ١٥٦/٩: تفرَّدَ به جرير بن حازم موصولاً، ورواه عثمان بن عمر،
-٤٤٨-

کتاب الجهاد والمغازي
فكان هذا الحديثُ عندنا مما تَفَرَّدَ به جريرُ بنُ حازم عن يونس
بنِ يزيد بهذا الإسناد، لا نعلمُ أحداً شَرِكَه فيه، ولا نعلَمُ أحداً من
أصحاب الزّهْري رواه عن الزُّهْري غيرَ يونس بنِ يزيد، غيرَ أن أحمدَ بنَ
شُعيب قد كان خالَفَنا في ذلك، وذكر أنَّ هذا الحديث بهذا الإِسناد قد
شَرِكَ يونسَ بنَ يزيد فيه عُقَيلُ بنُ خالد، فرواه عن الزُّهْري بهذا
الإِسناد، کما رواه عنه يونسُ بن یزید.
٣٥٣٧- وذكر لنا في ذلك ما ذكر أنه أخبره إيّاه محمدُ بنُ
سليمان يعني لُوَيناً، عن حِيَّان بنٍ علي، عن عُقيل، عن الزهري، عن
عُبيد الله عن ابنِ عباس قال: قالَ رسولُ اللهِ عليه السَّلامُ: ((خَيْرُ
الصَّحابةِ أربعةٌ وخيرُ السَّرايا أربعُ مِئَةٍ، وخيرُ الجيوشِ أربعةُ آلافٍ))
وذكرَ كلمةً معناها: ((أنْ لا يُهْزَمَ اثنا عشر ألفاً من قِلةٍ إِذا صَبَرُوا
وصَدَقُوا))(١).
ثم قال لنا أحمدُ بنُ شعيب عند ذلك: وحِيَّانُ بنُ علي ليسَ
بالقويِّ. وكانَ مِن حُجتنا عليه في ذلك بتوفيقِ اللهِ أَنَّ حِبَّانَ بنَ علي
عن يونس، عن عقيل، عن الزهري، عن النبي # منقطعاً.
وقال ابنُ القطان فيما نقله عنه المناوي في ((فيض القدير»: لكن هذا (أي: الإعلال
بالإرسال) ليس بعلة، فالأقربُ صحته.
(١) إسناده ضعيف، حبان بن علي ضعيف، ورواه الإمام أحمد ٢٩٩/١
(٢٧١٨)، وأبو يعلى (٢٧١٤) من طريقين عن حبان بن علي، به. ورواه الدارمي
(٢٤٤٣) عن محمد بن الصلت، عن حبان بن على، عن يونس وعُقيل، به.
-٤٤٩-

کتاب الجهاد والمغازي
إنّما أخَذَ هذا الحديثَ عن يونُسَ بنِ يزيد، عن عُقيل فيما ذكر.
٣٥٣٨- كما قد حدَّثَنَا فهد، حدَّثَنَا يحيى الحِمَّاني، حدَّثَنَا مِنْدل
وحَِّّان، عن يونسَ بنِ يزيد، عن عُقيل، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُبيدِ الله
عن ابنِ عباسٍ، قَالَ: قالَ رسولُ اللهِلَ﴿: «خيرُ الصَّحابةِ أربعةٌ، وخيرُ
السَّرايا أربعُ مِئَةٍ، وخيرُ الجُيُوشِ أربعةُ آلاف، ولَنْ يُؤتَى اثنَا عَشَرَ
ألْفَاً من قِلَّةٍ)(١).
فعادَ هذا الحديثُ عن حِبَّان، عن يونُسَ بنِ يزيد، عن عُقيل،
بإسنادِهِ وبمتِهِ، وكان حِبّان ليسَ بالقَوِيِّ في روايتِه، كما ذكر أحمدُ بنُ
شُعيب، وكذلك يَقولُ أهلُ العلم بالأسانيد سِواه، ومِندل أخوه:
عندَهم دونَه في ذلك، وإذا كانَ ذلك كذلك، عادَ الحديثُ إلى يونُسَ،
على ما رواه عنه جريرُ بنَ حازمٍ بلا شريكٍ له من الثبت في الروايةِ فيه.
فإنْ قالَ قائل: فهل رَوَى غيرُ مندل وغيرُ حِبان هذا الحديثَ عن
عُقيل(٢)، قيلَ له: نعم، قد رَوَاهُ سواهما عن عُقِيلٍ: اللَّيثُ بن سعدٍ،
وهو من الأمانة في عُقيل، والتّبتِ، والضَّبطِ عنه على مَا لاَ خَفَاءَ بهِ في
ذلك عندَ أهلِ العلمِ بالأسانيدِ وبِرُوايِها.
٣٥٣٩- كما قد حدَّثَنَا ابنُ أبي داود، حدَّثَّنَا عبدُ الله بن صالح،
حدثني الليثُ، حدثني عُقَيْلُ بنُ خالدٍ عن ابن شِهاب، قال: بَلَغَنا أنَّ
(١) إسناده ضعيف، حبان ومندل كلاهما ضعيف.
(٢) أي: روياه عن عقيل بواسطة يونس بن يزيد كما تقدم.
- ٤٥٠-

کتاب الجهاد والمغازي
رسولَ اللهِ ﴿ٌّ قالَ(١) .. ثم ذكر مثلَ حديثِ ابنِ مرزوق، عن وهبِ بنِ
جرير، عن أبيه، عن يونس، عن الزُّهْري، في متنِه خاصةً دونَ إسنادِه.
فعادَ هذا الحديثُ إلى يونُسَ بنِ يزيد، من روايةٍ جريرٍ موصولاً،
وإلى عُقيل، من رواية الليثَ عنه مَقْطُوعاً.
ثم تأمَّلْنا ما في هذا الحديثِ من قولِ رسولِ اللهِمَ﴿: ((وَلَنْ يُؤْتَى
اثْنَا عَشَرَ أَلْفاً مِن قِلَّةٍ).
فوجَدْنا فرضَ اللهِ قد كانَ على عبادِهِ أَنْ لا يَفِرَّ عشرونٌ صابرون
مِن مئتينِ بقول: ﴿يَا أُها النّبيُّ حَرّض الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية [الأنفال: ٦٥] فكانَ
الفرضُ عليهم في ذلك أنْ لا يَفِرَّ قومٌ من عشرةِ أمثالِهم، ثم خَفَّفَ الله
ذلك عليهم رحمةٌ لهم، فأنْزَلَ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّه عنكم وعَلِمَ أنَّ فيكم
ضَعْفاً ... ﴾ الآية [الأنفال: ٦٦] فعادَ الفَرْضُ عليهم في ذلك أن لا
يَفِرُّوا مِن مِثْلَيْهِم وكان ذلك مُطْلِقاً في قليلِ العددِ، وفي كثيرِه ثم خصَّ
الله تعالى على لسان رسول الله عليه السلام الاثني عشرَ ألفاً، كما
خصَّها به أنْ لا تَفِرَّ مُما فَوْقَها من الأعدادِ، وأخبرَ على لسان نبيه ◌ِ*
أنَّهم لن يُؤْتَوا من قِلَّة، وهكذا كانَ محمدُ بنُ الحسن ذهبَ إليه في
كتابِ («سِيَرِه الكبير)) (٢)، وقالَ به فيه، ولم يَحْكِ فيه خلافاً بينَه وبينَ
(١) إسناده ضعيف لإرساله ولضعف عبد الله بن صالح من جهة حفظه.
ورواه مرسلاً سعيد بن منصور (٢٣٨٧) عن ابن المبارك، عن حيوة، عن عقيل،
عن الزهري، به. ورواه عبد الرزاق (٩٦٩٩) عن معمر، عن الزهري، به مرسلاً.
(٢) ١٢٣/١ وقد طبع في خمسة أجزاء بشرح الإمام السرخسي صاحب
-٤٥١-

كتاب الجهاد والمغازي
أحدٍ من أصحابه، وهكذا كان غيرُ واحد من أهلِ العلمِ حَمَلَ الأمرَ
بالمعروف، والنهي عن المنكر على هذا المعنى بعينه، منهم ابن شُبْرُمة
عبدُ الله الضّيَ.
٣٥٣٩- كما كتب إليَّ إسحاقُ بنُ إسماعيل بنِ عبدِ الأعلى
الأَيْلِي أبو يعقوب، يُحدثني عن سُفيان بنِ عُبَيْنَةً، أنه حدَّثَه عن ابنٍ أبي
نَجيحِ، عن عطاء، عن ابن عَبَّاسِ: إِن فَرَّ رجلٌ من رجلينِ، فقد فَرَّ، وإن
فَرَّ مِنْ ثلاثةٍ، فلم يَفِرَّ. قالَ سفيانُ: فحدثتُ ابن شُبْرُمة، فقالَ: هكذا
الأمرُ بالمعروف، والنهي عن المنكر(١).
(المبسوط)، ويدور موضوع الكتاب كما يقول محققه الدكتور صلاح المنجد حول
جميع الأمور المتعلقة بالحرب وعلاقتها مع المشركين وأحكامها، فهو في الحقيقة
القانون الدولي للمسلمين في أمور الحرب.
(١) إسناده صحيح، ورواه ابن إسحاق كما في ((السيرة)) ٣٣١/٢، ومن طريقه
الطبري (١٦٢٧١): حدثني عبد الله بن أبي نجيح المكي، عن عطاء بن أبي رباح، عن
عبد الله بن عباس قال: لما نزلت هذه الآية ثَقُلَتْ على المسلمين، وأعظموا أن يُقاتل
عشرون مئتين، ومئةٌ ألفاً، فخفف الله نهم، فنسخها بالآية الأخرى فقال: ﴿الآن
خَفَّفَ الله عنكم وعَلِمَ أن فيكم ضعفاً فإن يكن منكم منةٌ صابرَةٌ يغلبوا مئتين وإن
يكن منكم ألف يغلبوا ألفين) قال: وكانوا إذا كانوا على الشطر من عدوهم لم يَنْبغِ
لهم أن يَفِرُّوا منهم، وإن كانوا دونَ ذلك، لم يجب عليهم أن يُقاتِلُوا، وجازَ لهم أن
یتحوَّروا عنهم.
ورواه البخاري (٤٦٥٢) عن على بن عبد الله، حدّثنا سفيان، عن عمرو، عن
ابن عباس رضي الله عنهما: لما نزلت فإن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا
- ٤٥٢-

کتاب الجهاد والمغازي
وكان هذا أيضاً مطلقاً عند ابنِ شُبْرُمة في الأعداد كُلّها. وقد
رُوي عن مالكٍ في ذلك ما يدُلُّ على أن مذهبَه كان فيه على مثلٍ ما في
حديثِ ابنِ عباس الذي رَوَيناه من المخالفةِ بينَ الاثني عشر ألفاً، وبينَ
ما دونَها من الأعدادِ.
كما سمعتُ محمدَ بنَ عيسى بن فُلَيح بن سليمان الخزاعي أبا عبدٍ
الله، يذكر أن العُمَرِيَّ العابدَ - وهو عبدُ الله بن عبد العزيز بن عبدِ الله
بن عُمر بن الخطّاب- جاء إلى مالكٍ، فقالَ له: يا أبا عبدِ الله، قد نَرَى
هذه الأحكامَ التي قد بُدِّلَتْ، أفَيَسَعُنا مع ذلك التخلفُ عن مجاهدةِ مَنْ
بَدَّلَها؟ فقالَ له مالكٌ: إن كانَ مَعَكَ اثنا عشرَ ألفاً متُلكَ، لم يَسَعْكَ
التخلُّفُ عن ذلك التخلفُ عن مجاهدةٍ مَنْ بَدَّلَها؟ فقالَ له مالكٌ: إن
كانَ مَعَكَ اثنا عشرَ ألفاً مثلُكَ، لم يَسَعْكَ التخُلُّفُ عن ذلك، وإنْ لم
يكن مَعَكَ هذا العددُ من أمثالِك، فأنتَ في سَعةٍ من التخلّفِ عن ذلك.
وكان هذا الجوابُ من مالك أحسنَ جواب، وإنما أخذَه عندنا -
والله أعلم - من قولِ النبي ﴿ في حديثِ ابنِ عباس الذي رويناه: ((وَلَنْ
يُؤْتَى اثنَا عَشَرَ أَلْفاً مِن قِلَّةٍ)، وبالله التوفيقُ.
مئتين) فكُتب عليهم أن لا يَفِرَّ واحدٌ من عشرة، فقال سفيان غيرَ مرة: أن لا يَفِرَّ
عشرون من مئتين، ثم نزلت: والآن خَفْفَ الله عنكم) الآية، فكتب أن لا يفر مئة
من مئتين، وزاد سفيانُ مرة: نزلت: وحرِّض المؤمنينَ على القتالِ إن يكن منكم
عشرون صابرون﴾ قال سفيان: وقال ابنُ شبرمة: وأرى الأمر بالمعروف والنهيَ عن
المنكر مثل هذا.
- ٤٥٣-

كتاب الجهاد والمغازي
٤٩٧- بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسولِ اللهِ ﴾ في استعانتِهِ
بِمن طلب الاستعانة به من الكفّار وفي منعه مَنْ مَنَعَهُ مِنَ
الكفّار من القتال معه
٣٥٤٠- حدَّثَّنَا يونس، قال: أخبرنا ابنُ وَهْب، قال: أخبرني
مالك بن أنس، عن الفُضَيْل بن أبي عبد الله، عن عبدِ الله بنِ نيارٍ
الأسْلَمِي، عن عُرْوَةً بن الزبير عن عائشة زوج النبي ﴿ أنها قالت:
خرج رسولُ اللهِ ﴿ قِبَلَ بَدْرِ، فلما كان بحرَّةِ الوَبرة، أدركه رجلٌ قد
كان يُذْكَرُ منه جُرْأَةٌ ونَحْدَةٍ، فَفَرِحَ أصحابُ رسولِ اللهِ﴿ حين رأوْهُ،
فلمَّا أدركه قال لِرسول الله لَ﴿: جئتُ لأَتْبَعَكَ، وأُصِيبَ معك، فقال له
رسول الله﴾: (أَتُؤْمِنُ بِاللهِ عزَّ وجلَّ وَرَسُولِه)؟ قال: لا. قال: ((فارجِعُ
فَلَنْ تَسْتَعِينَ بِمُشْرِكْ) قال: ثم مضى حتّى إذا كُنّا بالشجرة أدرَكهُ
الرجلُ، فقال له كما قال أوَّلَ مرَّة، فقال له النبي ◌َ﴿ كما قال أوَّل
مرَّة، فقال: لا، فقال: ((ارْجِعُ فَلَنْ نَسْتَعِينَ بِمُشْرِكْ)) قال: فرجع
فأدركه بالبَيْدَاءِ، فقال له كما قال أوَّل مرَّة: (أَتُؤْمِنُ بِاللهِ وَرَسُولٍ))؟
قال: نَعَمْ. فقال رسول الله (﴿: ((فانْطَلِقْ) (١).
(١) إسنادُه صحيح. ورواه مسلم (١٨١٧) عن أبي الطاهر عن ابن وهب، به.
ورواه أيضاً عن الإمام مالك: ابن مهدى، وأبو المنذر، وروح، ويحيى بن سعيد،
معه بن عيسى، ووكيع، وعبد الرحمن بن القاسم، وعبد الله بن يوسف، وابن المبارك.
حرة الوَرَرة: موضع على نحو من أربعة أميال من
نقل محقق الأصل عن الحازمي في ((الاعتبار)) ص ٢١٨ -٢١٩ بعد أن أورد -أي
-٤٥٤-

كتاب الجهاد والمغازي
الحازمي - الحديث من طريق مسلم، عن أبي الطاهر: هذا حديث صحيح، وقد
اختلف أهلُ العلم في هذا الباب، فذهبت جماعةٌ إلى منع الاستعانة بالمشركين مطلقاً،
وتمسّكوا بظاهر هذا الحديث، وقالوا: هذا حديث ثابت عن النبيِّ ﴾، وما يُعارضه لا
يُوازيه في الصحة والثبوت، فتعذر ادعاءُ النسخ لِهذا.
وذهبت طائفة إلى أن للإمام أن يأذن للمشركين أن يغزوا معه ويستعين بهم،
ولكن بشرطين:
أحدهما: أن يكون في المسلمين قلة، وتدعو الحاجة إلى ذلك.
والثاني: أن يكونوا ممن يُوثق بهم، ولا يخشى ثائرتهم، فمتى فُقِدَ هذان الشرطان،
لم يجز للإمام أن يستعين بهم.
قالوا: ومع وجود الشرطين يجوز الاستعانةُ بهم، وتمسَّكوا في ذلك بما رواه ابن
عباس أن رسول الله # استعان بيهود بني قينقاع، ورضخ لهم واستعان بصفوان بن
أمية في قتال هوازن يومَ حنين، قالوا: وتعين المصير إلى هذا، لأن حديث عائشة رضي
الله عنها كان يوم بدر وهو متقدم فيكون منسوجاً.
ثم رى الحازمي بإسناده حديث أبي حميد الساعدي الآتي برقم (٣٥٤٩).
ثم روى عن الشافعي قال: الذي روى مالك كما روى رد رسول الله * مشركاً
أو مشركين في غزاة بدر، وأبى أن يستعين إلا بمسلم، ثم استعان رسول الله لا بعد
بدر بسنتين في غزوة خيبر بعدد من يهود بني قينقاع كانوا أشداء، واستعان رسولُ
الله * في غزوة حنين سنة ثمان بصفوان بن أمية وهو مشرك، فالرد الأول إن كان بأن
له الخيارَ بأن يستعين بمشرك، وأن يردّه، كما له ردُّ المسلم من معنى مخافة أو لشدة
به، فليس واحدٌ من الحديثين مخالفاً للآخر، وإن كان ردّه، لأنه لم يَرَ أن يستعين
بمشرك، فقد نسخه ما بعده من استعانته بالمشركين، ولا بأس أن يُستعان بالمشركين
على قتال المشركين إذا خرجوا طوعاً، ويرضخ لهم ولا يُسهم لهم، ولا يثبت عن
النبي* أنه أسهم لهم.
-٤٥٥ -

كتاب الجهاد والمغازي
٣٥٤١- حدَّثَنَا يجيى بنت عثمان، قال: حدَّثَنَا نُعَيْمُ بن حماد،
قال: حدَّثَنَا ابنُ المبارك، قال: أخبرنا مالكُ بنُ أنس، عن الفُضَيْل [بن]
أبي عبد الله، عن عبد الله بنٍ نيار، عن عُرْوَة بن الزبير عن عائشة رضي
الله عنها، قالت: خرج رسولُ الله :﴿ إلى بدرٍ حتى إذا كان بحرةٌ
الوَبْرَة أدركه رجلٌ ذُو حُرْأةٍ ونَحْدَةٍ، فلما رآه أصحاب رسول الله صلّ
فِرِحُوا به وأعجبهم، فقال: يا مُحمد أخْرُجُ مَعَكَ، فأقَاتل وأُصيب،
فقال رسولُ الله ﴿: ((أَتُؤْمنُ باللهِ عزَّ وجلَّ ورسولِه)؟ قال: لا. قال:
((فَارْجِعْ فَلَنْ نَسْتَعِينٍ بِمُشْرِكٍ)، فمضى رسول الله:﴿ حتى إذا كان
بذِي الْحُلَيْفَة، أدرَكَهُ، فأعجب ذلك أصحاب رسول الله : ﴿ فقالوا:
هذا فلان قد رجع، فقال: يا محمد أخْرُجُ معك، فأُقاتل وأُصيب، فقال:
((أَتُؤْمِنُ بالله عزَّ وجلَّ ورسولِهِ)؟ قال: لا. قال: «فارجعْ فَلَنْ نَسْتَعِينَ
بِمُشْرِكٍ)، فمضى رسولُ الله:﴿ حتى إذا كان بظهرِ البَيْدَاءِ لَحِقَه
أيضاً، فأعجب أصحاب رسول الله﴿، فقال: يا محمد أخْرُجُ معك،
فأُقاتل وأُصيب. فقال: ((أَتُؤْمِنُ باللهِ عزَّ وجَلَّ ورسولٍ»؟ قال: نعم.
قال: ((فَنَعَمْ إذا)(١).
٣٥٤٢- حدَّثَنَا أبو أميّة، قال: حدَّثَنَا بِشْر بن عُمر الزهراني،
قال: حدَّثَنَا مالك بن أنس، عن فُضَيْل بنِ أبي عبد الله، عن عبد الله بن
نِيار، عن عُرْوة عن عائشة رضي الله عنها أن رجلاً قال لِرسول الله داخل
(١) حديث صحيح. نعيم بن حماد -وإن كان في حفظه شيء - متابع.
-٤٥٦-

كتاب الجهاد والمغازي
وهو يُريد بدراً: أخرج معك، فقال رسولُ اللهِ﴿: ((لا نَسْتِعِينُ بمشركٍ))
قال بشر: فقلتُ لمالك بن أنس: أَلَيْسَ ابن شهاب يُحدِّثُ أن صفوانَ
بِنَ أمية سار مع رسولِ الله :﴿ فشهد حُنَيْنَ والطَّائِفَ وهو كافر؟ قال:
بلى، ولكن سار مَعَ رسولِ اللهِلَ﴿ ولم يأمره رسول الله :﴿ بذلك(١).
٣٥٤٣- حدَّثَنَا عليٌّ بنُ عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة الكوفي،
قال: حدَّثَنَا يحيى بنُ مَعِين، قال: حدَّثَنَا عبدُ الرحمن بن مَهْدِي، عن
مالك، عن الفُضَيْل بن أبي عبد الله، عن عبد الله بنِ نِيار، عن عُرْوة عن
عائشة رضي الله عنها أن رجلاً من المشركين لحق بالني # فقاتل معه،
فقال النبي ◌َ﴿: ((ارجع فإِنّا لا نَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ))(٢).
٣٥٤٤- حدَّثَنَا عليٌّ بنُ عبدِ الرحمن، قال: حدَّثَنَا بدُ الله بنُ
(١) إسناد المرفوع صحيح، وما ذكره الإمام مالك عن ابن شهاب في أمر صفوان
مرسل، وسیأتی قريباً موصولاً من حديث جابر.
(٢) إسناده صحيح، ورواه أحمد ١٤٨/٦-١٤٩، ومسلم (١٨١٧) والنسائى في
((الكبرى)) كما فى ((تحفة الأشراف)) ١٦٣٥٨/١٢ من طريق عبد الرحمن بن مهدي،
ورواه الإمام أحمد ٦٧/٦، والدارمي (٢٥٠٠)، وأبو داود (٢٧٣٢)، والترمذي
(١٥٥٨)، والنسائي في الكبرى (تحفة ١٦٣٥٨/١٢) من طرق عن الإمام مالك، به.
ورواه إسحاق بن راهوية (٢١٦)؛ وعنه الدارمي (٢٤٩٩)، عن وكيع، عن
مالك عن عبد الله بن دينار به، ليس فيه الفضيل، واقتصر على قوله # (إنا لا نستعين
بمشرك)) ورواه ابن ماجة (٢٨٣٢) من طريق مالك، عن عبد الله بن يزيد، عن نيار،
عن عروة، به. قال المزي عقب هذا الإسناد: كذا عنده وهو تخليط فاحش والصواب
ما تقدم (تحفة ١٦٣٥٨/١٢).
-٤٥٧-

كتاب الجهاد والمغازي
يوسف، قال: حدَّثَّنَا مالكُ بن أنس، عن الفُضَيْل بنِ أبي عبد الله، عن
عبد الله بن نَيَار، عن عُروة بن الزُّبير عن عائشة رضي الله عنها زوج
البي #، ثم ذكر مثل حديث يحيى بن عثمان عن نُعَيْم، عن ابن المبارك
إلاّ أنه لم يذكر لقاء رسول الله﴾ بذي الحليفة.
قال أبو جعفر: وكان فيما روينا عن رسولِ الله ◌َ﴿ قوله: ((إنّا لا
نستعينُ بمشركٍ)) وقد ذكرنا في حديث أبي أمَيَّة عن بشر بن عُمر، عن
مالك، عن ابن شهاب أن صفوان بن أمية شهد مع رسول الله تَ *
حنين والطائف وهو كافر، وطلبنا ذلك هل نجده في حديث مرفوعٍ
متِّصِّلِ الإِسناد؟
٣٥٤٥- فوجدنا فهداً قد حدَّثَنَا، قال: حدَّثَنَا يوسف بن بُهُلُول،
قال: حدَّثَنَا عبد الله بن إدريس، عن ابن إسحاق، قال: حدثني عاصمُ
بنُ عُمر بنٍ قَنَادة، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه جابر بن عبد الله،
قال: لما انهزم الناسُ يَوْمَ حُنين، جعل أبو سفيان بن حرب يقول: لا
تنتهي هزيمتهم دون البَحْرِ، وصرخ كَلَّدَة بن الحنبل وهو مع أخيه لأمّه
صفوان بن أمية: ألا بطلَ السِّحْرُ اليومَ، فقال له صفوان: اسكتْ فَضَّ
اللهُ فَاكَ، فوالله لأَنْ يَرْبَّن رَجُلٌ من قُريش أحبُّ إليَّ مِنْ أنْ يَرُبِّي رجلٌ
من هَوَازِنُ(١).
(١) إسناده حسن، ابن إسحاق وهو إمام في المغازي، وقد صرّح بالتحديث.
ورواه ابن هشام في السيرة ٨٦/٤ عن ابن إسحاق.
ومن طريق ابن إسحاق رواه الإمام أحمد ٣٧٦/٣، وأبو يعلى (١٨٦٣) (وعنه
-٤٥٨-

کتاب الجهاد والمغازي
ووجدنا الربيعَ الْمُرَادِي قد حدَّثَنَا، قال: حدَّثَنَا أسدُ بنُ موسى،
قال: حدَّثَنَا يحيى بنُ زكريا بن ابي زَائِدَة، قال: حدَّثْنَا ابن إسحاق، ثم
ذ کر مثلَه یإسناده.
فصار ما ذكره مالك عن ابن شهاب في أمر صَفْوان موجوداً في
حديث جابر الذي رويناه متصلاً.
٣٥٤٦- حدَّثَنَا حسينُ بنُ نصرِ، قال: سمعتُ يزيدَ بنَ هارون،
قال: أخبرنا مُستَلِمُ بنُ سعيد، قال: أخبرنا خُبَيْب بن عبد الرحمن بن
خُبَيْب، عن أبيه عن جده، قال: أتيتُ النبيَّ: ﴿ وهو يريد غزواً أنا رجلٌ
من قومي ولم نُسْلِمُ، فقلنا، إنّا نستحي أنْ يشهدَ قومُنا مشهداً لم
نَشْهَدْهُ معهم، قال: ((وأسْلَمْتُمَا)؟ قلنا: لا. قال: ((فِنَّا لا نَسْتَعِينُ
بالُشِرِكينَ على المشركينَ))(١).
٣٥٤٧ - حدَّثَنَا على بن شَيْبَة، قال: أخبرنا يزيدُ بنُ هارون، ثم
ابن حبان ٤٧٧٤)، والبيهقي في الدلائل ١٢٦/٥، وابن كثير في السيرة ٦١٨/٣.
قوله (يَرُّني) أي يكون رباً فوقي أو يسود عليّ.
(١) عبد الرحمن بن حبيب: ذكره ابن حبان في ((الثقات)) ٧٩/٧، وخبيب: والد
عبد الرحمن: هو ابن إساف -ويقال: يساف - الخزرجي.
ورواه أحمد ٤٥٤/٣، وابن أبي شيبة ٣٩٤/١٢، وبن أبي عاصم في ((الآحاد
والمثاني)) (٢٧٦٣)، والبخاري في ((تاريخه)) ٢٠٩/٣، والطراني في ((الكبير)) (٤١٩٤)
و(٤١٩٥)، والحاكم ١٢١/٢-١٢٢، والبيهقي ٣٧/٩ من طريق يزيد بن هارون،
بهذا الإسناد. وزادوا في آخره: ((فأسلمتا وشهدنا معه))
-٤٥٩ -

كتاب الجهاد والمغازي
ذ کر بإسناده مثله.
فقال قائل: فهل يدفع ما رويته من أمرٍ صفوان في قتاله مع النبيِّ
: وهو مُشرك ما سواه مما رويتَه في هذا البابِ عن رسول الله8 من
قوله: (إِنّا لا نَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ)).
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل أنَّ ما رويناه من
قصة صفوان ليس بمخالفٍ لما رويناه من سواها في هذا الباب من قول
رسول الله :﴿: ((إنّي لا أستعينُ بمشركٍ)) لأن قتال صفوان كان معه ﴿
لا باستعانة منه إِيَّه في ذلك، ففي هذا ما يَدُلُّ على أنه إنما امتنع من
الاستعانة به وبأمثاله، ولم يمنعهم من القتال معه باختيارهم لذلك،
وكان تركه ﴿ الاستعانة بهم محتملاً أن يكونَ من قول الله عز وجل:
﴿يََّ لَّذِينَ آمُّ لَ سَّخِذُوا بِطَمِنْ دُوِنكُمْلَا يَأْوَكُمْ خَلَاً﴾ [آل عمران:
١١٨] فكانت الاستعانة بهم اتخاذه لهم بطانةً، ولم يكن قتالُهم معه بغير
ستعانة منه بهم اتخاذاً منه إِيَّاهم بطانةً.
فقال قائل: فأنتم قد رويتُم عن رسول الله :﴿ دعاءَهُ اليهود إلى
قتالِ ابي سفيان معه، وهم مِمَّن لا يَأْلُونَهُ حَبَالاً.
٣٥٤٨- وذكر في ذلك ما قد حدَّثْنَا يونس، قال: أخبرنا ابنُ
وَهْبٍ، قال: حدثني عبدُ الرحمن بن شُرَيْح أنه سَمِعَ الحارثَ بنَ يزيد
الحضرمي يُحدِّث عن ثابت بنِ الحارث الأنصاريِّ عن بعض من كان
مَعَ رسول الله :﴿، قال: لما بلغ رسولَ اله ◌َ﴿َ جَمْعُ أبي سفيان لِيخرج
إليه يوم أُحُد، فانطلق إلى اليهود الذين كانوا في النضير، فوجد منهم
- ٤٦٠-