النص المفهرس

صفحات 321-340

كتاب القضاء والأحكام والحدود
٤٦٦- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِي عن رسول الله # في حدود
أهلِ الكتاب في الزنى، وهل هي الرجمُ، وهل هُوَ باقٍ فيهم
إلى يوم القيامة، أو قد نُسخ ذلك، وأُعید إلی غیرہ
قال أبو جعفر: قال قائلٌ: فقد رويتَ في البابِ الذي قَبْلَ هذا
البابِ عن رسولِ اللهِ و8# رَجْمَهُ لليهودي الذي رجمه للزنى الذي كان
منه في حديثي جابر والبراء اللذين رويتهما فيه، فَلِمَ تركهما مَنْ
تركهما مِن أهل العلم، منهم أبو حنيفة والثوري وزفر وأبو يوسف
ومحمد، وقالوا: لا يُرْجَمُ أهْلُ الكِتاب في الزنى، وقد وقفوا على هذين
الأثرين وما سواهما مما قد رُوِيَ عن رسول الله { ﴾ في ذلك، وذكروا
٣٤٠٩- ما قد حَدَّثْنَا يونسُ، أخبرنا ابنُ وهب أن مالكَ بنَ أنس
أخبره، عن نافع، عن عبد الله بن عمر أنه قال: إنَّ اليهودَ جاؤوا إلى
رسول الله ﴿، فذكروا له أن رجلاً منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسولُ
الله ﴿: «ما تَجِدُونَ في التوراةِ من شأنِ الرجمِ؟)) فقالوا: نَفْضَحُهُمْ
ويُحْلَدُونَ، فقال عبدُ الله بن سلام: كذبتُم، إنَّ فيها الرَّجمَ، فأتوا
بالتوراةٍ فنشروها، فوضع يَدَهُ أحَدُهُم على آيةِ الرجمِ، فقرأ ما قَبْلَها وما
بعدها، فقال له عبدُ الله بن سلام: ارْفَعْ يَدَكَ، فرفع يده، فإذا فيها آيةٌ
الرجم، قالوا: صدق، يا محمدُ، فيها آيةُ الرجم، فأمر بهما رسولُ
الله ◌َ، فَرُجمَا. قال ابنُ عمر: فرأيتُ الرجلَ يحني على المرأةِ يَقيها
-٣٢١-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
الحِجَارَةَ(١).
قال أبو جعفر: فكان جوابنا له في ذلك: أن الذي له تركوا رجم
الزناة مِن أهل الكتاب بعد وقوفهم على هذه الآثار، وما كان مِن
رسول الله﴿ فيها أن الحُكْمَ كان عندهم في اليهود، يعني في حدِّ الزنى
في التوراة، الذي مِن أجله رجم النبيُّ ◌ُ/ من رجمه من اليهود المذكورين
فيها إنما هو بالزنى خاصةً كان معه إحصان أو لم يكن معه إحصان،
وكان الدليلَ عندهم على ذلك سؤال رسول الله {58 اليهودَ: ما تجدون
حدَّ الزاني في كتابكم؟ فأجابوا بما أجابوه به مما ذكر، يعني في الآثار
التي قد ذكرناها في ذلك، ولم يكن في سؤاله * إيّاهم ذكرُ زانٍ
(١) إسناده صحيح، وهو في (الموطأ)) ٨١٩/٢، ومن طريق مالك رواه مطولاً
ومختصراً الشافعي في ((مسنده)) ٨١/٢، وفي («السنن المأثورة)) (٥٥٤)، وفي ((الرسالة))
(٦٩٢)، وأحمد ٧/٢ و٦٢ و٧٦، والبخاري (٣٦٣٥) و(٦٨٤١)، ومسلم
(١٦٩٩) (٦٧)، وأبو داود (٤٤٤٦)، والترمذي (١٤٣٦)، والنسائي في ((الكبرى))
(٧٣٣٤)، وكما في ((التحفة)) ٢٠٧/٦، وابن حبان (٤٤٣٤)، والبغوي (٢٥٨٣).
ورواه الطيالسي (١٨٥٦)، وعبد الرزاق (١٣٣٣١) و(١٣٣٣٢)، والحميدي
(٦٩٦)، وابن أبي شيبة ٥٠١/٦ و١٤٩/١٠ و١٤٩/١٤، وأحمد ٥/٢ ٦١٬ -٦٢
و١٢٦، والدارمي ١٧٩/٢، والبخاري (١٣٢٩) و(٤٥٥٦) و(٧٣٣٢)
و(٧٥٤٣)، ومسلم (١٦٩٩) (٢٦) و(٢٧)، وابن ماجه (٢٥٥٦)، والنسائي في
((الكبرى)) (٧٢١٣) و(٧٢١٤) و(٧٢١٥) و(٧٢١٦)، وابن الجارود («المنتقى))
(٨٢٢)، والطحاوي ١٤١/٤، وابن حبان (٤٤٣١) و(٤٤٣٢) و(٤٤٣٥)،
والبيهقي ٢٤٦/٨ من طرق عن نافع، به، وبعضهم يزيد على بعض.
- ٣٢٢ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
محصن، ولا ذكرُ زانٍ غيرِ مُحْصَنٍ، وكذلك كان في جوابهم إياه عن
ذلك ليس فيه ذِكْرُ زنى مِن مُحصن، ولا زنى مِن غير محصن، فاستدلوا
بذلك على أن العقوبةً كانت في الزنى في التوراة كذلك، ثم كانت
العقوبةُ بعد ذلك على الزناة في الإسلام بخلاف ذلك، وهو ما ذكره الله
تعالى في كتابه بقوله تعالى: ﴿واللاتي يأتيِنَ الفَاحِشَةَ من نسائكم فاستشهدُوا
عَلَيْهِنَّ أَربَِّ منحكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوتِ حتى يتوفًا منَ الموت أو
يجعل الله لهن سبيلاً﴾ [النساء: ١٥]، فكان ذلك حدَّ الزانيات، ثم قال عز
وجل: ﴿ واللذان يأتياِهَا مِنكُمْ فَأَذُوهُما فإِنْ ثَبَا وَأَضْلَحَا فَأَغْرِضُوا عنهما﴾.
[النساء: ١٦]، فكان ذلك حدَّ الرجال في ذلك بلا جلدٍ ولا رجمٍ، ثم
نسخ الله عز وجل ذلك على لسان نبيه﴾ بالسبيلِ الذي قد كان تَقَدَّمَ
في ذكرها بقوله في كتابه: ﴿أوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سبيلاً﴾، فقالِ ﴿ ما ذكره
عنه في ذلك عبادة بن الصامت.
٣٤١٠- كما قد حَدَّثْنَا يونسُ، حَدَّثْنَا أسدُ بنُ موسى، حَدَّثَنَا
شعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن حِطّان بن عبد الله الرَّقاشي، عن
عُبادة بن الصامت أن النبيَّ ◌َ﴿، قال: ((خُذُوا عَنِي، فَقَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ
سَبِيلاً، البِكْرُ يُجْلَدُ ويُنْفَى، والثِّيَّبُ يُجْلَدُ وِيُرْجَمُ)(١).
(١) حديث صحيح، ورواه ابن أبي شيبة ٨٠/١٠، وأحمد ٣٢٠/٥، ومسلم
(١٦٩٠)، والطحاوي ١٣٤/٣، وابن حبان (٤٤٢٧) من طرق عن شعبة، به.
ورواه عبد الرزاق (١٣٣٦٠)، وأحمد ٣١٧/٥ و٣١٨ و٣٢٠-٣٢١، والدارمي
-٣٢٣-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
٣٤١١- وكما حَدَّثْنَا صالح بنُ عبد الرحمن الأنصاري، حَدَّثَنَا
سعيدُ بنُ منصور، حَدَّثْنَا هُشيمٌ، قال: وأخبرنا منصورُ بنُ زاذان، عن
الحسن، قال: حَدَّثْنَا حطانُ بنُ عبدِ الله الرقاشي، عن عُباة بنِ الصَّامِتِ،
قال: قال رسولُ الله ◌َ﴿: ((خُذُوا عَنِّي، فَقَدْ جَعَلَ الله لهن سبيلاً: البِكْرُ
بالبِكْرِ جَلْدُ مِنَةٍ، وتغريبُ عامِ، والثَّيِّبُ بالغَّيِّبِ جَلْدُ مِئَةٍ وَرَجْمٌ
بالحِجَارِقِ»(١).
فَبِيِّنَّ بذلك السبيلَ الذي جعله الله في ذلك ما هي، وأعلم بحدودٍ
كُلِّ صنفٍ من الأكبار ومن الثَّبِ، ثم قال عبدُ الله بن عمر بعدَ رسول
الله ﴿ وَبَعْدَ علمه برجم رسول اللهِمَ﴿ من كان يُرْجُمُه في الزِّنى من
أهل الكتاب
٣٤١٢- ما قد حَدَّثْنَا عبد الله بن سعيد بن أبي مريم، حَدَّثْنَا
الفريابي، حَدَّثْنًا سفيان الثوري، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن
١٨١/٢، ومسلم (١٦٩٠) (١٣) و(١٤)، وأبو داود (٤٤١٥)، والنسائي في
((الكبرى)) (٧١٤٣) و(٧٩٨٠) و(١١٠٩٣)، والطبري في ((التفسير)) (٨٨١٠)، وابن
حبان (٤٤٤٣)، والبيهقي ٢١٠/٨، وابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله))
١١٣/١ من طرق عن قتادة، به.
(١) حديث صحيح، ورواه أحمد ٣١٣/٥، والدارمي ١٨١/٢، ومسلم
(١٦٩٠)، وأبو داود (٤٤١٦)، والترمذي (١٤٣٤)، والنسائي (٧١٤٤)، وابن
الجارود (٨١٠)، وأبو جعفر النحاس في ((الناسخ والمنسوخ)) ص١١٨، وابن حبان
(٤٤٢٥) و(٤٤٢٦)، والبيهقي ٢٢٢/٨ من طرق عن هشيم بن بشير، به.
-٣٢٤-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
-
عمر، قال: من أشرك بالله فليس بمحْصَنٍ.
فأخبر بذلك أن أهل الكتاب غير محصَنين، وإذا كانوا كذلك لم
يكونوا في الزنى مرجومين، وهو رضي الله عنه المأمون على ما قال،
ولما خرج أهل الكتاب من الإحصان الذي يوجب الرجم بعد إطلاق
الله تعالى لنبيه أن يحكم بينهم بما أنزل الله تعالى عليه، وأن لا يتبع
أهواءهم، وكان الناسُ جميعاً في البدء غيرَ مُحْصَنِينَ حتى تكونَ منهم
الأسبابُ التي تُوجب لهم الإِحصانَ، فيجبُ عليهم عقوباتُ الزنى إذا
كان منهم، وهو الجلدُ الذي هو حَدُّهم قبل أن يكونوا مُحصنين، كانوا
على ذلك أيضاً غيرَ خارجين عنه حتى تقومَ الحجةُ بخروجهم عنه إلى
ما ينقلُ عقوباتِهم في زناهم من الجلد إلى الرجمٍ، وقد أجمعوا أن الرجلَ
المسلم يكون محصناً بزوجته المسلمة بعدَ أن يكونا حُرَّيْن بالغين قد
جامعها وهما بالغان، فَوَجب بذلك، لإجماعهم على نقلٍ حُكم مَن
كانت هذه سبيله من الجلد إلى الرجم إذا كان منه الزنى، وتركه مَنْ
سواه على حدِّه الأول الذي قد أجمعوا أنّه كان حدَّه في الزنى حتى
يُجمعوا كذلكَ على نَقلِه من ذلك الحدِّ إلى الرجم الذي قد ذكرنا، وفي
ذلك ما قد دَلَّ في أمورِ أهلِ الكتاب على ما قاله من قاله مِن انتفاء
الرجمِ منه. وقد دخل مالكُ بنُ أنس في هذا المعنى، فذكر عنه عبدُ الله
بنُ عبد الحكم في ((مختصره الصغير)) الذي ألفه على قوله، وكتبناه عمن
حدَّثناه عنه، قال: وإذا أسلم النصرانيُّ ثم زنى، وقد تزوج في
النصرانية، فلا يكون محصناً حتى يطأ زوجته في الإسلام، وكذلك العبدُ
يعتق وله زوجة، فيزني، فلا يكون محصناً حتى يطأها بعد العتق، ثم
-٣٢٥-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
يزني بعدَ ذلك، فيكون محصناً، وكذلك الأمةُ تُعْتَقُ ولها زوجٌ، فلا
تكونُ محصنةً حتى تزنيَ بعدما يُصيبها زوجُها بَعْدَ العِقِ، فَدَلَّ ذلك
على أن مذهبَه كان في الإحصان أن ما كان من النصراني في نصرانيته
من التزويج والجماع لا يُحَصِّنُهُ، لأنه لو كان يُحَصِّنُهُ في حال
نصرانيته، لكان الإِسلامُ إذا طرأ عليه وَكْدَهُ، وإذا لم يكن ذلك كذلك،
دَلَّ أن مِن أسباب الإِحصان التي يجب بها الرجمُ في الزنى الإِسلامَ، وفي
ذلك ما قد دَلَّ على لزومه في ذلك ما قد قاله مخالفُه فيه مما قد ذكرناه
عنه، وبالله التوفيق.
-٣٢٦-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
٤٦٧- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِي عن رسول الله في رجمه
من رجمه من الیھود: هل كان ذلك بشهادة من سواهم من
اليهود عليهم وما يدخُلُ في ذلك من قبول شهادةِ أهلِ
الکتاب بعضهم على بعض، ومِن رَدِّها
فإن قال قائل: فقد رويتُم حديثَ ابنِ عمر(١) أن اليهودَ أتوا
رسولَ الله {8## برجل وامرأة منهم زنيا، وكان مجيئهم بهما يدل أنهما
أتياه باختيارِهما، ويَدُلُّ تركُ رسولِ الله :﴿ سؤالَهم أن يأتوا بأربعةٍ
شهداء سواهم من المسلمين لِيشهدوا على ما رَمَوْهُمَا به مِن ذلك، وفي
تركه لِذلك دليلٌ على قبولِه شهادة من جاء بهم إليه من اليهود عليهم
بذلك، وكذلك في حديث البراء(٢) لما مُرِّ عليه ◌َّ باليهوديِّ الْمُحَمَّم
رَأْسُهُ، فأعلموه بالرِّنى الذي كان منه حتّى فعلوا ذلك به من أجله،
وليس فيه إقرارٌ من ذلك اليهودي بما ذكروه عنه من ذلك، ولا تصديقٌ
له إِيَّهم عليه، وإنما كان منهم إعلامُهم النبيَّ ◌ُ ﴿ ما كان منه، وقولُ
النبيِّ ◌َ عندَ ذلك: «أنا أولى من أحيا ما أمَاتُوا مِن أمر الله) فرجمه،
ففي ذلك ما قَد دَلَّ على قبولٍ شهاداتهم كانت عليه بذلك.
فكان جوابُنا له في ذلك: أن الأمرَ في ذلك كما ذكروا فيه، وقد
رُوِيَ عن رسولِ اللهِ ﴿ هذا المعنى بأكشفَ من هذين الحديثين
(١) هو الحديث المتقدم برقم (٣٤٠٩) وسيأتي برقم (٣٤١٤).
(٢) تقدم برقم (٣٤٠٨).
-٣٢٧ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
٣٤١٣- كما حَدَّثْنَا روحُ بنُ الفرج، حَدَّثْنَا يحيى بنُ سليمان
الجعفيُّ، حَدَّثْنَا عبدُ الرحمن بنُ سليمان الرازيُّ، أخبرنا محالدٌ، عن
عامرٍ، عن جابر، قال: أُتي النبيُّ مَ # بيهودي ويهوديةٍ قد زنيا، فقال
رسولُ الله ◌ِّ لليهود: «ما يمنعُكُمْ أن تُقِيموا عليهما الحَدَّ؟)) فقالوا: قد
كنا نَفْعَلُ إذ كان الملكُ لنا وفينا، فأما إذ ذهب مُلْكُنَا، فلا نجتِئُ على
القتلِ، فقال لهم رسولُ الله ﴿: «ائتوني بأعلم رجلين منكم))، فأتَوْهُ
بابني صُوريا، فقال لهما: أنْتُما أعلمُ من رواء كما؟ قالا: كذلك
يقولون، فقال لهما رسولُ الله:﴿: ((أنشدُكُما بالذي أنزلَ التوراةَ على
موسى، كيفَ تجدونَ حَدَّهما في التوراة؟)) فقالا: نَجِدُ في التوراة
الرجل يُقبل المرأة زنية، وفيه عُقوبة، والرجلُ يُوجدُ على بطن المرأة زنية
وفيه عقوبة، فإذا شهد أربعة نفرٍ أنهم رأوه يُدخله في فَرجِهَا كما
يدخلُ الميلُ في الْمُكْحُلَةِ رُجما، فقال لهم رسولُ الله صل3/8: «ائتوني
بشهود))، فشهد أربعة منهم على ذلك، فرجمهما رسولُ الله (١).
قال أبو جعفر: وكذلك وجدنا المتقدمين مِن أئمة الأمصار في
الفقه في قبول شهادة أهلِ الكتاب بعضهم على بعضٍ وإن كانوا قد
اختلفوا في ذلك مع اختلاف مللهم، فأما في اتفاقها، فلم يختلفوا في
ذلك، منهم شُرَيْحٌ وهو قاضي الخلفاء الرَّاشِدين المهديين: عمر وعثمان
وعليّ رضي الله عنهم.
كما قد حَدَّثَنَا الحسينُ بنُ نصر، حَدَّثْنَا أبو نعيمٍ، حَدَّثْنَا سفيان،
(١) إسناده ضعيف لضعف محالد.
-٣٢٨-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
عن شيخ، عن يحيى بنٍ وثاب، عن شُريح أنه كان يُجيز شهادة أهل
الكتابِ بعضِهِم على بعض.
ومنهم: عُمَرُ بن عبد العزيز مع علمه وأمانته وموضعه من
الإسلام
كما قد حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ سِنان، حَدَّثْنَا يحيى بن سعيد القطان،
أخبرنا عمرو بنُ ميمون: أن عُمَرَ بن عبد العزيز أجازَ شَهَادَةَ مجوسيّ
على نصراني، ونصراني على مجوسي(١).
ومنهم: الشعبيُّ
كما قد حَدَّثَنَا إِبراهيمُ بنُ مرزوق، حَدَّثْنَا أبو عامر العَقَدِيُّ، عن
سفيان، عن أبي الحَصين، عن الشعبي: أنه كان يُجيز شهادةَ النصراني
على اليهوديِّ، واليهوديِّ على النصراني(٢).
وكما حَدَّثْنَا الحسينُ بن نصر، حَدَّثْنَا أبو نُعيم، حَدَّثَنَا سفيانُ،
عن أبي حَصينٍ، عن الشعبي: أنه كان يُجيزُ شهادةَ أهلِ الكتابِ
بعضهم على بعضٍ.
ومنهم: ابنُ شهاب الزهري
كما حَدَّثَنَا يونسُ، حَدَّثْنَا ابنُ وهب، أخبرني يونسُ بنُ يزيد، عن
(١) رواه عبد الرزاق (١٥٥٣٣)، وابن أبي شيبة ٢٠٦/٧-٢٠٧ من طريق
سفيان الثوري، عن عمرو بن ميمون، به.
(٢) رواه عبد الرزاق (١٥٥٣٢) عن الثوري، عن عيسى بن أبي عزة، عن
الشعبي.
-٣٢٩-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
ابنِ شهاب، قال: تجوزُ شهادةُ النصراني واليهودي بعضهم على بعضٍ،
ولا تجوزُ شهادةُ اليهودي على النصراني ولا النصراني على اليهودي(١).
وكما حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ منقذ، حدثني إدريسُ بنُ يحيى، عن بكر
بنٍ مُضر، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: كان يقولُ: شهادةٌ
النصراني على النصراني، وكان يرى شهادة اليهودي على النصراني،
أو النصراني على اليهودي لا تجوز.
ومنهم: يحيى بن سعيد الأنصاري
كما حَدَّثْنَا يونسُ، حَدَّثْنَا ابنُ وهب، حدثني معاويةُ بنُ صالح أنه
سمع يحيى بن سعيد يقول ... ثم ذكر مثلَ حديثه عن ابنِ وهب، عن
يونس، عن ابن شهاب سواء.
قال أبو جعفر: وقد تمسَّك بذلك مِن قولهم الليثُ بنُ سعد.
كما قد حَدَّثَنَا يونس، حَدَّثْنَا ابنُ وهب، قال: سمعت الليث يقول
ذلك، يعني مثلَ الذي ذكره عن ابنٍ شهاب ويحيى بن سعيد.
قال أبو جعفر: وهؤلاء أئمةُ الأمصارِ وفقهاؤهم.
وقد سمعتُ يونس يقولُ: سمعت ابن وهب يقول: خالف مالكُ
بنُ أنس مُعَلِّميه في رَدِّ شهادة النصارى بعضِهم على بعض، كان ابنُ
شهاب ويحيى بنُ سعيد وربيعةُ يُجيزونها.
قال أبو جعفر: ولقد سمعتُ أحمد بن أبي عمران يقولُ: سمعت
يحيى بن أكثم يقولُ - وذكر هذا الباب-، فقال: جمعتُ فيه قولَ مئةٍ
(١) رواه عبد الرزاق (١٥٥٢٦) و(١٥٥٢٧) بمعناه.
- ٣٣٠ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
فقيهٍ من المتقدمين في قبول شهاداتِ أهلِ الكتاب بعضهم على بعض،
وما وجدتُ في اختلافاً مِن أمثالِهم في ذلك إلا عن ربيعة، فإني وجدتُ
عنه قبلوها، ووجدت عنه رَدَّهَا.
وقال قائل: كيف يجوز قبولُ شهادتهم مع الكفر الذي هم عليه
بالله عز وجَلَّ؟ قال: وإذا كان فساقنا بما هُوَ دونَ الكفر لا تُقْبَلُ
شَهَادَتُهُمْ، كان الكفارُ من غيرنا أحرى أن لا تُقبل شهادتهم.
فكان جوابنا له في ذلك: أن الكفر الذي أهلُ الكتاب عليه، لم
يُخرجهم من حالٍ ولاية بعضهم بعضاً في تزويج بناتهم، وفي الولاية
على صغارهم ممن هم آباؤهم في البيعٍ لهم، وفي الابتياع لهم، وكان مثلُ
ذلك لا يجوزُ مِن فساقنا في أمثالٍ من ذكرنا مِن أبنائهم، وكان مَنْ كان
مِن فساقنا واجبٌ علينا منابذتهُ، وتركُ إقراره على ما هو عليه مِن فسقه
حتى نزيلَه عنه إلى الواجب عليه بالشريعة التي هُوَ مِن أهلها، وكان
أهلُ الكتاب بخلاف ذلك، إذ كانوا مُخَلّين على حكم شريعتهم غيرَ
مأخوذين بترك ذلك، ولا بالزوال عنه إلى غيره، وإذا كانوا فيما ذكرنا
كذلك، كانوا بخلاف الفساق منا، وكانوا في سائرِ ما في شريعتهم
كنحن في ما تُوجِبُه شريعتنا، وممن كان يذهب إلى هذا القول: أبو
حنيفة وابنُ أبي ليلى والثوريُّ، وسائرُ الكوفيين سواهم، إلا ما يختلفون
فيه من مللهم إذا اختلفت، فإنَّ أبا حنيفة كان لا يُراعي ذلك، وتابعه
عليه أصحابُه، وكان ابنُ أبي ليلى وكثيرٌ منهم يُخالفونهم في ذلك، ولا
يقبلونَ شهادةَ أهلِ ملةٍ منهم على غيرهم. وبالله التوفيق.
-٣٣١ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
٤٦٨- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴾ في أمره
اليهودَ لما جاؤوه بالرجل والمرأةِ اللذين زنیا منهم مُحَكِّمِین
له فيهما أن يأتوه بالتوراة في شأن الرجم، ورجمه إياهما بعد
ذلك
٣٤١٤- حَدَّثْنَا يونسُ، حَدَّثْنَا عبدُ الله بنُ وهبٍ: أن مالكَ بنَ
أنسٍ، أخبره عن نافعٍ [ح]، وحَدَّثْنَا المزنيُّ، حَدَّثْنَا الشَّافعيُّ، عن مالكٍ،
عن نافعٍ، ثم اجتمعا، فقالا: عن عبد الله بنِ عُمَرَ: أَنَّه قالَ: إِنَّ الْيَهُودَ
جَاؤُوا إلى رسولِ اللهِ ﴿، فذكروا أن رجلاً منهم وامرأةً زنيا، فقال
رسولُ الله ﴿: «ما تَجِدُونَ في التوراةِ في شأن الرَّجْمٍ)؟ فقالوا:
نَفْضَحُهُمْ، وَيُحْلَدُونَ، فقال عبدُ الله بن سلامٍ: كذَبْتُمْ، إنَّ فيها الرجمَ.
فأَتَوْا بالتوراةِ فَنَشَرُوها، فوضَعَ أحدُهم يَدَه على آيةِ الرَّجْم، فقَرأ ما
بَعْدَها وما قَبْلَها. فقال عبدُ الله بنُ سلامٍ: ارْفَعْ يَدَكَ، فرفع يده، فإِذا
فيها آيةُ الرِّجْمٍ. قالوا: صَدَقَ يا محمدُ، فيها آيةُ الرَّجْمِ، فأمَرَ بهما
رسولُ اللهِ ﴿، فُرجما، قال عبدُ الله بن عمر: فرأيت الرجلَ يَحني على
المرأةِ يَقِيها الحِجَارةَ(١).
٣٤١٥ - وحَدَّثْنَا يونسُ، حَدَّثْنَا عليّ بنُ معبدٍ، عن عُبيدِ الله بن
عُمَر، عن عبد الكريم بنِ مالكٍ، عن نافعٍ، عن ابنِ عُمَرَ: أنَّ رسولَ الله
* رَجَمَ يهودياً ويَهوديَّةً حین تَحاكمُوا إليه.
(١) إسناده صحيح، وقد تقدم برقم (٣٤٠٩).
- ٣٣٢-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
فقال قائلٌ: كيف تقبلون هذا عن رسول الله مَ﴿ في رجوعه إلى
التوراةِ الذي أعلمه الله عز جل أن أهلَها قد نقلُوها، وكتبُوا فيها ما
ليسَ منها بقوله عزَّ وجَلَّ: ﴿فَوَّلْ لِلذِينَ بَكْتُونَ الكِتَابَ بَأَيدِهِمْ ثُمَ يَقُولُونَ
هذا مِنْ عِنْدِ اللهِتَشْتَرُوا بِنَناً قَلِيلًا فَ لَهُمْ مِنَاكَتَبَتْ أَبْدِهِمْ وَيَلَّهُمْ مِنَا
يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩]؟
فكان جوابُنا له في ذلك: أنَّ رسولَ الله :﴿ إنما كان فَعَلَ ذلك
لإعلامِ الله إِيَّاه أنَّ الرجمَ في التوارةِ مما أخفاهُ الْيَهُودُ منها ولم يُبْدُوه،
فأمرهم بالإتيان بها لِذلك لِيُقِيمَ عليهم الحُجَّة، ولِيلزِمَهم الواجبَ
بالتوارة عليهما، إذ كان منهم مثلُ الذي كان في الذين تحاكَمُوا إليه.
٣٤١٦- كما حَدَّثَنَا أحمدُ بن شعيب، حَدَّثْنَا محمد بنُ عُقيل،
أخبرنا عليُّ بنُ الحسين - يعني ابنَ واقدٍ-، وكما حَدَّثْنَا إسحاقُ بنُ
إبراهيم بن يونسَ، حَدَّثْنَا محمَّدُ بنُ علي بن حمزة، حَدَّثَنَا عليٌّ بنُ
الحسين، قالا جميعاً: قال: حدثني أبي، حدثني يزيدُ النحويُّ، حدثني
عِكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ، قال: مَنْ كَفَرَ بالرَّجْمِ فقد كَفَرَ بالقُرآنِ مِنْ
حيثُ لا يحتسِبُ، وذلك قولُ اللهِ عزَّ وجَلَّ: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ قِد
جَاءكُمْ مَرَسُولُ بَّنَلَكُمْ تَغِراً ◌ِا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتَابِ﴾
[المائدة: ١٥]، فكان مما أخُفَوْهُ الرَّحْمُ (١).
(١) إسناده قوي، وهو في ((السنن الكبرى) للنسائي (٧١٦٢) و(١١١٣٩).
ورواه ابن حبان (٤٤٣٠) من طريق الحسين بن سعيد ابن بنت علي بن الحسين،
-٣٣٣-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
واللفظ لأحمد بن شعيب.
فعقلنا بذلك أن رسولَ اللهِ ﴿ إِنْما كان يُرْجعُ إلى التوراةٍ، لأَنَّه
يجدُ فيها الرجم، كما أنزلَ الله عز وجل فيها لم يَلْحَقْهُ تبديلٌ، ولا
تغييرٌ، فبانَ بحمدِ اللهِ ونعمته المعنى الذي له كانَ رسولُ اللهِ ﴿ْ أمَرَ
اليهودَ بإتيانِهم التوراةَ إليه، وأن الأمرَ في ذلك بخلافٍ ما ظنّه هذا
القائل مما قال.
٤٦٩- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله /# في أمره
عليَّ بن أبي طالبٍ عليه السَّلامُ في القبطي الذي کان
يختلف إلى ماريةً أم إبراهيم ابنِ رسولِ اللهِ ﴿ أَنْ يَقْتُلَهُ
حَدَّثَنَا أبو القاسم هشامُ بنُ محمد بنِ قُرة بنِ حُميد بن أبي
خليفة، قال: حَدَّثَنَا أبو جعفر أحمدُ بنُ محمد بن سلامة بن سلمة
الأزدي، قال:
٣٤١٧- حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ داود، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الرحمن بنُ صالح
الأزديُّ الكُوفِي، قال: حَدَّثْنَا يونسُ بنُ بُكير، عن محمد بن إسحاق، عن
إبراهيمَ بنِ محمد بن علي بنِ أبي طالب عليه السَّلامُ، عن أبيه، عن جَدِّه
عن على بن الحسين، به. بلفظ: من كفر بالرجم فقد كفر بالرحمن.
ورواه النسائي في («الكبرى)) (١١١٣٩)، والطبري (١١٦١٠)، والحاكم ٣٥٩/٤
من طريق علي بن الحسن بن شقيق، والطبري (١١٦٠٩) من طريق يحيى بن واضح،
كلاهما عن الحسین بن واقد، به.
-٣٣٤ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
عليٍّ بنِ أبي طالبٍ عليه السَّلامُ، قال: كانَ النَّاسُ قد تَحرَّؤُوا على
ماريةً في قبطيّ كان يختلِفُ إليها، فقال لي رسولُ الله: (انْطَلِقْ، فإن
وجدتَه عندَها فاقتُلْهُ)، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ أَكُونُ في أمرك كالسِّكةِ
المحماة، وأمضي لما أمرتني لا يَثْنِيني شيءٌ أمِ الشَّاهِدُ يَرَى ما لا يَرَى
الغَائِبُ؟ قال: ((الشّاهِدُ يَرَى مَا لاَ يَرَى الغائِبُ))، فتوشَّحتُ سيفي، ثم
انطلقتُ، فوجدتُه خارجاً من عندها على عنقه جَرَّةٌ، فلما رأيتُه
اخترطتُ سيفي، فلما رآني إيّاه أُريدُ، ألقى الجَرَّةَ، وانطلق هارباً، فرقي
في نخلةٍ، فلما كان في نصفِها، وقَعَ مستلقياً على قفاه، وانكشف ثوبُه
عنه، فإذا أنا به أجَبُّ أمسحُ ليس له شيءٌ مما خلقَ الله عز وجلَّ
لِلرجال، فغمدتُ سيفي، وقلتُ: مَهْ قال: خيراً، رَجُلٌ مِن القِبط، وهي
امرأةٌ مِن القبط، وزوجةُ رسول الله ﴿ أَحْتَطِبُ لها، وأستعذِبُ لها،
فرجعتُ إلى رسولِ اللهِ﴿، فأخبرتُه، فقال: «الحَمْدُ للهِ الذي يَصْرِفُ
عَنَّا السُّوءِ أهْلَ الْبَيْتِ)(١).
(١) رواه البزر في ((مسنده)) (٦٣٤)، والضياء المقدسي في (المختارة)) (٧٣٥)،
وأبو نعيم في ((الحلية)) ٩٣/٧ من طريق أبي كريب، عن يونس بن بكير، به.
ورواه أبو نعيم ٩٢/٧-٩٣ من طريق سفيان، عن محمد بن عمر، عن علي، عمن
حدثه عن جده علي بنحوه.
ورواه مختصراً البخاري في (تاريخه)) ١٧٧/١، وأبو الشيخ في ((الأمثال)) (١٥٦)
من طريقين، عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، حدثني إبراهيم بن محمد بن
علي، به، مختصراً.
ورواه كذلك أحمد (٦٢٨)، والبخاري في ((تاريخه)) ١٧٧/١، وأبو نعيم في
- ٣٣٥-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
فقال قائلٌ: وكيف تقبلونَ مثلَ هذا عن رسولِ اللهِ﴿ّ من أمْرَرهِ
علياً عليه السَّلامُ بقتلٍ من لم يَكُنْ منه ما يُوجبُ قتَلَه، وأنتم تروون عنه
﴿، قال: فَذَكَرَ ما قد تقدم له ذكرنا في كتابنا هذا مِن قوله: ((لا يَحِلُّ
دَمُ امرئٍ إلاّ بإحدى ثلاثٍ: زِنىٌ بَعْدَ إِحْصَانٍ، أو كُفْرِ بَعْدَ إِيمان، أو
نفسٍ بنفسٍ))، وها لم يقم عليه حُجَّةٌ بأنّه كانت منه واحِدَة مِن هذه
الثلاث خصال.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ وعونِهِ: أنَّ الحديثَ
الذي احتجَ به يوجب ما قال لو بقيت الأحكامُ على ما كانت عليه في
الوقتِ الذي قال فيه رسولُ الله :﴿ هذا القولَ، ولكنه قد كانت أشياء
تحلُّ بها الدِّماءُ سوى هذه الثلاثة الأشياء.
فمنها: من شَهَرَ سيفه على رجلٍ ليقتله، فقد حَلَّ له به قتلُه.
ومنها: من أُرِيدَ مالُه، فقد حَلَّ له قتلُ مَنْ أراده، وكانت هذه
الأشياء قد يحتمل أن يكونَ كانت بَعدَ ما في الحديث الذي حَظَرَ أن لا
تَحِلَّ نفسٌ إلا بواحدةٍ من الثلاثة الأشياء المذكورة فیه، فیکون ذلك إذا
كان بعده لاحقاً بالثلاثة الأشياء المذكورة فيه، ويكون الحظر [في]
الأنفس مما سواها على حاله.
(الحلية)) ٩٢/٧ من طريقين، عن سفيان الثوري، عن محمد بن عمر بن علي، عن
جده علي ومحمد بن عمر لم يدرك جده علياً.
وروى مسلم (٢٧٧١) عن زهير بن حرب، حَدَّثَنَا عفان، حَدَّثْنَا حماد بن سلمة،
أخبرنا ثابت، عن أنس، فذكر قصة نحوها.
- ٣٣٦-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
وكان في حديث القبطي الذي ذكرنا أمرُ رسول اللهِلَ ﴿ عليّاً
عليه السَّلامُ إن وجد ذلك القبطي عند مارية، قتله، يُريدُ: إن وجده في
بيته، فلم يجده عندها في بيته، فلما لم يَجِدْه في بيته، لم يقتله، ولو
وجَدَه فيه لقتله كما أمره النبيُّ نَ﴿ٌ به. فكان مِن الأشياء التي ذكرنا
منها الشيئين اللذين ذكرناهما مما في شريعته ﴿: أنَّ مَنْ وجد رجلاً في
بيته قد دخله بغير اذنه حلالٌ له قتله، وكذلك منها: من أدخل عينه في
منزلِ رجلٍ بغير أمره لِيرى ما في منزله، حَلَّ له فقُو عينه، وكذل رُوِيَ
عنه ﴿ في الّذي اطْلَعَ في بيته من جُحْرٍ فيه من قوله له: «لو أعْلَمُ أَنَّكَ
تنظر، لطعنتُ به - يريدُ مِدرىّ كان في يده- في عينك))، ومن قوله:
((من اطلع على رجل في بيته، فحذفه، ففقأ عينه، فلا جناح عليه))
ومن قوله: ((من اطْلَعَ على قومٍ فَفَقَؤُوا عينه، فلا قِصاصَ له ولا دِیة).
وقد ذكرنا ذلك كُلِّه فيما تقدَّم مِنْا في كتابنا هذا، وكان مثل
ذلك: مَنْ دَخَلَ ببدنه بيتَ رجلٍ بغير إذنه، حَلَّ له قتلُه، فبان بحمدِ الله
عز وجل ونعمتِهِ أن لا تضادَّ في شيءٍ من آثار رسول الله لح﴿، ولا
خروج لبعضها عن بعضٍ، والله عز وجلَّ نسألُه التوفيق.
-٣٣٧ -

کتاب القضاء والأحکام والحدود
٤٧٠- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله﴾ في من وقع
علی بھیمة
٣٤١٨ - حَدَّثَنَا يوسفُ بن يزيد، قال: حَدَّثْنَا سعيدُ بن منصور،
قال: حَدَّثَنَا الدَّراورديُّ، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عِكرِمة، عن ابنِ
عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: قالَ رسولُ اللهَ﴿: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ على
بَهِيمةٍ، فَاقْتُلُوهُ واقْتُلُوا الْبَهِيمَةَ مَعَهُ))، فقيل لابن عباس: ما شأنُ
البهيمة؟ فقال: ما سمعتُ عن رسول الله :﴿ في ذلك شيئاً، ولكن أرى
أن رسولَ اللهِ﴿ كره أن يُؤكل لحمها أو ينتفع بها، وقد عُمِلَ بها
ذلك العمل(١).
٣٤١٩ - وحَدَّثْنَا ابنُ أبي داود، وعبدُ العزيز بنُ محمد بن زُبالة
المديني، قالا: حَدَّثْنَا إسحاقُ بنُ محمدٍ الفَرْوِيُّ، قال: حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ
إسماعيلَ - يعني ابنَ أبي حبيبة الأشهلي-، عن داود بن الحصين، عن
عكرمة، عن ابن عبّاسِ أن رسولَ الله لَ﴿، قالَ: «مَنْ وَقَعَ على بَهِيمَةٍ،
فَاقْتُلُوهُ، وَاقْتُلُوهَا)(٢).
قال أبو جعفر: فتأملنا هذين الحديثين، فوجدنا حديثَ يوسف
يَرْجِعُ إلى عمرو بنِ أبي عمرو، وهو رجلٌ قد تكلم في روايته بغير
إسقاطٍ لها، ووجدنا حديث ابن أبي داود وابن زُبالة يَرْجِعُ إلى إبراهيمَ
(١) منكر، وتقدم تخريجه في (٣٣٩٩).
(٢) ضعيف، وانظر (٣٤٠١).
-٣٣٨-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
بنِ إسماعيل بن أبي حبيبة، وهو رَجُلٌ متروكُ الحديث عندَ أهلِ الحديث
جميعاً، ثم اعتبرنا هذين الحديثين، فوجدناهما مَرْدُودَيْنِ إلى ابنِ عباس،
وقد وجدنا عن ابنِ عباس من وجوهٍ صحاحِ ما يَدْفَعُ الأَمْرَ المذكورَ به
فيهما.
٣٤٢٠- كما قد حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال: أخبرنا عليُّ بنُ
حجرٍ، قال: حَدَّثْنَا عليٌّ بنُ يونس، عن النعمان - يعني أبا حنيفة-، عن
عاصمٍ، عن أب رَزِينٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: لَيْسَ على
مَنْ أتى البَهیمة حَدٌّ .
٤٣٢١- وكما حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوقٍ، قال: حَدَّثْنَا وهبُ بنُ
جرير، قال: حَدَّثْنَا شُعْبَةُ، عن عاصمٍ، عن أبي رَزِينٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ
مثله.
٣٤٢٢- وكما حَدَّثَنَا ابنُ أبي داود، قال: حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ عبدٍ
الله بنِ يونس، قال: حَدَّثَنَا إسرائيلُ وأبو بكرٍ، وأبو الأحوص، وشريكٌ،
عن عاصمِ بنِ أبي النجود، عن أبي رزينٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه(١).
٣٤٢٣ - وحَدَّثَنَا ابنُ أبي مريم، قال: حَدَّثَنَا الفِریابِيُّ، قال:
حَدَّثَنَا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن أبي رزينٍ، عن ابنِ عباسٍ رضي الله
عنهما مثله.
٣٤٢٤ - وكما حَدَّثَنَا محمدُ بنُ خزيمة، قال: حَدَّثَنَا حجاجُ بن
(١) رواه أبو داود (٤٤٦٥)، وابن أبي شبية ٥/١٠، والطبري في ((تهذيب
الآثار)) (٨٦٧)، والحاكم ٣٥٥/٤، والبيهقي ٢٣٤/٨ من طرق عن عاصم، نحوه.
-٣٣٩-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
مِنهال، قال: حَدَّثْنَا أبو عَوانة، عن عاصم بنِ بهدلة، عن أبي رزينٍ،
عن ابنِ عباس، مثله(١).
قال أبو جعفر: فكان ما رويناه عن ابنِ عباسٍ من هذه الأحاديثِ
أحسنَ إسناداً عنه من الحديثين الأوَّلَيْنِ، ولم يخل الحديثان الأولانِ من
أن یکونا صحیحیْنِ، او یکونا غیر صحیحین، فإن كانا غيرَ صحیحین،
فقد كُفينا الكلامَ فيهما، وإن كانا صحيحين، فإن ابنَ عباسٍ لم يَقُلْ
بعدَ الْبِيِ﴿ ما يُخالِفُ ما قد وقف عليه عنه مما يُخالِفُه إلا بَعْدَ ثبوتٍ
نَسْخِهِ عنده، وفي ذلك ما قد دلَّ على سقوطِ الحديثين الأوَّلَيْن
ووجوب تركهما، وفي هذا كفاية وحجة في دفعهما، ولكنَّا نُرِيدُ
دَفْعَهُما أيضاً فيما قد رويناه عن رسول الله ﴿ فيما تَقَدَّمَ مِنَّا في كتابنا
هذا مما قامت به الحجةُ عنه أنه «لا يحلُّ دمُ امرئٍ مُسلِمٍ إلا بإحدى
ثلاثٍ: كُفْرٍ بَعْدَ إِيمان، أو زِنی بَعْدَ إحصان، أو قتل نفسٍ بغير نفسٍ»،
وفي ذلك ما يدفعُ القتلَ فيما سوى هذه الثلاثة الأشياء إلا أن تقومَ
الحُجَّةُ بإلحاق رسول الله:﴿ بها غيرَها، فيلحق بها، ويكون الحظر أن
يقتل نفساً بسواها أو بسوى ما ألحقه فيها، ولم نَجدْ ذلك، فكان فيها
ما يدفع أن يُقْتَلَ ما سواها، وبالله التوفيق.
(١) رواه عبد الرزاق (١٣٤٩٧)، والترمذي بإثر الحديث (١٤٥٥)، والطبري في
((تهذيب الآثار)) من طريق سفيان، به.
قال الترمذي: وهذا (يعني حديثَ عاصمٍ) أصحُّ من الحديث الأول (يعني حديث
عمرو بن أبي عمرو)، والعمل على هذا عند أهل العلم، وهو قول أحمد وإسحاق.
- ٣٤٠-