النص المفهرس

صفحات 301-320

كتاب القضاء والأحكام والحدود
وليدتي زَنَتْ، قال: ((اجْلِدْها خمسينَ))، قال: فإن عَادَتْ؟ قال: (فَعُدْ))،
قال: فإن عادَتْ؟ قال: ((فَبَعْهَا ولو بِضَفِيرٍ)) في الثالثة أو الرابعة،
والضغير: الحبل(١).
قال أبو جعفر: والتوقيتُ في هذا الحديث يَدُلُّ على أن ذلك
الجلدَ حدٌّ لا ما سواه، وقد وجدنا عن رسول الله * في ذلك ما هو
أکشفُ من هذا.
٣٣٩٠- كما حَدَّثْنَا الربيعُ بنُ سليمان المرادي، ومحمدُ بنُ عبد
الله بنِ عبدِ الحكم، وبحرُ بنُ نصرٍ، قالوا: حَدَّثْنَا شعيبُ بنُ الليث هكذا
قال ربيعٌ، وأما محمد، فقال: أخبرنا شعيبٌ، وأما بحر، فقال: قُرِئٍ على
شعيبٍ، ثم اجتمعوا جميعاً، فقالوا: عن الليث، أخبره عن سعيدٍ
المقبريِّ، عن أبيه، عن أبي هريرة أنَّه سَمِعَهُ يقولُ: سمعتُ رسولَ الله م﴿لـ
يقول: ((إذا زَنَتِ أمَةُ أحدكم، فَلْيَجْلِدْها الحَدَّ ولا يُشْرِبْ عليها))، قال
ذلك ثلاث مرات، ثم قال في الثالثة أو الرابعة: «ثم لِيَبَعْهَا ولو
(٢)
يضفير)(٢).
٣٣٩١- وكما حَدَّثَنَا يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهب، قال:
حدثني أُسامةُ بن زيدٍ الليثي، عن سعيد بن أبي سعيد المقبريِّ، عن أبي
(١) قال النسائي: هذا خطأ والذي قبله خطأ، والصواب الذي قبله يعني حديث
الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة.
(٢) رواه أحمد ٤٤٩/٢، والبخاري (٢١٥٢) و(٢٢٣٤) و(٦٨٣٩)، ومسلم
(١٧٠٣)، من طرق عن الليث بن سعد، به.
-٣٠١-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
هُريرة، عن النبيِّ ﴿، ولم يذكر أبا سعيد المقبري.
٣٣٩٢- وكما حَدَّثَنَا يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال:
حدثني أُسامةُ بنُ زيدٍ الليثي، عن مكحولٍ، عن عراك بنِ مالكٍ، عن
أبي هُريرة، عن النبيِّ ◌َّ مثلَه.
٣٣٩٣- وكما حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال: أخبرنا قُتَيبَةُ بنُ
سعيدٍ، ومحمدُ بنُ عبد الله بن يزيد، قالا: حَدَّثَنَا سفيانُ، عن أيوبَ بنِ
موسى، عن سعيدٍ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قالَ رسول
اللّهِ﴾: (إذا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُم، فَتَبَيَّنَ زِناهَا، فَلَيَجْلِدها الَحَدَّ ولا
يُشَرِّب) ثلاثاً، زاد قتيبة: ((وإن زَنَتْ فَبيعوها ولو بِضَفيٍ))، واللفظ
محمد.
٣٣٩٤- وكما حَدَّثْنَا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بن يونس، قال: حَدَّثَنَا
يوسفُ بنُ موسى، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، فذكر بإسناده مثلَه.
قال سفيان: يعني بقوله: يُثَرِّب: يُعَيِّر.
قال أبو جعفر: فقامت الحُجَّةُ لنا على مخالفنا هذا في الجلدِ الذي
ذكرناه عن رسول الله ﴿ في هذه الاثارِ أنه الحدُّ لا الأدبُ، وفي بذلك
ما يدلُّ على أنَّ الحدَّ على الأمةِ فى زناها، وإن لم تُحصن الإِحصان
المرادَ الذي في الآية التي ذكرتُ فيها، وقد شدَّ هذا المعنى
٣٣٩٥- ما قد حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ سِنان، قال: حَدَّثْنَا محمدُ بن كثير
العبديُّ وموسى بنُ مسعود -يعني أبا حذيفة-، قالا: حَدَّثْنَا سفيانُ
الثوري، عن عبد الأعلى الثعلبيِّ، عن ميسرة أبي جميلة الطَّهَوِيِّ، عن
علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: زَنَتْ جارِيَّةٌ للنبي{®، فامرني
- ٣٠٢ -

كتاب القضاء والأحکام والحدود
أن أُقِيمَ عليها الحَدَّ، فإذا هِيَ لم تَجِفَّ من دمها، ولم تطهر، فقلتُ النبيِّ
﴿: إنها لَمْ تَجفَّ مِن دمها ولم تَطْهُرْ، قال: ((فإذا طَهُرَتْ، فأقم عليها
الحَدَّ)، وقال: (أقيموا الحُدود على ما مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)(١).
قال: فقال القائلُ الذي ذكرنا: فقد يحتمِلُ أيضاً أن تكون تلك
الأمةُ قد كانت أحْصَنَتْ قبل ذلك إما بتزويجٍ وإما بإسلامٍ.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه أنَّه قد يحتملُ
ذلك ما ذكر غيرَ أنَّ ما في هذا الحديثِ من قوله: ﴿: «أقيموا الحدودَ
على ما مَلَكَتْ أيمانكم)) بغير ذكرِ إحصان في دليلٌ على أنَّ الحدودَ
واجبةٌ على ما ملكت أيمانُنَا بلا اشتراط إحصان ولا غيره فيهم.
فقال قائل: فما معنى قولِهِمَ﴿: ((ولم تُحصن)) فيما رويتُم من
الأحاديثِ التي رويتموها في ذلك. فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله
عز وجل وعونه: أنَّه قد يحتمِلُ أن يكونَ الذي أُنزل على النبي ﴿ّ إلى
أن قالَ ذلك القولَ في عقوبات الإماء إذا زَنَيْنَ هو على حُكمِهن إذا لم
يُحْصَنَّ قَبْلَ ذلك، وكان معقولاً أنَّ عقوبةَ المحصن في الزنى أغلظُ من
(١) إسناده ضعيف. ورواه عبد الرزاق (١٣٦٠١)، وأحمد ١٤٥/١، والنسائي
في «الكبرى)) (٧٢٦٨)، وأبو يعلى (٣٢٠)، والبيهقي ٢٢٩/٨ من طرق عن سفيان
الثوري، به. ورواه ابن أبى شيبة ١٥٨/١٤-١٥٩، والطيالسي (١٤٦)، وأحمد
١٣٦/١، وأبو داد (٤٤٧٣)، والنسائي في ((الكبرى)) (٧٢٦٧) و(٧٢٦٩)،
والبيهقي ٢٤٥/٨، والبغوي (٢٥٨٩) من طرق عن عبد الأعلى الثعلبي، به.
ورواه مسلم (١٧٠٥) من طريق آخر معناه.
-٣٠٣ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
عقوبة غيرِ المحصن فيه، لأن غيرَ المحصن من الأحرارِ يُجلد في ذلك،
والمحصن فيه منهم يُرجم، والرجم أغلظْ من الجلد، فكان الحكمُ من الله
عز وجل الذي أعلمه نبيَّهُ/ إلى أن كان من النبيِّ وَّ الجوابَ المذكور
عنه في هذه الآثارِ في عقوبةِ الأمة إذا زنت هو في الزِّنى الذي يكون
منها قبل الإحصان، ثم أبانَ الله عز وجل أن حُكمها بَعْدَ أن تحصن
كحكمها قَبْلَ أن تُحصن في ذلك تخفيفاً منه ورحمةً، فقال: ﴿فإذا أُحْصِنَّ
فإنْ أَثْيَ بَفَاحِشَةِ فَيِنَّ نِصْفُ مَا على المُحْصَاتِ مِنِ العذابِ﴾ يعني المحصنات من
الحرائر، وكان ذلك الاشتراط منه عزَّ وجل قبل ذلك كاشتراطه في
قوله: ﴿وإذا ضَرَُّمِ فِي الأرْضِ فَلَيسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَالصَّلاةِ
إِنْ خِفْتُمْ أنْ يَفِتَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، فكان ذلك على
رفعِ الجناح، وإباحة القصر إذا خيف فتنة الذي كفروا، ثم تَصَدَّقَ اللهُ
عز وجل على عباده بما قد ذكره في جوابٍ رسول الله :﴿ لِعمر رضي
الله عنه حين سأله عن ذلك، فقال له: ((صدَقَّةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بها عَلَيْكُم
فَاقْبَلُوا صدَقَتَه)).
٣٣٩٦- كما حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حَدَّثَنَا أبو عاصم
(ح)، وكما حَدَّثْنَا بكارُ بنُ قتيبة، قال: حَدَّثْنَا روحُ بنُ عبادة، قالا:
حَدَّثَنَا ابنُ جُريجٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الرحمن بنُ عبد الله بن أبي عمار،
عن عبدِ الله بن باباه، عن يعلى بن أُمية، قال: قلتُ لِعمرَ بنِ الخطاب
رضي الله عنه: إنما قال الله عز وجل: ﴿أنْ نَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِإِنْ خِفْتَمْ﴾،
- ٣٠٤-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
قال: عَجْبْتُ مما عجبتَ منه، فسألتُ رسولَ اللهِلَ﴿، فقال: (صَدَقَةٌ
تَصَدَّقَ اللهُ عَلَيْكُمْ بِها فاقْلُوها)(١).
قال أبو جعفر: أي: أنَّه عز وجل أمضى لكم ما كان تَصَدَّقَ به
عليكم إذا خِفْتُم أن يفتنكم الذين كفروا مِن قصر الصلاة، وإن أمِنْتُم
أن يَفِنُوكُم، فمثل ذلك ما كان عز وجل أعلمه رسوله في حدِ الإماء
في الزنى قَبْلَ أن يُحصن مما أعلمه إِيَّاه، فكان المنتظر في حَدِّهِنَّ في ذلك
بعد أن يُحْصَنَّ ما هو أغلظُ من ذلك فتصدق عز وجل عليهن ورحمهن
فجعله بعد أن يُحصن كهو قَبْلَ أن يُحصن بلا زيادةٍ عليهن في ذلك،
ولا تغليظٍ عليهن فيه.
فقال قائلٌ: فقد يحتمل أن يكونَ عَزَّ وحَلَّ لما ردَّهن إلى نصفٍ ما
على المُحْصَناتِ، وكان ما على المُحْصَناتِ في ذلك هو الرجم، والرجم
لا نِصْفَ له أن يكونَ يَجِبُ عليهن جميعُ ما يجبُ على المحصنَةِ كما قال
عز وجلَّ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّاسِقَةٌ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما﴾ [المائدة: ٣٨]، ثم قال في
المماليك: ﴿فإذا أُخْصِنَّ فَإنْ أَيَ بِفَاحِشَةٍ فَمِنَّ نِصْفُما على المُخْصَاتِ مِنَ
العَذابِ﴾ وكان القطعُ لما لم يكن له نصفٌ مقدورٌ عليه وَجَبَ بِكُليته
(١) إسناده صحيح، ورواه الشافعي في ((السنن الماثورة)) (١٥)، وأحمد ٢٥/١
و١٣٦، ومسلم (٦٨٦)، والترمذي (٤٠٣٤)، وأبو داود (١١٩٩)، والنسائي
١١٦/٣-١١٧، وابن ماجه (١٦٥)، والدارمي ٣٥٤/١، والطبري (١٠٣١٠)
و(١٠٣١١) و(١٠٣١٣)، والطحاوي ٤١٥/١، وابن خزيمة (٩٤٥)، وابن حبان
(٢٧٣٩) و(٢٧٤٠) و(٤٧٤١)، والبيهقي ١٣٤/٣ من طرق عن ابن جريج، به.
-٣٠٥-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
على العبيدِ، فمِثلُ ذلك الرجمُ لما كان لا نِصْفَ له مقدورٌ عليه يجبُ
بكليته على العبيد.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه أنَّ الإجماعَ
قد منع من هذا، لأنه لا اختلافَ بَيْنَ أهلِ العلمِ في الأمَةِ المتزوجةِ
المسلمة إذا زَنَتْ أَنَّه لا رجمَ عليها، وفي إجماعهم على ذلك ما قد دلَّ
على أنَّ اللهَ عز وجل لم يُرِدْ بالعبيدِ في ذلك نِصْف الرجم الذي لا
نِصْفَ له، ولكنه أرادَ نصفَ الجلدِ الذي له نِصْفٌ معلوم على ما في
الآثار التي رويناها في ذلك، وفيما قد ذكرنا ما قد وجب به استواءُ
حكم المماليك في العقوبات في إتيان الفواحش قبل أن يُحصنوا، وبعد
أن يُحصنوا، فيما ذكرنا عن ابن عباس أنه لا حَدَّ على أهلِ الأرضِ في
السرقة لِتأويله قول الله عز وجل في الإماء: ﴿فإذا أَحْصِنَّ فَإنْ أثيْنَ بِفَاحِشَةٍ
فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا على المُحْصَاتِ مِنَ الْعَذابِ﴾ على أن الحدودَ إنما تجب على
من قد أُحْصَنَ لا على مَنْ سواه، وقد دفع ذلك حديثُ علي رضي الله
عنه الذي قد رويناه في هذا الباب، وما كان من رسول الله 48 في رجمه
اليهوديين لما زنيا مما سنذكره في موضعه مما بعد مِن كتابنا هذا إن شاء
الله عز وجل، والله نسأله التوفيق.
-٣٠٦-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
٤٦٢- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله# في إقامته
حَدَّ الزِّنى على المُقِرِّ به عنده من المرأة التي أنكرت ذلك
٣٣٩٧- حَدَّثْنَا الربيعُ بنُ سليمان المراديُّ، ونصرُ بنُ مرزوق
جميعاً، قالا: حَدَّثْنَا أسدُ بنُ موسى، قال: حَدَّثَنَا مسلمُ بنُ خالدٍ، قال:
حَدَّثَنَا أبو حازمٍ، حدثني سَهْلُ بنُ سعدٍ صاحبُ النِيَِّ﴿ أنَّ رجلاً مِن
اسلمَ جاء إلى النبيِّ لَ﴿، فقال: إنَّه زَنَى بامرأةٍ سَّاها. فأرسل النبيُِّ﴿.
إلى المرأة، فدعاها، فسألها عما قال، فأنكرت، فحدَّه وتركها(١).
هكذا حَدَّثْنَا الربيعُ ونصرٌ بهذا الحديثِ بغيرِ إدخالِ منهما بَيْنَ
مسلم بنِ خالد، وبَيْنَ أبي حازمٍ فيه أحداً.
٣٣٩٨- وقد حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ أبي داود، قال: حَدَّثْنَا هشامُ بنُ
عمار، قال: حَدَّثْنَا مسلمُ بنُ خالد، قال: حَدَّثَنَا عبادُ بنُ إسحاق، عن
أبي حازمٍ، عن سهل بنِ سعدٍ: أن امرأةٌ أتتِ الْبِيَّل:﴿، فقالت: زَنَى بي
فُلانٌ، فَبَعَثَ البِيُّ :﴿ إلى فُلان، فسأله، فأنكره، فرجم المرأة(٢).
فأدخل ابنُ أبي داود في إسناد هذا الحديثِ بَيْنَ مسلم وبَيْنَ أبي
حازم عبادَ بنَ إسحاق.
ففي هذا الحديث: أن رسولَ الله ﴿ أقامَ حَدَّ الزِّنى على الْمُقِرِّ به
عندَه من الرجل ومِن المرأةِ.
(١) إسناده ضعيف لضعف مسلم بن خالد، ورواه أبو داود (٤٤٣٧) و(٤٤٦٦)
من طريق عبد السلام بن حفص، عن أبي حازم، به.
(٢) ضعيف. ورواه أحمد ٣٣٩/٥ عن حسين بن محمد، عن مسلم بن خالد، به.
-٣٠٧-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
وهذه مسألةٌ قد اختلف أهلُ العلم فيها، فقال بعضُهم: إنَّ المُقِرِّ
بالزِّنِى يُحَدُّ حَدَّ الزاني، وإن المنكر لِذلك لا حَدَّ عليه، وممن كان
يذهبُ إلى ذلك منهم: أبو يوسف.
وقال بعضهم: لا يُحَدُّ المقرُّ بالزِّنى منهما، إذ كان للمنكر منهما
مطالبةُ الْمُقِرِّ بالزِّنى بحدِّ القذف بالزنى الذي رماه به، لأنا نُحيط علماً
أنه لا يجتمعُ عليه فيما أقرَّ به من ذلك هذان الحدان جميعاً، لأنه إن كان
صادِقاً فيما أقرَّ به كان زانياً، وكان عليه حَدُّ الزِّنى، ولم يكن عليه حدُ
قذفٍ لِصاحبه، وإن كان كاذباً، كان قاذفاً، وَوَجَبَ عليه حَدُّ القذف
لِصاحبه، ولم يجبُ عليه حَدُّ الزِّنى، لأنه كان كاذباً في إقراره به، وممن
قال بذلك: أبو حنيفة، وقد احتجَّ عليه مخالفوه بهذا الحديث، وادَّعَوْا
علیه تر که إيّاه. فنظرنا في ذلك:
٣٣٩٩- فوجدنا إبراهيم بن محمد الصيرفيَّ قد حَدَّثًا، قال:
حَدَّثَنَا أبو الوليد الطيالسيُّ، قال: حَدَّثْنَا أبو عَوانة، عن سماك بنِ حرب،
عن عِكرمة، عن ابنِ عباس أن رسولَ الله ﴿ قال لماعِزِ بنِ مالك: «أحَقِّ
ما بلغني عنكَ؟) قال: وما بَلَغَكَ عنّي؟ قال: ((إِنْك أتيتَ جاريةَ آل
فلان))، فأقرَّ به على نفسِهِ أرْبَعَ مرَّاتٍ، فأمر به، فَرُجمَ (١).
(١) لم أقف لهذا الحديث على إسناد مثل إسناد الطحاوي، فقد ذكرته جميع
المصادر من طريق أبي عوانة أو إسرائيل أو زهير عن سماك عن سعيد بن جبير، عن
ابن عباس، ليس في عكرمة، وأظنه وهم من الطحاوي رحمه الله -ورواية عكرمة
لقصة ماعز ليس فيها سماك فيما وقفت عليه من مصادر.
-٣٠٨-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
٣٤٠٠- ووجدنا أحمدَ بنَ داود قد حَدَّثَنَا، قال: حَدَّثْنَا أبو
الوليد الطيالسيُّ، قال: حَدَّثَنَا أبانُ بنُ يزيدَ، قال: حَدَّثْنَا يحيى بنُ أبي
كثير، قال: حدثني أبو سلمة، عن يزيد بن نعيم بن هَزَّال - وكان هَزَّالٌ
استرجم لماعز- قال: كانت لأهله جاريةٌ ترعى غنماً، وإن ماعزاً وَقَعَ
عليها، وإن هزالاً أخذه فَمَكَر به وخَدَعَهُ، فقال: انطلقْ إلى رسولِ الله،
فنخبره بالذي صنعتَ عسى أن ينزلَ فيك قرآن، فأمر به نبيُّ الله، فلما
عَضَّهُ مَسُّ الِحِجَارَةِ انطلق يسعى، فاستقبله رَجُلٌ بِلحیی بعيرِ، فضربه،
فصرعه، فقال النبيُّ ◌َ﴿: (يا هَزَّالُ لَوْ كَنْتَ سَتَرَتَه بثوبِكَ، كان خَيْرَاً
لَكَ)(١).
ورواه أبو يعلى (٢٥٨٠) عن زهير، عن أبي الوليد الطيالسي، به، وفيه سعيد بن
جبير بدلاً من عكرمة.
ورواه الطيالسي (٢٦٢٧)، وأحمد ٢٤٥/١ (٢٢٠٢) و٣٣٢٨/١ (٣٠٢٨)،
ومسلم (١٦٩٣)، وأبو داود (٤٤٢٥)، والترمذي (١٤٢٧)، والنسائي في («الكبرى)
(٧١٧١)، والطبراني (١٢٣٠٥) من طرق، عن أبي عوانة، عن سماك عن سعيد بن
جبير، عن ابن عباس.
ورواه عبد الرزاق (١٣٣٤٤)، ومن طريقه أحمد ٣١٤/١ (٢٨٧٤)، والطبراني
(١٢٣٠٤)، ورواه أبو داود (٤٤٢٦)، والنسائي في ((الكبرى)) (٧١٧٢)
و(٧١٧٣)، والطحاوي ١٤٣/٣، والطبراني (١٢٣٠٦)، من طرق، عن سماك بن
حرب، به. وذكرت أيضاً جميع المصادر سعيد بن جبير، عن ابن عباس. أما حديث
عكرمة عن ابن عباس في قصة ماعز فلم أقف فيه على رواية لسماك.
(١) رواه أحمد ٢١٧/٥ عن عفان، عن أبان بن يزيد، به. إلا أنه رواه من طريق
-٣٠٩-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
قال أبو جعفر: فوقفنا بما رويناه في هذين الحديثين على أن المُقِرَّ
كان بالزِّنى عندَ البِيِّ ◌َ﴿ كان هو الرجلَ المذكور في الحديثين الأولين
كما في حديث الربيع ونصر، لا المرأةً كما في حديث ابنِ أبي داود،
وأن ذلك الرجلَ كان مِن أسلم - وهو ماعزُ بنُ مالك- لا اختلافَ فيه
أنَّه كذلك.
ودَلَّ ما في هذين الحديثين الآخرينِ: أنَّ المرأة التي أقرَّ ذلك الرجلُ
بالزِّنى بها كانت أمةٌ لا حَدَّ لها عليه في رميه إيّاها بالرِّنى، وهكذا
يقولُ أبو حنيفة في المرميَّةِ بالزِّنى التي ذكرنا إذا كانت أمةً لا يجبُ على
قاذفها حدٌّ، وأنكرت الزِّنى الذي رماها به أن المُقِرَّ بالرِّنى يُحَدُّ حَدَّ
الزِّنى، وإنما يُرفع عنه حَدُّ الزنى إذا كانت حرةً يجب لها عليه حَدُّ
القذفِ الذي يجعل به كاذباً فيما رماها به، ساقطَ الشهادة في
المستأنف، وأما إذا كانت أمةٌ لا حَدَّ على قاذفها، فإنه يكونُ محدوداً في
الزِّنى الذي أقرَّ به، لأنه لا حَدَّ عليه فيما أقرَّ به غَيْرَ حَدِّ الزنى الذي أقرَّ
به، وإذا كانت حُرة كان عليه لها حَدُّ القذف الذي نُحيط علماً أنه لا
يكونُ عليه معه حَدُّ الزِّنى، فبان بحمد الله ونعمته أن لا حُجَّةَ في هذا
الحديثِ لمن ادَّعى فيه الخلاف له على أبي حنيفة، والله نسأله التوفيق.
أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن نعيم بن هزال، ولم يذكر يزيد بن نعيم. ورواه بنحوه
مطولاً ومختصراً أحمد ٢١٦/٥-٢١٧ و٢١٧، وأبو داود (٤٤١٩) من طرق هشام
بن سعد، وأحمد ٢١٧/٥، وأبو داود (٤٣٧٧)، والنسائي في (الكبرى)) (٧٢٠٥)
و(٧٢٧٤) من طريق يزيد بن أسلم، كلاهما عن يزيد بن نعيم بن هزال.
- ٣١٠ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
٤٦٣- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِي عن رسول الله {﴾ فیمن وَقَعَ
على ذاتٍ مَحْرَمٍ منه
٣٤٠١- حَدَّثْنَا ابنُ أبي داود، وعبدُ العزيز بن محمد، قالا:
حَدَّثَنَا الفَرْوِيُّ، قال: حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ إسماعيل، عن داود بنِ الحُصين،
عن عكرمة، عن ابن عبَّاسِ أنَّ رسول الله ﴿ قال: ((مَنْ وَقَعَ على ذاتِ
مَحْرَمٍ، فَاقْتُلُوهُ)(١).
وفيما ذكرنا في الباب الذي قبلَ هذا الباب مِن سقوط رواية
إبراهيمَ بنِ إسماعيل عندَ أهلِ الحديثِ، ومما قد حظره رسول الله 18 في
الحديث الذي ذكرنا فيه مِن القتل بما سوى الثلاثة الأشياء التى قد
ذَكَرْنَاها فيه ما يُغْنِينَا عن الكلامِ في هذا البابِ وما يُوجِبُ ردَّ مَنْ أبى
ذلك إلى الحَدَّ الذي قد ذكره الله عز وجل في كتابه وعلى لِسان
رسولِه# في الزِّنى، والله نسأله التوفيق.
(١) إسناده ضعيف. إبراهيم بن إسماعيل ضعيف، وداود بن الحصين ما رواه عن
عكرمة منكر. ورواه أحمد ٣٠٠/١ (٢٧٢٧)، وابن ماجه (٢٥٦٤)، والدار قطني
١٢٦/٣، والطبراني (١١٥٩٩)، والحاكم ٢٥٦/٤، والبيهقي ٢٣٤/٨ و٢٣٧ من
طرق عن إبراهيم بن إسماعيل، به.
ورواه البيهقي ٢٣٢/٨ من طريق عباد بن منصور، عن عكرمة، به.
- ٣١١-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
٤٦٤- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله # فيمن وجد
يعمل بعمل قوم لوط
٣٤٠٢- حَدَّثْنَا محمدُ بنُ عبدِ الله بن عبد الحكم، قال: أخبرنا
عبدُ الله بنُ نافع، عن عاصم بن عُمَرَ، عن سهيل بن أبي صالح، عن
أبيه، عن أبي هُرِيرَةَ رضي الله عنه، عن النبيِّ:﴿ قال: «الّذي يَعْمَلُ
عَمَلَ قومٍ لُوطٍ، فَارْجُموا الأَعْلَى والأسْفَلَ ارِجُمُوهُما جَمِيعاً)(١).
٣٤٠٣ - حَدَّثَنَا يوسفُ بنُ يزيد، قال: حَدَّثَا سعيدُ بن منصورٍ،
قال: حَدَّثْنَا الدَّراورديُّ، عن عمرو بنِ أبي عمرٍو، عن عكرمة، عن ابنِ
عَبَّاسِ رضي الله عنهما أنَّ رسولَ اللهِ﴿ قال: ((مَنْ وَجَدْتموه يَعْمَلُ
عملَ قَوْمٍ لُوطٍ، فاقتلوا الفاعِلَ والمفعولَ به))(٢).
(١) إسناده ضعيف، عبد الله بن نافع فيه ضعف، وعاصم بن عمر بن حفص
ضعيف. ورواه ابن ماجه (٢٥٦٢) عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن نافع،
به. وقال الترمذي بإثر حديث ابن عباس: وقد روي هذا الحديث عن عاصم بن
عمر، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، وهذا حديث في إسناده
مقال، ولا نعرف أحداً رواه عن سهيل بن أبي صالح غير عاصم بن عمر العمري،
وعاصم يضعف في الحديث من قبل حفظه. ورواه الحاكم في («المستدرك)) ٣٥٥/٤
من طريق عبد الرحمن بن عبد الله العمري، عن سهيل، به، وعبد الرحمن بن عبد الله
العمري، قال الذهبي في (تلخيص المستدرك)): ساقط، وقال في ((الميزان)): هالك.
(٢) عمرو بن أبي عمرو أنكر عليه العلماء هذا الحديث والذي تمامه ( ... ومَن
أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة)). والحديث رواه أحمد ٢٦٩/١ (٢٤٢٠)
و٣٠٠/١ (٢٧٣٢)، وعبد بن حميد (٥٧٥)، وأبو داود (٤٤٦٢) و(٤٤٦٤)، وابن
- ٣١٢-

-ـ
كتاب القضاء والأحكام والحدود
قال أبو جعفر: ففيما روينا عن رسول الله /* في حديث أبي
هريرة إيجاب الرجم، وليس في تفصيلٌ بَيْنَ حُكْمٍ مَنْ كان ذلك منه،
وقد أحْصَنَ، وبين حكمه ولم يُحْصِن، فاحتملَ أن يكونَ ذلك مما قد
خُصَّ به من فعل هذا الفعل، وفرَّق بينه وبَيْنَ الزاني فاعتبرنا ذلك: هل
رُوِيَّ مبيناً كذلك أم لا؟
٣٤٠٤ - فوجدنا عُبيد بن رِجال قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ
صالح، قال: حَدَّثْنَا عبدُ الرزاق، قال: أخبرنا ابنُ جريج، قال: حَدَّثني
عبدُ الله بنُ عثمان بنِ خُثيم، أن مجاهداً وسعيدَ بنَ جُبيرِ حدَّثَاه، عن ابنِ
عباس رضي الله عنهما أنَّه يقولُ في البِكْر يُوجَدُ على اللوطية: أنه يُرْجَمُ
أحْصَنَ أو لم يُحْصِنْ(١).
فوقفنا بذلك على أنَّ حكمه كان عندَ ابنِ عباس كان الرجم،
واحتمل أن يكونَ كان ذلك عنده لأخذِهِ إِيَّاه عن رسول الله مح﴿،
واحتمل أن يكونَ قاله رأياً، ووجدنا ما رُوِيَ في حديثِ عمرو بنِ أبي
عمرو في الأمر بقتله قد يحتمِلُ أن يَكُونَ ذلك بالرجم، فيكون موافقاً
لحديث أبي هريرة، ويحتمل أن يكونَ بغير الرجم فيدفعه ما قد ذكرناه
مما قد قامت به الحجةُ عن رسولِ الله :﴿ مما يدفع القتل بسوى الثلاثة
الأشياء المذكورة فيه، غيرَ أنَّه لما دخل في هذا الباب ما قد دَخَلَ فيه مما
ماجه (٢٥٦١)، والترمذي (١٤٥٥) و(١٤٥٦)، وأبو يعلى (٢٤٦٢) و(٢٤٦٣)،
والدارقطني ١٢٤/٣، والحاكم ٣٥٥/٤، والبيهقي ٢٣٢/٨،من طرق عن عمرو، به.
(١) الأثر في ((مصنف عبد الرزاق)) (١٣٤٩١) ومن طريقه رواه أبو داود
(٤٤٦٣)، والبيهقي ٢٣٢/٨. ورواه ابن أبي شيبة ٥٣٠/٩ من طريق ابن جريج، به.
-٣١٣-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
لم تجد فيه غيرَ هذين الحديثين نظرنا فيما قاله أهلُ العلم في ذلك.
فوجدنا يزيدَ بن سِنان قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الرحمن بنُ
مهدي، قال: حَدَّثْنَا سفيانُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن عطاء، قال: حَدُّ
اللَّوطِي حَدُّ الرَّاني(١).
ففي هذا ما قد فرق فيه بين حدِّ البكر وغير البكر في ذلك، وهذا
الحديثُ، فعن عطاء وهو أحدُ أصحابِ ابن عباس، فقد يحتمل أن
يكونَ قاله كذلك لأخذه إيَّاه عن ابنِ عباس، وقد يحتمل خلاف ذلك.
ووجدنا يزيدَ قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الرحمن بن مهدي،
قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، عن حماد، عن إبراهيم، وخالد، عن الحسن، قالا:
حدُّ اللوطيِّ حَدُّ الزَّاني. ووجدنا يوسفَ بنَ يزيد، قد حَدَّثَنَا، قال:
حَدَّثَنَا حجاجُ بنُ إبراهيم، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بنُ هاشم، عن أبي حنيفة
وسفيان، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ مثلَه.
قال أبو جعفر: ولم تجد في هذا الباب غيرَ ما قد رويناه فيه، وإذا
وَجَبَ أن يُرَدَّ حَدُّ الْمُحْصَنِ في ذلك إلى حدِّ الزاني، وجَبَ أن يردَّ حدُّ
البِكرِ فيه إلى حدٍّ الزاني، وقد وجدناهم أيضاً لا يختلفون في وجوب
الغُسل منه، وإن لم يكن معه إنزالٌ كما يجبُ الغسلُ منه إذا كان
الجماعُ في الفرج، وإذا كان ذلك كذلك فيما ذكرنا، وَجَبَ أن يكونَ
مثلُه فيما وصفنا من وجوب الحد، ومن افتراق حالِ المُحْصَنِ فيه، وغير
حال المُحْصَنِ.
(١) رجاله ثقات. ورواه البيهقي ٢٣٢/٨ من طريق سفيان، به.
- ٣١٤-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
فإن قال قائل: فقد رَأيْنا هذا يكونُ من الرجل إلى المرأة في دبرها،
فلا يُوجبُ عليه مهراً إذا دخل فيما كان منه إليها شبهة، كما يكونُ
عليه لو أتاها في فرجها، وإذا وَجَبَ أن يكونَ في المهر بخلافه فيه في
الفرج، وجَبَ أن يكون في الحد بخلاف ذلك.
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أنَّ ما ذكر
من ذلك في المهر كما ذكر، وأن ما ذكرناه في الغسل من ذلك كما
ذكرنا، وأنَّ الغُسلَ بواسطةٌ بينهما، فوجب أن يُرد إلى أشبههما،
فوجدنا الحدَّ مِن حقوق الله عز وجل، ووجدنا الغسلَ مِن حقوق الله
عز وجل، ووجدنا المهر من حقوق الآدميين، فكان حقُّ الله عز وجل
مِن الحدِّ بحقه في الغسل أشبهَ في حقّه في الحدِّ بحقوق الآدميين من المهرِ،
وهذا قولُ أبي يوسف ومحمد بن الحسن جميعاً.
وقد ذكرنا في هذا الباب حديث ابن عباس من حديث عمرو بن
أبي عمرو، عن الدراوردي، قد وافقه عليه سليمانُ بنُ بلال، فرواه عن
عمرو كذلك.
٣٤٠٥- كما حَدَّثْنَا عبيدُ بنُ رجال، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ
صالح، قال: حَدَّثْنَا ابنُ وهب، قال: حَدَّثْنَا سليمانُ بنُ بلال، عن عمرو
بن أبي عمرو مولى المطلب، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس، قال: قال
رسولُ اللَّهُ﴿: ((إذا وَجَدْتُمُوه يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، فَاقْتُلُوهُ)(١)، والله
نسأله التوفيق.
(١) منكر وتقدم تخريجه.
- ٣١٥-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
٤٦٥- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِي عن رسول الله # فیما أنزل
اللهُ عليه في أهل الكتاب إذا تحاكموا إلیه في حُدودهم من
الحكم بينهم فيها، ومن الإعراض عنهم فیھا، وهل نسخ ذلك
بقوله: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ أم لا؟
٣٤٠٦- حَدَّثَنَا محمدُ بنُ النعمان السَّقطيِ، حَدَّثْنَا الحميديُّ،
حَدَّثَنَا سفيانُ بنُ عيينة، حَدَّثْنَا مجالد بنُ سعيدٍ الغَمْدَانيُّ، عن الشعبيِّ،
عن جابر بن عبد الله، قال: زنى رجلٌ من أهلِ فَدَكَ، فكتب أهْلُ فَدَكَ
إلى ناس من اليهود بالمدينة أن سَلُوا محمداً عن ذلك، فإن أمرَكُم
بالجلدِ، فخذوه، وإن أمركم بالرجم، فلا تأخذوه عنه، فسألوه عن
ذلك، فقال: ((أرسِلُوا إليَّ أعلمَ رجلين فيكم))، فجاؤوه برجلٍ أعورَ،
يقال له: ابنُ صوريا وآخر، فقال النبيُّمَ﴿لَ: ((أنتما أعلمُ مَن قبلكما؟))
فقالا: قد نَحَلَنَا قومُنا بذلك، فقال النبيُّ:﴿ لهما: ((أَلَيْسَ عِنْدَكُمُ
التَّوَارةُ فيها حُكْمُ اللهِ؟) فقالا: بلى، فقال النبيُّ ◌َ﴿: «فنشدْتُكُما بالذي
فَلَقَ البحر لِبني إسرائيل، وأنزل التوراةَ على موسى، وأنزل المَنَّ
والسلْوى، وظلّلَ عليكُم الغَمَامَ، وأنجاكُم من آل فرعون ما تَجدُون
في التّوراةِ من شأنِ الرَّجْمِ؟)) فقال أحدهما للآخر: ما نشدت بمثله
قَطُّ، ثم قالا: نجد أن النظر زنية، والاعتناق زنية، والقبلة زنية، فإذا
شَهِدَ أربعة أنَّهم رأوه يُبدي ويُعيد كما يدخل الميلُ في المكحلة، فقد
وَجَبَ الرجمُ، فقال النبيُّ ◌َ﴿َ: ((هُو ذَاكَ)، فأمَرَ بِه فَرُجِمَ، ونزلت: ﴿فَإِنْ
-٣١٦ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
جَاؤُوَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أ وأعْرِضْ عَهم وإنْ تُشْرِضْ عنهم فَلَنْ يَضُرُ واتَ شيئاً
وإنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ الآية (١) [المائدة: ٤٢].
ففي هذا الحديث أن الله تعالى جعل في الآية المتلوة فيه لنبيه الخيار
في أن يَحْكُمَ بَيْنَ اليهود إذا جاؤوه، وفي أن يُعْرِضَ عنهم، فلا يحكم
بینھم.
فقال قومٌ: هذه آية محكمةٌ، وكان ما ذكر في هذا الحديث من
رجم النبي ذلك اليهودي باختياره أن يَرْجُمَه، وقد كان له أن لا
يَرْجُمَه لِقول الله: ﴿أو أعرضْ عنهم﴾، أي: فلا تَحْكُمْ بِينَهُم.
وقد خالفهم في ذلك آخرون من أهلِ العلم، وذكروا أن هذه
الآية منسوخةٌ بقوله: ﴿وأن احكُمْ بِيَهم بما أُنْزَ الُهُوَلَا سَبِعْ أَهْوَاء هُم»
[المائدة: ٤٩]، ورووا ما قالوا في ذلك عن عبدِ الله بنِ عباس
٣٤٠٧- كما قد حَدَّثْنَا محمدُ بنُ سليمان بن الحارث الواسطي
الباغنديُّ، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ سليمان الواسطيُّ، حَدَّثْنَا عبادُ بنُ
العوام، عن سفيانَ بنِ حُسين، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابنِ عباس،
قال: آيتان نُسختًا من هذه السورة، يعني سورة المائدة: ﴿فإنْ جَاؤُوكَ
(١) إسناده ضعيف لضعف مجالد بن سعيد. وهو في ((مستد الحميدي)) (١٢٩٤).
ورواه أبو داود (٤٤٥٢)، وابن ماجه (٢٣٢٨) من طريق أبي أسامة حماد بن
أسامة، عن مجالد بن سعيد، به. ورواية ابن ماجه مختصرة.
ورواه أبو داود (٤٤٥٣) و(٤٤٥٤) من طريقين عن الشعبي، مرسلاً.
-٣١٧ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
فَاحْكُمْ بَينَهُمْ أو أعْرضْ عَهم﴾ [المائدة: ٤٢]، فكان رسولُ الله ◌َّ
مخيراً إن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض عنهم، فردهم إلى
أحكامهم، فنزلت: ﴿وأن احككُم بِينَهِم بِمَا أُنْزَلَ اللهُ وَلَا تَبِعْ أَهْوَءُهُمْ﴾
[المائدة: ٤٩]، قال: فأمر رسولُ الله﴿ أَن يَحْكُم بينهم على
کتابنا(١).
قال أبو جعفر: وكان حديثُ ابنِ عباس هذا قد حقق نسخ هذه
الآية بالآية المتلوة في حديثه، وكان حكمُ مَنْ بَعْدَ النبيِّ ﴿ في ذلك مِن
وُلاةِ الأمور على مثلِ الذي كان عليه النِيُّ : ﴿ منها في كُلِّ واحدٍ من
هذين القولين اللذين ذكرناهما، وكان الأولى بالأحكام في ذلك عندنا
-والله أعلم- هو الحكمَ بينهم لو لم تكن الآية منسوخة لا الإعراضُ
عنهم، لأنهم إذا حكموا بَيْنَهُم، شَهِدَ لهم الفريقان اللذان ذكرنا بالنجاةِ
وترك مفروض عليهم في ذلك، لأن مَنْ يقولُ: إنهم حكموا، وعليهم
أن يحكموا به، يقول: قد أدوا المفترضَ عليهم في ذلك، ويقول
(١) رجاله ثقات، ورواه أبو جعفر النحاس في ((الناسخ والمنسوخ)ص ١٦٠،
والحاكم ٣١٢/٢، هو البيهقي ٢٤٨/٨-٢٤٩ من طرق عن سعيد بن سليمان، به.
قال النحاس: وهذا إسناد مستقيم، وأهل الحديث يدخلونه في المسند.
ورواه النسائي في ((الكبرى)) (٦٣٦٩) و(٧٢١٩) من طريق العلاء بن هلال،
والطبراني (١١٠٥٤) من طريق أبي موسى الهروي، كلاهما عن عباد بن العوام، به.
ورواه الطبري في ((جامع البيان)) (١١٩٩٦) عن محمد بن عمار، عن سعيد بن
سلیمان، به. إلا أنه لم یذ کر فیه ابن عباس.
-٣١٨-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
الآخرون: قد حكموا بما لهم أن يحكموا به، وخرج الحكامُ بذلك
عندهم مِن ترك مفترض إن كان عليهم فيه، وإذا أعرضوا عنهم،
وتركوا الحكم بينهم، فأحد الفريقين يقول: قد تركوا مفترضاً عليهم،
والفريق الآخرُ يقول: قد تركوا ما لهم تركهُ، وكان ما يُوجب النجاةَ
لهم عندَ الفريقين جميعاً أولى بهم مما يوجب لهم النجاةَ عندَ أحدٍ
الفريقين، ولا يُوجبه لهم عند الفريق الآخر. هذا لو لم تكن الآية
منسوخة، فإذا وجبَ بحديثٍ ابن عباس الذي ذكرنا مع اتصال إسناده،
وحُسْنِ سياقته أن تكون منسوخةُ بالآية التي تلونا بعدَها، كان الحكمُ
بينهم أولى، وكان التمسكُ بها أحرى، ووجدنا قولَه تعالى: ﴿وأن
احْكُمْ بِينَهُم بِمَا أَنْزَلَاله﴾ يحتمل أن يكون المراد: وأن احكم بينهم بما
أنزل الله إذا تحاكموا إليك، وأن يكون على معنى: وأن احكم بينهم بما
أنزل الله، بوقوفك على ما كان بينهم مما يُوجب ذلك الحكم عليهم،
وإن لم يتحاكموا إليك، فنظرنا: هل رُوِيّ في ذلك ما يدل على أحد
هذين الاحتمالين
٣٤٠٨- فوجدنا فهداً قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثَنَا عُمَرُ بن حفص بن
غياث النخعي، قال: حَدَّثْنَا أبي، عن الأعمش، عن عبد الله بن مُرَّةً،
عن البراء رضي الله عنه، قال: مُرَّ على النِيِّ* بيهوديّ قد حُمِّمَ
وجهُهُ وقد ضُرِبَ يُطافُ به، فقال النبيُّ نَ﴿: ((ما شأنُ هذا؟)) فقالوا:
زنی، فقال: «ما تجدُونَ حدَّ الزنی فی کتابکم؟)» قالوا: يُحمم وجهه،
ويُعَزَّرُ ويُطافُ به. فقال: ((أَنشُدُكُم باللهِ ما تجدون حدَّه في كتابكُم؟))
- ٣١٩ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
فأشاروا إلى رجلٍ منهم، فسأله رسولُ الله ﴿، فقال الرجلُ: نَجِدُ في
التوراة الرجم، ولكنه كَثُرَ في أشرافنا، فكرِهنا أن نُقِيمَ الحدَّ على
سَفِلَتِنَا، ونَتْرُكَ أشرافَنا، فاصطلحنا على شيءٍ، فوضعنا هذا. فرجمه
رسول الله ﴿، وقال: «أنا أولى من أحيا ما أماتوا مِنْ أمر الله
تعالى))(١).
وكان في هذا الحديثِ أنَّ رسولَ اللهِنَ﴿ رَجَمَ ذلك اليهودي بلا
تحاكم مِن اليهود إليه فيه، فَدَلَّ ذلك على أن أولى الاحتمالَيْنِ بالآية التي
تلوناها الموافق لِهذا الحديث منهما، وأن المراد بقوله: ﴿وأن احْكُمْ
بينهم بما أنزلَ الله ولا تبعْ أهْوَاءَهم﴾، أي: وأن احكم عليهم بما أُنْزِلَ
عليك في الكتابِ الذي أنزل عليك بَعْدَ علمك بوجوبِ ذلك على من
يحكم به عليه، تحاكموا في ذلك قبل أن تحكم بينهم فيه أو لم يتحاكموا
إليك فيه. والله نسأله التوفيق.
(١) إسناده صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار)) ١٤٢/٤ بإسناده ومتنه.
ورواه مطولاً ومختصراً أحمد ٢٨٦/٤، وأبو داود (٤٤٤٧) و(٤٤٤٨)، وابن
ماجه (٢٥٥٨)، والنسائي في ((التفسير)) (١٦٤)، وفي ((الكبرى)) (٧٢١٨)، وابن
جرير الطبري (١١٩٢٢) و(١٢٠٣٤) و(١٢٠٣٦)، والنحاس في «الناسخ والمسوخ)»
ص ١٦١ - ١٦٢، والبيهقي ٢٤٦/٨ من طرق عن الأعمش، به، وفيه عندهم: («أنا
أوَّلُ من)) بدل: ((أنا أولى من)).
- ٣٢٠ -