النص المفهرس

صفحات 241-260

كتاب القضاء والأحكام والحدود
جُريجٍ يُحدث عن عمرو بن دينار، عن محمد بن طلحة بن يزيد بن
رُكانة: أن رجلاً طَعَنَ رجلاً بقرن، فجاء إلى النبيِّ ◌َ﴿، فقال: أُقِدْني.
فقال: ((حتّى تبرأ). ثلاث مراتٍ، ثم أقادَه، فعَرجَ المسقيدُ، فجاء إلى
النّبِيِّ لَ﴿، فقال: حَقِّي. فقال النبيُّ: «ابْعَدُ اللهُ عن ذلك، لا شيء
لك» (١).
فتأملنا هذا الحديثَ، فعَقَلْنا أن مَنْعَ رسول الله ﴿و المجني عليه مِن
القَوَدِ حين ساله إياه لم يَكُنْ ذلك وقد وجب له القَوَدُ، لأَنَّه لو كان قد
وجب له لما منعه منه، وأوفاه الواجبَ منه، ولما سأله القودَ بعدَ ذلك،
وأجابه إليه، فأقاده، دَلَّ ذلك أنه قد كان وجب له فيه، لأنه لو لم يَكُنْ
كذلك، لما أُخَذَ له غیرَ واجبٍ له.
وكان جملةُ ما في هذا الحديثِ: أن القودَ مِن الجناية عندَ وقوعها
على المجنيِّ عليه من الجاني، قد اختلف أهلُ العلم في القود، هل وجب
لَه حينئذٍ فيُقيد، أو لم يجب حتى ينظر إلى ما تتناهى إليه جنايتُه مِن
ذهاب نفس المجني عليه، أو من سلامتها من ذلك، أو ذهاب أعضائه
بها أو سلامة ما بقي من بدنه، أو من برءٍ من الجناية؟
فمنهم من كان يقولُ: لا يجبُ له القودُ حتى يُنْظَرَ إلى ما تؤولُ
إليه الجنايةُ مِنْ ذلك، فيجعل كأنَّه حُني عليه ما تناهت إليه جنايته،
ويوفى ماله في ذلك، لو كان الجاني قَصَدَ به إليه فيه مِن قودٍ، وما
(١) منقطع كسابقه، ورواه عبد الرزاق (١٧٩٨٦)، ومن طريقه الدارقطني
٨٩/٣، والبيهقي ٦٦/٨، عن ابن جريج، به. وانظر ما قبله.
- ٢٤١ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
سوى ذلك، وممن كان يقولُ ذلك منهم: أبو حنيفة، وأصحابُه.
وكان بعضُهم يقولُ: يجب له القصاصُ مِن الجاني حين كانت
جنايته عليه بمثل ما جناه عليه، ثم ينظر ما يَؤُولُ إليه حالُ كلِّ واحدٍ
منهما في ذلك مِن تكافؤ أو زيادةٍ من جناية الجاني، فيكون قد فُعِلَ به
فِعِلان قَوَداً مما لم يكن منه فيه إلا فِعْلٌ واحِدٌ، ومن كان يقول ذلك
منهم: الشافعيُّ.
ولما منع رسولُ اللهِ﴾ ﴿ المجنيَّ عليه في الحديثِ الذي رويناه في
الباب مِن القودِ حين كانت جنايته عليه، عَقلنا بذلك أنَّه منعه مما لم
يَكُنْ وجبَ له، وأَنَّه أقاده في الوقتِ الذي أقاده بأن كانَ هو الوقت
الذي كان وجب له فيه القودُ على الجاني عليه، وإذا كان رسولُ الله
﴿ قد مَنَعَ المجنيّ عليه من القودِ مِن الجاني بعدَ جنايته عليه، ثم أقاده
منه في ذلك في حالٍ أُخرى، عقلنا بذلك أنما منعه مِن القَوَدِ في الحال
الأُولى انتظاراً لحالٍ سِواها، ولا حالَ في ذلك إلا البرء مِن الجناية، ما
يؤول إليه مما سواها من ذهاب نفس المجنيِّ عليه منها، أو مِن ذهابٍ
بعضِ أعضائهِ منها، أو من سلامة نفسه.
وفيما ذكرنا من ذلك وجوبُ رفعِ القودِ عن الجاني للمجنيِّ عليه
حتَّى يُوقف إلى ما تتناهى إليه جنايته عليه، فيوفى حين ذلك الواجب
له عليه، كما قال الذين قالوا ذلك ممن حَكَيْناهُ عنهم من أهلِ العلم.
وكان القياسُ عندنا في ذلك هو هذا القول أيضاً، لأنا وجدناهم
لا يختلِفُون في الجنايةِ لو كانت خطأً، فمات منها المجنيُّ عليه، أنهم
يوجبون عليه ديةً النفس لا دِيةً ما سواها من العضو المقطوع المقصود
- ٢٤٢ -

كتاب القضاء والأحکام والحدود
بالجنايةِ إليه لا مما سواه مما ذهب بتلك الجنايةِ، وإنما يكون الواجبُ في
ذلك من ذهاب الأعضاء المقطوعة إذا كان البرءُ منها، ويكون لا حُكْمَ
لها إذا ذهبت النفسُ من تلك الجناية، ويعود الحكم للنفس لا لما سواها،
ويجب القودُ فيها لا في الأعضاء الذاهبة بتلك الجناية التي وَجَبَ القودُ
فيها. وبالله التوفيق.
٤٤٩- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله في رفعه
القِصَاص عن العبدِ الذي قَطَع أُذن عبدٍ لغيرٍ مواليه
٣٣٢٢- حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ داود بن موسى، حَدَّثْنَا محمدُ بنُ
منصورِ الجَوَّز، حَدَّثْنَا معاذُ بنُ هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن أبي
نضرة، عن عِمرانَ بنِ الْحُصينِ: أن عبداً لِقومٍ أغنياءَ قَطَعَ أُذُنَ عبدٍ لِقومٍ
فقراء، فلم يجعل رسولُ الله :﴿ٌ بينهما قِصاصاً.
٣٣٢٣ - حَدَّثَنَا يحيى بنُ عثمان، حَدَّثْنَا بکرُ بنُ خلفٍ، حَدَّثَنَا
معاذُ بنُ هشام، حَدَّثْنَا أبي، ثم ذكر بإسنادِهِ مثلَه، غير أنه قال: إن عبداً
لِقومٍ فقراء قَطَعَ أُذُنَ عبدٍ لِقومٍ أغنياءً(١).
(١) صحيح، ورواه بهذا اللفظ أحمد ٤٣٨/٤، وعنه أبو داود (٤٥٩٠)،
والبيهقي ١٠٥/٨، ورواه الدارمي ١٩٣/٢-١٩٤ عن محمد بن يزيد الرفاعي،
والنسائي ٢٥/٨-٢٦ عن إسحاق بن إبراهيم بن راهويه، ثلاثتهم (أحمد، والرفاعي،
وابن راهويه) عن معاذ، به. وزاد عندهم: فأتى أهلُه النبي *، فقالوا: يا نبي الله، إنا
ناس فقراء، فلم يجعل عليه شيئاً.
- ٢٤٣ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
وفي هذا الحديث موضعٌ مِن الفقه يجبُ أن يُوقف عليه، وهو ما
يختلِفُ أهلُ العلم فيه من جنايات العبيدِ بعضهم على بعضٍ فيما دونَ
النفس.
فكانت طائفةٌ منهم تقولُ: لا قودَ بينهم في ذلك، منهم: أبو
حنيفة، وأصحابهُ، ومِن قولهم: إِنَّ القِصاصَ بينهم في الأنفس.
وطائفةٌ توجبُ القودَ بينهم في ذلك كما توجبه بَيْنَ الأحرارِ فیه.
ويحتجُّ مَنْ ذهب إلى ما ذكرناه من أهلِ القَوْلِ الأوَّل لِقولهم ذلك
بحديثٍ عمران بنِ حُصين الذي قد رويناه، ويحتجُّون لِقولهم بإيجابِ
القِصاص بينهم في الأنفس كما يوجبُهُ بينَ الأحرار فيها
٣٣٢٤- بما حَدَّثْنَا ابنُ أبي داود، حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بنُ مُسَرْهَدٍ،
حَدَّثَنَا يحيى بنُ سعيد، عن سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن الحسن،
عن قيس بنِ عُباد، قال: انطلقتُ أنا والأشترُ إلى علي -رضي الله عنه-
، فَقُلْنا: هل عَهِدَ إِليك رسولُ اللهِ:﴿ عهداً لم يَعْهَدْهُ إلى النّاس؟ قال:
لا، إلا ما في كِتابِه هذا، فأخرج كتاباً مِن قرابِ سَيْفِه، فإذا فيه:
((المُؤْمِنُونَ تَكَافَؤُ دِمُؤْهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَذْناهُم، وهُمْ يَدٌ على مَنْ
سِواهُمْ، لا يُقتل مؤمنٌ بكافرٌ، ولا ذُو عهدٍ في عهدِه، ومَنْ أَحْدَثَ
حدثاً فَعَلى نفسِهِ، ومَنْ أحدث حدثً، أو آوى مُحْدِثًاً، فَعَلَيْهِ لعنةُ اللهِ
والملائكة والناس أجمعينَ)(١).
(١) إسناده صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار) ١٩٢/٣.
ورواه أبو داود (٤٥٣٠) عن مسدد، به. وقرن مسدد أحمد بن حنبل.
-٢٤٤-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
فكان في هذا الحديثِ إخبارُ رسول الله ﴿ بتكافؤِ دِماء المسلمين،
وإخباره أنّه يسعى بذِمَّتهم أدناهم - وهو العبد-، وفي ذلك ما قد دلَّ
أن دماء العبيد تُكافئ دِماءَ الأحرارِ مِن المسلمين، وفي ذلك وجوبُ
القَودِ بَيْنَ العبيدِ والأحرارِ، ففيما بينهم أوجب.
وكان تصحيحُ هذا الحديثِ وحديث عِمران بن الحصين الذي
ذكرنا أولى بأهلِ العِلْمِ فيما يحملون أحاديث رسولِ اللهِلَ ﴿ مِن
تصحيحها، ويكون ما يُوجبه كُلُّ واحدٍ منهما إلى الوجه الذي أُرِيدَ به
من غير رفعٍ منهم بعضاً ببعضٍ، فوجب بذلك قولُ مَنْ ذهب في العبيدِ
إلى القِصاص بينَهم في الأنفس، وإلى تركه بينهم فيما دونَها، وكان
ذلك عندنا -والله أعلمُ- على أن الأنفسَ لم يرد فيها الرجوعُ إلى
ورواه أحمد (٩٣٣)، وأبو عبيد في ((غريب الحديث) ١٠٢/٢، والبزار في («البحر
الزخار)) (٧١٤)، والنسائي ١٩/٨، وأبو يعلى (٦٢٨)، والبغوي (٢٥٣١) من طريق
یحیی بن سعيد، به.
ورواه البزار (٧١٣) من طريق حماد بن زيد، وأبو يعلى (٣٣٨)، والبيهقي ٢٩/٨
من طريق يزيد بن زريع، كلاهما عن سعيد بن أبي عروبة، به.
ورواه أحمد (٥٩٩) و(٦١٥) و(٩٥٤) و(٩٥٩) و(٩٩١) و(١٠٣٧)
و(١٢٩٨)، والبخاري (١١١) و(١٨٧٠) و(٣٠٤٧) و(٣١٧٢) و(٣١٧٩)
و(٦٧٥٥) و(٦٩١٥) و(٧٣٠٠)، ومسلم (١٣٧٠) و(١٩٧٨)، وأبو داود
(٢٠٣٤) و(٢٠٣٥)، والترمذي (١٤١٢) و(٢١٢٧)، والنسائي ٢٠/٨ و٢٣
و ٢٤، و(«الكبرى)) (٤٢٧٧) و(٤٢٧٨)، وابن ماجه (٢٦٥٨)، وابن حبان
(٣٧١٦) و(٣٧١٧) من طرق عن علي بن أبي طالب، بعضهم يزيد فيه على بعض.
- ٢٤٥ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
القيم، وجُعلت مُكافِئَةٌ بعضُها لِبعض، وعلى أن ما دونَ الأنفسِ ردّ إلى
المساواة، وإلى تكافؤ القيم فيه من ذوي القيم وهو العبيدُ، فكانت القيمُ
غيرَ مدركٍ حقائقُها بل إلى ما يرجع منها إلى الحزر والظّنِّ الذي لا
حقيقة معه، والذي قد يقع فيه الاختلاف بين المقومين له، فيقومه
بعضُهم بشيءٍ، ويقوِّمُه غيرُه منهم بخلافه. ولما كان ذلك كذلك رفع
القصاصُ بَيْنَ العبيدِ فيما دونَ الأنفسِ، فإذا ارتفع عنهم في ذلك كانَ
ارتفاعُه فيما بينهم وبينَ الأحرارِ أولى، وما سوى ذلك مما لا يُرادُ فيه
رجوعٌ إلى قيمةٍ، إنما يُرادُ فيه أخذُ النفس بالنفس، تستوي فيه أنفسُ
الأحرارِ، وأنفسُ العبيد، فيكون القصاصُ في ذلك بينَهم جميعاً لا
يختلفون فيه.
فقال قائل: وجدتُم هذا القولَ عندَ أحدٍ من أهلِ العِلمِ ممن هو
أعلى ممن ذكرتُهم من أبي حنيفة وأصحابه؟
قيل له: قد وجدنا ذلك عمن تقدَّمهم وهو عبدُ الله بن مسعود
٣٣٢٥- كما حَدَّثَنَا سليمانُ بنُ شعيب الكَيْسَاني، حَدَّثَنَا عبدُ
الرحمن بنُ زيادٍ، حَدَّثْنَا زهيرُ بنُ معاوية، عن الحسن بين الحُرِّ، عن
الحكم: أن العبدَ لا يُقَادُ مِن العبدِ في الجِراحِ العَمْدِ، ولا في الخطأِ، فعقل
المجروح على قدرٍ ثمنه على أهلِ الجارح حتى يُخير مولى الجارح، فإن
شاء، فدى عبده، وإن شاء سلمه بِرُمَّتِه، فذكر ذلك الحكمُ، عن
إبراهيمَ، والشعبيِّ، عن عبد الله بن مسعود.
وذلك أنه جعله مالاً، فدَلَّ ذلك أن مذهب عبدِ الله كان أن ما
دُونَ النفسِ من العبيد يُرَدُّ إلى المالِ الذي يُرادُ فيه التكافؤ في القِيَم،
-٢٤٦ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
وأنهم في الأنفسِ كَمَنْ سِواهم مِن الأحرار، ولا يَرْجِعُ في ذلك إلى
قيمةٍ، ولا إلى ما سواها.
فإن قال قائل: فإبراهيمُ، والشعبيُّ لم يلقيا عبدَ الله.
كان جوابنا له في ذلك: أن إبراهيمَ قد روينا عنه فيما تقدَّمَ من
كتابنا هذا أنه قال للأعمش لما قال له: إذا حَدَّثْتني فاسْنِدْ، فقال له: إذا
قلتُ: قال عبدُ الله، فلم أقل ذلك حتى حدثنيه جماعةٌ عنه، وإذا قلتُ:
حدثني فلانٌ، عن عبد الله، فهو الذي حدثني، أخبرَ إبراهيمُ بذلك بأن
ما لا يَذْكُرُ فيه مَنْ بِينَه وبَيْنَ عبد الله أقوى مما يذكرهُ عن رجلٍ بعينه،
عن عبد الله، والله أعلم.
-٢٤٧ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
٤٥٠- بابُ بيانٍ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله في الذي
عضَّ ذراعَ رجلٍ فانتزَعها، فسقطتْ تَنِيَّتا العاضِ
٣٣٢٦- حَدَّثْنَا عليٌّ بنُ معبدٍ، قال: حَدَّثْنَا عبدُ الوهّاب بنَ
عطاء، قال: أخبرنا سعيد - وهو ابنُ أبي عَرُوبَة - عن قتادةَ، عن زُرَارةَ
بنٍ أَوْفَى، عن عِمْرانَ بن حُصِينِ أنَّ رجلاً عضَّ آخرَ على ذراعِهِ،
فَجَذَبَها، فانْتُزِعَتْ ثنَّتَاهُ، فَرُفعَ ذلك إلى النبيِّل/*، فقالَ: «أردتَ أن
تأكلَ أو تَقْضَمَ - شكَّ سعيدٌ - لحمَ أخيكَ كما يأكلُ أو يَقْضَمُ
الفَحْلُ)) فأبطلَها(١).
٣٣٢٧- حَدَّثَنَا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: حَدَّثْنَا أسدُ بنُ
موسى، قال: حَدَّثَنَا شعبةُ، عن قتادةً، عن زرارةَ بنِ أَوْفَى، سَمِعَهُ
يحدث، عن عِمرانَ بنِ الحُصينِ أنَّ رجلاً عَضَّ يدَ رجلٍ -فقالَ بيده
هكذا- ونزعَ يدَهُ فوقعت ثنيَّتَاهُ، فاختصموا إلى النبيِّ ◌َ﴿، فقال: (يَعَضُّ
أحدُكم أخاهُ كما يَعَضُّ الفحلُ، لا دِيَةَ لكَ)(٢).
٣٣٢٨- حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ مرزوقٍ، قال: حدثني أبو عامرٍ
العَقَديُّ، قال: حَدَّثْنَا شعبةُ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ، عن يعلىْ بنِ أميةً،
أنَّ رجلاً عضَّ يدَ رجلٍ، فانتزعَ يدَهُ من فيهِ، فَسَقَطَتْ ثنََّا العاضِّ،
(١) صحيح، ورواه أحمد ٤٢٨/٤، والنسائي ٢٨/٨، وابن ماجه (٢٦٥٧)،
والطبراني ١٨/(٥٣٢) و(٥٣٣) من طرق عن حماد بن سلمة، به.
(٢) رواه ابنُ حبان (٥٩٩٨) و(٥٩٩٩) من طريق شعبة، به.
-٢٤٨ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
فارتفعا إلى النبيِّ ◌َ﴿: قالَ: ((أَيعَضُّ أحدُكم أخاهُ، كما يَعَضُّ الْبَكْرُ))
فأبطلها(١).
٣٣٢٩- حَدَّثْنَا يونسُ، قالَ: حَدَّثْنَا ابنُ وهبٍ، قال: حَدَّثْنَا ابنُ
جريجٍ، عن عطاءِ بنِ أبي رباحٍ أنَّ صفوان بنَ يعلى بنِ أميةَ حدَّثْهُ، عن
يعَلَى بِنِ أُميةَ، قال: غَزَوْتُ مع رسولِ اللهِمَ﴿ُ غزوةَ الْعُسْرَةِ، وكانتْ
أوثقَ أعمالِي في نفسِي، فكانَ لي أجيراً، فقاتَلَ إنساناً، فعّضَّ أحدُهما
صاحبَهُ فانتزعَ إصبَعَهُ، فسقطتُ ثنِّتاه، فجاء إلى رسول اللهِمِ﴿، فأهدَرَ
ثُنَّيْيهِ. قال عطاء: حَسِبْتُ أنَّ صفوانَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِلَّ: ((أَيَدَعُ
يَدَهُ فِي فِيكَ فَتَقْضَمُها كَفَضْمِ الجملِ»(٢).
٣٣٣٠- حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ أبي داودَ، قال: حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ خالدٍ
الوَهْبِيُّ، قال: حَدَّثْنَا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن عطاء بن أبي رباحٍ، عن
صفوانَ بنِ عبدِ الله بنِ صفوان، عن عمَّيْهِ سلمةَ بنِ أميةَ، ويعلى بنٍ
أميةَ، قالا: خرجنا معَ رسولِ اللهِ﴿ فِي غَزوةِ تُبُوك، ومعنا صاحبٌ لنا،
فقاتَلَ رجلاً من المسلمينَ، فَعَضَّ الرجلُ ذراعَهُ، فجَذَبَها من فِيه، فنزعَ
ثنَّتَهُ، فأتى الرجلُ النبيَّ ◌َ﴿ يَلَتْمِسُ العَقْلَ، فقالَ: (يَنْطَلِقُ أحدُكم إلى
(١) رواه الطيالسي (١٣٢٤)، والبغوي في («الجعديات)) (٢٥٢)، والنسائي
٢٩/٨ -٣٠ و٣١ من طريق شعبة، به. وانظر الفتح ٢٢٢/١٢.
(٢) إسناده صحيح، ورواه البخاري (٢٢٦٥) و(٢٩٧٣) و(٤٤١٧)
و(٦٨٩٣)، ومسلم (١٦٧٤) (٢٣)، وأبو داود (٤٥٨٤)، والنسائي ٣١/٨ من
طرق عن ابن جريج، به.
-٢٤٩ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
أخيهِ، فيعَضُّهُ عَضيضَ الفَحْلِ، ثمَّ يأتي يطلبُ العقلَ، لا عقلَ لها))
فأبطلها رسولُ الله چ.
قال أبو جعفر: وفي حديثِ ابنِ إسحاقَ هذا: عن عطاءٍ، عن
صفوانَ بنِ عبدِ الله بنٍ صفوانَ، وهذا من الخطأ غيرُ مشكلٍ، لأنَّ
صفوانَ بنَ عبدِ الله بنِ صفوانَ رجلٌ من قريشٍ، من بَنِي جُمح، ويَعْلى
صاحبُ هذا الحديثِ، فَلَيْسَ من قريشٍ من أنفسِها، وإنما هو حَليفٌ
لها، وهو رجلٌ من بَنِي تَميمٍ قديمُ السَّكْنَى بمكةَ.
ثم تأمَّلْنا هذا الحديثَ بعدَ وقوفَنا على اختلافِ أهلِ العلمِ في هذه
الجنايةِ المذكورة فيهِ، وأنَّ منهم من لا يُبْطِلُ عقلَ ثَنَّتَي العاضِّ عن
المعضوَضِ، منهم ابنُ أبي لَيْلَى، وقد ذكرنا في الباب الذي قبلَ هذا
البابِ من أحوالِ شاهرِ السلاح، ما قد ذكرناهُ فيه، وأَنَّه إنما حلَّ
للمشهورِ عليه دمُ الشاهرِ، إذ كان الشاهرُ لو ثَّ منه في الذي شَهَرَ عليه
السلاحُ، ما شَهَرَهُ عليه من أجلِهِ.
فقال قائلٌ: فالعضُّ مما لا قَوَدَ فيه، لأنّه كَسْرٌ للعظمِ المعضوضِ،
ألا تَرَى إلى قولِ رسولِ الله :﴿: «أَيَدَعُ يَدَهُ في فِيكَ، فَتَقضّمُها كما
يَقْضَمُ الفحلُ)؟ فهذا دليلٌ أنَّ فيها كسرَ العظمِ، وكسرُ العظامِ لا قَوَدَ
فيها.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيقِ الله عز وجل وعونِه: أنَّ القضمَ
المذكورَ في هذا الحديثِ ليسَ هو كسرَ العظمِ كما تَوهَّمَ، لأنَّ القضمَ
عندَ العربِ هو القضمُ بأطرافِ الأنسان الذي لا يَبْلُغُ هذا، وإنّما الذي
يبلُغُهُ عندهم هو الخَضْمُ، وهو التمكُّنُ بالأسنان كلّها، فذلك مما قد
- ٢٥٠ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
يأتي على العظم، ولما كانَ ما ذكرنا كما وصفنا، كان القَضْمُ إنَّما
يأتي على جلدَةِ الذّراعِ أو يتجاوزُها إلى اللحمِ الذي بينها وبينَ العظمِ،
فإذا تَحَاوَزَها إلى ذلك أوضحَ العظمَ، فعادَ معناهُ في الذّراعِ إلى معنى
الموضحة في الرأس التي تُوضحُ العظمَ، وفيها القَوَدُ باتفاقِ المسلمينَ،
فمثلُها وضوحُ عظمِ الذراعِ، ففيه القَوَدُ أيضاً، ولما كانَ فيه القَوَدُ إذا تَمَّ
ذلكَ العَقلُ كانَ لِّلَّذِي قصدَ به إليهِ إزالته عن نفسِهِ، لِيَصِلَ بذلك إلى
الواجبِ له فيما حلَّ به منه، ولو كانَ العاضُّ مجنوناً أو صبيّاً لم يَبْلُغْ،
فكانَ من المعضوضِ في ذلكَ مثلُ الذي ذكرنا في هذا الحديثِ، كانَ
على المعضوضِ قِيمةُ ثناياهُ، فقد وافَقَ ما حملنا عليه ما في هذا البابِ ما
حملنا عليه ما في البابِ الذي قبلَهُ، والله نسألُهُ التوفيقَ.
- ٢٥١ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
٤٥١- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله في اللطمةِ
هل فیھا قصاص أم لا؟
٣٣٣١- حَدَّثْنَا الربيعُ بنُ سليمان المرادي، قال: حَدَّثَنَا أسدُ بنُ
موسى، قال: حَدَّثْنَا إسرائيلُ بنُ يونس، عن عبد الأعلى، عن سعيدِ بنِ
جُبير، عن ابنِ عباس: أن رجلاً من الأنصارِ وقع في أبٍ للعباس كان في
الجاهلية، فلطمه العباسُ، فجاء قومُه، فقالوا: واللهِ لنلطِمَنَّهُ كما لطمه،
فلبسوا السِّلاحَ، فبلغ ذلك رسولَ اللهِلَ﴿ِ، فَصَعِدَ المنبرَ، وقال: ((يا أيُّها
النّاسُ، أيُّ أَهْلِ الأرضِ أكرمُ على اللهِ؟) قالوا: أنتَ، قال: ((فإنَّ
العباسَ مِنِّي وأنا مِنه، فلا تَسْبُّوا أمواتَنَا، فَتُؤْذُوا أحياءنا)، فجاء القومُ،
فقالوا: يا رسول الله نعوذُ باللهِ من غضبك، فاستَغْفِرْ لنا (١).
فقال قائلٌ: ففي هذا الحديثِ أن قومَ الملطومِ طلبوا القصاصَ من
اللطمة التي كانت مِن العباس إلى صاحبهم، ولم ينكرْ ذلك رسولُ
اللَّه ◌َ﴿ عليهم. ففي ذلك ما قد دلَّ على وجوب القصاصِ في اللطمةِ،
وأنتم لا تقولون ذلك في جملتكم ولا أهل المدينة سواكم.
وذكر ما قد حَدَّثْنَا يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال
مالك: لا قِصاصَ في اللطمةِ، لأَنَّه لا يُدرى ما حدُّها.
قال: وفي ذلك ما قد دلَّ على خروجكم من هذا الحديثِ لا إلى
حديثٍ مثله.
(١) إسناده ضعيف، عبد الأعلى بنُ عامر: ضعيف. ورواه أحمد ٣٠٠/١،
والنسائي ٣٣/٨، والطبراني (١٢٣٩٥) من طريق إسرائيل، به.
- ٢٥٢-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أنّا ما
خرجنا عن هذا الحديثِ ولا تركناه، وما هو حُجَّةٌ علينا في دفعنا
القصاصَ مِن اللطمة، بل هو حجةٌ لنا في ذلك، لأن القصاصَ لو كان
فيها واجباً، لأباحَ رسولُ الله :﴿ أَخْذَهُ ممن وَجَبَ عليه من وجب له،
ولَمَا منعه من ذلك جلالةُ منزلة من وَجَبَ عليه كما لم يمنعه مِن فاطمة
التي هي إليه أقربُ من العباس بأن قال: ((واللهِ لو أنَّ فاطمةَ سَرَقَتْ
لقَطَعْتُ يدَها) ولكنَّه لم ير اللطمةَ التي كانت موجبة شيئاً، فترك لذلك
أخذَ شيءٍ بها من العبأس للذي كان منه إليه، ومعقولٌ في نفس الفقه
أنَّ مَنْ أخذ شيئاً عمداً يُوجب أخذُه عليه شيئاً أنَّه إذا أخذه غيرَ عمد
وجب عليه في أخذه إيَّاه شيء إمَّا مثلُه وأمَّا غيرُه، من ذلك أن رجلاً
لو استهلَك لرجلٍ مالاً على خطأٍ كان منه أنَّ عليه له مثلَه إن كان له
مثلٌ، أو قيمته إن كان لا مثل له، وأنه لو قتله عمداً، لوجب عليه
القصاصُ، ولو قتله خطأ، وجبت عليه الدِّية، فكان مثل ذلك ما ذكرنا
من اللطمةِ التي لم تَحْرَحْ، ولم تؤثّر في وجه الملطومِ أثراً، لا شيءَ فيها
إذا كان ذلك خطأ، فمثل ذلك إذا كانت عمداً لا شيء فيها، ولهذا
المعنى - والله أعلمُ - ترك رسولُ الله ﴿ أن يأخذ للذي لطمه العباسُ من
العباسِ لطمته إِيَّاه شيئاً من قَوَدٍ ومن غيره.
فقال: فقد رويتم عن رسول الله ﴾
٣٣٣٢- فذكر ما قد حَدَّثْنَا عليٌّ بنُ شيبة، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ
هارون، قال: أخبرنا همَّامُ بنُ يحبى، عن القاسمِ بنِ عبد الواحد المكي،
عن عبدِ الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله، عن عبدِ الله بنٍ
-٢٥٣ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
أنيسٍ، قال: سمعتُ رسولَ الله ◌َ﴿ يقولُ: (يَقُولُ الله عزَّ وجلَّ يومَ
القِيامةِ، لاينبغي لأحَدٍ من أهل الجنةِ أن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، ولأحدٍ من أهلِ
النار عندَه مَظْلِمَة، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار
ولأحد من أهل الجنة عنده مظلمة حتى أقُّصَّهُ منه حتّى اللطمة»،
قلنا: وكيف وإنّا إنَّما نأتي الله عزَّ وجلَّ عُراةً غرْلاً بُهْماً؟ قال:
(بالحسنات والسيئات))(١).
قال: ففي هذا الحديث أن الله عزَّ وجلَّ يأْخُذُ في الآخرةِ اللطمةَ
لمن لُطِمِها في الدنيا ممن لَطَمَةُ إِيَّها فيها. وفي ذلك ما قد دلَّ على
وجوب ذلك کان عليه له في الدنیا.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيقِ الله عزَّ وجلَّ وعونِه: أنّه لا حُجَّةً
علينا في هذا الحديث أيضاً إذ كان قد يحتمِلُ أن يكونَ الله عز وجل قد
رفع عن اللاطمٍ في الدنيا أن يكونَ عليه في لطمته في الدُّنيا شيءٌ مِن
قصاصٍ ومِن غيره للذي لطمها إِيَّاه، إذ كان حدُّها غيرَ مقدور عليه،
والحكومةُ فيها غيرُ مقدورٍ عليها، فرفعَ ذلك عنه في الدنيا، وكان عزَّ
وجلَّ في الآخرة قادراً على الوقوف على حدِّها، إذ كان في الآخرة
يتولَّ الحكمَ فيها، وكان المتولي للحكم فيها غيره من عبادهِ ممن لا
يقدر على مثلٍ ذلك منها.
(١) رواه أحمد ٤٩٥/٣، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (٩٧٠)، وفي ((أفعال
العباد)) (٤٦٣)، والحاكم ٤٢٧/٢-٤٢٨ و٥٧٤/٤-٥٧٥، والبيهقي في ((الأسماء
والصفات)) ص٧٨ من طرق عن همام بن يحيى، به.
- ٢٥٤ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
فقال قائل: فقد وجدنا عن غيرِ واحدٍ من أصحاب رسول الله مُ/*
ما يُوجِبُ القِصاصَ في اللطمة.
٣٣٣٣- فذكر ما قد حَدَّثْنَا سليمانُ بنُ شعيب الكيساني، قال:
حَدَّثَنَا عبدُ الرحمن بنُ زيادٍ، قال: حَدَّثْنَا شعبةُ، عن يحيى بنِ حُصين
الأحمسيِّ، قال: سمعتُ طارقَ بنَ شهاب، قال: لطم أبو بكر الصَّدِّيق
رضي الله عنه رجلاً، فقالوا: واللهِ ما رأينا كاليومٍ قطَّ، ما رَضِيَ أن
يمنعَه حتى لطَّمه، فقال أبو بكر رضي الله عنه: إن هذا أتن ييستحمِلُني،
فحملُته، ثم أتاني يستحملُني لحملتُه، ثم أتاني يستحملُني لحملُته، وإذا
يبيعُها فحلفتُ أن لا أحِلَه، ثم قال: والله لأحمِلَنَّ، ثم واللهِ لأَحمِلَنَّه، ثم
واللهِ لأُحمِلَنْه، ثم قال: اقتصَّ مني، فعفا الآخرُ عنه.
٣٣٣٤- وما قد حَدَّثَنَا بعدُ الملك بن مروان الرَّقي، قال: حَدَّثَنَا
آدمُ بنُ أبي إياسٍ، عن شعبةَ، عن يحيى بنِ حُصين الأحمسيِّ، قال:
سمعتُ طارِقَ بنَ شهابٍ يقولُ: لَطَمَ أبو بكرِ الصدِّيقُ رجلاً، فقالوا: ما
رضي أن يمنعه حتى لطمه، فقال أبو بكرٍ رضي الله عنه للرجل: اقتصَّ
مني، فعفا عنه الرجلُ.
فكان جوابنا في ذلك بتوفيقِ الله عز وجل وعونه: أنّه يحتمِلُ أن
يكونَ أبو بكر أباحَ ذلك مِن نفسه لا بواجب عليه، ولكن تواضعٍ منه
وكراهة لما كان منه من الاستعلاء على غيره بلطمه إِيَّاه.
٣٣٣٥ - وذكر ما قد حَدَّثَنَا بكارُ بنُ قُتيبة، قال: حَدَّثَنَا وهبُ
بنُ جرير، قال: حَدَّثَنَا شعبةُ، عن مخارق، عن طارقٍ، قال: كان خالدٌ
بن الوليد في الجزيرة، فلطم ابنُ أخٍ له رجلاً، فقال عمُّ الرجل: إنما
- ٢٥٥-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
فَضَّلَ الله قريشاً بالنبوة، فأقاده خالد بن الوليد منه، فعفا عنه.
قال أبو جعفر: وقد يكونُ أيضاً هذا كان من خالد تواضعاً وأدباً
منه لابن أخيه وزجراً منه إيَّه عن معاودَتِه لذلك، وقد رُوِيَ عن رسول
الله ﴿ ثم عن عُمر مِن بعده
٣٣٣٦- ما قد حَدَّثَنَا أبو غسان مالك بن يحيى الحَمْداني، قال:
حَدَّثْنَا عبدُ الوهَّاب بنُ عطاء، قال: أخبرنا الجريري، عن أبي نضرة،
عن أبي فراسٍ أنَّ عمر بن الخطاب، قال: إنّي واللهِ ما أبعثُ إليكم
عُمالي ليضربوا أبشارَكم، ويأخذوا أموالكم، ولكني إنما بعثتُهم
ليعلمو كم دينَكُم وسُنْتَكُم، فمن فُعِلَ به غيرُ ذلك، فَلْيَرْفَعْهُ إلي، فو الله
لأقصَّنَّهُ منه، فقال عمرو بن العاص: يا أميرَ المؤمنين أن كان رجلٌ على
طائفةٍ، فأذَّب بعضَ رعيته إنك تُقِصُّ منه؟ فقال: والذي نفسُ عمرَ
بيده، لأُقِصَّنَّ منه، وقد رأيتُ رسولَ اللهِمَ﴿ يُقِصُّ من نفسِهِ، ثم قال:
لا تَضْرِبُوا المُسلِمِينَ، فتُذِلُّوهم، ولا تمنعوهُم حقوقَهم فتكفّروهم، ولا
تُحَمِّرُوهم في الغزو فتفتِنُوهم، ولا تنزلوهم الغِياض فتضيعوهُم(١).
قال أبو جعفر: فكان هذا عندنا أيضاً مِن رسول الله /* تواضعاً
منه لا بواجبٍ، وما كان مما كان من عمر تأديباً لمن أوعده لِذلك،
وتحذيراً له من أن يفعل ما يأخذُ منه أدباً ما أوعده بأخذه إيّاه منه. والله
عز وجل نسأله التوفيق.
(١) رواه أحمد ٤١/١، والطيالسي (٥٤)، والنسائي ٣٤/٨، والبيهقي ٢٩/٩ من
طریق الجريري، به.
-٢٥٦-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
٤٥٢- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله# في الذي
کان من الأعرابي إلیه في جره رداءه علی رقبته حتی
حمَّرها ومِن طلبه منه القودَ في ذلك
٣٣٣٧- حَدَّثْنَا الربيعُ بنُ سليمان الجيزيُّ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله
بن مسلمة بنٍ قَعْنَبٍ، قال: حَدَّثْنَا محمدُ بنُ هلال، عن أبيه، عن أبي
هُريرة رضي الله عنه، قال: كنا نَفْعُدُ مَعَ رسولِ اللهِلَ﴿ في المسجدِ حتى
إذا قام، قمنا، فقام يوماً، وقمنا معه حتّى لما بلغ وسطَ المسجد، أدركه
الأعرابيُّ، فحبذَ بردائه من ورائِه، وكان رداؤه خشناً، فحَمَّرَ رقبته،
فقال: يا محمدُ احْمِلْ لي على بعيرَيَّ هذين، فإنك لا تَحْمِلُ لي من
مالك ولا من مال أبيك، فقالَ رسولُ الله:﴿: «لا أحْمِلُ لكَ حتَّى
تُقِيدَني مما جبذتَ برقتبي))، فقال الأعرابي: والله لا أُقيدك. فقال له
رسول الله:﴿ ذلك ثلاثَ مراتٍ كل ذلك يقول: والله لا أُقيدُك، فلما
سَمِعْنا قولَ الأعرابي، أقبلنا إليه سراعاً، فالتفتَ رسولُ اللهل:﴿، فقال:
((عَزمتُ على من سَمِعَ كلامي أن لا يبرحَ مقامَه حتى آذن له»، فقال
رسولُ الله﴿ لرجل من القوم: «احْمِلْ له على بعير شعيراً وعلى بعيرٍ
تمراً) ثم قال رسولُ الله ﴿َ: ((انصَرِفُوا)(١).
(١) رواه النسائي ٣٣/٨ عن محمد بن علي بن ميمون، عن عبد الله القعني، به.
ورواه أحمد ٢٨٨/٢ عن زيد بن الحباب، وأبو داود (٤٧٧٥) من طريق أبي
عامر، كلاهما عن محمد بن هلال، به.
- ٢٥٧-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
قال أبو جعفر: فقال قائل: من أين وسعَكم القَوَدُ في مثل ما ذكر
في هذا الحديث حتّى خالفتموه جميعاً، لا إلى حديث مثله.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيقِ الله عز وجل وعونه أنّه قد
يَحْتِمِلُ أن يكونَ القَوَدُ الذي طَلَبَه رسولُ اللهِ﴿﴿ من ذلك الأعرابيِّ لم
يَكُنْ على ما توجَّمه مِن القصاص، ولكنه كان على أن يعودَ متواضعاً
بالبَذْلِ لَهُ مِن نفسه مثل الذي فعله حتّى يكونَ بذلك على مثلِ ما
يَكُونُ عليه أهلُ الإسلامِ في التواضعِ عندَ مثل هذا، كما كان من
تواضعِ رسولِ اللهِ﴿ في حديثٍ عُمَرَ الذي ذكرنا، ثم مِن تواضعٍ أبي
بكر رضي الله عنه الذي رَوَينا في البابِ الذي قبلَ هذا الباب، ويَكُونُ
ذكرُه القودَ على الاستعارة، كما تستعيرُ العربُ الكلمةَ للمعنى الذي
فيها مما استعاروها منه، من ذلك قولُهم: هَرَّاق فلانٌ مُهْحَةً فلان، ليس
لأن الُهجة مهراقةٌ وإنما المهارقُ الدمُ، وذلك كثير في كلام العرب،
حتى تعالى ذلك إلى مجيء القرآنِ به، وهو ما وصفَ الله عزَّ وجلَّ في
قصة موسى وصاحبه صلواتُ الله عليهما مِن قوله: ﴿فَوَجَدا فيها جداراً
يُرِدُ أنْ يَقَضَّ فَأْقَمَهُ﴾ [الكهف: ٧٧]، فذكره بالإرادة، والجدارُ لا إرادةَ
له، ولكنّه كان منه ما يكونُ من ذَوي الإرادةِ عندَ إرادتهم إلقاء
أنفسِهم إلى الأرضِ، فمثلُ ذلك ما أرادَ منَ الأعرابيِّ أن يبذُلَ له مِن
نفسه مثل الذي بيذُل بالقَودٍ. وفيما ذكرنا ما قد دَلَّ على أن لا حجةً
لهذا المتأوِّل علينا فيما احتجَّ به علينا من تأويله هذا. والله عز وجل
نسأله التوفيق.
- ٢٥٨ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
٤٥٣- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله /# في
الواجب في إتلافِ الأشياءِ التي ليست موزوناتٍ ولا مكيلاتٍ
ما الواجب على متلفها مكانها
٣٣٣٨- حَدَّثْنَا الربيعُ بنُ سليمان المرادي، قال: حَدَّثَنَا أُسدُ بنُ
موسى، قال: حَدَّثْنَا حَمَّادُ بنُ سلمة، عن ثابتٍ، عن أبي المتوكل، عن أمِّ
سلمة أنها جاءت بطعامٍ في صَحْفَةٍ لها إلى النبيِّ :﴿ وأصحابه، فجاءت
عائشة ملتفةٌ بكساء ومعها فِهْرٌ، فَفَلَقَتِ الصحفةَ، فجمع النبيُّ نَ﴿ٌ بين
فِلْقَي الصَّحْفَةِ، وقال: ((كُلُوا غَارَتْ أُمُّكُمْ) مرتين، ثم أخذ رسولُ الله
* صحفةً عائشة، فبعث بها إلى أمِّ سلمة رضي الله عنها، وأعطى
صفحةً أمِّ سلمة لِعائشة(١).
٣٣٣٩- وحَدَّثْنَا بكار بنُ قتيبة، وعليُّ بنُ شيبة، قالا: حَدَّثَنَا
عبدُ الله بنُ بكرِ السَّهميُّ، قال: حَدَّثْنَا حميدٌ الطويلُ، عن أنسٍ، قال:
كان رسولُ الله:﴿ عندَ بعضِ نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين
بقصعةٍ فيها طعام، فضربت يدَ الخادم، فسقطت القَصْعَةُ، فانفلقت،
فأخذ النبي:﴿، فضم الكِسْرَتَينِ، وجمع فيها الطعام، ويقول: ((غارت
أَقُّكُم، غارَتْ أُمُّكُمْ)، وقال للقوم: (كُلُوا)، وحبسَ الرسولَ حتّى
(١) رواه النسائي ٧٠/٧، وفي ((عِشرة النساء)) (١٨) عن الربيع بن سليمان، به.
قال الحافظ: وقد اختلف في هذا الحديث على ثابت، فقيل: عنه عن أنس، ورجح
أبو زرعة الرازي فيما حكاه ابن أبي حاتم في («العلل)) عنه رواية حماد بن سلمة،
وقال: إن غيرَها خطأ.
-٢٥٩ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
جاءت الأخرى بقصعتها، فدفع القصعة الصحيحة إلى رسول التي
كُسِرَتْ قَصْعْتُها، وترك المنكسرة للتي كَسَرَتْ(١).
٣٣٤٠- حَدَّثَنَا فهدُ بنُ سليمان، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ سعيدٍ
الأصبهانيُّ، قال: أخبرنا شريك بنُ عبد الله، عن قيسِ بنِ وهبٍ، عن
رجلٍ من بني سُوَاءة، قال: قلنا لعائشة: حدثينا عن خُلُقِ رسولِ اللَّه ◌َلا؟
قالت: أما تقرؤون القرآن؟ قلنا: على ذلك حدثينا عن خُلُقِهِ، فقالت:
كان عنده أصحابُهُ، فَصَنَعَتْ له حَفْصةُ طعاماً، وصنَعْتُ له طعاماً،
فسبقتني إليه حفصة، فأرسلت مع جاريتها بقصعةٍ، فقلتُ الجاريتي: إن
أدركتيها قبل أن تهوي بها، فارمي بها، فأدركتها وقد أهوت بها،
فرمت بها، فوقعت على النّطع فانكسرت القصعةُ، وتَبَدَّدَ الطعامُ،
فجمع رسولُ الله:﴿ الطعام، فأكلوه، ثم وضعت جاريني قصعة
(١) صحيح، ورواه أحمد ٣٦٢/٣ عن عبد الله بن بكر السهمي، به.
ورواه أحمد ١٠٥/٣، والدارمي ٢٦٤/٢، والبخاري (٢٤٨١) و(٥٢٢٥)، وأبو
داود (٣٥٦٧)، والترمذي (١٣٥٩)، والنسائي ٧٠/٧، وفي ((عِشرة النساء)) (١٧)،
وابن ماجه (٢٣٣٤)، وأبو يعلى (٣٧٧٤) و(٣٨٤٩) من طرق عن حميد، به.
وقال البخاري بإثر الحديث (٢٤٨١): وقال ابن أبي مريم، أخبرنا يحيى بن
أيوب، حَدَّثًا حميد، حَدَّثْنَا أنس، عن النبي ﴾.
قال الحافظ في «الفتح)) ١٢٤/٥-١٢٥: وأما المرسلة، فهي زينب بنت جحش،
ذكره ابن حزم في ((المحلى) من طريق الليث بن سعد، عن جرير بن حازم، عن حميد،
سمعت أنس بن مالك أن زينب بنت جحش أهدت إلى النبي # وهو في بيت عائشة
ويومها جفنة من حيس ...
- ٢٦٠ -