النص المفهرس
صفحات 221-240
كتاب القضاء والأحكام والحدود
سَهْلٍ بنِ أبي حئمة، وقد حدَّث عنه الجلَّةُ، منهم زيدُ بنُ اسلم
٣٣١٠- كما قد حَدَّثَنَا يونسُ، أخبرنا ابنُ وهب أن مالكاً
حدثه، عن زيد بن أسلم، عن ابنٍ بُجيدُ الأنصاريِّ، عن حَدَّتِه أن النبيَّ
* قال: ((رُدُّوا السَّائِلَ ولو بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ))(١).
ومنهم: سعيد المقبري
٣٣١١- كا قد حَدَّثْنَا الربيعُ المراديُّ، ومحمدُ بنُ عبد الله بنِ عبد
الكم، قال الربيعُ: حدثني شعيبُ بنُ الليث، وقال محمد: أخبرنا أبي
وشعيب، عن الليث، عن سعيد بنِ أبي سعيد، عن عبد الرحمن بن
بُجيدٍ أخي بني حارثة أنّه حدَّثته جَدَّتُه وهي أُمُّ بُجيدٍ - وكانت ممن بايعَ
رسولَ﴾ - أنَّها قالت: يا سولَ اللهِ: واللهِ إن المسكينَ ليقومُ على بابي،
فما أجد له شيئاً أُعطِيهِ إِيَّه، فقال لها رسولُ اللهِخ ◌ِ: ((إِنْ لَمْ تَجِدِي
شيئاً تُعطِيهِ إِيَّاه إلا ظِلفاً مُحْرَقاً، فاذفَعِیهِ إليهِ في يدِهِ)(٢).
(١) الحديث في (الموطأ) ٩٢٣/٢. ومن طريق مالك رواه أحمد ٤٣٥/٦،
والنسائي ٨١/٥، وابن حبان (٣٣٧٤)، والطبراني في ((الكبير)) ٢٤/(٥٥٥)،
والبيهقي ١٧٧/٤، والبغوي (١٦٧٣). ولفظ الطبراني: ((لا تردوا السائل .. ).
ورواه الطبراني ٢٤/(٥٥٦) من طريق روح بن القاسم، عن زيد بن أسلم، به.
ورواه ابن خزيمة (٢٤٧٢) من طريق منصور بن حيان، عن ابن بجيد، به.
ورواه أحمد ٣٨٣/٦، وابن أبي شيبة ١١١/٣، والبخاري في ((التاريخ)) ٢٦٢/٥
من طريق منصور بن حيان، عن ابن بجاد، عن جدته.
(٢) رواه ابن خزيمة (٢٤٧٣) عن الربيع بن سليمان المرادي به.
ورواه أحمد ٣٨٢/٦ و٣٨٢-٣٨٣، وأبو داود (١٦٦٧)، والترمذي (٦٦٥)،
- ٢٢١ -
كتاب القضاء والأحكام والحدود
وتابع عبد الرحمن بنُ بُجيد على ما قال مما ذكرناه عنه عمرو بنُ
شعیب
٣٣١٢- كما قد حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ عبد الله بنِ عبدِ الرحيم، حَدَّثْنَا
عبدُ الملك بن هشام، حدثني زيادٌ، قال: قال ابنُ إسحاق: وحدثني
عمرو بنُ شعيب ... مِثْلَ حديثِ عبدِ الرحمن بن بُحيدٍ إلا أنَّه قال في
حديثه: ((دُوهُ، وإلا فَأَذَنُوا بحربٍ))، فكتبوا يحلِفُون بالله: ما قتُلُوه، ولا
يعلمون له قاتلاً، فوداه رسولُ اللهِلَ ﴿ من عنده.
وذلك هو الأولى برسول الله:﴿ والمظنونُ به أن لا يَأْمُرَ أحداً
يَحْلِفُ على ما لا عِلْمُ له به.
فإن قال قائل: فأنتم قُلْتُم: لو أنَّ ابنَ عشرينَ سنةٌ رُبِّيَ بالمشرق،
فاشترى عبداً ابنَ مئة سنة رُبِّيَ بالمغرب، فاعه من ساعته، فأصاب به
المشتري عيباً أن البائعَ يَحْلِفُ على البَتِّ: إنه لقد باعه إِيَّاه وما به هذا
العيب، ولا عِلْمَ له به، والذي قلنا يصح علمه بما وصفنا.
فكان جوابُنا له في ذلك: أنَّ الذي ذكره في الحَلِفِ على العيب
كما ذكر كالحَلِفِ على ما قد وقع عليه في الاختلافُ الذي ذكرنا،
لأن الحلِفَ على العيب إنما هو حَلِفٌ على نفي شيٍ واسعٍ للمحلوفِ
والنسائي ٨٦/٥، وابن حبان (٣٣٧٣)، وابن خزيمة (٢٤٧٣)، والحاكم ٤١٧/١،
والبيهقي ١٧٧/٤ من طرق عن الليث، به.
ورواه الطيالسي (١٦٥٩)، وأحمد ٣٨٢/٣ و٣٨٣ من طرق عن سعيد المقبري،
به. وانظر ما قبله.
- ٢٢٢ -
كتاب القضاء والأحكام والحدود
عليه إذا كانت يمينهُ فيه، وإن كانت على البتِّ، فإنما ترجع إلى العلم
الذي ليس يعلم به خلافُ ما حَلَفَ عليه، والحلفُ على تحقيق الأشياء
بخلاف ذلك، لأنه لا يسع رجلاً أن يَحْلِفَ بالله: لقد كان كذا وكذا
مما لم يعلمه، ونهاه الله عن ذلك قولاً، فكيف يميناً بقوله تعالى جَدُ:
﴿وَلاَ تَقْتُ مَا كَسَلَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، ثم أعلمه بالمسؤول عن ذلك بقوله: ﴿إِنَّ
السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أُوْلِكَ كَان عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء: ٣٦]،
فأعلمه عز وجل أنَّ الشهادة على تحقيق الأشياء هُوَ الذي يعلمه هذه
الثلاثةُ الأشياء، وأنَّ من تعداها إلى سواها، أو قصر عنها، صار مخالفاً لما
أمره الله به فيها، والحلفُ على القسامة المذكورهِ في حديث سهلٍ متعد
لما في هذه الآية إلى غيره مما قد نهاه اللهُ عنه.
فقال قائل: فإن عبد الرحمن بن بُجيدٍ وإن كان مقدارهُ المقدارَ
الذي قد ذكرت، لا يُضاهي سهلَ بنَ أبي حَتْمَةَ لِصحبة سهلٍ رسولَ
الله /﴾، ولتقصير ابنِ بُجيدٍ عن ذلك.
فكان جوابُنا له في ذلك: إنه قد قال في قِصة تزويجٍ رسولِ اللهِ ﴾
میمونة بَعْدَ ما روی حدیثَ عمرو بنِ دینار، عن جابر بن زيد، عن ابنٍ
عباس أن رسولَ الله ﴿ْ تَزَوَّجَهَا -وهي خالَتُه- وهو مُخْرِمٌ(١). قال:
قد يعرفُ أهلُ المرأة مِن أمرها وإن لم يحضروا ذلك لِعنايتهم بها ما لا
(١) حديث صحيح، رواه في ((شرح معاني الآثار)) ٣٦٩/٢، ورواه البخاري
(٥١١٤)، ومسلم (١٤١٠).
-٢٢٣-
كتاب القضاء والأحكام والحدود
يَعْرِفُه مَنْ سِواهم ممن حَضَرَ أمْرَها وقد روى عنها عتيقُها - يعني
سليمانُ بن يسار - وابنُ أختها يزيدُ بنُ الأصم أنَّ النبي ﴿ تزوَّجها
وهو غَيْرُ محرم، فجعل ذلك حجةً له في تزويجِ النبيِّ:﴿ إِيَّها وهو غيرُ
محرم، وقابل به حديث ابن عباس مع جلالةِ ابنِ عباس وصحبته رسول
اللّه ◌َ﴿ّ ورَضِيَ عنه، وكونه معه في تلك الحجةِ فيما يُنْكَرُ على خصمه
أن يكونَ عبد الرحمن بن بُحيد وهو من بني حارثة قومٍ المقتول ما قد
قاله مما يُخالِفُ فيه سهلاً، ومقابلة خصمه سهلاً بعبد الرحمن في ذلك،
وإن قال: إنه إنما فعل ذلك بما معه مما رواه عن عثمانَ أن النبيَّ ® قال:
((لا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ ولا يُنْكِحُ))(١) قوبل في ذلك بأن قيل له: وكذلك
خصومُك قابلوا سهلاً بعبدِ الرحمن بن بُحيد لما قد وافقه الأنصاريون
أصحاب رسولِ الله﴿ الذين هم مِن قوم ذلك القتيلِ على ما قالُوا من
ذلك، ولقبولنا ما رواه الزهريُّ عن أبي سَلَمَة، وسليمان بن يسار عن
رجالٍ من الأنصارِ من أصحاب رسول الله:﴿ أولى بنا مِن قبولِ ما
رواه بشيرُ بن يسار، وليس مثلَ أبي سلمة ولا سليمان بن يسار عن
سهل، لا سِيَّمَا وقد كان من عمرَ وعليّ ما حكيناه عنهما في هذا
الباب مما وجب موافقةٌ أهل هذا القول على قولهم، وترك بقيةِ أصحاب
رسول الله خلافهما في ذلك. والله أعلم(٢).
(١) حديث صحيح، رواه مالك ٣٤٨/١، ومسلم (١٤٠٩)، وأحمد (٤٠١)،
وابن حبان (٤١٢٣).
(٢) قال ابن عبد البر في ((التمهيد)) ٢٠٨/٢٣: ليس قول عبد الرحمن بن بجيد هذا
-٢٢٤-
كتاب القضاء والأحكام والحدود
مما يرد به قول سهل بن أبي حثمة، لأن سهلاً أخبر عما رأى وعاين وشاهد حتى
ركضته منها ناقة واحدة (كما في رواية ابن حبان ٦٠٠٩)، وعبد الرحمن بن بجيد لم
يلق النبي # ولا رآه ولا شهد هذه القصة، وحديثه مرسل، وليس إنكار من أنكر
شيئاً بحجة على من أثبته، ولكن قد تقدم عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار،
عن رجال من الأنصار مخالفة في تبدئة الأيمان في هذه القصة وهو حديث ثابت،
وكذلك اختلف في حديث سهل بن أبي حثمة أيضاً، ولكن الرواية الصحيحة في
ذلك إن شاء الله رواية مالك ومن تابعه، عن يحيى بن سعيد وغيره على ما ذكرناه في
هذا الباب.
وقال الشافعي فيما أسنده عنه البيهقي في «السنن» ١٢١/٨: قال لي قائل: ما
منعك أن تأخذ بحديث ابن يجيد؟ قال: لا أعلم ابن بجيد سمع من النبي *، وإن لم يكن
سمع من النبي # فهو مرسل، ولسنا ولا إياك نثبت المرسل، وقد علمت سهلاً صحب
النبي * وسمع منه، وساق الحديث سياقاً لا يشبه إلا الأثبات، فأخذت به لما وصفت،
قال: فما منعك أن تأخذ بحديث ابنش هاب؟ قلت: مرسل، والقتيل أنصاري،
والأنصاريون بالعناية أولى بالعلم به من غيرهم إذا كان كل ثقة، وكل عندنا بنعمة
الله ثقة.
-٢٢٥ -
كتاب القضاء والأحكام والحدود
٤٤٣- بابُ بيانِ مُشْكِل كيفية القَسامةِ کیف کانت مما رُوِي
عن رسول الله فيه
٣٣١٣- حَدَّثَنَا يونسُ، أخبرنا ابنُ وهب، أن مالكاً أخبره عن
يحيى بن سعيد، عن بُشَيْرِ بن يسارِ أنه أخبره أنَّ عبدَ الله بن سهل
الأنصاري ومُحَيِّصَةَ بن مسعود خرجا إلى خَيْبَرَ، فتفرقا في حوائجهما،
فَقْتِلَ عبدُ الله بنُ سهلٍ، فبلغ مُحَيِّصَةَ، فأتى هو وأخوه حُوَيِّصَةُ وعبدُ
الرحمن بن سهل إلى رسول الله ﴿، فذهب عبدُ الرحمن لِيتكلم لمكانه
من من أخيه، فقال رسولُ اللهِ مَثُ: ((كَبِّرْ كَبِّرْ))، فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصة
ومُحَيِّصَة، فذكرا شأنَ عبدِ الله بن سهل، فقال لهم رسولُ اللهَ وَ﴾:
(َتَحْلِفُونَ خمسين يميناً، وَتَسْتَحِقُونَ قاتِلَكُم أو صاحِبکم)، قالوا: يا
رسولَ الله لم نشهد ولم نَحْضُر، قال رسولُ اللهِلَت: ((أَفَتُبْرِتُكُمْ يَهُودُ
بخمسينَ يميناً؟» قالوا: يا رسولَ الله كيف نَقْبَلُ أيمانَ قومٍ كفار؟ قال
مالك: قال يحيى بن سعيد: فزعم بشيرٌ أنَّ رسولَ الله ◌ُ﴿ ودَاه مِن
عنده(١).
(١) قال في (التمهيد) ١٩٨/٢٣: لم يختلف الرواة عن مالك في إرسال هذا
الحديث، وقد رواه حماد بن زيد وسفيان بن عيينة والليث بن سعد وعبد الوهاب
الثقفي، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار، عن سهل بن أبي حثمة، وبعضهم
يجعل مع سهل بن أبي حثمة رافع بن خديج، جميعاً عن النبي 8، وكلهم يجعله عن
سهل بن أبي حئمة مستداً. وهو في (الموطأ) ٨٧٨/٢، وفي (شرح المعاني)) ١٩٧/٣.
ورواه عبد الرزاق مع الحديث (١٨٢٥٨)، النسائي ١١/٨ من طريق مالك، به.
-٢٢٦-
كتاب القضاء والأحكام والحدود
هكذا روى مالك هذا الحديثَ عن بشير ولم يتجاوزْه إلى غيرِهِ،
وقد رواه غيرُه فتجاوز به إلى سهل بن أبي حَثْمَة
٣٣١٤- كما حَدَّتَنَا يونسُ، حَدَّثْنَا سفيانُ، عن يحيى بنِ سعيد،
سَمِعَ بُشَيْرَ بنَ يسارِ، عن سهل بن أبي حَثْمَةً، قال: وُجِدَ عبدُ الله بنُ
سهل قتيلاً في قَلِيب من قُلُب خيبرَ، فجاء أخوه عبدُ الرحمن بنُ سهل،
وعمَّاه مُحَيِّصةَ وحُوَّيِّصة إلى رسول الله :﴿، فذهب عبد الرحمن
لِيتكلم، فقال النبيُّ عليه السَّلامُ: ((الكُبْرَ الكُبْرَ))، فتكلم أحدُ عَمِّيْهِ إِمَّا
حُوَّيِّصَةُ وإِمَّا مُحَيِّصَة، فكلّم الكَبيرَ منهما، قال: يا رسولَ الله، إنَّا
وجدنا عبدَ الله بن سهل قتيلاً في قِلِيبٍ، من قُلُبٍ خيبر، وذكر عدَاوَةً
ے
يهودٍ لهم، قال: ((أفْتُبْرِتُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِيناً،: إنّهم لم يَقْتُلوه؟)
قالوا: كيف نرضى بأيمانِهم وهُمْ مُشرِكون؟ قال: ((فَيُقْسِمُ منكم
خمسونَ إنهم قتلوه))، قالوا: كَيْفَ نُقْسِمُ على ما لم نَرَ؟ فوداه رسولُ
اللّه ◌َ﴿ من عنده(١).
ورواه مسلم (١٦٦٩) (٣) و(٤) من طريق يحيى بن سعيد، به.
(١) إسناده صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار)) ١٩٧/٣ بإسناده ومتنه.
ورواه الشافعي ١١٤/٢، وعبد الرزاق (١٨٢٥٩)، والحميدي (٤٠٣)، وأحمد
٢/٤، ومسلم (١٦٦٩) (٢)، والنسائي ١١/٨، والطبراني (٥٦٢٥)، وابن الجارود
(٧٩٨)، والبيهقي ١١٩/٨ من طرق عن سفيان، به. ورواه الشافعي ١١٣/٢
و ١١٤، وأحمد ١٤٢/٤، والبخاري (٦١٤٢) و(٦١٤٣)، ومسلم (١٦٦٩)، وأبو
داود (٤٥٢٠)، والترمذي (١٤٢٢)، والنسائي ٧/٨ و٩ و٩ و١٠، وابن الجارود
-٢٢٧-
كتاب القضاء والأحكام والحدود
ففي هذا الحديثِ تبرئةُ رسول الله:﴿ اليهودَ في الأيمان، وهذا
خلافُ ما في حديث مالكٍ، غير أن أكثرَ الناسِ رَوَوْهُ على موافقةٍ
مالكٍ فيه. فممن رواه كذلك بشرُ بنُ المفضل:
٣٣١٥- كما حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ داود، قال: حَدَّثَنَا مُسَدِّدٌ، قال:
حَدَّثَنَا بِشْرُ بنُ المفضل، عن يحيى بن سعيد، عن بُشير بنِ يسار، عن
سهلِ بنِ أبي حثمة، قال: انطلقَ عبدُ الله بنُ سهل، ومُحيِّصةُ بنُ
مسعود بن زيد إلى خيبر، وهي يومئذ صُلْحٌ، فتفرَّقا في حوائجهما،
فأتى مُحَيِّصةُ على عبدِ الله بنِ سهل وهو يتشخَّطُ في دمه، فدفنه، ثم
قَدِمَ المدينةَ، فانطلق عبدُ الرحمن بن سهل وحُوَيِّصَةٌ ومحيصة إلى رسول
الله ◌َ﴿، ثم ذكر بقيةَ حديثِ مالكٍ(١).
فقال قائلون: هكذا القسامةُ على ما [في] حديثِ مالك وبشر بن
المفضل، يبدأ فيها أولياءُ الدم.
وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل يبدأ فيها بالموجودِ ذلك
القتيل بَيْنَ ظَهْرَانَيهم على ما في حديث ابنِ عيينة، وفي حديث أبي
(٨٠٠)، وابن حبان (٦٠٠٩)، والطبراني (٤٤٢٨) و(٥٦٢٧)، والدار قطني
١٠٨/٣، والبيهقي ١١٨/٨ و١١٨ و١١٩، والبغوي (٢٥٤٦) من طرق عن يحيى
بن سعيد، به. بعضهم يقرن بسهلٍ بن أبي حثمة رافع بن خديج.
(١) إسناده صحيح، ورواه البخاري (٢٧٠٢) و(٣١٧٣)، والبيهقي ١١٨/٨
من طريق مسدد، به. ورواه مسلم (١٦٦٩) (٢)، والنسائي ٩/٨، والدارقطني
١٠٨/٣- ١٠٩، والبيهقي ١١٨/٨ من طرق عن بشر بن المفضل، به، وانظر ما قبله.
-٢٢٨-
كتاب القضاء والأحكام والحدود
سلمة وسليمان، عن رجال من الأنصار الذي ذكرنا في البابِ الذي
قَبْلَ هذا الباب أن رسولَ الله:﴿ قال ليهود بدأ بهم: ((يَحْلِفُ منكم
خمسونَ))، فهذا مخالفٌ لحديثِ بشيرِ، وهو أولى منه لجلالة قدر رُواةٍ
هذا الحديثِ على رواة حديث يحيى بن سعيد مع أنّا قد وجدنا حديث
بُشير قد رُوي عنه بخلاف ما رواه عن یحی بن سعيد:
٣٣١٦- كما قد حَدَّثَنَا فهد، حَدَّثْنَا أبو نعيمٍ، حَدَّثْنَا سعيدُ بنُ
عبيد الطائيُّ، عن بُشير بن يسار، أن رجلاً مِن الأنصار يقال له: سهلُ
بنُ أبي حَثْمَةَ أخبره أن نفراً مِن قومه انطلقوا إلى خيبر، فتفرقوا فيها،
فوجدوا أحدهم قتيلاً، فقالوا للذين وجدوه عندهم: قَتَلْتُم صَاحِبَنَا،
قالوا: واللهِ ما قَتَلْنا ولا عَلِمْنا لَهُ قاتلاً، فانطلقوا إلى نبيِّ اللهِلَ﴿، فقالوا:
يا نبيَّ اللهِ انطلقنا إلى خيبر، فوجدنا أحدَنا قتيلاً، فقال رسولُ الله ما﴿:
(الأكْبَرَ الأَكْبَرَ)، فقال لهم: (تأتونَ بالبِّنَةِ على مَنْ قَتَلَ)) قالوا: ما لَنَا
بَيِّنَةٌ. قال: (فَيَحْلِفُونَ لكُمْ)) قالوا: لا نرضى بأيمانِ اليهودِ، فكره رسولُ
الله:﴿ أن يُطَلَّ دَمُهُ، فوداه بمئةٍ من إبل الصدقةِ(١).
قال أبو جعفر: ففي هذا الحديثِ أن النبيَّ ﴿ إنما جعل الأَيْمانَ في
هذا المعنى على اليهود الموجودِ ذلك القتيلُ فيهم، لا على أولياء ذلك
(١) إسناده صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار)) ١٩٨/٣.
ورواه ابن أبي شيبة ٣٨٣/٩، والبخاري (٦٨٩٨)، ومسلم (١٦٦٩) (٥)، وأبو
داود (٤٥٢٣)، والنسائي ١٢/٨، والطبراني (٥٦٢٩)، والدار قطني ١١٠/٣،
والبيهقي ١٢٠/٨ عن طريق أبي نعيم، به.
-٢٢٩ -
كتاب القضاء والأحكام والحدود
القتيل، وقد شَدَّ ذلك حديثُ أبي سلمة وسليمان على ما رويناه مِن
قضاء عمر على الحارث بن الأزمع وقومه، وهذا عندنا مما لا يسع
خلافُه.
٤٤٤- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله في القسامّةِ التي
قَضى بها على اليهودِ، وجَعَلَ الديةَ عليهم هل تكون كذلك
الأحكام فيمن بَعْدَهُمْ تكونُ الدية على ساكني الموضع الموجود
فيه ذلك القتيل، وإن لم يكونوا یَمْلِکونَه أو علی مالکیه؟
قال أبو جعفر: قد روينا في حديث سهلٍ أن النبيَّ ◌َ# قال
للأنصار: ((إِما أُن یَدُوا صاحِبَكُم، وإن يُؤذِنوا بحربٍ)).
وفي حديثٍ أبي سَلَمَة وسليمان أن النبيَّ مَهْ جَعَلَ ديةً ذلك
القتيل على اليهود، وخيبر فإنما كانت للمسلمين، وكانت اليهودُ
عُمَّالَهم فيها.
قال أبو يوسف: فهكذا أقولُ، إذا كانت دارٌ لها سُكان لا
يملكونها، ولها مالكون بعدوا عنها، فالقَسَامَةُ والدِّية على ساكنها، لا
على مالكيها الذين لا يَسْكُنونَها. وقد خالفه في ذلك أبو حنيفة ومحمدُ
بنُ الحسن، وكثيرٌ مِن أهلِ العلم سواهما، فجعلوا القَسامة والدية في
ذلك على المالكين، لا على السكان الذين لا يملكون ذلك الموضع.
وتأملنا ما قاله أبو يوسف في ذلك فوجدناه قد أوهم فيه، لأن في
حديث بشر بن المفضل أنها كانت -يعني خيبر- يومئذ صُلحاً، وقد
شَدَّ ذلك حديثُ مالك، عن أبي ليلى، عن سهل الذي قال فيه رسولُ
- ٢٣٠ -
كتاب القضاء والأحكام والحدود
اللهَ﴿: ((إما أن يَدُوا صاَحِبَكم، وإما أن يُؤْذِنوا بحرب))، وذلك لا
يكونُ إلا على موضعٍ هُوَ لهم، وقد وافق بشرَ بن المفضل على ما روي
في خيبر أنها كانت صلحاً يومئذ عن يحيى بن سعيد سليمانُ بن بلال
٣٣١٧- كما قد حَدَّثْنَا محمدُ بنُ خُزيمة، قال: حَدَّثَنَا القعنِيُّ،
قال: حَدَّثَنَا سليمانُ بنُ بلال، عن يحيى بن سعيد، [عن بُشير بن يسار]
أن عبد الله بن سَهل ومُحَيِّصةَ خرجا إلى خيبر في زمنِ رسولِ الله ◌َ*
وهي يومئذٍ صُلْحٌّ وأهلُها يهود، فتفرقا لِحاجتهما، فقتل عبدُ الله بنُ
سهل، فوجد في شَرَبَةٍ مقتولاً، فدفنه صاحبُه، ثم أقبل إلى المدينة،
فمشى أخو المقتول عبدُ الرحمن بن سهل وحُويِّصةُ ومُحَيِّصةُ، فذكروا
لِرسول الله ﴾ شأنَ عبدِ الله بن سهل وكيف قُتِل، فزعم بُشَيْرُ بنُ يسار
وهو يُحَدِّثُ عمن أدرك أصحاب النبيِ ﴿ أنه قال لهم: «تحلِفُونَ خمسين
يميناً وتَسْتَحِقُّونَ قتيلَكم أو صاحِبَكم؟)) قالوا: يا رسولَ الله ما شَهِدْنا
ولا حَضَرْنا، قال: ((أَفْتُبْرِتُكم اليهودُ بخمسين يميناً؟)) قالوا: يا رسولَ الله
وكيف نقبَلُ أيمانَ قومٍ كفَّارٍ؟ فزعم بشيرٌ أن رسولَ الله ◌ُ﴿ٌ عَقَلَهُ(١).
قال أبو جعفر: فَعَقَلنا بحديثِ بشرٍ وسليمان إيهامَ أبي يوسف في
هذا الحديثِ في الأمر الذي كانت عليه خيبرُ لما وُجدَ فيها ذلك القتيلُ،
وأنها لم تكن للمسلمين، وإنما كانت لليهود، والله أعلمُ.
(١) إسناده صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار)) ١٩٩/٣ بإسناده ومتنه.
ورواه مسلم (١٦٦٩) (٣) عن القعني، به. الشرّية، بفتح الراء : هي حوضٌ
يكون في أصل النخلة وحولها يملأ ماء لِتشربه، وجمعه شَرَب، كثمرة ونمر.
- ٢٣١ -
كتاب القضاء والأحكام والحدود
٤٤٥- بابُ بیانِ مُشْكِل الواجب بالقَسامةِ ھل یکونُ فیه سفكُ
دم من یُقسم عليه کما قاله مالك، أو غرم دیته کما قال
مخالفوه
قال قائل: في حديث يحيى بن سعيد عن بشر بنِ سهل أن رسولَ
الله ﴿ قال للأنصار: ((أَتَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَميناً، وتَستَحِقُونَ دَمَ قاتِلِكم
أو صَاحِبِكم؟)) قالوا: فهذا يَدُلُّ على أن الدمَ يستحقُّ بالقَسامة، وكان
مِن حجة مخالفيهم عليهم في ذلك أنَّ هذا الحديثَ إنما رُوِيَ بالشك،
وهو ما فيه مِن قوله {#1: ((وتستحقُّونَ قَاتِلَكم حتى تقتلوه، أو
صاحِبكم))، كما فيه: ((فما يستحقّونه فيه على قاتلهم هو القودُ، وما
فيه مما يستحقون في صاحبهم هو الديةُ))، والله أعلم كيف كان الذي
قاله رسول الله # في ذلك غير أن في حديث مالك، عن أبي ليلى، عن
سهلٍ أن رسولَ اللهِّ قال: ((إِمَّا أن يَدُوا صَاحِبَكُم وإمَّا أن يُؤْذِنُوا
بحربٍ))، فكان هذا الحديث على ذكر أن يَدُوا صَاحِبَكم لا على ما
سوى ذلك، والواجبُ في الحديث الأول الذي وقع فيه الشكُّ أن يُرد
إلى هذا الحديثِ الذي لا يُشَكُّ فيه، والله الموفق.
- ٢٣٢ -
كتاب القضاء والأحكام والحدود
٤٤٦- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِي في الدِّیة التي ودي بها
الأنصاري، هل کانت من عند رسول الله ، أو من إبل
الصدقة، أو من عند الیھود؟
قال أبو جعفر: قد روينا في حديث أبي سلمة وسليمان عن
رجالٍ من الأنصار أنَّ النبيَّ ﴿ جعل دِيتَه على يهود، لأنه وجد بين
أظهرهم. ففي هذا الحديثِ قضى رسولُ الله :﴿ بها على يهود، وفي
حديث سهل بن أبي حَثْمَةَ من غير حديث سعيد بن عبيد أنَّ رسولَ
الله ﴿ٌ غَرِمَها مِنْ عنده، فيحتمِلُ أن يكونَ غَرِمَها من عنده، وقد
جعلها واجبةً على غيره، فَغَرِمَها من حيثُ لا يجبُ عليه غُرْمُها، ولم
يدفع ذلك أن يكونَ قد تقدَّمَ قضاؤه بها على من قضى بها عليه، وفي
حديث سعيدِ بنِ عُبيد أن النبيَّ :﴿ وَدَى ذلك القتيلَ بها من إبلِ
الصدقة، فيحتمل أن يكونَ قولُ من قال: وداه مِن عنده، أي: مما يَدُلُّ
عليه، وإن لم يكن مالكاً له، حتى لا تَتَضّادَّ هذه الأحاديثُ وحديثُ
سهل، ويحتمل أن يكونَ أداؤه لذلك مِن إبل الصدقة، لا غرماً عن
اليود، لأنهم ليسوا من أهلِ الصدقة، ولكن كي لا تَبْطُلَ ديةُ ذلك
القتيل، ويُطَلَّ دمه، فدع ذلك من إبل الصدقة لهذا المعنى، لا أنه دفع
عن اليهود شيئاً يُسْقط عنهم ما كان قَضَى به عليهم، وفي ذلك ما قد
دَلَّ على أن مَن غَرَمَ عن رجلٍ ديناً كان عليه لمن هُوَ له أنه لم يملك
الذي كان عليه الدين شيئاً مما غرمه عنه، وهكذا كان محمدُ بنُ الحسن
يقوله في هذا، حتى قال في رجل تزوج امرأة على مئة درهم فأدى إليها
-٢٣٣-
كتاب القضاء والأحكام والحدود
رجل عنه تلك المئة، ثم طلّقها زوجها قبل أن يدخل بها: إن نِصْفَ
الصَّداقِ الواجب عليها ردُّه يجب عليها رَدُّه الي أدَّى إليها المئة لا إلى
زوجها، ولم يَحْكِ محمد في ذلك خلافاً بينَه وبَيْنَ أحدٍ من أصحابه،
وقد قال قائل: إنها تَرُدُّها على الزوج، والقول عندنا في ذلك القولُ
الأول، لأنَّ الدراهم إنما خرجت في البدءِ من مِلْكِ مؤديها إلى مِلك
المرأة، لا إلى ملك الزوج، وهذا عندنا أيضاً يدلُّ على خِلافٍ ما قاله
مالك بن أنس فيمن أدى عن رجلٍ ديناً عليه بغير أمره إلى مَنْ هُوَ أنه
يَرْجِع بذلك الدين على الذي كان عليه، لأنَّه قد ملكه بأدائهِ إِيَّاه عنه،
وقد عَلِمْنا أنَّ رسولَ الله ﴿ ما دَفَعَ من إبلِ الصَّدَقِةِ ما دفع لِيرجع إليه
مثله، وقد ذكرنا أيضاً مِن الحجة على هذا القول فيما تَقَدَّمَ منا في
كتابنا هذا ما رويناه عن رسول الله ﴿ أنّه كان لا يُصلي على مَنْ تَرَكَ
عليه ديناً لم يترك له وفاءً، وإن أبا قتادة لما ضَمِنَ ذلك عن المُتَوفَّى الذي
لم يُصَلِّ عليه رسولُ الله ﴿ّ للدَّيْنِ الذي عليه، ولم يترك له وَفَاءَ ذلك
الذي عَلَيْهِ، صَلَّى عَلَيْهِ.
فَعَقَلْنَا بذلك أن مؤدِّيَ الدينِ لو كان يَرْجِعُ إليه بأدائه أَيَّاه عنه،
فيكون له أخذُ مَنْ هُوَ عليه به، لكان دين ذلك الميت قد عاد إلى أبي
قتادة، ولم يَيْرَأُ من الدَّيْنِ ولم يُصَلِّ عليه رسولُ اللهِلَ﴿، وفي صلاِه عليه
ما قد دَلَّ أن الدينَ لم يَرْجِعْ إلى أبي قتادة، ولم يَمْلِكْهُ، وفي هذا بيانٌ لما
وصفنا، وإيضاحٌ للحُكم كان عندَ رسولِ الله / في هذا الباب، ثم
وجدنا في هذا المعنى حديثاً آخر فيه غيرُ ما في هذه الآثار التي ذكرنا في
هذا الباب وهو:
- ٢٣٤ -
كتاب القضاء والأحكام والحدود
٣٣١٨- ما قد حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ شعيب، أخبرنا محمدُ بنُ معمر
الْبَحْرَانِيُّ، حَدَّثْنَا روحُ بنُ عبادة، حَدَّثَنَا عبيدُ الله بنُ الأخنس، عن
عمرو بنِ شُعيب، عن أبيه، عن جَدِّهِ أن ابنَ مُحْيِّصَة الأصغر أصبحَ
قتيلاً على أبوابِ خيبر، فقال رسولُ الله ﴿: «أقِمْ شاهدَيْنِ على من
قَتله، أدْفَعْهُ إليك بِرُمَّتِهِ»، فقال: يا رسولَ الله، ومن أين أُصيبُ
شاهدين، وإنما أصبح قتيلاً على أبوابهم، قال: ((فَتَحْلِفُ خمسين
قسامة؟)) قال: يا رسول الله، وكيف أحْلِفُ على ما لا أعلمُ؟ فقَالَ
رسولُ اللهِ﴿: (فَسْتَحْلِفُ منهم خمسين قَسَامةً؟)) فقال: يا رسول الله
كيف نستحْلِفُهُمْ وهم كُفارٌ، أو وهو مشركون؟ فقسم النبيُّ ديتَه
عليهم، وأعانهم ببعضها.
ففي هذا الحديث أنَّ رسولَ الله/* قسم ديته على اليهود بغير
حلف كان في تلك الدعوى عليهم، وفي ذلك ما قد دل على أن الديةً
لزمتهم بوجودِ القتيل بَيْنَ ظهرانيهِم، وفيه عن رسولِ اللهِمُ﴿ عونه
إِيّاهم بنصفِ دية القتيلِ، فذلك عندنا - والله أعلم - على أن ذلك كان
منه غرماً عن الأنصار لا عن اليهود، ولأن الذي غرمه في ذلك إنما
كان من الأموال التي لا تحل لليهود، وبالله التوفيق.
- ٢٣٥ -
كتاب القضاء والأحكام والحدود
٤٤٧- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴾ في اكتتابه
على كُلِّ بطنِ عُقُولَه
٣٣١٩- حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ سِنان، حَدَّثْنَا أبو عاصمٍ، عن ابنِ
جُريج، عن أبي الزُّبير، عن جابرٍ، قال: كتبَ النِيُّ ◌َ﴿ على كُلِّ بَطْنٍ
عُقُولَه، وقال: (لا يتولَّى مَولَى قومٍ إلاَّ بإذْنِهِمْ)) قال: ووجدت في
صحيفته: ((وَلَعَنَ)(١).
قال أبو جعفر: فتأملنا هذا الحديثَ، فوجدنا فيه كتاب النبي عليه
السَّلامُ عُقولَ جناياتِ كُلِّ بَطْنِ على ذلك البطن، فمعقولٌ أن فيه من
قرابته من الجاني خلاف قرابة غيره من أهلِ ذلك البطنِ من البعد منه،
ومن القرب، فكتبها رسولُ اللهِ وَ﴿ على جميع بطنه الذين هذه صفتهم،
ولم يقْصِدْ في ذلك إلى أقربهم منه دونَ أبعدهم منه، بل قصد بذلك إلى
البطنِ الذي هو منه، فجعلَ عقولَ جناياتِ أهلِه على ذلك البطنِ.
وفيما ذكرنا مِن ذلك ما قد دَلَّ على أنّه لا يَجبُ أن يقصدَ في
(١) صحيح، ابن جريج وأبو الزبير قد صرحا بالتحديث عند مسلم وغيره.
ورواه النسائي ٥٢/٨، والبيهقي ١٠٧/٨ من طريق أبي عاصم، به.
ورواه عبد الرزاق (١٦١٥٤)، ومن طريقه أحمد ٣٢١/٣، ومسلم (١٥٠٧)،
والبيهقي ١٠٧/٨- ١٠٨، ورواه أحمد ٣٢١/٣، وأبو يعلى (٢٢٢٨) من طريق روح
بن عبادة، كلاهما عن ابن جريج، به.
ورواه أحمد ٣٤٢/٣ و٣٤٩ من طريق ابن لهيعة، عن أبي الزبير، قال: سألت
جابراً عن الرجل يتولى مولى الرجل بغير إذنه، فقال ... فذكره.
- ٢٣٦-
كتاب القضاء والأحكام والحدود
ذلك بالعقلِ للجنايةِ من الجني إلى أحدٍ من البطن الذي هو منه دونَ
أحدٍ من بطنه ذلك، وهذا يَدُلُّ على ما كان فقهاءُ الأمصارِ أهلُ الكوفة
وأهلُ المدينة يذهبون إليه في تحميلهم أروشَ عواقِلِ الجناةِ الذين تجمعُهم
وإِيَّهم البطنُ الذي هُمْ منه إلاّ أن يَعْجِزُوا عن ذلك، فيضمَّ إليهم أقربُ
البطون إليهم فيه حتى يعقَلوا الواجبَ في تلك الجنايةِ.
وعلى خلاف ما قاله غيرُهم، منهم الشافعي: أن معرفةَ العاقلةِ أن
يُنظر إلى أخوةِ الجاني لأبيه، فيحملون أرشَ جنايته، فإن لم يحمِلوها
رفعت إلى بني جدِّه، فإن لم يحتمِلُوها، رُفِعَتْ إلى بني جدٌّ أبيه، ثم هكذا
يرتفعُ إلى ابنِ أبٍ حين يعجز من هو أقرب منه عما تَحمَّلَ عن الجناني
من ذلك، لأن هؤلاء جميعاً وإن تباينوا في القَرابَةِ مِن الجاني بالقُرب
والبُعد، فهم من أهل البَطْنِ الذي هو منه، وإنما كَتَبَ النبيُّ :﴿ عَقَلَ كُلِّ
بطن على ذلك البظن، ولم يكتُبْهُ على أقربِ ذلك البطنِ إلى الجبائي
دونَ من سواهم من أهلِ ذلك البطنِ ممن هو أبعدُ منهم.
وقد رُوِيّ عن عمر بنِ الخطاب - رضي الله عنه- ما يدلُّ على
هذا المعنى أيضاً.
٣٣٢٠- كما حَدَّثَنَا محمدُ بنُ علي بن داود، حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ
سليمان الواسطيُّ، حَدَّثْنَا يحيى بنُ زكريا بن أبي زائدة، حَدَّثْنَا سعد بنُ
طارق، عن نُعَيْم بن أبي هندٍ، عن سلمة بنِ نُعيمٍ، قال: شهدتُ مع
خالد بنِ الوليد يومَ اليمامةِ، فلما شَدَدْنا على القومِ، جرحتُ رجلاً
منهم، فلما وَقَعَ، قال: اللَّهُمَّ على مِلتك ومِلَّةِ رسولك، وإني بريءٌ مما
عليه مُسيلمة، فعقدتُ في رجله خيطاً، ومضيتُ معَ القومِ، فلما رجعت
-٢٣٧-
كتاب القضاء والأحكام والحدود
ناديتُ: من يعرف هذا الرجلَ؟ فمرَّ بي أُناسٌ من أهلِ اليمنِ، فقالوا:
هذا رجلٌ من أهلِ اليمنِ من المسلمين، فرجعتُ إلى المدينةِ زَمَنَ عمر،
فحدثتُه هذا الحديثِ. فقال: قد أحسنتَ، اذْهَبْ، فإنَّ عليك وعلى
قومك الدِّيَةَ وعليك تحريرُ رقبة مؤمنة.
أُوَلا تَرى أن عُمَر في هذا الحديثِ قد قال لِسَلَمَةَ بنِ نُعيم: عليك
وعلى قومك الدِّيَّةُ؟ ولم يقل: على أقربِ قومك إليك ممن هو عصبتك
الدية.
وقد ذكر الشافعيُّ فيما حكاه لنا المزنيُّ في (مختصره)) قوله: إنَّ
عُمَرَ بَعَثَ إلى امرأةٍ، فَفَزِعَتْ، وأجْهَضَتْ ذا بطنِها، فاستشارَ عُمَرُ في
ذلك عليّاً -رضي الله عنه- فقالَ: عَلَيْكَ دِيْتُهُ. فقال: عزمتُ عليك أن
تقومَ حتى تَقْسِمَها على قومِكَ. وقومُ عليّ بنو هاشم، وقومُ عمر بنو
عدي.
فدلَّ ذلك أنه أراد بتحميل الواجب في ذلك من كان من بني
عَدِيٌّ، وممن سِواهُم، وفي ذلك ما قد دَلَّ على ما ذكرنا.
-٢٣٨-
كتاب القضاء والأحكام والحدود
٤٤٨- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله مما كانَ منه
في الذي طُعِنَتْ رِجْلُهُ بِقَرْنِ، فسأل القودَ فأقاده، فَشَلَّتْ رجلُ
المقتص، وبرأت رجلُ المقتصّ منه
٣٣٢٠ - حَدَّثْنَا يونسُ، حَدَّثْنَا سفيانُ، عن عمرو بنِ دينار، عن
محمد بن طلحة بن يزيد بن رُكانة، قال: طَعَنَ رَجُلٌ آخرَ بقرنٍ في
زِحامٍ، فأتى النبيَّ ﴿، فقال: أقِدْنِي. فقال: ((انْتَظِرْ)، ثم أتاه الثانيةَ، أو
ما شاءَ الله عز وجل، فقال: أقِدْني. فاقاده، فبرأ الآخرُ، وشَلَّتْ رِجْلُ
الأوَّلِ، فجاء إلى النبيِّ :﴿، فقال أقِدْنِي مَرَّةً أُخرى، فقال: ((لَيْسَ لكَ
شيءٌ، قلت لك: انتظِرْ، فأبيتَ)(١)، هكذا حدثناه يونسُ إملاءً في سنةٍ
خمسٍ وخمسين، وقد كان المزنيُّ حدثناه قبلَ ذلك في سنةٍ ثلاثٍ
وخمسين عن الشافعيِّ، عن سفيانَ بغيرِ شكُّ فيه، وذكر عن النبيِّ ◌َ﴿
قوله للرجل: (انتظِرْ) ثلاثَ مرات، ومِن أخذه له بالقودِ لما سأله إيّاه في
المرة الرابعة، وإنما حملنا على أن أتينا بهذا الحديث في كتابنا مع
انقطاعِه، لأن عثمانَ بنَ أبي شيبة قد كان حدَّث به عن ابنِ عُلية، عن
(١) رجاله ثقات إلا أنه منقطع. ورواه أبو داود في («المراسيل» (٢٥٣)، والبيهقي
٦٦/٨-٦٧ من طرق، عن سفيان، به.
ورواه عبد الرزاق (١٧٩٨٧) من طريق أيوب السختياني، وأبو داود في
((المراسيل)) (٢٥٢) من طريق أبان بن يزيد العطار و(٢٥٤) من طريق حماد بن زيد،
ثلاثتهم عن عمرو بن دینار، به.
-٢٣٩ -
كتاب القضاء والأحكام والحدود
أيوب، عن عمرو، عن جابر بن عبد الله (١)، وذكر لي ذلك غيرُ واحد،
عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن أبيه.
وقد روى ابنُ جريج هذا الحديثَ عن عمرو بن دينار كما رواه
ابن عيينة عنه، وذكر فيه أن ينتظر حتى يبرأ من الجناية عليه.
٣٣٢١- كما حَدَّثْنَا يونسُ، حَدَّثْنَا ابنُ وهبٍ، قال: سمعتُ ابنَ
(١) وقع في الأصل (المخطوط) مكان ((جابر بن عبد الله)) ((محمد بن طلحة))
والتصويب من ((المعتصر)) ١١٩/٢ ومن مصادر التخريج، فقد رواه أبو بكر بن أبي
شيبة في (المصنف)) ٣٦٩/٩، ومن طريقه الدارقطني ٨٩/٣، والبيهقي ٦٦/٨، وقرن
الدارقطني بأبي بكر أخاه عثمان، ورواه البيهقي ٦٦/٨ من طريق عثمان وحده،
كلاهما (أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة) عن إسماعيل ابن علية، عن أيوب، عن عمرو
بن دینار، عن جابر.
ورواه الطبراني في «الصغير)) (٣٧٧)، والدارقطني ٨٨/٣، والبيهقي ٦٧/٨،
والحازمي ص١٩١، من طريق أبي الزبير، عن جابر، بنحوه.
وقد أعل حديث جابر هذا بالإرسال، ورجح بعضهم المرسل، قال أبو داود في
(المراسيل)) ص ٢١٠: وأسنده ابن علية، عن أيوب، عن عمرو، عن جابر، ووهم فيه،
والأول أصح، وقال ابن أبي حاتم في («العلل)) ٤٦٣/١: ورواه حماد بن سلمة، عن
عمرو بن دينار، عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة أن رجلاً طعن رجلاً فأتى
النبي *... ، فسمعت أبا زرعة يقول: حديث حماد بن سلمة أشبه. وقال الدارقطني:
أخطأ فيه ابنا أبي شيبة، وخالفهما أحمد بن حنبل وغيره، عن ابن علية، عن أيوب،
عن عمرو مرسلاً، وكذلك قال أصحاب عمرو بن دينار، عنه، وهو المحفوظ مرسلاً.
وتعقبه ابن التركماني بقوله: ابنا أبي شيبة إمامان حافظان، وقد زادا الرفع، فوجب
قبوله على ما عرفه. وانظر ((نصب الراية) ٣٧٧/٤-٣٧٨.
- ٢٤٠ -