النص المفهرس

صفحات 201-220

كتاب القضاء والأحكام والحدود
اللَّبون، فوجب بذلك أن يكون الواجبُ من ذلك، هو المُجْتَمَعَ على
وجوب مقداره، لا المختلف في وجوب مقداره، لأن الأموالَ محظورةٌ
حتى يُعلَمَ الوجوباتُ فيها، وفيما ذكرنا ما قد دَلَّ أن الديةَ الواجبة في
الخطإ عشرون حِقّةً، وعشرون جَذَعَة، وعشرون ابنة مخاضٍ، وعشرون
ابن لَبُونٍ، وعشرون بنو مخاضٍ، وأن الدية الواجبة في شِبْهِ العَمْد هي
ثلاثون حِقّة، وثلاثون حَذَعة، وأربعون ما بين ثَنِيَّةٍ إلى بازل خلافاً
كلها، وهكذا كان محمدُ بن الحسن يذهب في هذين الديتين جميعاً،
ويخالف أبا حنيفة وأبا يوسف فيما كانا يذهبان إليه في الدية في شبْهِ
العَمْد أنها أرباعٌ: خمس وعشرون حِقّْة، وخمس وعشرون جَذَعَة،
وخمس وعشرون ابنة مخاض، وخمس وعشرون ابنة لَبُون، والله نسألُه
التوفيق.
- ٢٠١ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
٤٤١- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴿ في الغُرَّة
التي قضى بها في الجنين، وما مقدارها من الدِّیّةِ
٣٢٩١- حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ أحمد بن مروان الواسطي، حَدَّثْنَا
محمدُ بنُ خالد بنِ عبد الله الواسطيُّ، حَدَّثْنَا أبي، عن سعيد - يعني ابن
أب عَروبة-، عن قتادة، عن أبي المليح، عن حمل بنِ مالك بنِ النابغة،
قال: كانت له امرأتان مُليكةُ وأمّ عفيف، فرجمت إحداهما الأخرى
بحجرِ، فأصابت قُبُلَها وهي حامِلٌ، فالقت جنيناً وماتت، فَرُفعَ ذلك إلى
رسول الله:﴿، فقضى رسولُ الله:﴿ بالدية على عاقلةِ القاتلة، وقضى
في الجنين غُرة عبدٍ أو أمةٍ أو مئة من الشاء، أو عشرٍ من الإبل، فقام
أبوها أو رجلٌ من عصبتها، فقال: يا رسول الله ما شرب ولا أكَلَ، ولا
صاحَ ولا استهلَّ، ومثلُ ذلك دَمُهُ يُطَلُّ، فقال رسولُ اللهِلَه(لَسْنَا مِن
أساجيعِ الجاهِليَّةِ في شيء))(١).
(١) محمد بن خالد بن عبد الله الواسطي ضعيف، لكنه توبع.
ورواه الطبراني (٣٤٨٥) عن معاذ بن المثنى، عن مسدد، عن يزيد بن زريع، عن
سعید بن أبي عروبة، به. وفيه: عشرین من الإبل بدل ((عشر)).
ورواه بنحو مختصراً الطبراني (٣٤٨٤) عن عباد بن منصور، عن أبي المليح
الهذلي، عن حمل بن مالك ابن التابغة.
ورواه أيضاً بنحوه مختصراً الطبراني (٣٤٨٤) عن محمد بن عبد الله الحضرمي، عن
محمد بن عمران بن أبي ليلى، عن أبيه، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مجاهد، عن
حمل بن مالك الهذلي.
وفي الباب عن أبي هريرة عند البخاري (٥٧٥٨)، ومسلم (١٦٨١)، والمغيرة بن
-٢٠٢ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
فتأملنا هذا الحديثَ بعدَ وقوفنا على إجماع أهل العلم في مقدارٍ
الغُرَّةِ الواجبَةِ في الجنين من الدِّية أنه نصفُ عشرها، فوجدنا فيه ذكر
رسولِ الله ﴿ الغرة أنها عبدٌ أو أمةٌ، فكان في ذلك إعلامُ الناس بالغُرَّةِ
ما هي، ثم اتبع ذلك بقوله: أو مئة من الشاء، فلم يكن ذلك من الغُرة
في شيءٍ، ولكنه الجزءُ الذي هو مقدارُ الغُرَّةِ من الدية من الشاء ما هو،
لأن الديةَ من الشاء في قولٍ من يجعل الشاء صنفاً من أصناف الديات
ألفا شاة، فالمئة منها نصفُ عشرها، وممن كان يجعل الدية من الشاء
هذا المقدارَ أبو يوسف ومحمد بن الحسن، فأما أبو حنيفة، فلم يكن
يجعل الديةَ إلا في الإبل، وفي الدراهم وفي الدنانير خاصة، وأما مالك،
فكان يجعلها في الإبل، وفي الدنانير، وفي الدراهم، وأما الشافعي، فكان
يجعلُها في الإِبل خاصة دونَ ما سواها. وكان ما رُوِيَ عن رسول الله
* في ذلك أولى، ولم يكن ما كان من رسول الله ﴾ في قصده بالدية
لِقتيل الأنصار إلى مئةٍ من الإبل، ولا بقوله في قتيل خطأ العمد فيه مئة
من الإبل، فدافع أن تكون الديةُ أصنافاً غير الإبل، ثم قال في هذا
الحديث: أو عشر من الإبل، فكان هذا عندنا وهماً في النقل لخروجه
عن أقوال العلماء جميعاً، ولتلقيهم إيّاه بالخلاف له، وكان هذا الحديث
إنما دارَ على ابي المليح، فممن رواه عنه قتادة كما ذكرنا، وقد رواه
عنه أيوب السختياني
شعبة عند مسلم (١٦٨٢).
-٢٠٣ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
٣٢٩٢ - كما حَدَّثَنَا الربيعُ بنُ سليمان المراديُ، قال: حَدَّثَنَا أُسدُ
بنُ موسى، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ بنُ عُبينة، عن أيوب السختياني، قال:
سمعتُ أبا المليح الهذلي ابن أسامة، وكان قد صَحِبَ النبي/# -هكذا
حدثناه الربيع في مسند أسد في نوع ترجم بمسند أسامة الهذلي، فعقلنا
بذلك أن مكان ((ابن أسامة)) ((عن أسامة)) لا سيما وقد قال فيه: وقد
كان صَحِبَ البِيَّ :﴿، وأبو المليح فلم يصحب النبي {﴿ٌ، ولا عَلِمْناهُ
رآه، والذي صحب النبي ﴿ هو أبوه، وهو أسامةُ بن عُمير-، قال:
كان فينا امرأتان، فضربت إحداهما الأخرى بعمودٍ، فقتلتها، وقَتَلَتْ ما
في بطنها، فقضى النبيُّ في الجنين بغرةٍ: عبدٍ أو أمةٍ أو بفرس، أو
عشرٍ من الإبل، أو كذا وكذا من الغنم، فقال رجل من رهط القاتلة:
كيف نعقِلُ يا رسولَ الله من لا أكَلَ ولا شَرِبَ ولا صاحَ، ولا استهلَّ،
فمثلُ ذلك يُطَرُّ؟ فقال النبيُّ :﴿: ((أسجَّاعةٌ أنت؟) فقضى رسولُ اللهَ﴿ّ
أن ميراثَ المقتولة لزوجها ولولدها، وأن العقل على عصبة القاتلة (١).
فكان في هذا الحديث زيادةٌ من أيوب على قتادة ذكر ((الفرس))،
(١) صحيح دون قوله: أو يفرس، فإنها شاذة.
ورواه الطبراني (٥١٣) عن المقدام بن داود المصري، عن أسد بن موسى، به.
وجاء فيه على الصواب: سمعت أبا المليح عن أبيه، ووقع عنده (بعيرين)) بدل ((عشر)).
وأخرجه بنحوه ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني)) (١٠٦٧)، وفي ((الديات))
ص٧٥ عن محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني ويعقوب بن حميد بن كاسب المدني،
عن ابن عيينة، به. دون قوله: ((أو بفرس، أو عشر من الإبل، أو كذا وكذا من
الغنم))، ولم یذکر في حديثه: ((ولولدها)).
- ٢٠٤ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
وكان فيه: ((أو عشر من الإبل)) كما في حديث قتادة، وكان ذلك
عندنا من حديث أيوب، كما هو من حديث قتادة في الوهم في العدد
الذي ذكر فيهما من الإبل، لأنه لا اختلاف بين أهل العلم في مقدارٍ
الدِّية من الإِبل أنه مئةٌ من الإبل ونصف العشر منها إنما هو خمسٌ من
الإبل لا عشرُ من الإبل، وممن رواه عنه أيضاً سلمةُ بنُ تمام وهو أبو
عبد الله الشَّقرِي
٣٢٩٣- كما حَدَّثَنَا فهد، حَدَّثَنَا عثمان بن سعيد بن مرة
القرشي، حَدَّثْنَا المنهالُ بنُ خليفة، عن سلمة بن تمام، عن أبي المليح،
عن أبيه، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ:﴿ يُخاصم امرأةً، فقال: إني
تزوجتُ هذه المرأة، وإن ضرتها ضَرَبَتْ بطنها، فألقت جنيناً ميتاً، فقال
رسول اللّهُ﴾: ((دُوْهُ))، وكان معها أخ لها يقالُ له: عمرانُ بن عويمر،
فقال: يا رسول الله أنَّدِي مَنْ لا أكلَ ولا شَرِبَ ولا صَاحَ ولا استهلَّ
ومِثْلُهُ يُطلُّ؟ فقال عليه السَّلامُ: ((دعني من أراجيز البادية أو أراجير
الأعراب، فيه غُرَّةٌ: عبدٌ أو أمة، أو خمس مئة درهم، أو فرس، أو
عشرون ومئة شاق)، قال: يا رسول الله، والذي بعثكَ بالحقِّ ما
أصبحتُ أملِكُ ديناراً ولا درهماً ولا شيئاً. فقال رسولُ اللهِ﴿ لأخيها
-وكان يومئذ على صدقات هذيل -: ((اقبض من تحتٍ يدك عشرين
ومئة شاق) ففعل(١).
(١) إسناده ضعيف لضعف المنهال بن خليفة.
ورواه الطبراني (٥١٤) عن علي بن عبد العزيز، عن عثمان بن سعيد المري، به،
- ٢٠٥-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
وكان في هذا الحديث في الغُرة أنها عبدٌ أو أمة، أو فرس، وكان
فيه أيضاً: أو خمس مئة درهم. ففي ذلك ما قد دلَّ على أن الدراهم
جنسٌ من أجناس الدية، وأن مقدارَها منها عشرةُ آلاف درهم كما
يقول الكوفيون في ذلك بخلاف ما يقول الحجازيون فيه، لأن الكوفيين
يجعلون مقدارَ الدِّية مِنَ الدراهم عشرة آلاف، والحجازيون يجعلونها
منها اثني عشر ألف درهم، ولهم في ذلك مما قد روي موافقاً لما قالوه
فیه
٣٢٩٤- ما قد حَدَّثْنَا محمد بنُ خُزيمة، حَدَّثَنَا محمد بن سِنان
العَوَقي، حَدَّثْنَا محمد بن مسلم الطائفي، عن عمرو بن دينار، عن
عكرمة، عن ابنِ عباس رضي الله عنهما أن رسولَ الله :﴿ قضى بالدِّية
اثني عشر ألفاً، وفي ذلك نزلت: ﴿وماَ نَقَمُوا إِلاَ أن أغْنَاهُمُ الله ورسولُهُ مِنْ
وفيه أن الذي قال له النبي #: ((اقبض من تحت يدك .. )) هو حمل بن مالك زوج
المرأتين وأبو الجنين المقتول، وليس أخا المرأة المقتولة.
ورواه ابن ابي عاصم في ((الديات)) ص٧٦، والبزار (١٥٢٣) من طريق عبيد الله
بن موسى، عن المنهال بن خليفة، به. ورواية البزار مختصرة جداً، وليس في رواية ابن
أبي عاصم قوله: ((خمس مئة درهم، أو فرس))، وفيها: أن الذي أمره النبي * بالقبض
من الصدقة هو حمل بن مالك.
وروى نحوه الطبراني (٥١٥) من طريق سلمة بن صالح، عن أبي بكر بن عبد الله،
عن أبي الملیح، عن أبيه.
-٢٠٦ -

كتاب القضاء والأحکام والحدود
فَصْلِهِ﴾ [التوبة: ٧٤] بأخذهم الدية(١).
فطعن طاعنٌ في هذا الحديث، فقال: قد رواه عن عمرو مَنْ هو
أحفظُ من محمد بن مسلم، وهو سفيانُ بنُ عيينة، فلم يذكر فيه ابنَ
عباس.
٣٢٩٥- وذكر ما قد حدثناه بحرُ بنُ نصر، حَدَّثَنَا يحيى بنُ
حسان، حَدَّثَنَا سفيانُ، عن عمرو، عن عكرمة بهذا الحديث(٢)، ولم
(١) إسناده ضعيف، محمد بن مسلم الطائفي في حفظه شيء، وقد رواه مرسلاً
من هو أثبت منه في عمرو بن دينار وهو سفيان بن عيينة كما سيأتي، وهو الصواب،
وقد صوب إرساله الترمذي وأبو حاتم والنسائي.
وأخرجه ابن ماجه (٢٦٢٩)، والطبري في («تفسيره)) ١٨٧/١٠ من طريق محمد
بن سنان العوفي، به.
وأخرجه الدارمي ١٩٢/٢، وأبو داود (٤٥٤٦)، ابن ماجه (٢٦٢٩)، والترمذي
(١٣٨٨)، وابن أبي عاصم في ((الديات)) ص٦٨، والنسائي ٤٤/٨، وفي (الكبرى))
(٧٠٠٦) و(٧٠٠٧)، والدارقطني ١٣٠/٣، والبيهقي ٧٨/٨ من طريقين عن محمد
بن مسلم الطائفي، به.
وأخرجه مرسلاً ابن أبي حاتم في «العلل) ٤٦٣/١ من طريق بَسَرَةَ بن صفوان،
عن محمد بن مسلم الطائفي، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن النبي ﴾.
(٢) رجاله ثقات، وأخرجه عبد الرزاق (١٧٢٧٣)، وابن أبي شيبة ١٢٦/٩،
والترمذي (١٣٨٩) عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، والطبري في ((تفسيره))
(١٦٩٨٠) و(١٦٩٨٢) عن سفيان بن وكيع وعبد الله بن الزبير الحميدي، كلهم
عن سفيان بن عيينة، به. وزاد الطبري في حديثه: قال عمرو: لم أسمع هذا عن النبي *
إلا من عكرمة، يعني الدية اثني عشر ألفاً.
-٢٠٧-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
یذکر ابنَ عباس في هذا الحديث.
فکان من حجتنا لهم عليهم في ذلك أنّ ابن عيينة قد کان ربما
رَفَعَ هذا الحديثَ وذكر فيه ابنَ عباس، وربما لم يذكر ابن عباس فيه،
فممن رواه عنه بإثباته ابن عباس فيه محمدُ بنُ ميمون المكي الذي يقال
له: الخياط.
٣٢٩٦- كما حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ شعيب، قال: أخبرنا محمدُ بنُ
ميمون، أخبرنا سفيانُ، عن عمرٍو، عن عكرمة، سمعناه مرة يقولُ: عن
ابنَ عباس أنَّ النبيِ ﴿ قَضَى باثني عَشَرَ ألفاً - يعني في الدِّية -(١).
فعاد هذا الحديثُ مِن حديث سفيان ومحمد بن مسلم إلى ابنٍ
عباس رضي الله عنه، وكان في هذا الحديثِ من مقدارِ الدية من
الدراهم ما فيه، وهو اثنا عَشَرَ أُلفَ ردهمٍ.
وفي حديث أبي مليح ما قد دَلَّ على أنها عشرة آلاف، وهذا مما
لا يُدرَكُ بالاستنباط، ولا بالاستخراج، وإنما يقال فيه بالتوقف،
والعشرة آلاف قد تيقّنا وجوبَها ولم نَتَقْنْ وجوبَ ما جاوزها. فكان
أولى الأشياء بنا أن لا نقضيَ في الدِّية من الدراهم إلا بعشرة آلاف،
وفي هذا الحديث: أو مئة وعشرين من الشاء، وهذا مما لا نعلم أحداً من
العلماء ذهب إليه، وفي إجماعهم على خلافه ما قد دَلَّ على فسادِهِ،
وعلى أن أولى في ذلك ما في حديث قتادة مما تعودُ به الديةُ مِن الشاء
(١) رواه الدارقطني ١٣٠/٣ ومن طريقه البيهقي ٨٧/٨ عن أبي محمد بن صاعد،
عن محمد بن ميمون المكي، به.
-٢٠٨ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
إلى ألفي شاة غيرَ أن بعضَ الناسِ طَعَنَ في حديث سلمة بن تَمَّامِ هذا،
وذكر أن عبد الله بن المبارك جعله عن عبد الرحمن بن أبي مليح، عن
أبيه، وذكر فيه ذلك
٣٢٩٧- ما قد حَدَّثْنَا يحيى بنُ عثمان، حَدَّثْنَا نُعيم بنُ حماد،
حَدَّثَنَا ابنُ المبارك، أخبرنا المنهالُ بن خليفة، حدثني سلمة بن تمام، عن
عبد الرحمن بن أبي مليح الهذلي، عن أبيه، ولم يذكر بعدَ أبيه أحداً أن
النبيَّ :﴿ أُتي بامرأتين كانت عندَ رجلٍ من هُذيل يقال له: حَمَلُ بنُ
مالك، فضربت إحداهما بطنَ صاحبتِها بعمودٍ فُسطاط، فألقت جنيناً
ميتاً، فانطلق بهما إلى رسولِ الله/ ومعها أخ لها يقال له: عِمرانُ،
فقصَّ على النِّ مَ﴿، فقضى فيه بِغُرَّةٍ، فقال: أنَدِي من لا شَرِبَ ولا
أكل، ولا صاح ولا ستهل؟! فمثله يُطَلُّ. فقال النبيُّمَ﴿ٌ: «دَعْنِي من
أراجيزِ أهلِ البادية، أو من أراجيزِ الأعرابِ، فيه غُرَّةٌ: عبدٌ أو أمة،
أو خمس مئة درهم -ولم يذكر ما هي-، أو فرس، أو عشرون ومنة
شاق)، فقال يا رسول الله إن لها بنين هم سادة الحي أحق بعقلها مني،
فقال: ((أنت أحقُّ بالعقلِ عن أختك مِن ولدها))، فقال: ما لنا شيءٌ
نعقل ولا ندِي، فقال لحمل بن مالك وهو زوجُ المرأتين، وهو على
صدقات هُذيل: ((اقبض من تحت يدك مِن صدقات هُذيل عشرين
ومئة شاق))(١).
(١) إسناده ضعيف وهو منقطع. نعيم بن حماد والمنهال بن خليفة ضعيفان، وعبد
الرحمن بن أبي المليح: مجهول.
-٢٠٩-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
فعاد هذا الحديث عن سلمة بنِ تمام، عن عبد الرحمن بن أبي
المليح، عن أبيه، فعاد بذلك منقطعاً غير أنه قد يحتمل أن يكونَ سلمةٌ
بنُ تمام أخذه عن ابن أبي مليح كذلك، وحدث به أبو مليح عن أبيه
كما في حديث عثمان بن سعيد بن مُرة، وذلك أولى ما حمل عليه
لجلالة عثمان بن سعيد وإتقانه وحفظه، لا سيما وقد وافقه أيوب في
روايته هذا الحديث عن ابن أبي مليح، عن أبيه. والله أعلم بحقيقة الأمر
في ذلك، وإياه نسأله التوفيق.
- ٢١٠ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
٤٤٢- بابُ بیانِ مُشْکل ما رُوِي عن رسول الله ﴾ فیما اختلف
أهلُ العلم فيه في القتيلِ يُوجدُ بين ظهراني قومٍ ولا يعلّمُ مَنْ
قتله هل تجبُ بذلك دیته علیهم أم لا؟
٣٢٩٨- حَدَّثَنَا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، أخبرنا عبدُ الله بنُ وهبٍ،
أن مالكاً أخبره عن أبي ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن، عن سهل بنِ
أبي حَثْمَةَ أَنْه أخبره رجالٌ مِنْ كبارِ قومه أن عبدَ الله بنَ سهلٍ
ومُحَيِّصَةَ خرجا إلى خيبرَ مِن جَهْدٍ أصابهم، فأُتِيَ مُحَيِّصَةٌ، فأخْبر أن
عبدَ الله بنَ سهل قُتِلَ وأُلْقِيَ في قَلِيبٍ أو عين، فَأَتَّى يَهُودَ، فقال: أُنْتُم
واللهِ قتلتُموه، فقالوا: واللهِ ما قتلناه، فأقبلَ حتَّى قَدِمَ على قومه، فذكر
لهم ذلك، ثمَّ أقبلَ هُوَ وأخوه حُوَيَّصَةُ، وهو أكبرَ منه وعبدُ الرحمن بن
سهل، فذَهَبَ مُحَيِّصَةً لِيتكلم وهو الذي كان بخيبر، فقال رسولُ الله
﴿ لُحَيِّصَةَ: ((كَبّرْ كَبِّْ) يريدُ السنَّ، فتكلم حُوَيِّصَةُ قبلُ، ثم تكلم
مُحَيِّصَةُ، فقال رسولُ اللهِ﴿: ((إِمَّا أن يَدُوا صَاحِبَكُم، وإما أن يُؤْذِنُوا
بِحَرْبٍ) فكتب إليهم رسولُ اللهِ﴿ في ذلك، فكتبوا: إنما واللهِ ما
قتلناه، فقال رسولُ الله :﴿ لِحُوَيِّصَةَ ومُحَيِّصَةَ وعبدِ الرحمن: ((أَتَحْلِفُون
وتَستَحِقُونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟) قالوا: لا، قال: (أَفَتَحْلِفُ لكم اليهودُ؟))
قالوا: لَيْسُوا بِمُسلِمِينَ، فوداه رسولُ الله :﴿ مِن عنده، فبعث إليهم بمئةٍ
حتى أدخلت عليهم الدارَ(١).
(١) إسناده صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار)) ١٩٨/٣، وفي ((موطأ مالك))
-٢١١-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
قال أبو جعفر: ففي هذا الحديثِ أن رسولَ الله:﴿ قال للأنصار
لما ذكروا مِن وجودهم صاحبَهم قتيلاً بخيبر وهي دارُ اليهود: ((إما أن
يَدُوا -يعني اليهود - صاحبكم، وإما أن يؤذنوا بحرب) قبلَ أن يكونَ
من الأنصار عنده مسألة على ما ادَّعوا، وهذا الوعيد، فلا يكونُ إلا في
منعِ اليهودِ واجباً عليهم، وهو غرمُ دية الأنصاري الموجود قتيلاً بين
ظَهْرَانِيهِمْ لأوليائه، وهذا بابٌ مِن الفقه قد تنازَعَ أهلُه فيه، فقالت
برواية يحيى ٨٧٧/٢-٨٧٨، وبرواية أبي مصعب (٢٣٥٢). لكن وقع في رواية أبي
مصعب: ((أخبره هو ورجال من كبراء قومه)) بدل: ((أخبره رجال من كبراء قومه)).
ورواه مسلم (١٦٦٩) (٦)، وابن الجارود (٧٩٩) من طريق بشر بن عمر،
والطبراني (٥٦٣٠) من طريق عبد الله بن يوسف، والبيهقي ١١٧/٨ من طريق يحيى
بن بكير، ثلاثتهم عن مالك، به. ووقع في المطبوع من ((صحيح مسلم)): ((أبو ليلى
عبد الله)، بدل: ((أبو ليلى بن عبد الله).
ورواه أبو داود (٤٥٢١) عن أحمد بن عمرو بن السرح، عن ابن وهب، عن
مالك، عن أبي ليلى، عن سهل بن أبي حثمة أنه أخبره هو ورجال من كبراء قومه ..
ورواه الشافعي في «مسنده)) ١١٢/٢-١١٣، وفي («السنن المأثورة)) (٦٢٠)، ومن
طريقه أحمد ٣/٤، والبيهقي ١١٧/٨، ورواه البخاري (٧١٩٢) عن عبد الله بن
يوسف وإسماعيل بن أبي أويس، والنسائي ٦/٨-٧ من طريق ابن القاسم، والبغوي
(٢٥٤٧) من طريق أبي مصعب، خمستهم عن مالك، عن أبي ليلى، عن سهل أنه
أخبره هو ورجال من كبراء قومه ...
ورواه النسائي ٥/٨-٦ من طريق ابن وهب، عن مالك، عن أبي ليلى، عن سهل
بن أبي حثمة وحده.
- ٢١٢ -

كتاب القضاء والأحکام والحدود
طائفةٌ منهم: إن وجودَ القتيلِ بَيْنَ ظَهْرَاني قوم يوجبُ ديته على أُولئك
القومِ، وإن لم يُقْسِم أولياءُ ذلك القتيل على ما ادَّعوا مِن قبيلِ الموجودٍ
ذلك القتيل بين ظهرانيهمْ ومن ذكرهم أنهم لا يعلمونَ مَنْ قتلَه مِن
أولئك القومِ، ولا مِمَّن سِواهُم، وممن كان يذهبُ إلى هذا القولِ كثيرٌ
مِنَ الكوفيين، منهم أبو حنيفة، وابنُ أبي ليلى، والثوريُّ، وطائفةٌ مِنهم
تقولُ: إن القسامةَ والواجب بها لا تجبُ بوجود القتيلِ بَيْنَ ظَهْرَاني
قومٍ، وإنما تجب عندهم بأحدٍ أمرين: أن يقولَ الرجلُ: دمي عندَ فلان،
ثم يموتُ، أو يدعي أولياء رحُلٍ على رجلٍ أنه قتل رجلاً، ويأتون
بلوث من بيته وإن لم تكن قاطعة على ما يَدَّعُونَ، فهذا عندهم الذي
يُوجِبُ القَسامَةَ، ولا يُوجبها ما سوى ذلك، وممن كان يذهبُ إلى
٠
ذلك منهم: مالكُ بنُ أنسٍ.
وطائفةٌ منهم تقول: إن القسامةَ لا تجبُ، ولا يجبُ بها عَقْلُ قتيل
موجودٍ بين ظَهْرَانَي قومٍ حتى يكونَ مثل السبب الذي قضى رسولُ
اللهِ﴿ بالقَسامة فيه، وهو أن خيبرَ كانت دارَ يهود لا يَخْلِطُهُم غيرُهم،
وكانت العداوة بينهم وبينَ الأنصار ظاهرةٌ، وخرج عبدُ الله بعد
العصرِ، فوجد قتيلاً قبلَ الليلِ، فيكاد أن يَغْلِبَ على مَنْ يَسْمَعُ هذا أن
لم يقتُلْه إلا بعضُ اليهودِ، فإذا كان مثل هذا جعل فيه القسامة ووجوب
الدية، لم يكن ببعيدٍ وكذلك يدخل نفرٌ بيتاً في قريةٍ أو صحراء
وَحْدَهم، أو صَفَّيْنِ في حربٍ، فلا يفترقون إلا وقتيلٌ بينهم، أو تأتي بينةٌ
مِن المسلمين من نواحٍ لم يجتمعوا فيها، فَيُثْبِتُ كُلُّ واحدٍ على الانفرادِ
على رجل أنه قتله، فتتواطأُ شهاداتُهم، ولم يسمعُ بعضُهم شهادةً
-٢١٣-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
بعض، وإن لم يكونوا ممن يُعَدَّلُ، أو شَهِدَ عدلٌ أنه قتله، لأن كُلَّ سبب
من هذا يَغْلِبُ على عقل الحاكم أنه كما ادَّعى ولي ذلك القتيل، فللولي
أن يُقسم على الواحدِ والجماعة من أمكن أن يكونَ في جُملتهم ولا
تكونُ القسامةُ عنده، ولا وجوب الدية بها إلا بما ذكرنا، وممن كان
يذهب إلى ذلك الشافعيُّ.
ولما اختلفوا في ذلك، وجب الكشفُ عنه، والقياس الواجب فيه
بما كان مِن رسول الله/# في مثله، فنظرنا في ذلك
٣٢٩٩- فوجدنا أحمدَ بنَ شعيبٍ قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثْنَا محمدُ
بنُ رافع [ح]
ووجدنا عبدَ الله بن أحمد بن عبد السلام قد حَدَّثَنَا، قال: حَدَّثَنَا
محمدُ بنُ يحيى النيسابوري، ثم اجتمعا، فقال كُلُّ واحدٍ منهما: حَدَّثْنَا
عبدُ الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن ابنِ المسيِّب، قال: كانت
القسامةُ في الجاهلية، ثم أقرَّها رسولُ الله ﴿ في الأنصاري الذي وُجدَ
مقتولاً في حُبِّ اليهود، فقالت: الأنصار: إن يهوداً قتلوا صاحبنا.
وعن أبي سلمة وسليمان بن يسار، عن رجال من الأنصار أن
النبيَّ قال ليهود بدأ بهم: (يحلف منكم خمسون)) فأبَوْا، فقال
للأنصار: ((احلِفُوا، فاستَحِقُوا)) فقالوا: أنحِلِفُ على الغيبِ يا رسولَ
الله، فجعلها رسولُ الله :﴿ْ دِيَةٌ على يهود، ولأنه وُجِد بَيْنَ
ظَهْرَانَيْهِمْ(١).
(١) رجاله ثقات، وهو في ((سنن النسائي)) ٥/٨ يذكر قول سعيد بن المسيب
-٢١٤-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
فقال قائل: هذا حديثُ غيرُ متصل الإسناد عن رسول اللّه لَ﴿،
لأن فيه مما ذكره الزهري عن أبي سلمة وسيلمان بن يسار إنما هو عن
رجال من الأنصار وقد يكونون ممن صَحِبَ رسولَ الله /، وقد
یکونون ممن لم يَصَحْبهُ، ونظرنا في ذلك
٣٣٠٠ - فوجدنا يونُسَ، قد حَدَّثَنَا، قال: أخبرنا ابنُ وهب،
أخبرني ابنُ يزيد، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بنِ عبدِ الرحمن
وسليمان بن يسارِ مولى ميمونة زوجِ البي ﴿، عن رجالٍ مِنَ الأنصارِ
مِن أصحابِ رسول الله ﴿ أَنَّ رسولَ اللهِ﴾﴿ أَقَرَّ القَسَامَةَ على ما
دون قول أبي سلمة وسليمان بن يسار وهو في (مصنف عبد الرزاق)) (١٨٢٥٢)
يتمامه. ورواه أبو داود (٤٥٢٦)، ومن طريقه البيهقي ١٢١/٨، عن الحسن بن
علي، عن عبد الرزاق، به. ولم يذكرا قول سعيد بن المسيب.
ورواه مسلم (١٦٧٠) (٨)، والبيهقي ١٢٢/٨ من طريق محمد بن رافع، حَدَّثَنَا
عبد الزراق، قال: أخبرنا ابن جريج، حَدَّثْنَا ابن شهاب، أخبرني أبو سلمة بن عبد
الرحمن، وسليمان بن يسار مولى ميمونة زوج النبي # عن رجل من أصحاب رسول
الله * من الأنصار أن رسول الله * أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية،
وقضى بها بين ناس من الأنصار في قتيل ادعوه على اليهود. وهو في ((مصنف عبد
الرزاق» (١٨٢٥٤) مطولاً.
ورواه مسلم (١٦٧٠) عن حسن بن علي الحلواني، حَدَّثْنَا يعقوب بن إبراهيم بن
سعد، عن أبيه، عن صالح بن كيسان، عن الزهري، أن أبا سلمة بن عبد الرحمن
وسليمان بن يسار أخبراه عن ناس من الأنصار، عن النبي * مثل حديث ابن جريج.
وانظر ما بعده.
- ٢١٥ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
كانت عليه في الجاهلية(١).
٣٣٠١- ووجدنا إبراهيمَ بنَ أبي داود قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثَنَا
عبدُ الله بنُ صالحٍ، حدَّثَني الليثُ بنُ سعدٍ، حدثني عقيلُ بنُ خالدٍ، عن
ابنِ شهاب، أخبرني أبو سلمة بنُ عبد الرحمن وسليمانُ بنُ يسار، عن
أُناسٍ من الأنصارِ مِن أصحاب رسول الله :﴿ أَنَّ القَسَامَةَ كانت في
الجاهلية قسامة دَمٍ، فأقرها رسولُ الله: ﴿ على ما كانت عليه في
الجاهلية، وقضى بها رسولُ الله : ﴿ في أُناسٍ من الأنصار من بني حارثة
ادَّعَوْا على اليهودِ (٢).
٣٣٠٢- ووجدنا سليمانَ بنَ شعيب الكيساني قد حَدَّثَنَا، قال:
حَدَّثْنَا بِشرُ بنُ بكرٍ، حدثني الأوزاعيُّ، حدثني الزهريُّ، ثم ذكر مثلَه في
إسناده سواء.
فَعَقَلْنا أنَّ هؤلاء الأنصار الذين أخذ أبو سلمة وسليمانُ بنُ يسار
هذا الحديثَ عنهم كانوا مِنْ أصحابِ رسولِ اللهِ﴿، ووقَفْنَا على أنَّ
رسولَ اللهِ ﴾ جَعَلَ دِية الأنصاري الموجود قتيلاً بَيْنَ ظَهْرَانَي اليهودِ
على اليهود، وأن ذلك كان واجباً بوجوده قتيلاً بين ظَهْرَانَيْهِمْ قبلَ أن
يُقْسِمَ أولياؤه على اليهودِ: أنهم قتلوه، ومما يدل على ذلك أيضاً ما
(١) إسناده صحيح، ورواه النسائي ٥٤/٨ عن يونس بن عبد الأعلى، به، وقرن
بيونسَ أحمدَ بن عمرو بن السرح. ورواه مسلم (١٦٧٠) (٧) عن أبي الطاهر
وحرملة بن يحيى، عن ابن وهب، به. وانظر ما قبله.
(٢) رواه البيهقي ١٢٢/٨ من طريق يحيى بن بكير، عن الليث، به.
-٢١٦-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
كان مِن أصحابِ رسول الله ﴿ بَعْدَهُ في إيجابهم ديات القتلى
الموجودين بَيْنَ ظَهْرَانَي القَوْمِ على القوم الموجودين قتلى بَيْنَ ظَهْرَانَيهِمْ
بوجودهم بين ظَهْرَانَيْهِمْ كذلك، وإن لم يكن في ذلك قسامةٌ مِن
أُولیائهم.
٣٣٠٣- كما قد حَدَّثْنَا عبدُ الله بنُ محمد بن سعيد بن أبي
مريم، قال: حَدَّثَنَا الفِريابِيُّ، حَدَّثْنَا سفيانُ، عن شعبة، عن الحكم، عن
إبراهيم، عن الأسودِ: أنَّ رجلاً أُصِيبَ عندَ البيت، فسأل عُمَرُ علياً
رضي الله عنهما، فقال له عليٍّ: دِيتُه مِن بيتِ المالِ.
قال أبو جعفر: وهذا مما ليس فيه قسامةٌ أشار بها عليٍّ على عمر
رضي الله عنه، ولما رآه عمر فيها، وفيه ما قد دَلَّ أنّهما لم يأمرا قبلَ
إيجابِ الدية أولياءَ ذلك القتيل أن يُقسموا حتى يستحقوا الديةَ، وهذا
بحضرةٍ غيرهما مِن أصحاب رسول الله { /*، فلم ينكروا ذلك عليهما،
ولم يُخالفوهما فيه، فَدَلَّ ذلك على متابعتهم إيَّهما عليه.
٣٣٠٤ - وكما قد حَدَّثَنَا فهد، حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ
يونس، حَدَّثْنَا زهيرُ بنُ معاوية، حَدَّثْنَا وهبُ بنُ عُقبة، حدثني يزيدُ بنُ
مذكور الحَمْدَانيُّ أن أناساً ازدحموا في المسجدِ الأكبرِ زمنَ عليٍّ بنِ أبي
طالب رضي الله عنه وأن شيخاً مات فى الزحام فأمر علي بن أبي طالي
رضي الله عنه بديته من بيتِ المالِ.
٣٣٠٥- وكما قد حَدَّثَا فهدٌ، حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ عبد الله بنِ
يونس، حَدَّثْنَا زهيرٌ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، عن يزيد بنِ مذكور نحوَه.
٣٣٠٦- وكما قد حَدَّثْنَا يوسفُ بنُ یزید، قال: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ
-٢١٧ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
بنُ إبراهيمَ، حَدَّثَنَا عبادُ بنُ العَوَّامِ، حَدَّثْنَا وهبُ بنُ عُقبة، عن يزيد بنٍ
مذكور أن شيخاً زُوحِمَ في المسجدِ على عهدِ علي رضي الله عنه،
فمات، فَرُفِعَ ذلك إلى علي، فوداه من بيت المال، وكان يزيد إذ ذاك
رأى عليّاً وكلَّمَهُ.
قال أبو جعفر: وقد كان مِنْ عُمَرَ في توكيدِ هذا المعنى اشتراطُه
إِيَّاه على أهلِ الذَّمة.
كما قد حَدَّثْنَا فهد، حَدَّثْنَا أبو نعيمٍ، عن هِشام الدَّسْتُوائي، عن
قتادة، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس: أن عمرَ بنَ الخطاب رضي
الله عنه اشترطَ على أهلِ الذِّمةِ: إن قتل رَجُلٌ مِنَ المسلمين بأرضكم،
فعليكم الدِّيَةُ.
ثم كان منه ما يُوافق هذا المعنى، ومما حكم فيه بالقَسَامَةِ مع
إيجابِهِ الدِّية على الذين وُجدَ القتيلُ الذي كانت فيه تلك القسامة بالدِّية
على المُقْسِمِينَ الموجودِ ذلك القتيلُ بين ظهرانَيهِمْ.
٣٣٠٧- كما قد حَدَّثَنَا محمدُ بنُ خزيمة، حَدَّثْنَا يوسفُ بنُ
عدي، حَدَّثْنَا عثمان بن مطر، عن أبي حريزٍ، عن الشعبيِّ، عن الحارث
الوادعي، قال: أصابوا قتيلاً بَيْنَ قريتين، فكتبوا في ذلك إلى عمر بن
الخطاب، فكتب عمر: أن قيسوا بين القريتين، فأيما كان إليه أدنى،
فخذوا خمسين قسامةً، فيحلِفُون باللهِ، ثم غَرِّمُوهم الدِّيَةَ، قال الحارث:
فكنت فيمن أقْسَمَ، ثم غَرِمْنَا الدِّيَةَ.
٣٣٠٨- وكما حَدَّثْنَا فهد، قال: حَدَّثَنَا أبو غسان، حَدَّثْنَا زهير
بن معاوية، حَدَّثْنَا أبو إسحاق، عن الحارث بن الأزمع، قال: قُتِلَ قتيلٌ
-٢١٨-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
بَيْنَ وادِعَةً وحيّ آخَرَ، والقتيل إلى وادعة أقربُ، فقال عمر لوادِعه:
يحلف خمسون رجلاً منكم بالله: ما قتلنا، ولا نَعْلَمُ له قاتلاً، ثم اغرموا،
فقال له الحارثُ: نَحْلِف وتُغْرِمُنا؟! قال: نَعَمْ.
قال أبو جعفر: ففي هذا الحديثِ عن عُمَرَ أَنْه قضى بالقَسامة
على الذين وُجِدَ القتيلُ بَيْنَ ظَهْرَانِهِمْ ثم أغرمهم الدية لأوليائه، وفيما
رويناه عنه قَبْلَ ذلك مما قد وافقه عليه عليٌّ رَضِيَ اللهُ عنه قضاؤه بالدِّية
في القتيلِ الموجودِ بين ظَهْرَانَي مَنْ لا يُمكن منهم قسامة، لأنهم ليسوا
مِن أهل ذلك الموضع الذي وُجِدَ فيهم ذلك القتيلُ، إنما هم مِن مواضعَ
مختلفة، فكذلك نقول في القتيل الموجودِ بين ظَهْرَاني قومٍ لا يُعْلَمُ مَنْ
قَتَلة فيه القَسَامَةُ والديةُ، وفي القتيل الموجودِ في الموضع الذي لا أُهلَ له،
ولا يُعلم مَنْ قتله بالدِّية دونَ القَسَامَةِ، وهكذا كان أبو حنيفة وأصحابُه
یقولون في ذلك، ويذهبون إليه فيه.
وقد شدَّ ما قالوا من ذلك ما قد رویناه من حديث أبي ليلى، عن
سَهْلٍ بنِ أبي حثمة، مما قاله رسولُ الله ◌ْ* للأنصار في اليهود: إمّا أن
يَدُوا صاحِبَكم، وإما أن يُؤِذنوا بِحَربٍ قَبْلَ أن يكونَ من الأنصار في
ذلك قسامةٌ، ولا يكون إيذانهم بحربٍ إلا في منعٍ واجبٍ عليهم.
فقال قائل: فإن في حديثٍ أبي مسلمة وسليمان أن رسولَ الله
قال للأنصار: ((اخْلِفُوا واسْتَحِقُوا))، فقالوا: أَنَحْلِفُ على الغَيْبِ!
فكان جوابنا له في ذلك أن قوله {﴿: ((استحقو) قد يحتمِلُ أن
يكونَ أراد به استحقوا ببينةٍ تقيمونها على قاتلٍ صاحبكم بعينه، فنقتله
لكم به، فقال هذا القائل: فإن في حديث أبي ليلى أن رسولَ الله لَ 14
-٢١٩-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
قال للأنصار: («أتحلِفُون وتستَحِقُّونَ؟)) ففي هذا ما قد دَلَّ أنهم لا
يستحقون ما ادَّعَوْا إلى بالحلِفِ الذي دعاهم إليه.
فكان جوابنا له في ذلك: إن في أوَّل هذا الحديثِ ما قد دَلَّ على
وجوبِ الدِّية لهم على اليهود بوجودهم صاحبَهم قتيلاً بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ،
فإن قال: فما قولُه: (أتحلِفُون وتستحِقُّون؟)
كان جوابنا له في ذلك: أن هذا مما قد أنكر على سهل بن أبي
حثمة، وحُوِلِفَ عليه فيه، وادُّعِيَ عليه إيهامُه فيه.
٣٣٠٩- كما قد حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ عبد الله بنِ عبد الرحيم البَرقي،
حَدَّثَنَا عبدُ الملك بنُ هشامٍ، حَدَّثْنَا زيادُ بنُ عبد الله البكّائي، قال: قال
ابنُ إسحاق، حدثني محمدُ بنُ إبراهيم بن الحارث التيمي، عن عبد
الرحمن بن بُجيد بنٍ قيظيّ أخي بني حارثة -قال محمد بن إبراهيم: وأيمُ
اللهِ ما كان سهلٌ بأكثرَ علماً منه، ولكنه كان أسنَّ منه- أنه قال له:
واللهِ ما كان هكذا الشأن، ولكن سهلاً أوْهَمَ، ما قال رسولُ الله ◌ِ ﴾:
احلفوا على ما لا عِلْمَ لَكُمْ به، ولكنه كتب إلى يهودِ خيبرَ حين كلمته
الأنصارُ: ((إنه قد وُجِدَ قتيلٌ بَيْنَ أبياتكم فَدُوه)، فكتبوا إليه: يحلفون
باللهِ ما قتلوه، ولا يعلمون له قاتلاً، فوداه رسولُ اللهِلَ﴿ من عنده(١).
قال أبو جعفر: وعبدُ الرحمن بن بُجيدٍ هذا، فمقدارُه المقدارُ الذي
قد ذكره به محمد بنُ إبراهيم، ووصفه به من العلم ما قد جاوز به عِلْمَ
(١) رواه أبو داود (٤٥٢٥) من طريق محمد بن سلمة، والبيهقي ١٢٠/٨-١٢١
من طريق يونس بن بكير، كلاهما عن ابن إسحاق، به.
-٢٢٠-