النص المفهرس

صفحات 181-200

كتاب القضاء والأحكام والحدود
٤٣٧- بابُ بیانِ مُشْکِل ما رُوِي عن رسول الله ﴾ من قوله:
((مَنْ قَتَلَ عمداً، فقودُ یده)»
٣٢٧٣- حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ أبي داود، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ
سليمان الواسطيُّ، عن سليمانَ بنِ كثير، قال: حَدَّثَنَا عمرو بنُ دينار،
عن طاووس، عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: قال رسولُ اللهِلَّ: «مَنْ قُتِلَ في
عِمَِّّا ورِمَّّا يكونُ بينهم بحجرٍ أو بسوطٍ أو بعصا، فعقلُه عقلُ خطأ،
ومن قتل عمداً فقودُ يده، ومن حَالَ بينه وبينَه، فعليه لعنةُ الله
والملائكة والناس أجمعين، لا يَقْبَلُ اللهُ مِنْه صَرْفاً ولا عَدْلاً)(١).
قال أبو جعفر: فطعن طاعنٌ في هذا الحديثِ، فقال: قد رَوَى هذا
الحديثَ عن عمرو مَنْ هو أثبتُ من سليمانَ بنِ كثير، وهو سفيانُ بن
عُيينة، فذكر ما قد حَدَّثْنَا يونسُ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، عن عمرو، عن
طاووس مثلَه(٢)، ولم يذكر النبيَّ ◌َ ﴾، ولا ابنَ عباس.
(١) رواه أبو داود (٤٥٤٠)، والنسائي ٣٩/٨-٤٠، والبيهقي ٢٥/٨ من طرق
عن سعيد بن سليمان الواسطي، به.
ورواه ابن ماجه (٢٦٣٥)، والنسائي ٤٠/٨، والبيهقي ٥٣/٨ من طريق محمد بن
کثیر، عن سلیمان بن کثیر، به.
ورواه عبد الرزاق (١٧٢٠٣) عن الحسن بن عمارة، عن عمرو بن دينار، به.
(٢) رواه أبو داود (٤٥٣٩) عن ابن السرح، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو،
عن طاووس. ولم يذكر النبي # ولا ابن عباس.
ورواه الشافعي ١٠٠/٢، ومن طريقه البيهقي ٤٥/٨ عن ابن عيينة، عن عمرو،
- ١٨١ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أن سفيان
قد كان يُحدث به هكذا بأخرة، وقد كان يُحدث به قبلَ ذلك، كما
حدث به سليمانُ بنُ كثير، ولو اختلفا، لكان سليمانُ مقبولَ الرواية،
ثبتاً فيها ممن لو روى حديثاً، فتفرد به، لكان مقبولاً منه، وإذا كان
كذلك، كان فيما زاده على غيره في حديث مقبولةً زيادتُه فيه عليه.
ثم تأملنا معنى قوله: ((فقود يده)، فكان ذلك عندنا - والله أعلم -
على أن الواجب لولي المقتول كذلك القود لا ما سواه.
قال قائل: فأنتم ترون عن رسولِ الله ◌ِ﴾ في هذا المعنى خلافَ
ما ذكرتم، وذكر ما قد
٣٢٧٤ - حَدَّثْنَا بكارٌ، قال: حَدَّثَنَا أبو داود الطيالسي، قال:
حَدَّثَنَا حربُ بنُ شَدَّادٍ، عن يحيى بنِ أبي كثير، قال: حدثني أبو سَلَمَةَ،
قال: حدثني أبو هريرةَ، قال: لما فَتَحَ اللهُ عز وجَلَّ على رسولِهِ مَكَّةً،
قَتَلَتْ هُذَيْلٌ رجلاً من بني ليثٍ بقتيل كان لهم في الجاهلية، فقامَ النبيُّ
*، فخَطَبَ، فقال في خطبته: ((مَنْ قُتِلَ له قَتِيلٌ، فهو بَخَيْرَ النَّظَرَيْنِ:
إمَّا أن يَقْتُلَ، وإمَّا أن يُودَى))(١).
عن طاووس، عن النبي ﴾.
ورواه أبو داود (٤٥٣٩) من طريق حماد، عن عمرو، عن طاووس، عن رسول
الله ﴾.
(١) إسناده صحيح، ورواه مطولاً أبو عوانة ٤٢/٤، والبيهقي ٥٢/٨ من
طریقین، عن حرب بن شداد، به.
- ١٨٢ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
٣٢٧٥- وما قد حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبد الله بن ميمون البغداديٌّ،
قال: حَدَّثْنَا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعيِّ، قال: حَدَّثْنَا يحيى بنُ أبي
کثیر، ثم ذكر بإسناده مثله(١).
فكان في هذا الحديثِ: أن النبيَّ ◌َ﴿َ جَعَلَ وليَّ المقتولِ بالخيار بين
الشيئين المذكورَيْنِ فيه، وفي الحديثِ الذي رويته قبلَه أنَّه جعل له شيئاً
واحداً وهو القودُ، وهذا اختلافٌ شديد.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجَلَّ وعونِه: أنه لا
ورواه مختصراً الشافعي ١٠٠/٢ من طريق معمر، ومطولاً البخاري (١١٢)
و(٦٨٨٠)، ومسلم (١٣٥٥) (٤٤٨)، والدارقطني ٩٧/٣-٩٨، والبيهقي ٥٢/٨
من طریق شیبان، كلاهما عن یحیی بن أبي کثیر، به.
(١) صحيح، وهو مكرر ما قبله. وهو في ((شرح معاني الآثار)) ١٧٤/٣ بإسناده
ومتنه. ورواه مطولاً ومختصراً أحمد ٢٣٨/٢ (٧٢٤٢)، والبخاري (٢٤٣٤)، ومسلم
(١٣٥٥) (٤٤٧)، وابن ماجه (٢٧٢٤)، والترمذي (١٤٠٥) و(٢٦٦٧)، وأبو
عوانة ٤٣/٤ -٤٤، وابن حبان (٣٧١٥)، والدارقطني ٩٦/٣-٩٧ و٩٧، والبيهقي
٥٣/٨ من طرق، عن الوليد بن مسلم، به.
ورواه مطولاً ومختصراً أبو داود (٥٤٠٥)، والنسائي ٣٨/٨ وفي ((الكبرى)
(٥٨٥٥)، وأبو عوانة ٤٣/٤-٤٤، والبيهقي ١٧٧/٥ و٥٣/٨ من طريق الوليد بن
مزيد، والنسائي ٣٨/٨ وفي (الكبرى) (٥٨٥٥)، من طريق إسماعيل بن سماعة،
كلاهما عن الأوزاعي، به.
ورواه النسائي ٣٨/٨ مرسلاً من طريق يحيى بن حمزة، عن الأوزاعي، عن يحيى
بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن رسول الله 98.
- ١٨٣ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
اختلافَ في ذلك كما توهَّم، وذلك أن في الحديثِ الأوَّلِ الذي رويناه
عن ابنِ عباسٍ ذكرَ الواجب، وأنّه القودُ، والذي في حديث أبي هريرة
الذي رويناه بعدَه: أن لِولي المقتولِ أن يقتل، وهو القودُ الذي في
حديث ابنِ عباس، فذلك عندنا - والله أعلمُ- على أداءِ القاتل الدِّية إلى
وليِّ المقتول، وقبول ولي المقتول إيَّاها منه، فكانَ ذلك بمعنى الصلح من
الدَّمِ على الدِّية التي أُديت إليه.
فقال هذا القائلُ: فقد روى أبو شريح الخُزَاعِيُّ، عن النِيِّ ◌َ﴿ هذا
الحديثَ بما يَدُلُّ على خلافٍ ما ذكرتَ، وذكر ما قد
٣٢٧٦- حَدَّثَنَا محمدُ بنُ خزيمة، قال: حَدَّثْنَا مُسَدَّدٌ، قال: حَدَّثَنَا
يحيى - وهو ابنُ سعيد-، عن ابنِ أبي ذئب، قال: حدثني سعيدٌ المقبريُّ،
قال: سمعتُ أبا شُريح الكعبيَّ، يقولُ: قالَ رسولُ اللهِلَ﴿ر في خُطبته يومَ
فتح مكة: ((أَلا إِنَّكم مَعْشَرَ خُزَاعَةَ، قتلتُم هذا القتيلَ مِن هُذَيْلٍ، وإني
عاقلُه، فمن قُتِلَ له بَعْدَ مقالتي قتيلٌ، فأهلُه بَيْنَ خِيرَتَيْنٍ، بَيْنَ أن
يَأْخُذُوا العقلَ، وبين أن يقتلُوا))(١).
(١) إسناده صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار)) ١٧٤/٣ بإسناده ومتنه.
ووراه أبو داود (٤٥٠٤) عن مسدد، به.
ورواه مطولاً الترمذي (١٤٠٦) عن محمد بن بشار، والدارقطني ٩٥/٣-٩٦ من
طريق عمرو بن علي، كلاهما عن يحيى بن سعيد، به. وقال الترمذي: حسن صحيح.
ورواه الشافعي ٩٩/٢، والدارقطني ٩٦/٣، والبيهقي ٥٢/٨ من طريق ابن أبي
ذئب، به.
ورواه مطولاً أحمد ٣٢/٤، والطحاوي ٣٢٧/٣ من طريق محمد بن إسحاق،
- ١٨٤ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
قال: ففي هذا الحديثَ أخذُ ولي المقتولِ الدِّيةَ مِن القاتل، لا تبيين
أن ذلك بإدامته إيَّها لهم. فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق اللهِ عَزَّ وجَلَّ
وعونِه: أن ذلك مما في هذا الحديث لَيْسَ بخلافٍ لما في حديث أبي
هُريرة الذي رويناه قبلَه، لأن في حديث أبي هريرة أداءً من القاتل، وفي
حديثِ أبي شريح أخذُ ولي المقتول مِن القاتل، فتصحيحُهما على أداء
مے
مِن القاتلِ على ما في حديثِ أبي هُريرة، وأخذ من الولي لِذلك على ما
في حديث أبي شريح.
وهذه مسألة قد اختلف أهلُ العلم فيها، فقائلون منهم يقولون
هذا القولَ الذي ذكرناه، وصَحَّحْنَا عليه هذين الحديثين، وهو مذهبُ
أهلِ الحجاز وأهلِ العراق جميعاً، وقائِلونَ يقولون: إنَّ لولي المقتول أن
يأخُذُوا الدِّيةَ مِن القاتلِ شاءَ أمْ أبى، ويحتجُّونَ في ذلك بما تأوَّلَ هذا
المتأوِّلُ هذا الحديثَ عليه، وممن ذهب إلى ذلك الشافعيُّ، وقالوا: على
الفاتل استحياءُ نفسه، فإذا لم يفعل ما عليه أُخِذَ به، وإن كَرِهَ.
فكان جوابُنا لمن احتجَّ بذلك: أن على القاتل استحياءَ نفسه كما
ذكر، وأن عليه أن يستحييها بالدِّية وبما سِواها مما يملكُ، حتى يعودَ
بذلك حاقناً لدمهِ، وأجمعوا جميعاً: أن وليَّ المقتولِ لو طَلَبَ من القاتل
دارَه أو عبده على أن يأخذ ذلك منه، ويرفع القودَ عنه، أن على القاتل
وأحمد ٣٨٥/٦ من طريق الليث، كلاهما عن سعيد بن أبى سعيد، به. وانظر
(٣٢٧٩).
-١٨٥ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
فيما بينَه وبَيْنَ ربه أن يَفْعَلَ ذلك، وأنه غيرُ مجبر عليه إن أباه، فكان ما
سوى ذلك من ماله، كذلك لا يكونُ مجبراً على استحياء نفسه به، ولا
مأخوذاً منه على ذلك بغير طِيبٍ نفسه.
فقال هذا القائلُ: فَلِمَ احتيجَ في ذلك إلى ذكر هذا؟ قيل له: لأن
الشريعةَ كانت في بني إسرائيلَ في القتل العَمْدِ القودَ لا ما سواه، وكان
القودُ واجباً على القاتل ليس لأحد دَفْعُ ذلك عنه، فخفف الله عن هذه
الأمة ما أنزل في كتابه في ذلك.
٣٢٧٧- كما قد حَدَّثَنَا يونسُ، قال: حَدَّثْنَا سفيانُ، عن عمرو
بن دينار، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: كمانَ القِصَاصُ في بني
إسرائيلَ، ولم يكن فيهم دِيَّةٌ، فقال اللهُ لِهذه الأُمة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ
القِصَاصُ يْ القتلى الحُرُّبِالحُرّ﴾، إلى قوله عز وجلَّ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لِهِمِنْ أْخِه
شيءٌ﴾، فالعفو في أن يقبلَ الديةَ في العَمْدِ، ﴿ذلك تَحَفِيفٌ مِنْ رِكُمْ﴾
[البقرة: ١٧٨] مما كان كتب على مَنْ قبلكم (١).
فكان ما في هذا الحديثِ من ابنِ عباس إخباراً منه عن المعنى
الذي من أجله خَطَبَ رسولُ الله : ﴿ يَوْمَ فتح مكّة بما خطبَ به من
(١) إسناده صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار)) ١٧٥/٣ بإسناده ومتنه.
ورواه الشافعي ٩٩/٢، والبخاري (٤٤٩٨) و(٦٨٨١)، والنسائي ٣٦/٨-٣٧،
وابن الجارود (٧٧٥)، والطبري ١٠٧/٢، والدارقطني ١٩٩/٣، البيهقي ٥١/٨ ر٥٢
من طرق، عن سفيان بن عيينة، به.
ورواه ابن حبان (٦٠١٠)، والدارقطني ٨٦/٣ من طريق عمرو بن دينار، به.
-١٨٦ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
إباحةِ أخذِ الدِّية في الدَّم العمدِ، لأن ذلك كان محرماً على مَنْ قبلَ أمته
وليس من شرائع دينهم، وحَعَلَه الله عز وجل مِن شريعته، ومما قد تعبد
أُمَّتَهُ به، فخطب به على الناس ليعلموه.
وقد روى هذا الحديثَ حمادُ بنُ سلمة، عن عمرو، فخالف ابنَ
عيينة في إسناده، وقَصَّرَ في بعض ألفاظه
٣٢٧٨- كما حَدَّثْنَا إِبراهيمُ بن مرزوق، قال: حَدَّثْنَا أبو عامر
العقديُّ، عن حمادٍ، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابنٍ
عباسٍ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ في القتلى الحُرُّبِالحُرّ﴾ إلى آخر الآية
[البقرة: ١٧٨]، قال: كُتِبَ على بني إسرائيل القِصاصُ، وأُرْخِصَ لكم
في الدِّيةِ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لهُ مِنْ أَخِيِه شيءٌ، فَاتَّبَاعٌ بالمعروفِ وأداءً إليه بإحْسَان، ذلك
تحقيفُ مِنْ رِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٨]. قال: مما كُتِبَ على بني إسرائيلَ
فيما عادَ إلى الرخصةِ لم يكن مأخوذاً ممن يُؤخذ منه إلا بطيبٍ نفسه
بذلك.
وفيما ذكرنا كفايةٌ ودليلٌ، وأن لا تضادَّ في شيءٍ مما رويناه في
ئے
هذا البابِ. والله نسأله التوفيق.
-١٨٧ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
٤٣٨- بابُ بيانِ مُشْكِل قولِ الله عزَّ وجَلَّ في آيةِ القَصاص:
﴿فَمَنْ عُفِيَ له مِنْ أخِيه شيءٌ، فَاتِّبَاعٌ بالمعروفِ وأداءٌ إليه
بإِحْسَانِ﴾ [البقرة: ١٧٨] وما اختلف أهلُ العلم فيه بما رُوِيَ
عن رسول الله/ في ذلك
قال أبو جعفر: قال الله: ﴿يَا أَّها الّذِينَ آَمُوا كُتِبَ عَلَيْ كُمُ الْقِصَاصُ
في القتلى الحُرُّبِالحُرّ وَالعَبْدُ بالَعَبْدِ وَالأَنْثَى بِالْآتَى﴾ [البقرة: ١٧٨]، فأعلمنا
الله عز وجل أنَّ الذي كتب مما معناه فرض في قتلانا، فأمِنَ عُقوبة
قاتليهم، هو القصاصُ بغير ذكرٍ منه في هذه الآية مع ذلك غيره.
فعلمنا بذلك: أن الواجبَ على القاتلِ فيه قتله الذي قد دَخَّلَ في
هذه الآية هو القصاصُ لا ما سواه، ثم أعقب عز وجل ذلك بقوله:
﴿فَنْ عُِّيَ لَهُ مِنْ أَخِهِ شَيءٌ فَاتَُّ بِالَّغْرُوفِ وأداءً إليه بإحْسَانِ﴾.
فعلمنا بذلك: أن الواجبَ بالعفو المذكور في هذه الآية طارئ
على القصاصِ المذكورِ وجوبه فيها ومغير لحقِّ القاتل الذي كان له من
القِصاص إلى ما سِواه مما يتبعُ مَنْ هو عليه بمعروف، ويُؤديه إليه
بإحسان. وقد اختلف أهلُ العلم في ذلك العفوِ، ما هو؟ فقال أُکثرُهُم،
منهم: أبو حنيفة، ومالك، والثوريُّ في متبعيهم: إنه أن يعفو الذي له
الدَّمُ عن الذي هُوَ له عليه على شيءٍ يَشْتَرِطُ لِنفسه عليه بدلاً مِن
القِصَاصِ، فيتبعه به بمعروفٍ، ويُؤدِّيه إليه الذي كان عليه القصاصُ
بإحسان، وإن ذلك لا يكونُ إلاّ باجتماع الفريقين جميعاً عليه، وإنَّ
-١٨٨-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
القاتل لو أبى ذلك لم يُحْبَرْ عليه، ولم يُؤْخَذْ به.
وقال الأوزاعيُّ، أنَّ للذي له الدم أن يأْخُذَ الذي هو له عليه
بالدِّيةِ، شاءً ذلك الذي هو له عليه أو أبى.
وقال آخرون سواهُ: إنَّ لِولي الدَّم أن يأخُذَ الذي هو عليه بالدِّيَةِ
شاءً أو أبى، من جهة ذكر أنَّها تُوجب له ما قال من ذلك، وهِيَ أنه
قال: رأيتُ اللّهَ عَزَّ وجَلَّ قد أوجبَ في القتلِ الخطأِ الدِّيَةَ، وأوجَبَ في
القتلِ العَمْدِ ما هو أغلظُ مِن الديةِ وهو القِصاصُ، فإذا وَجَبَ على
القاتلِ بالقتلِ العمدِ الذي كان منه القِصاصُ، وهو أغلظُ مِن الدِّيةِ،
فاختارُ الذي له الدمُ رَدَّ الأغلظ الذي وَجَبَ له على القائِلِ بقتله إلى
الأيسرِ الذي كان يَجِبُ له لو كان الذي كان منه أيسرَ مِن القتل
العمدِ الذي يُوجب له القصاصَ، كان قد نزل عن بعضِ الواجبِ له إلى
ما دُونَه، وهو الدِّية، فاستحقَّ ذلك على الذي عليه القصاصُ شاءَ
القاتلُ أو أبى.
وقال آخرون: إنَّ العفو مِن الذي قال له القصاصُ توجبُ الديةَ
له على الذي كان له عليه القصاصُ، شاءَ ذلك الذي كان له عليه
القصاصُ أو أبى، وهو القولُ الذي ذكر المزنيُّ: أنه الأولى بالشافعيِّ
بعقب حكايته عن الشافعي: أن الدمَ العمدَ لا يُمْلَكُ به المال إلا بمشيئة
المجني عليه، إن كان حياً، وبمشيئة الورثة إن كان ميتاً.
لا نعلم في تأويل العفو المذكور في هذه الآية قولاً غيرَ هذه
الأقوال التي ذكرنا، فتأملناها لِنِقِفَ على الأوَّلَى منها بتأويلِ الآية إن
شاء الله، فبدأنا بقول مَنْ قال: إنَّ مَنْ عَفا عن القِصاص إلى الدِّيةِ
-١٨٩-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
استحق الدية بذلك، لأنه تاركٌ لِبعض حَقّه، طالبٌ لبقيته.
فوجدنا ما قال مِنْ ذلك فاسداً، لأنَّ الله عز وجلَّ أوجَبَ في
القتل العمدِ غيرَ الذي أوجبَ في القتل الخطأِ، ولم يَحْعَلْ واحداً منهما
جَزَاءً مِن الآخَرِ، ولما كان ذلك كذلك، عَقَلْنَا: أنَّ مَنْ نَزَلَ عن المجعولِ
له منهما، فقد نَزَلَ عن الذي أوجبه الله له إلى غيره، مما لم يُوجبه له،
فكان معقولاً: أن لا يَجبَ ذلك له إلا برضا مَنْ كان له عليه الذي
أوجبه الله عز وجل له عليه، ولأنه لو كان بنزولهِ عن ما أوجبه الله عز
وجَلَّ له مِن القِصاص يوجبُ له الديةَ الواجبةَ في القتل الخطأ، لوجبت
له على مَنْ كانت تجبُ عليه، وهِيَ العَاقِلَةُ، وفي إجماعهم على خلاف
ذلك، وجوبُ بطلان هذا القول.
ثم ثنينا بقول مَنْ قال: إنَّ العفوَ يُوجبُ له الدِّيَّةَ على القَاتلِ شاء
أو أبى، فوجدنا رَسُولَ اللهِ ﴿ قد رُوِيَ عنه ما قد دفع ذلك مما قد
ذكرناه فيما قد تقدَّم مِنَّا في كتابنا هذا في حديث ذي النسعة مِن قوله
لولي المقتول: «اعفُ عَنَّهُ)) - يعني قاتِلَ وَلِّه-، فأبى، فقال له: ((فَخُذْ
أرشاً))، فعقلنا بذلك: أن عفوَه لا أرشَ معه لو عفا، لأنّه قال له لما أباه:
((فخذ أرشاً). ورُوِيَ عن رسول الله ﴿ أيضاً في ذلك ما قد:
٣٢٧٩ - حَدَّثْنَا عليُّ بنُ شيبة، قال: حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ هارونَ،
قال: أخبرنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن الحارثِ بنِ فُضيل، عن سفيانَ بنِ
أبي العوجاء، عن أبي شريح الجُزَاعِيِّ، قال: قال رسولُ اللهِلَ: ((مَنْ
أُصِيبَ بِدَمٍ أو بخَبْلٍ -يعني بالخَبْلِ الجراح - فَوَلِيُّه بِالْخِيَارِ بَيْنَ إحْدى
ثلاثٍ: بين أن يعفوَ، أو يقتصَّ، أو يأُخُذَ الدَّية، فإن أبى الرابعةَ،
- ١٩٠-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
فَخُذُوا على يديه، فإن قَبلَ واحدةٍ مِنهن، ثم عدا بعدَ ذلك، فله النَّارُ
خالداً فيها مخلدا)(١).
٣٢٨٠- وما قد حَدَّثْنَا عليُّ بنُ معبدٍ، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ
سليمان الواسطيُّ، قال: حَدَّثَنَا عبادٌ - يعني ابنَ العوامِ-، عن ابنِ
إسحاق، قال: أخبرني الحارثُ بنُ فضيل، عن سفيانَ بنِ أبي العوجاء،
عن أبي شريح، عن النِيِّ نَ*، مثلَه.
قال أبو جعفر: ففي هذا الحديثِ: أن وَلِيَّ المقتولِ بالخيار بَيْنَ أن
يَعْفُوَ أو يقتصَّ، أو يأخُذَ الدِّيَةَ، فكان مفعولاً في ذلك أن عفوَه لا أخذ
دية معه، كما أخذه الدية لا عفو معه، ففسد بذلك هذا القولُ أيضاً.
ثم ثلثنا بما قالَ الأوزاعيُّ مِن إيجابه للولي أخذَ الديةِ من القاتل
شاء أو أبى، بعدَ وقوفنا على ما في الآيةِ التي تلونا، وهي أنَّ اللهَ عزَّ
وجَلَّ إنما كَتَبَ علينا في قتلانا القِصاصَ لا ما سواه، وكان مفعولاً أن
لا يتحوَّلَ الحقُّ الذي جَعَلَهُ اللهُ له إلى ما سِواه إلا برضا مَنْ يتحوَّلُ عليه
بذلك، ففسدَ بذلك هذا القولُ أيضاً.
ولم يبقَ في هذا البابِ غيرُ القول الذي قد ذكرنا فيه عن الطائفةِ
الأُولى، وهو القصاصُ، وأن لا يتحوَّلَ إلى ما سواه إلا برضا القاتِلِ،
ومن له الدَّمُ جميعاً بذلك، والله نسأله التوفيق.
(١) إسناده ضعيف، سفيان ابن أبي العوجاء، في ((التقريب)): ضعيف. وهو في
((شرح معاني الآثار)) ١٧٤/٣. ورواه أحمد ٣١/٤، والدارمي ١٨٨/٢ عن يزيد بن
هارون، به. ورواه ابن أبي شيبة ٤٤٠/٩، وأحمد ٣١/٤، وأبو داود (٤٤٩٦)، وابن
ماجه (٢٦٢٣)، والبيهقي ٥٢/٨ من طرق، عن ابن إسحاق، به. وانظر (٣٢٧٦).
- ١٩١-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
٤٣٩- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴾ في القتلِ،
هل يكونُ منه شِبْهُ عَمْدٍ كما يقول الكوفيون، أو لا شِبْهَ عمدٍ
فیہ کما یقول الحجازیون؟
٣٢٨١- حَدَّثَنَا عليُّ بنُ شيبة، قال: حَدَّثَنَا يحيى بنُ يحيى
النيسابوري، قال: أخبرنا مُشَيْمٌ، عن خالدٍ الحَذَّاء، عن القاسم بن ربيعة
بنِ جَوْشَن، عن عُقبة بنِ أوس السدَّوسي، عن رجلٍ من أصحابٍ
النَِّ﴿ِ: أنَّ رسولَ الله لَهُ خَطَبَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، فقال في خُطبته: (إِلا
إِنَّ قَتْلَ خَطَّأِ العَمْدِ بالسَّوطِ والعصا والَحَجَرِ، فيه دِيةٌ مُغَلّظَةٌ: مئة من
الإبل، منها أربعونَ خَلِفَةً، في بطونها أولادُها)(١).
قال: ففي هذا الحديثِ إعلامُ رسولِ الله ﴿# الناسَ أن في القَتْلِ
بِالسَّوطِ والعَصَا والحجرِ مئةً من الإبلِ، منها أربعون خَلِفَةٌ في بطونها
أولادُها، ففي ذلك ما قد دَلَّ أنّه لم يجعل فيه قَوَداً، وهذا مما قد اختلف
فیه.
فطائفةٌ منهم تقولُ: القتلُ وجهان: خطأً وعمدٌ لا ثالث لهما،
(١) حديث صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار)) ١٨٥/٣-١٨٦ بإسناده
ومتنه. ورواه أحمد ٤١٠/٣، والنسائى ٤١/٨ من طريق هشيم، به.
ورواه الشافعي ١٠٨/٢، وعبد الرزاق (١٧٢١٣)، وأحمد ٤١١/٥-٤١٢،
والدار قطني ١٠٥/٣، والبيهقي ٤٥/٨ من طرق، عن خالد الحذاء، به.
ورواه النسائي ٤١/٨ من طريق ابن أبي عدي، عن خالد الحذاء، عن القاسم، عن
عقبة، نحوه.
-١٩٢-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
وهذا قولُ الحجازيين، وطائفةٌ منهم تقول: القتلُ على ثلاثة أوجه: فمنه
عمدٌ فيه القَوَد، ومنه خطأٌ فيه الديةُ على العاقلة، ومنه شِبْهُ عمدٍ فيه
هذه الدية المذكورة في هذا الحديث، غيرَ أن الكوفيين يختلِفُونَ في القتلِ
بالحجرِ الثقيلِ الذي مثلُه يَقْتُلُ، فتقولُ طائفةٌ منهم: هو شِبْهُ عمدٍ لا
قَودَ فيه، وفيه الدِّيةُ مغلظة، وثمّن قال بذلك منهم: أبو حنيفة. وطائفةٌ
منهم تقولُ: في ذلك القودُ بالسيف، وتذهبُ إلى أنَّ الحجرَ المذكورَ في
هذا الحديث هو الحجرُ الذي لا يقتل مثلُه من جنسِ السوط والعصا
الذي لا يقتل أمثالُهما، وتقول في السَّوطِ والعصا إن كَرَّرَ الضرب بهما
أو بأحدهما حتى يكونَ الضرب بجملته موهوماً منه القتلُ، كان ذلك
عمداً، وكان فيه القُودُ بالسَّيْفِ، وممن كان يقولُ ذلك منهم: أبو
يوسف ومحمدُ بنُ الحسن، وقد ذكرنا الحديث المرويَّ في ذلك في صدر
هذا الباب مِن حديث هُشيم خاصةٌ، عن خالدٍ الحذَّاء، وقد رواه غيرُ
هُشَيْمٍ، وهو شعبة، عن أيوب السختياني، فخالفه في إسناده.
٣٢٨٢- كما قد حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ شعيب، قال: حَدَّثْنَا محمد بن
بشار، قال: حَدَّثْنَا عبدُ الرحمن - وهو ابنُ مهدي-، قال: حَدَّثَنَا شعبةُ،
عن أيوب السّختياني، عن القاسم بن ربيعة، عن عبدِ الله بن عمرو،
عن النبيِّ :﴿، قال: «َتِيلُ الخَطَّأِ شبه العَمْدِ بِالسَّوط أو العَصَا مِئةٌ مِن
الإبل: أربعون منها في بُطونها أولادُها)»(١). ولم يذكر أيوبُ في حديثه
(١) إسناده قوي، وهو في ((سنن النسائي) ٤٠/٨.
ورواه ابن ماجه (٢٦٢٧) عن محمد بن بشار، به، وقرن محمد بن جعفر مع عبد
-١٩٣-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
هذا عُقبةَ بنَ أوس، وقد رواه أيضاً حمادُ بن زيد، عن أيوب، فخالف
شعبة فيه
٣٢٨٣- كما حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ شعيب، قال: أخبرنا محمدُ بنُ
إسماعيل بن إبراهيم، قال: حَدَّثْنَا يونسُ بنُ محمد، قال: حَدَّثَنَا حمادٌ،
عن أيوب، عن القاسم بن ربيعة: أنَّ رسولَ الله :﴿وَ خَطَبَ يومَ الفتحِ،
ولم يذكر في إسنادِهِ غيرَ هذا (١).
ثم طلبنا ذكرَ الرجل الذي رَجَعَ ذكرُ هذا الحديثِ إليه مِن
أصحابِ رسولِ الله ﴿ في روايةٍ خالدٍ، مَنْ هو؟
٣٢٨٤- فوجدنا أحمدَ بنَ شعيبٍ قد حَدَّثْنَا، قال: حدثني يحيى
بنُ حبيب بن عربي، قال: حَدَّثَنَا حَمّادٌ، عن خالدٍ، عن القاسم بنِ
ربيعة، عن عُقبة بنِ أوس، عن عبدِ الله: أنَّ رسولَ اللهلَ﴿، قال: ((ألا
وإِنَّ قَتِيلَ الخَطَأِ شبهِ العَمْدِ ما كان بالسوَّطِ والعَصَا مِئةٌ مِن الإبلِ،
فيها أربعونَ في بُطُونِها أولادُها)(٢).
الرحمن بن مهدي. ورواه أحمد ١٦٤/٢ و١٦٦، والدارقطني ١٠٤/٣، والبيهقي
٤٤/٨ من طريقين، عن شعبة، به.
(١) مرسل، ورواه النسائي ٤٠/٨-٤١، و٤٢/٨ من طريق حميد، عن القاسم بن
ربيعة. ورواه أحمد ٤١٠/٣ عن هشيم، عن يونس، عن القاسم بن ربيعة.
(٢) الحديث في ((سنن النسائي)) ٤١/٨. ورواه أبو داود (٤٥٤٧) و(٤٥٨٨)،
وابن ماجه بإثر الحديث (٢٦٢٧)، والبيهقي ٤٥/٨ من طريقين، عن حماد بن يزيد،
به. وقال فيه: عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
- ١٩٤-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
ثم نظرنا: هلْ روى هذا الحديث أيضاً عن خالدٍ غيرُ هشيم؟
٣٢٨٥- فوجدنا أحمدَ قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثَنَا إسماعيلُ بنُ
مسعود، قال: حَدَّثْنَا بشرُ بنُ المفضل، عن خالدٍ الحذّاء، عن القاسم بنِ
ربيعة، عن يعقوب بنِ أوس - ولم يقل عقبة-، عن رجلٍ من أصحابٍ
النبيِّ:﴿ أَنَّ رسول اللهلَ﴿، ثم ذكر الحديثِ(١).
٣٢٨٦- ووجدنا أحمدَ قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثْنَا محمدُ بنُ عبد الله
بِنِ بَزِيع، قال: حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ زُرَيْع، قال: حَدَّثْنَا خالد، عن القاسم بنِ
ربيعة، عن يعقوبَ بن أوسٍ، أنَّ رجلاً مِن أصحابِ النِيِّ ﴿ حدَّثْه: أنَّ
النبيَّ ﴿ قال، ثم ذكره (٢)، ولم يَذْكُرْ بشرٌ ولا يزيدُ في حديثهما
ورواه كذلك أبو داود (٤٥٤٨) و(٤٥٨٩)، وابن حبان (٦٠١١)، والدارقطني
١٠٤/٣-١٠٥ من طريق وهيب بن خالد، عن خالد الحذاء، به.
ورواه الشافعي ١٠٨/٢، وعبد الرزاق (١٧٢١٢)، وابن أبي شيبة ١٢٩/٩-
١٣٠، وأحمد ١١/٢، وأبو داود (٤٥٤٩)، والنسائي ٤٢/٨، والدرقطني ١٠٥/٣،
والبيهقي ٤٤/٨، والبغوي (٢٥٣٦) من طريق علي بن زيد بن جدعان، عن القاسم
بن ربيعة، عن ابن عمر.
(١) إسناده قوي، يعقوب بن أوس هو عقبة بن أوس.
وهو في ((سنن النسائي)) ٤١/٨. ورواه الدارقطني ١٠٣/٣-١٠٤ من طريق
العباس بن يزيد البحراني، عن يزيد بن زريع وبشر بن المفضل، به.
(٢) هو مكرر ما قبله، وهو في ((سنن النسائي)) ٤٢/٨.
ورواه الدارقطني ١٠٣/٣-١٠٤ من طريق العباس بن يزيد البحراني، عن يزيد بن
زريع وبشر بن المفضل، به.
- ١٩٥ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
الحَجَرَ، وإنما ذكر: السَّوطَ والعَصَا خاصَّة، وكان ما ذَهَبَ إليه أبو
يوسف ومحمد مما ذكرناه عنهما أولى عندَنا مما ذَهَبَ إليه أبو حنيفة مما
ذكرناه عنه بالقياس، ذلك أنَّا وجدنا القتلَ بالسيفِ على العمدِ، لذلك
يوجب القودَ، والقاتلُ به مأثومٌ إثم القتل، ووجدنا القاتِلَ بالحجر الثقيل
الذي مِثْلُه يَقْتُلُ، مأثوماً إثمَ القتلِ، ووجدنا القاتلَ بالسَّوْطِ والعصا
اللذين مثلُهما لا يَقْتُلُ، إذا كان منهما القتلُ، لم يكن على القاتلِ بهما
إثمُ القتل، فَعَقَلْنا بذلك أنَّ ما كان معه إثمُ القتلِ كان فيه القَوْدُ، وإن
ما لم يكن معه إثمُ القَتْلِ لم يكن فيه قَوَدٌ، وكنت الدِّية مغلّظة.
فكان من ذكرناه من الكوفيين يختلِفُون في الديةِ المغلّظة، ما هي؟
فكان ابو حنيفة وأبو يوسف يقولان: هي مئةٌ من الإبل، منها: خمسٌ
وعشرون بناتُ مخاض، ومنها: خمسٌ وعشرون بناتُ لبون، ومنها:
خمسٌ وعشرون حِقّةٌ، ومنها لخمسٌ وعشرون جَذَعَةٌ.
وكان محمد بنُ الحسن يُخالفهما في ذلك، ويقول: هي مئةٌ مِن
الإبل، منها: ثلاثون حِقّة، ومنها ثلاثون جذعة، ومنها: أربعون خَلِفَةٌ
في بطونها أولادها.
وكان هذا القولُ عندنا أولى ما قيل في هذا الباب لموافقة قائله ما
قد رُوِيَ عن رسولِ اللهِوَ﴿ فيه مما قد ذكرنا. فأما ما دون النفس، فلا
اختلافَ بَيْنَ أهلِ العلم فيه أنه وجهان: خطأ وعَمْدٌ، لا شِبْهَ عمدٍ
معهما، وقد كان الحجازيون يحتجُّون بها على الكوفيين، ويقولونَ كما
لم يَكُنْ فيما دونَ النفسِ شبهُ عمدٍ، فكذلك لا يكونُ في النفس شِبْهُ
عمدٍ، وكما كان ما دونَ النفس خطأٌ وعمدٌ لا ثالث لهما، فكذلك ما
-١٩٦-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
يكونُ في النفس يكون خطأ وعمداً لا ثالث لهما، فنظرنا: هل رُوِيَ
عن رسولِ الله﴿ في ذلك شيءٌ يَدُلُّ على أحد المذهبين؟ فيكون هو
الأولى في ذلك.
٣٢٨٧ - فوجدنا بكارَ بنَ قتيبة قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله
بن بكر السهمي [ح]
ووجدنا إبراهيم بن مرزوق قد حَدَّثَنَا، قال: حَدَّثْنَا محمد ابن عبد
عبد الله الأنصاري وعبد الله بن بكر السهمي، ثم اجتمعا جميعاً - أعني:
بكاراً وإبراهيم- فقالا في حديثيهما: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الطويلُ، عن أنس بنِ
مالكٍ أَن عَمّتَه الرُّبِّعَ لطمت جاريةٌ، فكسرت ثَنِيَّتَها، وطلبُوا إليهم
العَفْوَ، فَأَبَوْا، والأرشَ، فَأَبَوْا، وأَبَوا إلاّ القصاصَ، فاختصموا إلى رسولِ
اللهَ﴿، فأمرَ رسولُ اللهِوَ﴿ بالقصاصِ، فقال أنسُ بنُ النّضُرِ: أَتُكْسَرُ
ثنيةُ الرَّبِيِّع؟ لا والذي بَعثَكَ بالحقِّ لا تُكْسَرُ ثَنَّتها، فقال رسولُ الله
﴿: (يا أنسُ، كتابُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ القصَاصُ). فرضي القومُ، فَعَفَوْا،
فقال رسول الله ﴿: ((إنَّ مِنْ عِبادِ اللّهِ عَزَّ وجَلَّ مَنْ لَو أقْسَمَ على اللهِ
لِأَبَرَّهُ). وكانت اللطمةُ مما لو كانت في النفس لم يَكنْ فيها قودٌ، وقد
جعل رسولُ اللهِ﴿ فيها القود فيما دونَ النفس، فكان تصحيحُ هذا
الحديث والحديث الذي رويناه قبلَه يدلان على ما قال الكُوفيون: إنَّ
النفس قد يكونُ فيها عمدٌ يوجبُ القودَ، وقد يكونُ فيها خطأ يوجب
ديةً الخطأ، وقد يكونُ فيها شبه عمد يُوجب ديةَ شبهِ العمد، وإنَّ ما
دونَ النفس لا يكون فيه إلاَّ خطأ وعمد لا شبه عمد معهما، والله
نسأله التوفيق.
-١٩٧-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
٤٤٠- بابُ بيانِ مُشْكِل ما اختلف الناس فيه من أسنان الدِّیة
من الإبل الواجبة في القتل الخطأ، ما هي؟ بما قد رُوِيَ عن
رسول الله % في ذلك
حَدَّثْنَا أبو القاسم هشام بن محمد بن قُرَّة بن أبي خَلِيفة الرُّعَيْنِي،
قال: حَدَّثَنَا أبو جعفر أحمد بن محمد بن سَلاَمة الأزْدي، قال:
٣٢٨٨- حَدَّثْنَا عبدُ الملك بن مروان الرَّقّي، قال: حَدَّثْنَا ابو
معاوية الضرير، عن الحجاج - يعني ابن أرطاة-، عن زيد بن جُبير، عن
خِشْف بن مالك، عن عبد الله بن مسعود: أن رسول الله {# جَعَلَ
الدِّيَّةَ في الخطإ أخماساً(١).
٣٢٨٩- وحَدَّثْنَا يزيدُ بن سِنان، قال: حَدَّثْنَا أبو كامل فُضيل بن
الحسين الجَحْدّري، قال: حَدَّثْنَا عبدُ الواحد بن زياد، قال: حدثني
الحجاج، عن زيد بن جُبير، عن خِشْف بن مالك الطَّائي، عن عبد الله
بن مسعود، قال: قال رسول الله :﴿: ((فِي دِيَةِ الخَطَّإِ عشرونَ جَذَعَةٌ،
وعِشرونَ حِقّةً، وعِشرونَ ابنةَ لَّبُونِ، وعشرون ابنةَ مَخاضٍ،
وعشرون ابنَ مَخاضٍ ذُكورٌ)(٢).
(١) رواه أحمد (٣٦٣٥)، والدارمي ١٩٣/٢، والدارقطني ١٧٥/٣-١٧٦،
والبيهقي ٧٥/٨ من طريق أبي معاوية محمد بن خازم، به، وانظر ما بعده.
(٢) رواه أبو داود (٤٥٤٥)، ومن طريقه البيهقي ٧٥/٨ عن مسدَّد، عن عبد
الواحد بن زياد، به.
ورواه أحمد (٤٣٠٣)، وابن أبي شيبة ١٣٣/٩، وابن ماجه (٢٦٣١)، والترمذي
-١٩٨-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
٣٢٩٠ - وحَدَّثْنَا إبراهيم بن أبي داود، قال: حَدَّثْنَا عيسى بن
إبراهيم البِرّكِي، قال: حَدَّثْنَا عبد الواحد بن زياد، قل: حَدَّثْنَا الحجاج،
قال: حدثني زيد بن جبير الجُشَمِي، عن خِشْف بن مالك الطائي، قال:
سمعت ابن مسعودٍ، يقول: قَضَى رسول الله /* في دية الخطا: عشرونَ
حِقّةً، وعشرون جَذَعَةً، وعشرون ابنة لَبُونٍ، وعشرون ابنة مَخاضٍ،
وعشرون ابنَ لَبُوُن ذَكَرٌ.
قال: وهذا الذي في حديث ابن أبي داود هذا من ابن لَّبُون ذكرٍ
مكان ابنِ مخاضٍ ذكرٍ في حديث يزيد، فإن الصواب فيه عندنا - والله
أعلم- ما في حديث يزيد، لأنه لا اختلاف بين أهل العلم: أن قول ابن
مسعود كان في الدية في الخطأ كذلك، وهذا بابٌ من الفقهِ أهلُ العلم
مختلفون فيه، فطائفةٌ منهم تذهبُ في ذلك إلى القول الذي صَحَّحْنا عليه
حديثَ ابن مسعود هذا، وممن كان يذهبُ إلى ذلك: أبو حنيفة،
وأصحابُه.
وطائفةٌ منهم كانت تذهبُ في ذلك إلى أنها أخماسٌ أيضاً، وتجعلُ
مكان بني مخاضٍ بني لُبُونٍ على ما في حديث ابن أبي داود الذي
(١٣٨٦)، والنسائي ٤٣/٨-٤٤، والدار قطني ١٧٣/٣ من طرق عن حجاج بن
أرطاة، به. وصرح حجاج بن أرطاة بالسماع عند ابن ماجه.
قال الدارقطني: هذا حديث ضعيف غير ثابت عند أهل المعرفة بالحديث من وجوه
عدة ... فذكرها. وقال أبو داود: وهو قول عبد الله، قال البيهقي: يعني إنما رُوِيّ من
قول عبد الله موقوفاً غير مرفوع.
-١٩٩-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
ذكرنا، وممن ذَهَبَ منهم إلى ذلك: مِالكُ بن أنسِ، ورَوَوْا ذلك عن
سليمان بن يسار، ولم يتجاوزوه به إلى أحدٍ فوقَّه من أصحابِ النبي
*، كما قد حَدَّثَنَا يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهب، قال: أخبرني
مَخْزَمَةُ بن ◌ُگیر، عن أبيه، عن سلیمان بن يسار، کما ذكرناه عنه.
٤
وكان ما ذهب إليه أبو حنيفة وأصحابُه أولي في ذلك عندنا، لأن
بني المخاض دون بني اللُّبُونِ، فكان الأولى بنا أن لا نُوجِبَ في ذلك
شيئاً إلا ما قد أحَطْنا علما بوجوبه، وقد أحطْنا علماً بوجوب السِّنّ
الأُدْنَى، ولم نُحِطْ علماً بوجوب السِّنِّ الأعلى.
وقد كنا ذكرنا عن رسول الله﴿ فيما قد تقدم منا في كتابنا هذا
في الدية المُغَلّظَةِ الواجبة في شِبْهِ العَمْدِ: أنها مئة من الإبل، منها أربعون
خَلِفَةٌ، في بطونها أولادُها، وكانت السُّنونُ الباقية منها في قول كل من
يذهبُ إلى هذا القول، منها: ثلاثون حِقّه، وثلاثون جَذَعة، ولما ثَبَتَ
عن رسول الله / فيها ما قد ذكرنا ثبوته عنه فيها، كان رسول الله هو
الحُجَّةُ، ولم يَسَعْ أحداً خلافُ ما قد ثَبَتَ عنه في شيءٍ من الأشياءِ،
وكان شبهُ العمدِ أغلظَ من الخطإِ، لأن فيه العمدَ إلى القتل، والخطأ
ليس فيه شيء من ذلك، فوجب بذلك أن يكون الذي يجب من الدية
في الخطإ أخَفَّ من الذي يجب من الدية في شبه العمدِ، فإذا كان الذي
يجبُ في الخطإ أخفَّ منها من ذلك، وهو ما قد رويناه عن رسول الله
* فيه، وكان بنو المخاضِ دون بني اللُُّونِ، فوجب أن يكون الواجبُ
في ذلك ما قد اختلف فيه من بني المخاض، ومن بني اللبون في الدية في
الخطإ هو بنو المخاض لا بنو اللّبون، لأنا نعلم أن بني المخاض دون بني
- ٢٠٠ -